الأربعين في أصول الدين للإمام الغزالي | المجلس الرابع | أ.د علي جمعة

مُعد البث: اللهم صل على سيدنا محمد سيدي انطلق البث. أضع فقط رابط للأحبة ونبدأ يا سيدي. الشيخ: أبدأ القارئ: دقيقة يا سيدي. الشيخ: هذا هو الذي أخاف منه. القارئ: لا يا سيدي، البث الآن موجود. نحن في البث الآن، الشيخ: البث موجود ولكن نبدأ. لا، دقيقة يا سيدي. نبدأ في مشكلة يا سيدي. هذا هو، هذا هو. الكلام القارئ: نعم يا سيدي حفظكم الله يا سيدي. سيدي،
نبدأ الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، القارئ: بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. سيدي، توقفنا في باب الذكر، الشيخ: في ذكر الله. تعالى في كل حال. نعم تفضل. القارئ: لم أتمكن من الصفحة بعد في ذكر الله تعالى في كل حال. قال الله تعالى: "ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ" [آل عمران: ١٩١] وقال: "ٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" [الأنفال: ٤٥] وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: "وٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا" [المزمل: ٨] وقال صلى الله عليه وسلم: «ذِكْرُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِالْغُدُوِّ وَالْعَشِيِّ أَفْضَلُ مِنْ حَطْمِ السُّيُوفِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِعْطَاءِ الْمَالِ سَحًّا» (مصنف ابن أبي شيبة رقم 29456) وقال صلي الله عليه وسلم: «أَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالوَرِقِ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ
أن تلاقوا أعداءكم وتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم. قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ فقال: ذكر الله عز وجل". وقال صلى الله عليه وسلم: "سبق المُفَرَّدون سبق المفردون فقيل: ومن هم يا رسول الله؟ فقال: المُسْتَهْتِرون بذكر الله، وضع ذكر الله عنهم أوزارهم، فوردوا القيامة خفافاً". واعلم أنه قد انكشف الأمر، الشيخ: لكن الضبط الصحيح "المُسْتَهْتَرُون القارئ: المُسْتَهْتًرُون الشيخ: نعم وليس "المستهتِرون". المستهتَرون بذكر الله، وضع
ذكر الله عنهم أوزارهم، فوردوا القيامة خفافاً. واعلم. أنه قد انكشف لأرباب البصائر أن الذكر أفضل الأعمال، ولكن له أيضًا قشور ثلاثة، بعضها أقرب إلى اللب من بعض، وله لب وراء القشور الثلاثة. وإنما فضل القشور لكونها طريقًا إليه، فالقشر الأعلى من ذكر اللسان فقط، والثاني ذكر القلب إذا كان القلب يحتاج إلى مراقبة. حتى يحضر مع الذكر ولو ترك وطبعُه لاسترسل في أودية الأفكار، الشيخ: وطَبْعَهُ لأنه مفعول معه، وطَبْعَهُ يعني مع طَبْعِهِ، نعم، وطبعه، والواو هنا: واو المعية سار الجيش والنهر
يعني بجوار النهر أو مع النهر، نعم، القارئ: والثالث أن يتمكن الذكر من القلب ويستولي عليه بحيث يحتاج إلى تكلف في صرفه عنه إلى غيره كما احتيج في الثاني إلى تكلف في قراره معه ودوامه عليه، والرابع وهو اللباب أن يستمكن المذكور من القلب وينمحي الذكر ويُخْفي، وهو اللباب المطلوب، وذلك بأن لا يلتفت إلى الذكر ولا إلى القلب، بل يستغرق المذكور جملته، ومهما ظهر له في أثناء ذلك التفات إلى الذكر فذلك حجاب. شاغل الشيخ: ويَخْفَى وينمحي الذكر ويَخْفى أي يتلاشى لا يوجد له أثر، ولكن المذكور هو
الذي يبقى في القلب. نعم، القارئ: وهذه الحالة هي التي يعبر عنها العارفون بالفناء، وذلك بأن يفنا عن نفسه حتى لا يحس بشيء من ظواهر جوارحه ولا من الأشياء الخارجة عنه ولا من العوارض الباطنة فيه، بل يغيب عن جميع ذلك ويغيب عن جميع ذلك ذهاباً إلى ربه أولاً، ثم ذهاباً فيه آخراً. فإن خطر له في أثناء ذلك أنه فني عن نفسه بالكلية، فذلك أيضاً شَوَب الشيخ: شَوْبٌ وكُدُورَة، القارئ: شَوْبٌ وكُدُورَة بل الكمال في أن يفنى عن نفسه ويفنى عن الفناء أيضاً فإن الفناء عن الفناء غاية
الفناء، وهذا قد يظنه الفقيه الرسمي أنه طامات غير معقولة، وليس كذلك، بل هذه الحالة لهم بالإضافة إلى محبوبهم، كحالتك في أكثر أحوالك بالإضافة إلى محبوبك من جاه أو مال أو معشوق، فإنك قد تُصيَّر الشيخ: قد تَصِيْرُ مُستغرقًا القارئ: فإنك قد تصير مستغرقاً لشدة الغضب بالفكر في عدوك، ولشدة شهوتك بالفكر في معشوقك، حتى لا يكون فيك متسع لشيء أصلاً. فتُخاطِب فلا تفهم، الشيخ: فتُخاطَب فلا تَفْهم يعني يتكلم معك الناس وأنت غائب عن كلامهم، فتُخاطَب فلا تفهم، القارئ: فتُخاطَب فلا تفهم، ويجتاز بين
