الأربعين في أصول الدين للإمام الغزالي | المجلس الرابع | أ.د علي جمعة
- •ذكر الله عز وجل أفضل الأعمال، وله أربع مراتب: ذكر اللسان، ثم ذكر القلب تكلفاً، ثم ذكر القلب طبعاً، ثم استيلاء المذكور وانمحاء الذكر.
- •المرتبة الأخيرة هي الفناء، حيث يستغرق المذكور القلب ويفنى الذاكر عن ذكره وعن نفسه.
- •لا يعرف الله إلا الله، ومنتهى معرفة العباد أن يعرفوا أنهم لا يستطيعون معرفته حقيقة.
- •أفضل الأذكار "لا إله إلا الله الحي القيوم" لاشتمالها على اسم الله الأعظم.
- •اسم "الله أكبر" يعني أنه أكبر من أن يدرك كنهه غيره.
- •طلب الحلال فريضة بعد الفريضة، وله أثر عظيم في تصفية القلب وتنويره.
- •للورع أربع درجات: ورع العدول، وورع الصالحين، وورع المتقين، وورع الصديقين.
- •المطعم الطيب يصفي القلب ويهيئه لقبول أنوار المعرفة.
- •ينبغي استفتاء القلب مع فتوى المفتين، فالإثم ما حاك في القلب.
- •الشريعة والحقيقة وجهان لعملة واحدة، والكمال في الجمع بينهما.
مقدمة البث والاستعداد لبدء الدرس في باب الذكر
[مُعِدّ البث]: اللهم صلِّ على سيدنا محمد. سيدي، انطلق البث، أضع فقط رابطًا للأحبة ونبدأ يا سيدي.
[الشيخ]: أبدأ.
[القارئ]: دقيقة يا سيدي.
[الشيخ]: هذا هو الذي أخاف منه.
[القارئ]: لا يا سيدي، البث الآن موجود، نحن في البث الآن.
[الشيخ]: البث موجود، ولكن نبدأ. لا، دقيقة يا سيدي، نبدأ في مشكلة يا سيدي، هذا هو، هذا هو الكلام.
[القارئ]: نعم يا سيدي، حفظكم الله يا سيدي.
افتتاح الدرس والتوقف عند باب ذكر الله تعالى في كل حال
[القارئ]: نبدأ.
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم.
[القارئ]: بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. سيدي، توقفنا في باب الذكر.
[الشيخ]: في ذكر الله تعالى في كل حال، نعم تفضل.
[القارئ]: لم أتمكن من الصفحة بعد. في ذكر الله تعالى في كل حال.
الآيات القرآنية والأحاديث النبوية في فضل ذكر الله تعالى
قال الله تعالى:
﴿ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَـٰمًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: 191]
وقال:
﴿وَٱذْكُرُوا ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: 45]
وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم:
﴿وَٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: 8]
وقال صلى الله عليه وسلم:
«ذِكْرُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِالْغُدُوِّ وَالْعَشِيِّ أَفْضَلُ مِنْ حَطْمِ السُّيُوفِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِعْطَاءِ الْمَالِ سَحًّا» (مصنف ابن أبي شيبة رقم 29456)
وقال صلى الله عليه وسلم:
«أَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالوَرِقِ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أن تلاقوا أعداءكم وتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ فقال: ذكر الله عز وجل»
حديث سبق المفردون وبيان معنى المستهترين بذكر الله
وقال صلى الله عليه وسلم:
«سبق المُفَرَّدون، سبق المفردون. فقيل: ومن هم يا رسول الله؟ فقال: المُسْتَهْتَرون بذكر الله، وضع ذكرُ الله عنهم أوزارهم، فوردوا القيامة خفافًا»
[الشيخ]: لكن الضبط الصحيح: المُسْتَهْتَرُون.
[القارئ]: المُسْتَهْتَرُون.
[الشيخ]: نعم، وليس المستهتِرون، المستهتَرون بذكر الله، وضع ذكرُ الله عنهم أوزارهم، فوردوا القيامة خفافًا.
قشور الذكر الثلاثة ولبه وبيان مراتب ذكر اللسان والقلب
واعلم أنه قد انكشف لأرباب البصائر أن الذكر أفضل الأعمال، ولكن له أيضًا قشور ثلاثة، بعضها أقرب إلى اللب من بعض، وله لبٌّ وراء القشور الثلاثة، وإنما فُضِّلت القشور لكونها طريقًا إليه.
فالقشر الأعلى: ذكر اللسان فقط. والثاني: ذكر القلب إذا كان القلب يحتاج إلى مراقبة حتى يحضر مع الذكر، ولو تُرِك وطَبْعَهُ لاسترسل في أودية الأفكار.
[الشيخ]: وطَبْعَهُ؛ لأنه مفعول معه، وطَبْعَهُ يعني مع طَبْعِهِ.
[القارئ]: نعم، وطبعه، والواو هنا: واو المعية، سار الجيش والنهرَ، يعني بجوار النهر أو مع النهر.
[الشيخ]: نعم.
القشرة الثالثة للذكر واللباب المطلوب وهو استيلاء المذكور على القلب
[القارئ]: والثالث: أن يتمكن الذكر من القلب ويستولي عليه، بحيث يحتاج إلى تكلُّف في صرفه عنه إلى غيره، كما احتيج في الثاني إلى تكلُّف في قراره معه ودوامه عليه.
والرابع وهو اللباب: أن يستمكن المذكور من القلب وينمحي الذكر ويَخْفَى، وهو اللباب المطلوب. وذلك بأن لا يلتفت إلى الذكر ولا إلى القلب، بل يستغرق المذكورُ جملتَه، ومهما ظهر له في أثناء ذلك التفاتٌ إلى الذكر فذلك حجاب شاغل.
[الشيخ]: ويَخْفَى، وينمحي الذكر ويَخْفَى، أي يتلاشى لا يوجد له أثر، ولكن المذكور هو الذي يبقى في القلب.
[الشيخ]: نعم.
حالة الفناء عند العارفين وغياب الإنسان عن نفسه وجوارحه
[القارئ]: وهذه الحالة هي التي يعبر عنها العارفون بالفناء، وذلك بأن يفنى عن نفسه حتى لا يحس بشيء من ظواهر جوارحه، ولا من الأشياء الخارجة عنه، ولا من العوارض الباطنة فيه.
بل يغيب عن جميع ذلك، ويغيب عن جميع ذلك ذهابًا إلى ربه أولًا، ثم ذهابًا فيه آخرًا. فإن خطر له في أثناء ذلك أنه فَنِيَ عن نفسه بالكلية، فذلك أيضًا شَوْبٌ وكُدُورَة.
[الشيخ]: شَوْبٌ وكُدُورَة.
[القارئ]: شَوْبٌ وكُدُورَة.
الفناء عن الفناء غاية الفناء والرد على من ينكره من فقهاء الظاهر
بل الكمال في أن يفنى عن نفسه ويفنى عن الفناء أيضًا؛ فإن الفناء عن الفناء غاية الفناء.
وهذا قد يظنه الفقيه الرسمي أنه طامات غير معقولة، وليس كذلك. بل هذه الحالة لهم بالإضافة إلى محبوبهم، كحالتك في أكثر أحوالك بالإضافة إلى محبوبك من جاهٍ أو مالٍ أو معشوق.
فإنك قد تصير مستغرقًا لشدة الغضب بالفكر في عدوك، ولشدة شهوتك بالفكر في معشوقك، حتى لا يكون فيك متسع لشيء أصلًا، فتُخاطَب فلا تفهم.
[الشيخ]: فتُخاطَب فلا تَفْهم، يعني يتكلم معك الناس وأنت غائب عن كلامهم، فتُخاطَب فلا تفهم.