يديك غيرك فلا تراه وعيناك مفتوحتان ويَتَكلَّم عندك فلا تسمع، وما بأذنيك صممٌ. وأنت في هذا الشيخ: ويُتَكَلم عندك فلا تسمع وما بأُذُنَيْكَ صمم، يعني أذنيك سليمة ولكنك لا تسمع من شدة انشغالك بعدوك أو معشوقك. نعم، القارئ: وأنت في هذا الاستغراق غافل عن كل شيء وعن الاستغراق أيضاً، فإن الملتفت إلى الاستغراق معرض عن المستغرق به. إنما سموا هذه الحالة فناءً وإن كان الشخص والظل باقيان لأن الأشخاص والأظلال بل سائر المحسوسات ليس لها حقيقة الوجود، بل الوجود الحقيقي لعالم الأمر والملكوت،
والقلب من عالم الأمر. قال الله تعالى: "قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى" [الإسراء: ٨٥]، والقوالب من عالم الخلق. وأعني بالقلب اللطيفة الذاكرة العارفة التي هي مهبط الأنوار الإلهية التي هي مهبِط الأنوار الإلهية دون القلب الظاهر، فإن ذلك من عالم الخلق. ولا تفهم من هذه إشارة إلى قدم الروح وحدوث القالب، بل هما جميعاً حادثان. وإنما أعني بالخلق ما تقع عليه المساحة، ما تقع عليه مساحة التقدير وهي الأجسام وصفاتها. وأعني بعالم الأمر ما لا يتطرق إليه التقدير. والعالم الجسماني ليس له وجود حقيقي بل هو من ذلك العالم كالظل من الأجسام، وليس لظل
الإنسان حقيقة الإنسان، وليس للشخص حقيقة الوجود بل هو ظل الحقيقة، والكل من صنع الله تعالى، "وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَٰلُهُم بِٱلْغُدُوِّ وَٱلْـَٔاصَالِ" [الرعد: ١٥] وسجود عالم الأمر تعالى طوع سجود الظلال كرهاً وتحته سراً، بل أسرار تحرك أوائلها سلسلة المجانين والحمقى فضلاً عن أواخرها، فلنتجاوزها. الشيخ: هناك عدة ملاحظات ابتداءً من قوله وإن كان الشخص والظل باقيين. لأن الأشخاص والأطلال - والأطلال هي بقية المباني بعد
هجران الحبيب منها، فالأطلال جمع طل - ولكن الظل الجمع الشائع له ظلال وليس أظلال، فهو يبدو هنا أن الأشخاص والأطلال بل سائر المحسوسات ليس لها حقيقة الوجود، بل الوجود الحقيقي لعالم الأمر والملكوت. وثانياً، ولا تفهم من هذا إشارة إلى قدم. الروح وحدوث القالَب بفتح اللام، القالَب هو كجسم الإنسان الذي يوضع فيه الشيء كالإناء، فهو قالب. ولكن القالِب اسم فاعل من قَلَبَ. وثالثاً
يقول: وسجود عالم الأمر لله تعالى طوعٌ. مبتدأ وخبر، وسجود عالم الأمر لله تعالى طوعٌ. "ٱئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ" [فصلت: ١١]. وسجود الظلال كَرْهٌ لأن الإنسان عندما يتحرك يتحرك معه ظِلُهُ كرهاً، ليس بإرادة هذا الظل، ولكن الظل هو امتناع ضوء الشمس من الوقوع على الأرض لحجاب الجسم، فهو تبع لهذا الجسم. فكذلك نحن نتبع وجود الحق، هناك جزء منا بالطاعة والطوع، وهناك جزء آخر بالكره كما تكلم
الله. فهذا أفهمناك ما أرادوه بالفناء. أكمل. القارئ: فقد أفهمناك ما أرادوه بالفناء فدع عنك الغيبة والتكذيب بما لم تحط بعلمه كما قال الله تعالى: "بَلْ كَذَّبُوا۟ بِمَا لَمْ يُحِيطُوا۟ بِعِلْمِهِ" [يونس: ٣٩] وقال الله تعالى: "إِذْ لَمْ يَهْتَدُوا۟ بِهِۦ فَسَيَقُولُونَ هَٰذَآ إِفْكٌ قَدِيمٌ" [الأحقاف: ١١]. فإذا فهمت الفناء في المذكور فاعلم أنه أول الطريق وهو الذهاب إلى الله تعالى وإنما الهدى. بعده أعني بالهدى هدى الله تعالى كما قال الخليل عليه السلام: "إِنِّى ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّى سَيَهْدِينِ" [الصافات: ٩٩] فأول الأمر ذهاب إلى الله ثم ذهاب في الله وذلك هو الفناء والاستغراق به ولكن هذا الاستغراق أولاً يكون كبريق خاطف قلما
يثبت ويدوم فإن دام ذلك وصار عادة راسخة وهيئة ثابتة عرج به إلى العالم الأعلى وطالع الوجود الحقيقي الأصفى، وانطبع فيه نقش الملكوت، وتجلى له قدس اللاهوت، وأول ما يتمثل له من ذلك العالم جوهر الملائكة وأرواح الأنبياء والأولياء في صورة جميلة، يفيض إليه بواسطتها بعض الحقائق، وذلك في البداية إلى أن تعلو درجته على المثال، فيكافح بصريح الحق في كل شيء. فإذا رُدَّ إلى هذا العالم الحادث الذي هو كالظلال، نظر إلى الخلق نظر مترحم عليهم لحرمانهم من مطالعة جمال حضرة القدس، وتعجب
منهم في قناعتهم بالظلال وانخداعهم بعالم الغرور وعالم الخيال. فيكون معهم حاضراً بشخصه، غائباً بقلبه، يتعجب هو من حضورهم ويتعجبون هم من غيبته، فهذه ثمرة لُباب ذكر وإنما فهذه ثمرة لُباب الذكر وإنما مبدؤها ذكر اللسان ثم ذكر القلب تكلفاً ثم ذكر القلب طبعاً ثم استيلاء المذكور وانمحاء الذكر وهذا سر قوله صلى الله عليه وسلم "من أحب أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله تعالى" بل سر قوله صلى الله عليه وسلم "يُفضل الذكر الخفي. الشيخ: يَفْضُلُ القارئ: يَفْضُلُ الذكر الخفي على الذكر الذي تسمعه الحفظة سبعين ضعفًا"، واعلم أن كل ذكرٍ يشعر به
قلبك تسمعه الحفظة، فإن شعورهم يقِارن شعورك وفيه شرك خفي، حتى إذا غاب ذكرك عن شعورك بذهابك في المذكور بالكلية فيغيب ذكرك عن شعور الحفظة وما دام القلب يشعر بالذكر ويلتفت إليه فهو مُعرض عن الله تعالى وغير منفك عن شرك خفي حتى تصير مستغرقاً بالواحد الحق، فذلك هو التوحيد. كذلك القول في المعرفة، فمن طلب المعرفة للمعرفة فقد قال بالثاني، ومن وجدها كأنه لا يجدها بل يجد المُعَرَّف بها فهو الذي استمكَن من حقيقة الوصال وحلّ
"يحبون" وحلّ "يحب" بَحبُوحة. الشيخ: بُحْبُوحة حظيرة القدس، القارئ: وحلّ بُحْبُوحَة حظيرة القدس. واالشيخ: البحبوحة السعة والشيء الواسع. القارئ: فإن قلت، فلما اختصت هذه المكاشفات، هذه المكاشفات بحال الفناء، فاعلم أن هذه قصة يطول فيها نظر الناظر، ولكن إذا تأملت لم تقصر عن أن تدرك أن الحواس وعوارض النفس وشهواتها جاذبة إلى هذا العالم المحسوس، عالم الزور والغرور، ولذلك ينكشف صريح الحق بالموت لبطلان سلطان الحواس والخيالات المُولية بوجه القلب إلى عالم السفل. فإذا
قصر عنك سلطان الحواس بالنوم، طولعت شيئاً من الغيب على قدر استعدادك وقبولك وهمتك ولكن بمثال يحتاج. الي التغيير، وما عندي أنك لم تصادف من نفسك رؤيا صادقة اطلعت بها على أمر مستقبلي، لكنك بالمثال إذ الخيال لا يفتر في النوم وإن رَقَدَت الحواس، فلذلك يضعف الطلاع ولا يخلو من شوب المثال. وأما الفناء فعبارة عن حالة ترقد فيها الحواس ولا يشتغل ولا تشتغل الحواس ويسكن فيها الخيال. فلا يوشوش، فإن بقيت فيها الشيخ: لا فلا يشوش، فلا يشوش. فإن بقيت في الخيال بقية مغلوبة لم تؤثر إلا في محاكاة ما يتجلى من عالم القدس حتى يتمثل
الأنبياء والملائكة والأرواح المقدسة في قوالب الخيال. فهذه الأمور نبهتك عليها لتكون متشوفًا إلى أن تصير من أهل الذوق لها، فإن لم تكن فمن أهل العلم بها، فإن لم تكن فمن أهل الإيمان بها، و"يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟" "وَٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ دَرَجَٰتٍ". الشيخ: "آمنوا منكم" منكم، "ءَامَنُوا۟ مِنكُمْ"، القارئ: "ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ دَرَجَٰتٍ". وإياك أن تكون من المنكرين لها، فتلقى العذاب الشديد إذا كُشفت بالحق عند سكرات الموت الذي كنت منه تحيد. الشيخ: إذا كُوشِفْتَ. القارئ: إذا كُوشِفتَ بالحق عند سكرات الموت الذي كنت منه تحيد. وقيل لك: "لَّقَدْ كُنتَ فِى غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ"[ق: ٢٢] واعلم ان الايمان والعلم والذوق ثلاث درجات
متباعدة، الشيخ: ثلاث درجات، ثلاث درجات؛ لآن العدد يخالف المعدود من ثلاثة إلى تسعة. نعم. القارئ: ثلاث درجات متباعدة فإن العينين مثلاً يُتصور أن يصدق بوجود شهوة الواقع لغيره الشيخ: الوقاع لغيره الوِقاع لغيره. القارئ: الوِقاع لغيره الشيخ: شهوة الوقاع، يعني الشهوة التي بين الرجل والمرأة. نعم، القارئ: بأن يقبل ذلك ممن يُحسن ظنه به ولا يتهمه بالكذب، وذلك إيمان. ويُتصور أن يعلم بالبرهان. وجوده لغيره وهو علم ومأخذه القياس إذ ينظر إلى شهوته للطعام مثلاً فيقيس بها
شهوة الوقاع وكل ذلك بعيدا عن إدراك حقيقة الشهوة ووجودها له وكذلك المرض يعرفه المعافى الصحيح ويؤمن به ويعرفه الطبيب الصحيح بالبرهان وهو علم ما لم يصر مريضا لم يحصل له الذوق فكذلك القول في الفناء في التوحيد فالذوق مشاهدة والعلم قياس والايمان قبول يُحسن الشيخ: بِحُسن الظن القارئ: بِحُسن الظن مع الانفكاك عن التهمة فاجتهد أن تصير من أهل المشاهدة فليس الخبر كالمعاينة، فإن قلت: فقد عظّمت أمر الذكر، فهو أفضل أم قراءة القرآن؟ فاعلم أن قراءة القرآن أفضل للخلق كلهم إلا للذاهب. إلى الله فهو أفضل
للذاهب إلى الله في جميع أحوال بدايته وفي بعض أحواله وفي بعض أحواله في نهايته، فإن القرآن هو المشتمل على صنوف المعارف والأحوال والإرشاد إلى الطريق، فما دام العبد مفتقراً إلى تهذيب الأخلاق وتحصيل المعارف فالقرآن أولى به، فإن جاوز ذلك واستولى الذكر على قلبه بحيث يُرتَجى له أن يقضي به ذلك إلى الاستغراق. الشيخ: أن يفضي به ذلك إلى الاستغراق أي يؤدي به ذلك إلى الاستغراق، القارئ: أن يُفضي به ذلك إلى الاستغراق فمداومة الذكر أولى به، فإن القرآن يجاذب خاطره ويسرح به في رياض الجنة، والمريد الذاهب إلى الله تعالى لا ينبغي له أن يلتفت إلى الجنة ورياضها، فينبغي له أن يجعل