أمثلة على الاستغراق في المحبوب وغياب الحواس مع سلامتها
[القارئ]: فتُخاطَب فلا تفهم، ويجتاز بين يديك غيرُك فلا تراه وعيناك مفتوحتان، ويُتَكلَّم عندك فلا تسمع، وما بأُذُنَيْكَ صممٌ.
[الشيخ]: ويُتَكَلَّم عندك فلا تسمع وما بأُذُنَيْكَ صمم. يعني أذنيك سليمة ولكنك لا تسمع من شدة انشغالك بعدوك أو معشوقك، نعم.
[القارئ]: وأنت في هذا الاستغراق غافل عن كل شيء وعن الاستغراق أيضًا؛ فإن الملتفت إلى الاستغراق مُعرِضٌ عن المستغرَق به.
تسمية هذه الحالة فناءً وبيان أن الوجود الحقيقي لعالم الأمر والملكوت
إنما سمَّوا هذه الحالة فناءً وإن كان الشخص والظل باقيين؛ لأن الأشخاص والأظلال بل سائر المحسوسات ليس لها حقيقة الوجود، بل الوجود الحقيقي لعالم الأمر والملكوت.
والقلب من عالم الأمر، قال الله تعالى:
﴿قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى﴾ [الإسراء: 85]
والقوالب من عالم الخلق. وأعني بالقلب اللطيفة الذاكرة العارفة التي هي مهبط الأنوار الإلهية، التي هي مهبِط الأنوار الإلهية، دون القلب الظاهر؛ فإن ذلك من عالم الخلق.
التفريق بين عالم الخلق وعالم الأمر وبيان أن الروح والقالب حادثان
ولا تفهم من هذه إشارة إلى قِدَم الروح وحدوث القالب، بل هما جميعًا حادثان. وإنما أعني بالخلق ما تقع عليه المساحة، ما تقع عليه مساحة التقدير وهي الأجسام وصفاتها.
وأعني بعالم الأمر ما لا يتطرق إليه التقدير. والعالم الجسماني ليس له وجود حقيقي، بل هو من ذلك العالم كالظل من الأجسام.
وليس لظل الإنسان حقيقة الإنسان، وليس للشخص حقيقة الوجود، بل هو ظل الحقيقة. والكل من صنع الله تعالى.
﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَـٰلُهُم بِٱلْغُدُوِّ وَٱلْـَٔاصَالِ﴾ [الرعد: 15]
سجود عالم الأمر طوعاً وسجود الظلال كرهاً وأسرار لا تُدرك
وسجود عالم الأمر تعالى طوعٌ، سجود الظلال كرهًا. وتحته سرًّا، بل أسرار تحرك أوائلها سلسلة المجانين والحمقى فضلًا عن أواخرها، فلنتجاوزها.
ملاحظات الشيخ اللغوية على النص: الأظلال والقالَب وسجود عالم الأمر
[الشيخ]: هناك عدة ملاحظات ابتداءً من قوله: وإن كان الشخص والظل باقيين؛ لأن الأشخاص والأظلال - والأظلال هي بقية المباني بعد هجران الحبيب منها، فالأطلال جمع طَلَل - ولكن الظل الجمع الشائع له ظلال وليس أظلال.
فهو يبدو هنا أن الأشخاص والأظلال بل سائر المحسوسات ليس لها حقيقة الوجود، بل الوجود الحقيقي لعالم الأمر والملكوت.
وثانيًا: ولا تفهم من هذا إشارة إلى قِدَم الروح وحدوث القالَب بفتح اللام. القالَب هو كجسم الإنسان الذي يُوضع فيه الشيء كالإناء، فهو قالَب، ولكن القالِب اسم فاعل من قَلَبَ.
شرح سجود عالم الأمر طوعاً وسجود الظلال كرهاً وبيان معنى التبعية
[الشيخ]: وثالثًا يقول: وسجود عالم الأمر لله تعالى طوعٌ - مبتدأ وخبر - وسجود عالم الأمر لله تعالى طوعٌ.
﴿ٱئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ﴾ [فصلت: 11]
وسجود الظلال كَرْهٌ؛ لأن الإنسان عندما يتحرك يتحرك معه ظِلُّهُ كرهًا، ليس بإرادة هذا الظل. ولكن الظل هو امتناع ضوء الشمس من الوقوع على الأرض لحجاب الجسم، فهو تَبَعٌ لهذا الجسم.
فكذلك نحن نتبع الوجود الحق؛ هناك جزء منا بالطاعة والطوع، وهناك جزء آخر بالكره كما تكلم الله [عز وجل].
بيان معنى الفناء والتحذير من التكذيب بما لم يحط به علم الإنسان
فهذا أفهمناك ما أرادوه بالفناء.
[الشيخ]: أكمل.
[القارئ]: فقد أفهمناك ما أرادوه بالفناء، فدَعْ عنك الغيبة والتكذيب بما لم تُحِط بعلمه، كما قال الله تعالى:
﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ [يونس: 39]
وقال الله تعالى:
﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَـٰذَآ إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [الأحقاف: 11]
الفناء أول الطريق إلى الله ثم الهدى بعده كما قال الخليل عليه السلام
فإذا فهمت الفناء في المذكور فاعلم أنه أول الطريق وهو الذهاب إلى الله تعالى، وإنما الهدى بعده. أعني بالهدى هدى الله تعالى كما قال الخليل [إبراهيم] عليه السلام:
﴿إِنِّى ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّى سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: 99]
فأول الأمر ذهاب إلى الله، ثم ذهاب في الله، وذلك هو الفناء والاستغراق به. ولكن هذا الاستغراق أولًا يكون كبريق خاطف قلما يثبت ويدوم.
ثبات الاستغراق والعروج إلى العالم الأعلى ومطالعة الوجود الحقيقي
فإن دام ذلك [الاستغراق] وصار عادة راسخة وهيئة ثابتة، عُرِج به إلى العالم الأعلى وطالع الوجود الحقيقي الأصفى، وانطبع فيه نقش الملكوت، وتجلى له قدس اللاهوت.
وأول ما يتمثل له من ذلك العالم جوهر الملائكة وأرواح الأنبياء والأولياء في صورة جميلة، يفيض إليه بواسطتها بعض الحقائق. وذلك في البداية إلى أن تعلو درجته على المثال، فيكافح بصريح الحق في كل شيء.
حال العارف عند رده إلى عالم الخلق ونظره إلى الناس بالرحمة والتعجب
فإذا رُدَّ إلى هذا العالم الحادث الذي هو كالظلال، نظر إلى الخلق نظر مترحِّم عليهم لحرمانهم من مطالعة جمال حضرة القدس، وتعجَّب منهم في قناعتهم بالظلال وانخداعهم بعالم الغرور وعالم الخيال.
فيكون معهم حاضرًا بشخصه، غائبًا بقلبه، يتعجب هو من حضورهم ويتعجبون هم من غيبته.
ثمرة لباب الذكر ومراحله من ذكر اللسان إلى استيلاء المذكور
فهذه ثمرة لُباب الذكر، فهذه ثمرة لُباب الذكر. وإنما مبدؤها ذكر اللسان، ثم ذكر القلب تكلُّفًا، ثم ذكر القلب طبعًا، ثم استيلاء المذكور وانمحاء الذكر.
وهذا سر قوله صلى الله عليه وسلم:
«من أحب أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله تعالى»
بل سر قوله صلى الله عليه وسلم:
«يَفْضُلُ الذكر الخفي على الذكر الذي تسمعه الحفظة سبعين ضعفًا»
[الشيخ]: يَفْضُلُ.
[القارئ]: يَفْضُلُ الذكر الخفي على الذكر الذي تسمعه الحفظة سبعين ضعفًا.