همه همًا واحدًا وذكره ذكرًا واحدًا حتى يدرك درجة الفناء والاستغراق، ولذلك قال الله. عز وجل "وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ"[العنكبوت: ٤٥]، وكذلك من ينتهي إلى درجة الاستغراق ولا يدوم ولا يثبت عليه فإذا رُدَّ إلى نفسه فقد تنفعه تلاوة القرآن. وهذه حالة نادرة عزيزة كالكبريت الأحمر، يُتحدث به ولا يوجد، فتكون تلاوة القرآن أفضل مطلقاً لأنه أفضل في كل. حال إلا في حال من شغله المتكلم عن الكلام، إذ لُباب القرآن معرفة المتكلم بالقرآن ومعرفة جماله والاستغراق به، والقرآن سائق إليه. وهاديٍ نحوه ومن أشرف على المقصد لم يلتفت
إلى الطريق. فاعلم أن الأفضل كما ذكرناه استيلاء المذكور على القلب، وهو شيء واحد لا كثرة فيه حتى تختار أفضله. وذلك عين الجمع والتوحيد، وإنما التفرقة والكثرة قبل ذلك ما دمت في مقام الذكر باللسان أو القلب، وعند هذا قد ينقسم الذكر إلى أفضل وغير أفضل. وفضله بحسب الصفات التي يُعبر عنها بالأذكار، والصفات والأسماء الواردة في حق الله سبحانه وتنقسم إلى ما هو حقيقة في حق العباد مؤولة في حقه سبحانه كالصبور والشكور والرحيم المنتقم، وإلى ما هو حقيقة في حقه سبحانه وإن استعمل في حق غيره كان مجازاً، فمن أفضل الأذكار لا
لا إله إلا الله الحي القيوم، فإن فيه اسم الله الأعظم، وإذ قال صلى الله عليه وسلم: "اسم الله الأعظم في آية الكرسي وأول آل عمران"، ولا يشتركان إلا في هذا، وله سر يدق عن فهمك ذكره، والقدر الذي يمكن. الرمز إليه أن قولك لا إله إلا الله يشعر بالتوحيد ومعنى الوحدانية في الذات والرتبة، والرتبة حقيقية في حق الله تعالى غير مؤولٍ بل هي في حق غيره مجاز ومؤولٌ وكذلك الحي، فإن معنى الحي هو الذي يشعر بذاته ويعلم
ذاته، والميت هو الذي لا خبر له من ذاته. وهذا أيضاً حقيقي، هذا أيضاً حقيقي لله تعالى غير مؤول، والقيوم يشعر بكونه قائماً بذاته وأن كل شيء قيامه به، وهذا أيضاً حقيقي له عز وجل غير مؤول، لا يوجد لغيره بل لا يُتصور لغيره، وما عدا هذا من الأسماء الدالة على الأفعال كالرحيم والمقسط والعدل وغيره فهو دون ما يدل على الصفات لأن مصادر الأفعال هي الصفات، فالصفات أصل والأفعال تبع، وما عداها من الصفات التي تدل على القدرة والعلم والإرادة والكمال والسمع والبصر، فذلك مما يُظن أن ثابت منها لله عز وجل مفهوم ظواهرها، وهيهات! فإن المفهوم من
ظواهرها أمور تناسب صفات الإنسان وكلامه وقدرته. وعلمه وإرادته وسمعه وبصره بل لها حقائق يستحيل ثبوتها للإنسان فتستخرج من هذه الأسماء بنوع من التأويل. فهذا ينبهك على ما يحتمله فهمك من اختصاص هذه الكلمات بكونها أعظم. ويُقَرِب الشيخ: وَيَقْرُبُ منه قولك. القارئ: ويقرب منه قولك سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر
لأن سبحان الله للتقديس وهو حقيقي في حقه فإن القدس الحقيقي لا يتصور إلا له تعالي وقولك الحمد لله يشعر بإضافة النعم وكلها إليه وهو حقيقي إذ هو المتفرد بالأفعال كلها تفرداً حقيقيا بلا تأويل. وهو تبارك وتعالى المستوجب للحمد وحده إذ لا شركة لأحد معه في فعله أصلاً والبتة كما لا شركة للقلم مع الكاتب في استحقاق المحمدة عند حسن الخط. واعلم أن كل من سواه ممن ترى منه نعمة فهو مسخر له كالقلم فهذا مثال. ينبئك عن تفرده باستحقاق الحمد. وقولك لا إله إلا الله، فقد عرفتَ أنه التوحيد الحقيقي. وقولك: "الله أكبر" ليس المعنى به أنه أكبر من غيره، إذ ليس معه سبحانه غيره حتى يقال إنه أكبر منه، بل كل ما سواه فهو نور
من أنوار قدرته، وليس لنور الشمس بل الشمس رتبة. المعية حتى يقال إنها أكبر منه من رتبة التبعية، بل معناه أنه أكبر من أن يُنال بالحواس ويُدرك جلاله بالعقل والقياس، بل أكبر من أن يُدرك كنهه. جلال كُنْه جلاله أكبر من أن يُعرف، بل أكبر من أن الشيخ: من أن يعرفه غيره، القارئ: بل أكبر من أن يدرك كُنْه جلاله غيره، بل أكبر من أن يعرفه غيره، فإنه لا يعرف الله إلا الله، فإن منتهى معرفة عباده أن يعرفوا أنه يستحيل منهم
معرفته. الحقيقة ولا يعرف ذلك أيضاً بكماله إلا نبي أو صديق. أما النبي فيعبر عنه فيقول: "لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك". وأما الصديق فيقول: "العجز عن إدراك الإدراك إدراك". فإن تشوَّفت إلى زيادة تحقيق في هذا المعنى واستنكرت قولي: "لا يعرف الله إلا الله"، فاطلب معرفة حقيقته. بالبرهان من كتاب المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى، ويكفيك الآن هذا القدر من الرموز إلى أسرار الذكر. وأفضل الأذكار منها الشيخ: هذا أصل عظيم في الطريق إلى الله، وهو الذكر وأسرار
الذكر. والطريق إلى الله مبني على الذكر والفكر، كآية آل عمران: "ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَٰطِلًا سُبْحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ" [آل عمران: ١٩١]. وعلماء المسلمين كالإمام الغزالي رضي الله تعالى عنه تعمقوا في الذكر وفي الفكر وكتبوه بمثل هذا التفصيل الذي قرأناه أو دندنا [أي: تحدثنا] حوله لأن هذا لا ينتهي في إيضاحه ولا في درجات معرفته وعمقه. وقد كُتِبَت فعلاً آلافُ الصفحات بل آلافُ الكتب ولذكر الله
أكبر، فتكلموا عن ذكر اللسان وعن ذكر القلب استرجاعاً وعن ذكر القلب طبعًا وعن الفناء عن هذا الذكر وبقاء المذكور وحده سبحانه وتعالى، حتى لا يرى المرء في الكون شيئاً إلا من خلال إيمانه بالله سبحانه وتعالى وصفاته وبعد. ذلك نذهب إلى لُبّ الذكر وهو هذه الحالة التي يكون فيها القلب دائم الضارعة مع الله. ينتج من هذا أنهم التفتوا إلى هذه الدقائق أن الاشتغال بالذكر والالتفات إليه هو نوع حجاب يحجبهم عن دخول
الحضرة القدسية التي هي الغاية في النهاية من ذلك الذكر، بل إن الإنسان لا يلتفت. حتى إلى الذكر كما قيل لأبي يزيد البسطامي: ما لنا نعبد الله ولا نجد حلاوة العبادة؟ قال: عبدتم العبادة، اعبدوا الله تجدوا لذة العبادة. بمعنى أن الإنسان لو افتخر في نفسه بأعماله، كما هو شأن النابتة الآن في الأرض، يفتخرون بأعمالهم ويرون أنفسهم أنهم قد فعلوا وفعلوا، وأن الناس لا تفعل مثل ما فعلوا وكأنهم أفضل من الخلق، فكل هذا حجاب لا يجعل الإنسان يصل إلى اللب وإلى مرحلة القلوب الضارعة. فيجب
علينا أن نلتفت إلى هذه المعاني التي أشار إليها السيد الإمام أبو حامد الغزالي. بعد ذلك هو يتكلم عن أن الرسوم التي حولنا قائمة بالله. وليست قائمة بنا أو بنفسها، القائم بنفسه وحده هو الله سبحانه وتعالى، ومن هنا سُمِّي بالقيوم، الحي القيوم، لأنه قائم بنفسه لا يحتاج إلى غيره. وكل هذا العالم الذي نحن حوله يحتاج إلى غيره، فهو بالتقريب على ما وهبنا الله من مخترعات حديثة هو يُمثّل شيئاً مثل التلفاز أو السينما. وعندما دخلت السينما بلاد المسلمين والعرب
سمّوها خيال الظل، أي أنهم سمّوها كأنها خيال لأنها فجأة إذا أُغلقت آلة العرض اختفت الصورة. فهكذا نحن، الله سبحانه وتعالى - ولله المثل الأعلى - كأنه سبحانه أصدر هذا الكون، ولكنه في أي لحظة يمكن أن يُفنيه، "وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلَٰلِ وَٱلْإِكْرَامِ"، "كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلَٰلِ وَٱلْإِكْرَامِ" [الرحمن: ٢٦- ٢٧]. حينئذٍ الإنسان لا يموت وإنما يفنى وينتهي، أي لا وجود له مثل صورة السينما أو صورة التلفاز إذا ما انطفأت. والإمداد الذي يمده الله سبحانه وتعالى للبشر جعل أهل السنة والجماعة يتكلمون عن أن العَرَض لا يقع زمانين ولا يقوم
في محلين وعلى ذلك فنحن في خلق مستمر، "كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ"[الرحمن: ٢٩]. فأنا في وجودي الآن لست هو أنا بالأمس ولا في اللحظة السابقة، فإن الله ما زال يخلقني، فهو الخالق على الدوام. هذا المفهوم ينشئ فهماً عميقاً لكلمة "لا حول ولا قوة إلا بالله"، يعني الإنسان لا يملك حال نفسه والإنسان. ليست له قوة مستقلة ولا حقيقية، فإذا شعر الإنسان باحتياجه إلى الله وبمنة الله عليه، فإنه يتعلم الحب ويتعلم الصبر ويتعلم الشوق إلى العبادة ويتعلم التوكل ويتعلم التسليم ويتعلم كل تلك المعاني التي نذكرها، لكنها من بدايتها من
فهم "لا حول ولا قوة إلا بالله"، ولذلك رسول الله يقول "لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز العرش"، فهي كنز لأنها بها المبتدأ وإليها المنتهى، وبها التقويم وإليها الفعل. فيجب علينا أن نعتقد في هذه الأشياء التي ذكرها لنا وهذا الخيال الذي نعيش فيه وقضية الحقيقة وقضية المجاز وقضية أسماء الله الحسنى، وما يُبنى عليها من عقائد، وما يُبنى عليها أيضاً من عمل. وهنا أشار إشارة عجيبة أن فقهاء الظاهر قد ينكرون هذا الكلام لأنهم يركزون في صحة