الذكر الخفي الذي يغيب عن شعور الحفظة وحقيقة التوحيد
واعلم أن كل ذكرٍ يشعر به قلبك تسمعه الحفظة؛ فإن شعورهم يقارن شعورك، وفيه شرك خفي. حتى إذا غاب ذكرك عن شعورك بذهابك في المذكور بالكلية، فيغيب ذكرك عن شعور الحفظة.
وما دام القلب يشعر بالذكر ويلتفت إليه فهو مُعرِض عن الله تعالى، وغير منفك عن شرك خفي، حتى تصير مستغرقًا بالواحد الحق، فذلك هو التوحيد.
كذلك القول في المعرفة؛ فمن طلب المعرفة للمعرفة فقد قال بالثاني، ومن وجدها كأنه لا يجدها بل يجد المُعَرَّف بها فهو الذي استمكن من حقيقة الوصال وحلَّ بُحْبُوحَة حظيرة القدس.
[الشيخ]: بُحْبُوحة.
[القارئ]: وحلَّ بُحْبُوحَة حظيرة القدس.
[الشيخ]: البحبوحة: السعة والشيء الواسع.
سبب اختصاص المكاشفات بحال الفناء وأثر الحواس في حجب الحقيقة
[القارئ]: فإن قلت: فلِمَ اختصت هذه المكاشفات، هذه المكاشفات بحال الفناء؟ فاعلم أن هذه قصة يطول فيها نظر الناظر.
ولكن إذا تأملت لم تقصر عن أن تدرك أن الحواس وعوارض النفس وشهواتها جاذبة إلى هذا العالم المحسوس، عالم الزور والغرور. ولذلك ينكشف صريح الحق بالموت لبطلان سلطان الحواس والخيالات المُوَلِّية بوجه القلب إلى عالم السُّفل.
فإذا قَصُر عنك سلطان الحواس بالنوم، طُولِعتَ شيئًا من الغيب على قدر استعدادك وقبولك وهمتك، ولكن بمثال يحتاج إلى التعبير.
الرؤيا الصادقة والفرق بين النوم والفناء في سكون الحواس والخيال
وما عندي أنك لم تصادف من نفسك رؤيا صادقة اطلعت بها على أمر مستقبلي، لكنك بالمثال إذ الخيال لا يفتر في النوم وإن رَقَدَت الحواس، فلذلك يضعف الاطلاع ولا يخلو من شوب المثال.
وأما الفناء فعبارة عن حالة ترقد فيها الحواس ولا تشتغل الحواس ويسكن فيها الخيال فلا يشوِّش.
[الشيخ]: لا، فلا يشوِّش، فلا يشوِّش.
فإن بقيت في الخيال بقية مغلوبة لم تؤثر إلا في محاكاة ما يتجلى من عالم القدس، حتى يتمثل الأنبياء والملائكة والأرواح المقدسة في قوالب الخيال.
التنبيه على ضرورة التشوف إلى الذوق أو العلم أو الإيمان بهذه الحقائق
فهذه الأمور نبهتك عليها لتكون متشوِّفًا إلى أن تصير من أهل الذوق لها، فإن لم تكن فمن أهل العلم بها، فإن لم تكن فمن أهل الإيمان بها.
﴿يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ أُوتُوا ٱلْعِلْمَ دَرَجَـٰتٍ﴾ [المجادلة: 11]
[الشيخ]: آمنوا منكم، منكم، ءَامَنُوا۟ مِنكُمْ.
[القارئ]: ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ دَرَجَٰتٍ﴾.
التحذير من إنكار المكاشفات والتهديد بالكشف عند سكرات الموت
وإياك أن تكون من المنكرين لها، فتلقى العذاب الشديد إذا كُوشِفتَ بالحق عند سكرات الموت الذي كنت منه تحيد.
[الشيخ]: إذا كُوشِفْتَ.
[القارئ]: إذا كُوشِفتَ بالحق عند سكرات الموت الذي كنت منه تحيد، وقيل لك:
﴿لَّقَدْ كُنتَ فِى غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: 22]
الإيمان والعلم والذوق ثلاث درجات متباعدة وتمثيلها بشهوة الوقاع
واعلم أن الإيمان والعلم والذوق ثلاث درجات متباعدة.
[الشيخ]: ثلاث درجات، ثلاث درجات؛ لأن العدد يخالف المعدود من ثلاثة إلى تسعة، نعم.
[القارئ]: ثلاث درجات متباعدة. فإن العينين مثلًا يُتصور أن يصدِّق بوجود شهوة الوِقاع لغيره.
[الشيخ]: الوِقاع لغيره، الوِقاع لغيره.
[القارئ]: الوِقاع لغيره.
[الشيخ]: شهوة الوقاع، يعني الشهوة التي بين الرجل والمرأة، نعم.
[القارئ]: بأن يقبل ذلك ممن يُحسن ظنه به ولا يتهمه بالكذب، وذلك إيمان. ويُتصور أن يعلم بالبرهان وجوده لغيره وهو علم، ومأخذه القياس؛ إذ ينظر إلى شهوته للطعام مثلًا فيقيس بها شهوة الوقاع.
الفرق بين الذوق والعلم والإيمان وتمثيلهم بالمرض والفناء في التوحيد
وكل ذلك بعيد عن إدراك حقيقة الشهوة ووجودها له. وكذلك المرض يعرفه المعافى الصحيح ويؤمن به، ويعرفه الطبيب الصحيح بالبرهان وهو علم، ما لم يصر مريضًا لم يحصل له الذوق.
فكذلك القول في الفناء في التوحيد؛ فالذوق مشاهدة، والعلم قياس، والإيمان قبول بِحُسن الظن مع الانفكاك عن التهمة.
[الشيخ]: بِحُسن الظن.
[القارئ]: بِحُسن الظن مع الانفكاك عن التهمة.
المفاضلة بين الذكر وقراءة القرآن وأيهما أفضل للسالك إلى الله
فاجتهد أن تصير من أهل المشاهدة، فليس الخبر كالمعاينة.
فإن قلت: فقد عظَّمت أمر الذكر، فهو أفضل أم قراءة القرآن؟
فاعلم أن قراءة القرآن أفضل للخلق كلهم إلا للذاهب إلى الله [تعالى]، فهو [أي الذكر] أفضل للذاهب إلى الله في جميع أحوال بدايته، وفي بعض أحواله في نهايته.
فإن القرآن هو المشتمل على صنوف المعارف والأحوال والإرشاد إلى الطريق، فما دام العبد مفتقرًا إلى تهذيب الأخلاق وتحصيل المعارف فالقرآن أولى به.
أفضلية الذكر لمن استولى على قلبه وأنه يفضي إلى الاستغراق
فإن جاوز ذلك واستولى الذكر على قلبه بحيث يُرتَجى له أن يُفضي به ذلك إلى الاستغراق.
[الشيخ]: أن يُفضي به ذلك إلى الاستغراق، أي يؤدي به ذلك إلى الاستغراق.
[القارئ]: أن يُفضي به ذلك إلى الاستغراق، فمداومة الذكر أولى به؛ فإن القرآن يجاذب خاطره ويسرح به في رياض الجنة.
والمريد الذاهب إلى الله تعالى لا ينبغي له أن يلتفت إلى الجنة ورياضها، فينبغي له أن يجعل همه همًّا واحدًا وذكره ذكرًا واحدًا حتى يدرك درجة الفناء والاستغراق.
ولذلك قال الله عز وجل:
﴿وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: 45]
حالة من ينتهي إلى الاستغراق ولا يدوم عليه وأفضلية تلاوة القرآن مطلقاً
وكذلك من ينتهي إلى درجة الاستغراق ولا يدوم ولا يثبت عليه، فإذا رُدَّ إلى نفسه فقد تنفعه تلاوة القرآن. وهذه حالة نادرة عزيزة كالكبريت الأحمر، يُتحدث به ولا يوجد.