الأعمال الظاهرة، وأشار إشارة أخرى إلى أن القرآن وإن كان هو من الذكر إلا أنه لعموم الناس بجميع درجاتهم، أما الذكر الذي هو ذلك الذكر المحض الذي إذا ما وصل إلى لب اللباب فإنه هو الذي له أثر كما قال الله تعالى: "إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ" [العنكبوت: ٤٥]، فهذا هو ما تعلمناه اليوم في هذا الأصل، وهو أصل أصيل وأصل مهم، وينبغي أن نقرأه مرات ومرات حتى نستوعب هذا الكلام العجيب الذي وفَّق الله الإمام الغزالي لشرحه، لأنه موافق لأهل السنة والجماعة، ولأنه موافق للحقيقة ونفس الأمر، ولأنه
موافق لبرنامج العمل. الصوفي الذي يسير فيه الإنسان مع التزامه بالشريعة الغراء التزاماً تاماً إلى الله سبحانه وتعالى ويحافظ على ما في الكتاب وما في السنة ولكنه أيضاً يعمل بلسان ذاكر بقلب ذاكر بسر فانٍ حتى يصل إلى الله من كل جهة. الأصل السابع، القارئ: الأصل السابع، الأصل السابع: طلب الحلال. قال الله سبحانه وتعالى: "كُلُوا۟ مِنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَٱعْمَلُوا۟ صَٰلِحًا"[المؤمنون: ٥١]، والحرام خبيث وليس بطيب، وقد قرن عز وجل أكل الطيبات بالعبادات، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "طلب الحلال فريضة على كل مسلم بعد الفريضة"، طلب الحلال فريضة
على كل مسلم بعد الفريضة، أي بعد فريضة الإيمان والصلاة، وقال صلى الله عليه وسلم: "مَن أكلَ الحلال أربعين يوماً نوَّر الله قلبه وأجرى ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه"، وفي رواية "زهَّده الله في الدنيا". وقال صلى الله عليه وسلم: "إن لله تعالى ملكاً على بيت المقدس ينادي كل ليلة: من أكل حراماً لم يُقبل منه، لم يُقبل منه صرفاً ولا عدلاً، صرفاً ولا. عدلاً، الشيخ: لم يقبل منه صرف ولا عدل"، القارئ: لم يقبل منه صرف ولا عدل". فالصرف النافلة والعدل الفريضة. وقال صلى الله عليه وسلم: "من اشترى ثوباً بعشرة دراهم وفي ثمنه درهم حرام لم يقبل الله منه صلاته ما دام عليه منه شيء". وقال عبد الله بن عمر
رضي الله عنه: "لو صليتم حتى تكونوا كالحنايا وصمتم حتى تكونوا كالأوتار، لم يقبل الله ذلك منكم إلا بورع حاجز. وقيل: العبادة مع أكل الحرام كالبنيان على السَرجين. الشيخ: السِرجين هو - في لغتنا الحديثة - كالبنيان على الرمل، أي على شاطئ البحر، بحيث أنه لو جاءت موجة لهدمته. إذن فهو ليس بنياناً متيناً ولا قوياً. نعم القارئ: في بيان درجات الورع، واعلم أن طيب المطعم له خاصية عظيمة في تصفية القلب وتنويره وتأكيد استعداده لقبول أنوار المعرفة، وفيه
سر لا يحتمل هذا الكتاب ذكره، ولكن ينبغي أن تفهم أن درجات الورع أربعة: الدرجة الأولى درجة العدول، وهي التي يجب الفسق باقتحامها. وتزولُ العدالةُ بزوالِها وهي التي تُحرِّمُها فتوى الفقهاءِ. الثانيةُ وَرَعُ الصالحين، وهو الحَذَرُ عما يتطرقُ إليه احتمالُ التحريمِ وإن أفتى المفتي بحِلِّهِ بناءً على الظاهر، وهو الذي قال فيه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "دَعْ ما يَريبُكَ إلى ما لا يَريبُك". الثالثة وراء المتقين: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يبلغ العبد درجة المتقين حتى يدع ما لا بأس به مخافة ما به بأس".
وعن عمر رضي الله عنه: "كنا ندع تسعة أعشار الحلال مخافة الوقوع في الحرام". ومن هذا الأصل كان بعضهم إذا استحق مائة درهم اقتصر على تسعة وتسعين وترك الواحدة حاجزاً بينه وبين النار لخوف الزيادة، وكأن بعضهم يأخذ ما يأخذ بنقصان حَبَّةٍ حبة ويعطي ما يعطي بزيادة حَبَّةٍ، ولذلك أخذ عمر بن عبد العزيز رضي امسك الله عنه بأنفه حذراً من ريح المسك الذي كان يوزن بين يديه لبيت المال، وقال لما سُئل عن ذلك: وهل ينتفع إلا بريحه. ومن ذلك أن يتورع عن الزينة
وأكل الشهوات خيفة من أن تجمح النفس فتدعوه إلى الشهوات المحظورة، ومن ذلك. ترك النظر إلى تجمل أهل الدنيا فإنه يحرك دواعي الرغبة في الدنيا، ولذلك قال الله تعالى: "وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِۦٓ أَزْوَٰجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا"[طه: ١٣١]، ولذلك قال عيسى ابن مريم عليه السلام: "لا تنظروا إلى أموال أهل الدنيا فإن بريق أموالهم يذهب بحلاوة إيمانكم". ولذلك قال السلف من رق ثوبه رقَّ دينه، والحلال الطلق الطيب كل حلالٍ أنفك عن مثل هذه المخافة ولا توجد فيه آفة. الرابعة: ورع الصديقين وهو الحذر
عن كل ما لا يُراد بتناوله القوة عن طاعة الله تعالى، أو كان قد تطرق إلى بعض أسبابها، قد تطرق إلى بعض. أسبابها معصية، فمن ذلك ما حُكي أن ذا النون المصري كان محبوساً جائعاً. الشيخ: هل في مشكلة؟ القارئ: نعم سيدي، بعض الأحباء يتركون الميكروفون. الشيخ: ومن ذلك ما حُكي أن ذا النون المصري كان محبوساً جائعاً. تفضل.
ومن ذلك ما حُكي أن ذا النون المصري كان محبوسً جائعًا أن امرأة صالحة أرسلت من طيب مالها طعاماً على يد السجان، واعتذر بأنه جاءني عن طريق ظالم أي. يَدُ السجان، ومِن ذلك أنَّ بِشْرَ الحافي كان لا يشرب الماء من الأنهار التي حَفَرَها السلاطين، وأطفأَ بعضُهم سراجاً أشعله غلامُه من بيت ظالم، وشرب بعضُهم دواءً فأشارت عليه امرأتُه بالمشي والتردُّد، وقال: هذه المِشْيَة لا أعرف لها وجهاً وأنا أُحاسِبُ نفسي على جميع حركاتها، وهذه رُتْبَةُ أقوامٍ وَفَوْا بقوله تعالى: "قُلِ ٱللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ" [الأنعام: ٩١]، فعدُّوا كل ما لم يكن لله وحده حراماً، وليس هذا من عُشك وعُش ناصحك فادرج [أي: تقدم وامض]
واجتهد أن تفي بورع الذي يفتي به الفقهاء. نعم، الشيخ: يعني هذه الدرجة من درجات ورع الصديقين قد لا تناسبنا في هذا. فقال: ليس بعشكِ فادرُجي، يعني هذه ليست مَطْمَح أمَلِك درجة الصديقين لأنها قد تصعب عليك ولا تستطيع إطلاقاً أن تفعلها. فليس بعشكِ فادرُجي، يعني ليس هذا عشكِ أيها الطائر الضعيف. اذهب إلى عشك ولا تأتِ إلى عش النسر. هذا عش النسر، ولذلك الأوكار تختلف. فكأنه بعد ما ذكر ذلك قال... هذا لا أنا وصلت إليه ولا أنت وصلت إليه، الذي هو ورع الصديقين. هذا خوفاً على القارئ
من أن يحاول أن يقلد هذا فيفشل، فيصاب بالإحباط أو يصاب بترك الدين بالكلية، أو يصطدم مع المجتمع والناس الذين حوله. وليس الغرض من هذه النصائح هذا الكلام، إنما الغرض هو أن يُعْلمنا الدرجات وصفة كل درجة وأحوالها إلى آخره، واعلموا أن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق، فكل إنسان لا ينقل نفسه مما أقامه الله فيه كما يقول ابن عطاء، ولكن يدع الله سبحانه وتعالى هو الذي ينقله. نعم، القارئ: سيدي سيدي زكريا سيكمل. القارئ: تفضل تفضل سيدي الزكريا، القارئ [الشيخ زكريا]: وبإسنادكم سيدي إلى الإمام الغزالي رحمه
الله تعالى الشيخ: ارفع صوتك يا زكريا، القارئ: نعم ارفع صوتك، القارئ: نعم ينبغي أن تضيف إليه شيئين: أحدهما أن تحذر عن مواقع غرورهم ولا تلتفت إلى قولهم مَن وهب في آخر السنة مالَهُ زوجته واستوهب منها مالها سقطت الزكاة عنهما، فإنهم إن عنوا به أن السلطان لا يُطالبهما بالزكاة لأن مطمح نظره ظاهر الملك. فهو صِدق ودرجة الفقهاء وفتواهم ذِكْرُ ما يتعلق بالظواهر، فيحكمون بالبراءة عن الزكاة إذا سقط طلب الساعي، ويحكمون بصحة الصلاة إذا امتنع القتل على السلطان بجريان صورة الصلاة، إذ ليس بأيديهم من القوانين إلا القانون الذي يستعمله السلطان في السياسة لينتظم أمر. المعيشة الدنيوية التي هي منزل من منازل الطريق كما سبق. وأما أنت إذا كنت تنظر إلى ما ينفعك غداً عند
جبار الجبابرة وسلطان السلاطين فلا تلتفت إلى هذا واعلم أن مقصود الزكاة إزالة رذيلة البخل فإنه مهلك كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ثلاثٌ مهلكات: شحٌ مطاعٌ، وهوى متبعٌ، وإعجاب المرء بنفسه". الحديث وهِبة مال الزكاة لأجل دَرْءِ الزكاة تجعل الشح مطاعاً، فَإِنَّهُ يصير مطاعًا بإجابته إلى ما يقتضيه، وقبل هذا لم يكن مطاعًا فكيف يكون ذلك منجياً وكذلك. من يُسيءُ معاشرةَ زوجتِهِ حتى تُبرِئَهُ عن المهرِ فلا يَحِلُّ له المهرُ بينه وبين اللهِ عز وجل وإن كان الفقيهُ يُفتي بسقوطِ المهرِ وصحةِ الإبراءِ بأنَّ اللهَ تعالى قال: "فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيٓـًٔا مَّرِيٓـًٔا" [النساء: ٤]، وليس هذا طِيبَةَ النفسِ بل طِيبَةَ القلبِ، والفقيهُ لا يُميِّزُ بين. الأمرين لأن شغفه بقطع الخصومات