فتكون تلاوة القرآن أفضل مطلقًا؛ لأنه أفضل في كل حال إلا في حال من شغله المتكلِّم [وهو الله تعالى] عن الكلام [وهو القرآن]؛ إذ لُباب القرآن معرفة المتكلم بالقرآن ومعرفة جماله والاستغراق به.
والقرآن سائق إليه وهادٍ نحوه، ومن أشرف على المقصد لم يلتفت إلى الطريق.
الأفضل استيلاء المذكور على القلب وانقسام الذكر بحسب الأسماء والصفات
فاعلم أن الأفضل كما ذكرناه استيلاء المذكور على القلب، وهو شيء واحد لا كثرة فيه حتى تختار أفضله، وذلك عين الجمع والتوحيد.
وإنما التفرقة والكثرة قبل ذلك ما دمت في مقام الذكر باللسان أو القلب. وعند هذا قد ينقسم الذكر إلى أفضل وغير أفضل، وفضله بحسب الصفات التي يُعبَّر عنها بالأذكار.
والصفات والأسماء الواردة في حق الله سبحانه تنقسم إلى ما هو حقيقة في حق العباد مؤوَّلة في حقه سبحانه كالصبور والشكور والرحيم المنتقم، وإلى ما هو حقيقة في حقه سبحانه وإن استُعمل في حق غيره كان مجازًا.
أفضل الأذكار لا إله إلا الله الحي القيوم واسم الله الأعظم
فمن أفضل الأذكار: لا إله إلا الله الحي القيوم؛ فإن فيه اسم الله الأعظم. وإذ قال صلى الله عليه وسلم:
«اسم الله الأعظم في آية الكرسي وأول آل عمران»
ولا يشتركان إلا في هذا. وله سر يدق عن فهمك ذكره.
والقدر الذي يمكن الرمز إليه أن قولك لا إله إلا الله يُشعر بالتوحيد، ومعنى الوحدانية في الذات والرتبة. والرتبة حقيقية في حق الله تعالى غير مؤوَّل، بل هي في حق غيره مجاز ومؤوَّل.
معنى الحي والقيوم وأنهما حقيقيان في حق الله تعالى غير مؤولين
وكذلك الحي؛ فإن معنى الحي هو الذي يشعر بذاته ويعلم ذاته، والميت هو الذي لا خبر له من ذاته. وهذا أيضًا حقيقي لله تعالى غير مؤوَّل.
والقيوم يُشعر بكونه قائمًا بذاته وأن كل شيء قيامه به. وهذا أيضًا حقيقي له عز وجل غير مؤوَّل، لا يوجد لغيره بل لا يُتصور لغيره.
وما عدا هذا من الأسماء الدالة على الأفعال كالرحيم والمقسط والعدل وغيره، فهو دون ما يدل على الصفات؛ لأن مصادر الأفعال هي الصفات، فالصفات أصل والأفعال تَبَع.
صفات القدرة والعلم والإرادة حقائقها تختلف عن صفات الإنسان
وما عداها من الصفات التي تدل على القدرة والعلم والإرادة والكمال والسمع والبصر، فذلك مما يُظن أن ثابتًا منها لله عز وجل مفهوم ظواهرها، وهيهات!
فإن المفهوم من ظواهرها أمور تناسب صفات الإنسان وكلامه وقدرته وعلمه وإرادته وسمعه وبصره. بل لها حقائق يستحيل ثبوتها للإنسان، فتُستخرج من هذه الأسماء بنوع من التأويل.
فهذا ينبهك على ما يحتمله فهمك من اختصاص هذه الكلمات بكونها أعظم.
فضل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وبيان حقائقها
[الشيخ]: وَيَقْرُبُ منه قولك.
[القارئ]: ويقرب منه قولك: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.
لأن سبحان الله للتقديس وهو حقيقي في حقه؛ فإن القدس الحقيقي لا يُتصور إلا له تعالى. وقولك الحمد لله يُشعر بإضافة النعم وكلها إليه، وهو حقيقي إذ هو المتفرد بالأفعال كلها تفرُّدًا حقيقيًّا بلا تأويل.
وهو تبارك وتعالى المستوجب للحمد وحده؛ إذ لا شركة لأحد معه في فعله أصلًا والبتة، كما لا شركة للقلم مع الكاتب في استحقاق المحمدة عند حسن الخط.
واعلم أن كل من سواه ممن ترى منه نعمة فهو مسخَّر له كالقلم. فهذا مثال ينبئك عن تفرُّده باستحقاق الحمد.
معنى الله أكبر وأنه أكبر من أن يُنال بالحواس أو يُدرك كنه جلاله
وقولك لا إله إلا الله فقد عرفتَ أنه التوحيد الحقيقي. وقولك الله أكبر ليس المعنى به أنه أكبر من غيره؛ إذ ليس معه سبحانه غيره حتى يُقال إنه أكبر منه.
بل كل ما سواه فهو نور من أنوار قدرته، وليس لنور الشمس بل الشمس رتبة المعية حتى يُقال إنها أكبر منه، من رتبة التبعية.
بل معناه أنه أكبر من أن يُنال بالحواس ويُدرك جلاله بالعقل والقياس، بل أكبر من أن يُدرك كُنْه جلاله.
كنه جلال الله أكبر من أن يعرفه غيره ولا يعرف الله إلا الله
كُنْه جلاله أكبر من أن يُعرف.
[الشيخ]: من أن يعرفه غيره.
[القارئ]: بل أكبر من أن يدرك كُنْه جلاله غيره، بل أكبر من أن يعرفه غيره؛ فإنه لا يعرف الله إلا الله.
فإن منتهى معرفة عباده أن يعرفوا أنه يستحيل منهم معرفته الحقيقة. ولا يعرف ذلك أيضًا بكماله إلا نبي أو صديق.
أما النبي فيعبر عنه فيقول:
«لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك»
وأما الصديق [أبو بكر رضي الله عنه] فيقول: العجز عن إدراك الإدراك إدراك.
الإحالة إلى كتاب المقصد الأسنى لمزيد التحقيق في أسرار الأسماء الحسنى
فإن تشوَّفت إلى زيادة تحقيق في هذا المعنى واستنكرت قولي: لا يعرف الله إلا الله، فاطلب معرفة حقيقته بالبرهان من كتاب المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى [للإمام الغزالي].
ويكفيك الآن هذا القدر من الرموز إلى أسرار الذكر وأفضل الأذكار منها.
تعليق الشيخ على أصل الذكر وأسراره وأنه مبني على الذكر والفكر
[الشيخ]: هذا أصل عظيم في الطريق إلى الله، وهو الذكر وأسرار الذكر. والطريق إلى الله مبني على الذكر والفكر، كآية آل عمران:
﴿ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَـٰمًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَـٰذَا بَـٰطِلًا سُبْحَـٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [آل عمران: 191]
وعلماء المسلمين كالإمام الغزالي رضي الله تعالى عنه تعمقوا في الذكر وفي الفكر، وكتبوه بمثل هذا التفصيل الذي قرأناه أو دندنّا [أي: تحدثنا] حوله؛ لأن هذا لا ينتهي في إيضاحه ولا في درجات معرفته وعمقه.
وقد كُتِبَت فعلًا آلاف الصفحات بل آلاف الكتب، ولذكر الله أكبر.
مراتب الذكر الأربعة من ذكر اللسان إلى الفناء وبقاء المذكور وحده
[الشيخ]: فتكلموا عن ذكر اللسان، وعن ذكر القلب استرجاعًا، وعن ذكر القلب طبعًا، وعن الفناء عن هذا الذكر وبقاء المذكور وحده سبحانه وتعالى.
حتى لا يرى المرء في الكون شيئًا إلا من خلال إيمانه بالله سبحانه وتعالى وصفاته. وبعد ذلك نذهب إلى لُبّ الذكر وهو هذه الحالة التي يكون فيها القلب دائم الضراعة مع الله.
الاشتغال بالذكر حجاب عن دخول الحضرة القدسية وقصة أبي يزيد البسطامي
[الشيخ]: ينتج من هذا أنهم التفتوا إلى هذه الدقائق: أن الاشتغال بالذكر والالتفات إليه هو نوع حجاب يحجبهم عن دخول الحضرة القدسية التي هي الغاية في النهاية من ذلك الذكر.
بل إن الإنسان لا يلتفت حتى إلى الذكر، كما قيل لأبي يزيد البسطامي: ما لنا نعبد الله ولا نجد حلاوة العبادة؟ قال: عبدتم العبادة، اعبدوا الله تجدوا لذة العبادة.
بمعنى أن الإنسان لو افتخر في نفسه بأعماله، كما هو شأن النابتة الآن في الأرض، يفتخرون بأعمالهم ويرون أنفسهم أنهم قد فعلوا وفعلوا، وأن الناس لا تفعل مثل ما فعلوا وكأنهم أفضل من الخلق، فكل هذا حجاب لا يجعل الإنسان يصل إلى اللب وإلى مرحلة القلوب الضارعة.
الالتفات إلى معاني الغزالي وأن الرسوم قائمة بالله وحده سبحانه وتعالى
[الشيخ]: فيجب علينا أن نلتفت إلى هذه المعاني التي أشار إليها السيد الإمام أبو حامد الغزالي.
بعد ذلك هو يتكلم عن أن الرسوم التي حولنا قائمة بالله وليست قائمة بنا أو بنفسها. القائم بنفسه وحده هو الله سبحانه وتعالى، ومن هنا سُمِّي بالقيوم، الحي القيوم؛ لأنه قائم بنفسه لا يحتاج إلى غيره، وكل هذا العالم الذي نحن حوله يحتاج إلى غيره.
تشبيه العالم بخيال الظل والسينما وأن الله قادر على إفنائه في أي لحظة
[الشيخ]: فهو بالتقريب على ما وهبنا الله من مخترعات حديثة، هو يُمثِّل شيئًا مثل التلفاز أو السينما. وعندما دخلت السينما بلاد المسلمين والعرب سمَّوها خيال الظل، أي أنهم سمَّوها كأنها خيال؛ لأنها فجأة إذا أُغلقت آلة العرض اختفت الصورة.
فهكذا نحن، الله سبحانه وتعالى - ولله المثل الأعلى - كأنه سبحانه أصدر هذا الكون، ولكنه في أي لحظة يمكن أن يُفنيه.
﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلَـٰلِ وَٱلْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: 26-27]
حينئذٍ الإنسان لا يموت وإنما يفنى وينتهي، أي لا وجود له مثل صورة السينما أو صورة التلفاز إذا ما انطفأت.
العرض لا يبقى زمانين وعقيدة الخلق المستمر ومعنى لا حول ولا قوة إلا بالله
[الشيخ]: والإمداد الذي يمده الله سبحانه وتعالى للبشر جعل أهل السنة والجماعة يتكلمون عن أن العَرَض لا يقع زمانين ولا يقوم في محلين. وعلى ذلك فنحن في خلق مستمر.
﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ﴾ [الرحمن: 29]
فأنا في وجودي الآن لست هو أنا بالأمس ولا في اللحظة السابقة؛ فإن الله ما زال يخلقني، فهو الخالق على الدوام.
هذا المفهوم ينشئ فهمًا عميقًا لكلمة لا حول ولا قوة إلا بالله، يعني الإنسان لا يملك حال نفسه، والإنسان ليست له قوة مستقلة ولا حقيقية.
شعور الإنسان باحتياجه إلى الله يعلمه الحب والصبر والتوكل والتسليم
[الشيخ]: فإذا شعر الإنسان باحتياجه إلى الله وبمنة الله عليه، فإنه يتعلم الحب ويتعلم الصبر ويتعلم الشوق إلى العبادة، ويتعلم التوكل ويتعلم التسليم، ويتعلم كل تلك المعاني التي نذكرها.
لكنها من بدايتها من فهم لا حول ولا قوة إلا بالله. ولذلك رسول الله [صلى الله عليه وسلم] يقول:
«لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز العرش»
فهي كنز لأنها بها المبتدأ وإليها المنتهى، وبها التقويم وإليها الفعل.
وجوب الاعتقاد في حقيقة الأسماء الحسنى وإشارة الغزالي إلى فقهاء الظاهر والقرآن والذكر
[الشيخ]: فيجب علينا أن نعتقد في هذه الأشياء التي ذكرها لنا، وهذا الخيال الذي نعيش فيه، وقضية الحقيقة وقضية المجاز، وقضية أسماء الله الحسنى وما يُبنى عليها من عقائد، وما يُبنى عليها أيضًا من عمل.
وهنا أشار إشارة عجيبة أن فقهاء الظاهر قد ينكرون هذا الكلام؛ لأنهم يركزون في صحة الأعمال الظاهرة. وأشار إشارة أخرى إلى أن القرآن وإن كان هو من الذكر إلا أنه لعموم الناس بجميع درجاتهم.
أما الذكر الذي هو ذلك الذكر المحض الذي إذا ما وصل إلى لب اللباب فإنه هو الذي له أثر، كما قال الله تعالى:
﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: 45]
خلاصة ما تعلمناه في أصل الذكر وأهمية قراءته مرات لاستيعابه
[الشيخ]: فهذا هو ما تعلمناه اليوم في هذا الأصل، وهو أصل أصيل وأصل مهم. وينبغي أن نقرأه مرات ومرات حتى نستوعب هذا الكلام العجيب الذي وفَّق الله الإمام الغزالي لشرحه.
لأنه موافق لأهل السنة والجماعة، ولأنه موافق للحقيقة ونفس الأمر، ولأنه موافق لبرنامج العمل الصوفي الذي يسير فيه الإنسان مع التزامه بالشريعة الغراء التزامًا تامًّا إلى الله سبحانه وتعالى.
ويحافظ على ما في الكتاب وما في السنة، ولكنه أيضًا يعمل بلسان ذاكر، بقلب ذاكر، بسر فانٍ، حتى يصل إلى الله من كل جهة.
الأصل السابع: طلب الحلال وأدلته من القرآن والسنة
الأصل السابع: طلب الحلال.
[القارئ]: الأصل السابع: طلب الحلال. قال الله سبحانه وتعالى:
﴿كُلُوا مِنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ وَٱعْمَلُوا صَـٰلِحًا﴾ [المؤمنون: 51]
والحرام خبيث وليس بطيب، وقد قرن عز وجل أكل الطيبات بالعبادات.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«طلب الحلال فريضة على كل مسلم بعد الفريضة»
طلب الحلال فريضة على كل مسلم بعد الفريضة، أي بعد فريضة الإيمان والصلاة.
أحاديث في فضل أكل الحلال وأثره على القلب وقبول العبادة
وقال صلى الله عليه وسلم:
«مَن أكلَ الحلال أربعين يومًا نوَّر الله قلبه وأجرى ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه»
وفي رواية: زهَّده الله في الدنيا.
وقال صلى الله عليه وسلم:
«إن لله تعالى ملكًا على بيت المقدس ينادي كل ليلة: من أكل حرامًا لم يُقبل منه صرفٌ ولا عدلٌ»
صرفًا ولا عدلًا.
[الشيخ]: لم يُقبل منه صرفٌ ولا عدلٌ.
[القارئ]: لم يُقبل منه صرفٌ ولا عدلٌ. فالصرف النافلة والعدل الفريضة.
حديث الثوب الذي فيه درهم حرام وأثر قول ابن عمر في الورع
وقال صلى الله عليه وسلم:
«من اشترى ثوبًا بعشرة دراهم وفي ثمنه درهم حرام لم يقبل الله منه صلاته ما دام عليه منه شيء»
وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنه: لو صليتم حتى تكونوا كالحنايا، وصمتم حتى تكونوا كالأوتار، لم يقبل الله ذلك منكم إلا بورع حاجز.
وقيل: العبادة مع أكل الحرام كالبنيان على السِّرجين.
[الشيخ]: السِّرجين هو - في لغتنا الحديثة - كالبنيان على الرمل، أي على شاطئ البحر، بحيث أنه لو جاءت موجة لهدمته. إذن فهو ليس بنيانًا متينًا ولا قويًّا، نعم.
بيان درجات الورع الأربعة: درجة العدول ودرجة ورع الصالحين
[القارئ]: في بيان درجات الورع. واعلم أن طيب المطعم له خاصية عظيمة في تصفية القلب وتنويره وتأكيد استعداده لقبول أنوار المعرفة، وفيه سر لا يحتمل هذا الكتاب ذكره.
ولكن ينبغي أن تفهم أن درجات الورع أربعة:
-
الدرجة الأولى: درجة العدول، وهي التي يجب الفسق باقتحامها وتزول العدالة بزوالها، وهي التي تُحرِّمها فتوى الفقهاء.
-
الثانية: ورع الصالحين، وهو الحذر عما يتطرق إليه احتمال التحريم وإن أفتى المفتي بحِلِّه بناءً على الظاهر. وهو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«دَعْ ما يَريبُكَ إلى ما لا يَريبُك»
الدرجة الثالثة: ورع المتقين وترك تسعة أعشار الحلال مخافة الحرام
الثالثة: ورع المتقين. قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«لا يبلغ العبد درجة المتقين حتى يدع ما لا بأس به مخافة ما به بأس»
وعن عمر رضي الله عنه: كنا ندع تسعة أعشار الحلال مخافة الوقوع في الحرام.
ومن هذا الأصل كان بعضهم إذا استحق مائة درهم اقتصر على تسعة وتسعين وترك الواحدة حاجزًا بينه وبين النار لخوف الزيادة. وكان بعضهم يأخذ ما يأخذ بنقصان حَبَّةٍ ويعطي ما يعطي بزيادة حَبَّةٍ.
قصة عمر بن عبد العزيز مع المسك والتورع عن الزينة والشهوات
ولذلك أخذ عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه بأنفه حذرًا من ريح المسك الذي كان يُوزن بين يديه لبيت المال، وقال لما سُئل عن ذلك: وهل يُنتفع إلا بريحه؟
ومن ذلك أن يتورع عن الزينة وأكل الشهوات خيفة من أن تجمح النفس فتدعوه إلى الشهوات المحظورة.
ومن ذلك ترك النظر إلى تجمُّل أهل الدنيا؛ فإنه يحرك دواعي الرغبة في الدنيا. ولذلك قال الله تعالى:
﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِٓ أَزْوَٰجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا﴾ [طه: 131]
قول عيسى عليه السلام وقول السلف في رقة الثوب والحلال الطلق الطيب
ولذلك قال عيسى ابن مريم عليه السلام: لا تنظروا إلى أموال أهل الدنيا؛ فإن بريق أموالهم يذهب بحلاوة إيمانكم.
ولذلك قال السلف: من رقَّ ثوبه رقَّ دينه.
والحلال الطَّلْق الطيب: كل حلال أُنِفَ عن مثل هذه المخافة ولا توجد فيه آفة.
الدرجة الرابعة: ورع الصديقين وقصة ذي النون المصري وبشر الحافي
الرابعة: ورع الصديقين، وهو الحذر عن كل ما لا يُراد بتناوله القوة عن طاعة الله تعالى، أو كان قد تطرق إلى بعض أسبابها، قد تطرق إلى بعض أسبابها معصية.
فمن ذلك ما حُكي أن ذا النون المصري كان محبوسًا جائعًا.
[الشيخ]: هل في مشكلة؟
[القارئ]: نعم سيدي، بعض الأحباء يتركون الميكروفون.
[الشيخ]: ومن ذلك ما حُكي أن ذا النون المصري كان محبوسًا جائعًا، تفضل. ومن ذلك ما حُكي أن ذا النون المصري كان محبوسًا جائعًا.
قصص في ورع الصديقين: ذو النون وبشر الحافي ومحاسبة النفس على كل حركة
أن امرأة صالحة أرسلت من طيب مالها طعامًا على يد السجان، واعتذر [ذو النون] بأنه جاءني عن طريق ظالم، أي يَدُ السجان.
ومن ذلك أن بِشْرَ الحافي كان لا يشرب الماء من الأنهار التي حَفَرَها السلاطين. وأطفأ بعضهم سراجًا أشعله غلامه من بيت ظالم.
وشرب بعضهم دواءً فأشارت عليه امرأته بالمشي والتردُّد، وقال: هذه المِشْيَة لا أعرف لها وجهًا وأنا أُحاسِبُ نفسي على جميع حركاتها.
وهذه رُتْبَةُ أقوامٍ وَفَوْا بقوله تعالى:
﴿قُلِ ٱللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام: 91]
فعدُّوا كل ما لم يكن لله وحده حرامًا.
تحذير الغزالي من تقليد ورع الصديقين والاكتفاء بورع الفقهاء
وليس هذا من عُشك وعُش ناصحك فادرُج [أي: تقدم وامضِ]، واجتهد أن تفي بورع الذي يفتي به الفقهاء، نعم.
[الشيخ]: يعني هذه الدرجة من درجات ورع الصديقين قد لا تناسبنا في هذا. فقال: ليس بعُشِّكِ فادرُجي، يعني هذه ليست مَطْمَح أمَلِك، درجة الصديقين؛ لأنها قد تصعب عليك ولا تستطيع إطلاقًا أن تفعلها.
فليس بعُشِّكِ فادرُجي، يعني ليس هذا عشكِ أيها الطائر الضعيف، اذهب إلى عشك ولا تأتِ إلى عش النسر. هذا عش النسر، ولذلك الأوكار تختلف.
فكأنه بعد ما ذكر ذلك قال: هذا لا أنا وصلت إليه ولا أنت وصلت إليه، الذي هو ورع الصديقين.
الحكمة من ذكر درجات الورع والتحذير من الإحباط وترك الدين
[الشيخ]: هذا خوفًا على القارئ من أن يحاول أن يقلد هذا فيفشل، فيصاب بالإحباط أو يصاب بترك الدين بالكلية، أو يصطدم مع المجتمع والناس الذين حوله.
وليس الغرض من هذه النصائح هذا الكلام، إنما الغرض هو أن يُعْلِمنا الدرجات وصفة كل درجة وأحوالها إلى آخره.
واعلموا أن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق، فكل إنسان لا ينقل نفسه مما أقامه الله فيه كما يقول ابن عطاء [الله السكندري]، ولكن يدع الله سبحانه وتعالى هو الذي ينقله، نعم.
انتقال القراءة إلى الشيخ زكريا والتحذير من حيل إسقاط الزكاة
[القارئ]: سيدي، سيدي زكريا سيكمل.
[القارئ]: تفضل، تفضل سيدي الزكريا.
[القارئ - الشيخ زكريا]: وبإسنادكم سيدي إلى الإمام الغزالي رحمه الله تعالى.
[الشيخ]: ارفع صوتك يا زكريا.
[القارئ]: نعم، ارفع صوتك.
[القارئ]: نعم. ينبغي أن تضيف إليه شيئين: أحدهما أن تحذر عن مواقع غرورهم، ولا تلتفت إلى قولهم: مَن وهب في آخر السنة ماله زوجته واستوهب منها مالها سقطت الزكاة عنهما.
فإنهم إن عنوا به أن السلطان لا يُطالبهما بالزكاة؛ لأن مطمح نظره ظاهر الملك، فهو صِدق ودرجة الفقهاء. وفتواهم ذِكْرُ ما يتعلق بالظواهر، فيحكمون بالبراءة عن الزكاة إذا سقط طلب الساعي، ويحكمون بصحة الصلاة إذا امتنع القتل على السلطان بجريان صورة الصلاة.
الفرق بين نظر الفقيه ونظر السالك إلى الله ومقصود الزكاة إزالة البخل
إذ ليس بأيديهم من القوانين إلا القانون الذي يستعمله السلطان في السياسة لينتظم أمر المعيشة الدنيوية التي هي منزل من منازل الطريق كما سبق.
وأما أنت إذا كنت تنظر إلى ما ينفعك غدًا عند جبار الجبابرة وسلطان السلاطين فلا تلتفت إلى هذا.
واعلم أن مقصود الزكاة إزالة رذيلة البخل؛ فإنه مهلك كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«ثلاثٌ مهلكات: شحٌّ مطاعٌ، وهوى متبعٌ، وإعجاب المرء بنفسه»
وهِبة مال الزكاة لأجل دَرْءِ الزكاة تجعل الشح مطاعًا، فإنه يصير مطاعًا بإجابته إلى ما يقتضيه، وقبل هذا لم يكن مطاعًا، فكيف يكون ذلك منجيًا؟
حرمة إسقاط المهر بسوء المعاشرة والفرق بين طيبة النفس وطيبة القلب
وكذلك من يُسيء معاشرة زوجته حتى تُبرِئه عن المهر، فلا يَحِلُّ له المهر بينه وبين الله عز وجل، وإن كان الفقيه يُفتي بسقوط المهر وصحة الإبراء بأن الله تعالى قال:
﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيٓـًٔا مَّرِيٓـًٔا﴾ [النساء: 4]
وليس هذا طِيبَة النفس بل طِيبَة القلب. والفقيه لا يُميِّز بين الأمرين؛ لأن شغله بقطع الخصومات الظاهرة لا غير.
والحجامة وشرب الدواء البشع لا تطيب به النفس بل يطيب به القلب، وكذلك كل ما يأباه الطبع ويريده العقل لمصلحة البدن في العاقبة.
أصل تحريم مال الغير إلا برضا مطلق والتحذير من الأخذ بالحياء أو بالدين
وهذا باب طويل، وأصله أن لا تستحل مال غيرك إلا برضا مطلق صافٍ.
وينبغي أن لا تأكل من السؤال؛ فإن سألت أحدًا فاحذر أن تسأل على الملأ، فلربما تُعطى بالحياء وذلك ليس مقرونًا بالرضا. فإن المستحي يؤثر ألم إزالة المُلك على ألم الحياء.
ولا فرق بين أن تأخذ ماله بضرب ظاهره بالسوط، وبين أن تأخذه بضرب باطنه بسوط الحياء، فالكل مصادرة.
واحذر أيضًا أن يعطيك بالدِّين، وذلك بأن يعطيك لظنه أنك ورع تقي وتأكل بالدِّين. ويكون من شرط حِلِّه أن لا يكون في باطنك ما لو اطلع عليه المعطي لامتنع من الإعطاء.
حرمة الأخذ بالتصوف والتقوى كذباً ووجوب مراجعة القلب وإن أفتى المفتي
فلا فرق بين من يأخذ بالتصوف والتقوى وهو ليس متصفًا بها باطنًا، وبين من يزعم أنه علوي [أي: من آل البيت] ليُعطى وهو كاذب. فكل ذلك حرام عند ذوي البصائر وإن أفتى الفقيه بالحل بناءً على الظاهر.
الفن الثاني: أن تراجع قلبك وإن أفتوك؛ فإن الإثم حوَّاز القلوب، فالذي يضرك ما حاك في قلبك. ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«استفتِ قلبك وإن أفتوك وأفتوك»
وهذا السر يطول ذكره، ولكن اعلم على الجملة أن المحظور من الحرام إظلام القلب، والمطلوب من الحلال تنويره.
أثر الاعتقاد في إظلام القلب وتنويره وأمثلة على ذلك
وذلك يتشعب من اعتقادك لا من نفس المُعْتَقَد. فمن وطئ [أي: واقع] امرأة على ظن أنها أجنبية [أي: لا تحل له] فإذا هي منكوحته [أي: زوجته]، حصل إظلام القلب. ولو وطئ أجنبية على ظن أنها زوجته لم يحصل [الإظلام].
وكذلك في النجاسات والطهارات المؤثِّرة في تنوير القلب بهمِّك واعتقادك. أُمرت بأن تصلي وثوبك طاهر، بل أن تصلي وأنت تعتقد أنه طاهر. فاستشعار الطهارة مؤثِّرٌ في إشراق القلب وإن لم يكن على وفق الحال.
ولذلك نقول إن من صلى ثم تذكر أنه كان معه نجاسة فليس عليه الإعادة على الأصح؛ لأنه صلى الله عليه وسلم خلع نعليه في أثناء صلاته لما أخبره جبريل عليه الصلاة والسلام بأن عليهما نجاسة واستمر فيها.
التشديد على الموسوس وهلاك المتنطعين واستفتاء القلب في الحلال
ولذلك يُشدَّد الأمر على الموسوس؛ فإنه ما لم يطمئن قلبه باعتقاد الطهارة فيجب عليه الاستقصاء والمعاودة. وأولئك قوم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم وهلكوا باستقصائهم، كما قال صلى الله عليه وسلم:
«هلك المتنطعون»
فكذلك في الحلال، أنت متعبَّد بما يطمئن إليه قلبك لا بما يفتي به المفتي، فاستفتِ قلبك وإن أفتوك.
تعليق الشيخ على أهمية الظاهر كإناء للأعمال والتجليات والأسرار
[الشيخ]: نقِف عند هذا الفصل، والحمد لله نحن نسير سيرًا جيدًا.
وهذا الذي ذكره الإمام [الغزالي] يعني ينبهنا على أهمية الظاهر؛ لأنه هو الإناء الذي نضع فيه كل الأعمال وكل التجليات وكل الأسرار والأنوار وكل التقدمات والترقي.
ولذلك فهو الأهم الذي يجتمع فيه جميع المسلمين، ولا يجوز لمن حصَّل درجة الفناء أو القلب الضارع أو لب اللباب أن يُسقِط شيئًا [من الشريعة].
النبي صلى الله عليه وسلم زاد من عبادته كلما ترقى وهو الأسوة الحسنة
[الشيخ]: لأن النبي صلى الله عليه وسلم زاد من عبادته بعد أن ترقَّى هذا الترقي الذي أصبح معه خير الخلق أجمعين، وأصبح معه سيد المرسلين، وأصبح معه أسوة العالم إلى يوم الدين، وما أرسله ربه إلا رحمة للعالمين.
وكلما ترقَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مراتب العبودية كلما ازداد من التمسك بالشريعة:
«أفلا أكون عبدًا شكورًا»
وهو الأسوة الحسنة. ولو أن شيئًا من الشريعة يذهب بالترقي لكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى الناس بذلك.
الشريعة والحقيقة وجهان لعملة واحدة والحمد لله على نعمة الإسلام
[الشيخ]: ولهذا فالحمد لله الذي جعلنا مسلمين متمسكين بالكتاب والسنة وبالشريعة الغراء.
والشريعة والحقيقة وجهان لعملة واحدة، هذا ظاهر وهذا باطن. والله سبحانه وتعالى يجمع بينهما في المسلمين، والحمد لله رب العالمين.
الرد على سؤال حول مفهوم الحقيقة عند أرسطو وثبات حقائق الأشياء عند أهل السنة
[الشيخ]: هناك بعض الناس تسأل: هل مفهوم كلام أرسطو أن الحقيقة متعددة والحق واحد؟ يعني كأنه يقتضي أو يعني مع كلام الإمام النسفي أن حقائق الأشياء ثابتة.
حقائق الأشياء ثابتة والإيمان بها متعيِّن؛ لأنه إذا خرجنا عن هذا الحد من ثبات الحقيقة فإننا نصل إلى السوفسطائية.
والسوفسطائية كانت تريد هدم إقامة الدليل العقلي الظاهر على وجود الله سبحانه وتعالى، ولذلك سُمُّوا بالعدميين؛ لأنهم يرون كل شيء صحيحًا، فالحلال صح والحرام صح والكفر صح والإيمان صح، فكل شيء يصح عندهم بهذه الطريقة التي يجعلون فيها أن الحقيقة غير ثابتة.
فحقائق الأشياء ثابتة قطعًا، وهذا ما يتفق عليه العقلاء.
التفريق بين الحقيقة النسبية والحق المطلق وأن النسبية لا تنافي الثبات
[الشيخ]: أما عند المشاغبين كالسوفسطائية فإن أرسطو قد رد عليهم. أما كلام أرسطو من أنه جعل كلمة حقيقة للنسبي وأن كلمة حق للمطلق، فهذا أمر آخر لا يعني ما يقوله الإمام النسفي من أن حقائق الأشياء ثابتة.
نعم، حقائق الأشياء ثابتة، ولكن هذه الحقيقة نسبية، وهذا الحق إنما هو واحد لا يتعدد وهو مطلق. ولذلك من أسمائه تعالى الحق.
الحقيقة النسبية ليس معناها أنها ليست ثابتة، ليس معنى النسبية عدم الثبات، ليس معناها هذا إطلاقًا. الحقيقة هي ثابتة وهي نسبية أيضًا في نفس الوقت.
مثال الكعبة في بيان أن الحقيقة ثابتة ونسبية في آن واحد
[الشيخ]: الكعبة ثابتة في مكانها، لكن إذا أتيتها من جهة الباب رأيتها بنيانًا له باب، لكن إذا أتيتها من الضلع المقابل لذلك، الغربي من الضلع الغربي، وجدته من غير باب.
هل الكعبة لها باب أم الكعبة ليس لها باب؟ كذلك الكعبة ثابتة، هذه هي الحقيقة.
ولكنك إذا سرت وجعلتها على يسارك قلت إنني كان البيت على يساري. حسنًا، إذا عكست وجعلتها على يمينك - وهو طواف باطل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصنعه ولم يأمر به - يكون إذن الكعبة على يميني؟ نعم.
الكعبة على يسارك عندما كانت هناك نسبية أن كنت على يمينها، والكعبة على يمينك عندما كان هناك نسبية أنك على يسارها. ولذلك هذه أمور نسبية والكعبة ثابتة.
الثبات لا علاقة له بالنسبية والحقيقة سميت حقيقة لما فيها من الثبوت
[الشيخ]: بمثل هذا يتضح الحال أن الثبات لا علاقة له بالنسبية. النسبية حاصلة للحقيقة مع وجود الثبات.
فالحقيقة سُميت حقيقة لما فيها من الحاء والقاف، والقاف من حقٌّ، هذه معناها الثبوت. فهي ثابتة، ولكنها في ذات الوقت نسبية؛ لأنها قد يُدخَل إليها من مداخل شتى، فتكون على درجات شتى، وتكون لها أوضاع شتى.
وهذا لا علاقة له بالثبات الذي أقرَّه أهل السنة والجماعة، والذي أقرَّه العقلاء أيضًا.
معنى الملكوت واللاهوت والفرق بين عالم الملك وعالم الملكوت
[الشيخ]: قال [أحد المتابعين]: ما معنى الملكوت وما معنى اللاهوت؟
الله والعالم: الرب ربٌّ والعبد عبدٌ، وهناك فارق بين المخلوق والخالق. الله كان ولم يكن شيء معه. الإله نسميه اللاهوت، وقد يكون هو اشتقاق منه (الله).
ولكن العالم المخلوق هذا نسميه العالم. والعالم إما أن يكون مشاهدًا للبشر مُدرَكًا للبشر، أو تُدرك آثاره كالكهرباء مثلًا؛ ندرك منها النور ولكن لا ندرك ذات الكهرباء لا نراها. فهذا يُسمى عالم الملك، كل ما يدركه البشر بحسه المعتاد أو يدرك آثاره فهو من عالم الملك.
وهناك في المخلوقات أشياء لا يراها البشر: مثل الجن، مثل الملائكة، مثل العرش، مثل الجنة، مثل النار. هذه أشياء لا يدركها الإنسان بحسه.
الملك والملكوت يكونان عالم الغيب والشهادة واللاهوت ليس بمخلوق
[الشيخ]: ولذلك الاعتقاد فيها يُسمى بالسمعيات؛ لأنها جاءت لنا عن طريق استماعنا للنبي صلى الله عليه وسلم صاحب الوحي من عند الله.
هذا هو الملكوت. فالملك والملكوت كلاهما مكوِّن لعالم الغيب والشهادة؛ الشهادة هي الملك، والغيب هو الملكوت.
في مقابل هذا العالم رب العالم، فالرب ربٌّ والعبد عبدٌ. هذا الرب ليس داخلًا في ذلك العالم، هذا الرب ليس معتمدًا على هذا العالم، هذا يتجلى الرب على هذا العالم ومن تجلِّيه الخلق.
إذن فالملكوت هو ما لا نراه، واللاهوت أيضًا لا نراه ولكنه ليس بمخلوق.
معنى الذكر الخفي ولطائف القلب والسر والروح والخفي والأخفى
[الشيخ]: ما معنى الذكر الخفي؟ الذكر الذي لا يطلع عليه أحد، إما أن يكون بالقلب وإما أن يكون بالسر أو بالروح أو بالخفي أو بالأخفى.
وتلك هي اللطائف التي تكلم عنها المسلمون أنها تشتغل بالذكر الخفي.
الختام والدعاء لبلاد المسلمين وحفظها من كل شر
[الشيخ]: نلتقي إن شاء الله الأسبوع القادم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[القارئ الأول]: يا شيخنا، لدينا رجاء وهو الدعاء، الدعاء معنا والدعاء لهذا البلد الكريم مما يحاولون فعله به.
[الشيخ]: طيب.
[القارئ]: نرجو منكم الدعاء.
[الشيخ]: حاضر، لكن أنت تقصد أي البلاد، المغرب؟
[القارئ]: كل بلاد المسلمين يا سيدي، كل بلاد المسلمين.
[الشيخ]: نعم، لأن المغرب ومصر وسائر بلاد المسلمين هي في أذهانهم. وليست الحرب حديثة، الحرب كانت موجودة منذ أيام الفرس والروم، ومنذ أيام التتار والصليبيين، ومنذ أيام الاستعمار، وما زالت الحرب مستمرة. يخافون كل الخوف من أن يعود المسلمون مرة أخرى إلى حضارتهم وإلى دينهم وإلى أخلاقهم، والإسلام في انتشار.
فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يحفظ بلادنا وبلاد المسلمين والمغرب ومصر وسائر بلاد المسلمين من كل شر، وأن يجعل كيدهم في نحورهم، وأن يُفشل كل خططهم، والله من ورائهم محيط.
ونتوسل إليه بسيدنا النبي صلى الله عليه وسلم أن ينظر إلينا بنظر الرحمة، وأن لا يؤاخذنا بما نسينا أو أخطأنا، وأن يتوب علينا، وأن يرجعنا إليه رجوعًا طيبًا يرضاه، وينقلنا من دائرة سخطه إلى دائرة رضاه، بحق المصطفى وأهل بيته الكرام يا رب العالمين.
[القارئ]: اللهم آمين، جزاكم الله خيرًا يا سيدنا.
[الشيخ]: بارك الله فيكم، مع السلامة.