الظاهرة لا غير، والحجامة وشرب الدواء البشع لا تطيب به النفس بل يطيب به القلب، وكذلك كل ما يأباه الطبع ويريده العقل لمصلحة البدن في العاقبة. وهذا باب طويل، وأصله أن لا تستحل مال غيرك إلا برضا مطلق صافٍ، وينبغي أن لا تأكل من السؤال. فإن سألت أحداً فاحذر أن تسأل على الملأ فلربما تُعطى بالحياء وذلك ليس مقروناً بالرضا، فإن المستحي يؤثر ألم إزالة المُلك على ألم الحياء، ولا فرق بين أن تأخذ ماله بضرب ظاهره بالسوط وبين أن تأخذه بضرب باطنه بسوط الحياء، فالكل مصادرة. واحذر أيضاً أن يعطيك بالدِّينِ وذلك بأن يعطيك. لظنه أنك ورع تقي وتأكل بالدِّينِ، ويكون من شرط حِله أن لا يكون في باطنك ما لو اطلع عليه المعطي لامتنع من الإعطاء. فلا فرق بين من يأخذ بالتصوف
والتقوى وهو ليس متصفاً بها باطناً، وبين من يزعم أنه علوي [أي: من آل البيت] ليُعطى وهو كاذب، فكل ذلك حرام عند ذوي البصائر. وإن أفتى الفقيه بالحل بناءً على الظاهر، الفن الثاني أن تراجع قلبك وإن أفتوك، فإن الإثم حواز القلوب، فالذي يضرك ما حاك في قلبك، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "استفتِ قلبك وإن أفتوك وأفتوك"، وهذا السر يطول ذكره، ولكن اعلم على الجملة أن المحظور من الحرام إظلام القلب، والمطلوب من الحلال تنويره، وذلك يتشعب من اعتقادك لا من نفس المُعْتَقَد. فمن وطء [أي: واقع] امرأة على ظن أنها أجنبية [أي: لا تحل له] فإذا هي منكوحته [أي: زوجته]، حصل إظلام القلب، ولو وطء أجنبية على ظن أنها زوجته لم يحصل. وكذلك في النجاسات والطهارات المؤْثِرة في تنوير القلب بهمّك
واعتقادك، أُمرت بأن تصلي وثوبك طاهر، بل أن تصلي وأنت تعتقد أنه طاهر، فاستشعار الطهارة مؤْثِرٌ في إشراق القلب وإن لم يكن على وفق الحال، ولذلك نقول إن من صلى ثم تذكر أنه كان معه. نجاسة فليس عليه الإعادة على الأصح لأنه صلى الله عليه وسلم خلع نعليه في أثناء صلاته لما أخبره جبريل عليه الصلاة والسلام بأن عليهما نجاسة واستمر فيها، ولذلك يُشدد الأمر على الموسوس، فإنه ما لم يطمئن قلبه باعتقاد الطهارة فيجب عليه الاستقصاء والمعاودة، وأولئك قوم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم. الله عليهم وهلكوا باستقصائهم كما قال صلى الله عليه وسلم: "هلك المتنطعون". فكذلك في الحلال، أنت متعبد بما يطمئن إليه قلبك لا بما يفتي به المفتي، فاستفت
قلبك وإن أفتوك. فصل في الشيخ: نقِف عند هذا الفصل، والحمد لله نحن نسيرًا جيدًا وهذا الذي ذكره الإمام يعني ينبهنا على أهمية الظاهر لأنه هو الإناء الذي نضع. فيه كل الأعمال وكل التجليات وكل الأسرار والأنوار وكل التقدمات والترقي ولذلك فهو الأهم الذي يجتمع فيه جميع المسلمين، ولا يجوز لمن حَصَّل درجة الفناء أو القلب الضارع أو لب اللباب أن يُسقِط شيئاً، لأن النبي صلى الله عليه وسلم زاد من عبادته بعد أن ترقى هذا الترقي الذي أصبح
معه. خيرُ الخلقِ أجمعين وأصبحَ معه سيد المرسلين وأصبحَ معه أسوةُ العالم إلى يوم الدين وما أرسلهُ ربُّه إلا رحمةً للعالمين وكلما ترقَّى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في مراتبِ العبودية كلما ازدادَ من التمسكِ بالشريعة، "أفلا أكونُ عبداً شكوراً"، وهو الأسوةُ الحسنة، ولو أنَّ شيئاً من الشريعة يذهبُ بالترقي. لكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى الناس بذلك، ولهذا فالحمد لله الذي جعلنا مسلمين متمسكين بالكتاب والسنة وبالشريعة الغراء، والشريعة والحقيقة وجهان لعملة واحدة، هذا ظاهر وهذا باطن، والله سبحانه وتعالى يجمع
بينهما في المسلمين، والحمد لله رب العالمين. هناك بعض الناس تسأل هل مفهوم كلام أرسطو الحقيقة متعددة والحق واحد، يعني كأنه يقتضي أو يعني مع كلام الإمام النسفي أن حقائق الأشياء ثابتة، حقائق الأشياء ثابتة والإيمان بها متعين، لأنه إذا خرجنا عن هذا الحد من ثبات الحقيقة فإننا نصل إلى السوفسطائية، والسوفسطائية كانت تريد هدم إقامة الدليل العقلي الظاهر على وجود الله سبحانه
وتعالى، ولذلك سُمّوا. بالعدميين لأنهم يرون كل شيء صحيحاً، فالحلال صح والحرام صح والكفر صح والإيمان صح، فكل شيء يصح عندهم بهذه الطريقة التي يجعلون فيها أن الحقيقة غير ثابتة. فحقائق الأشياء ثابتة قطعاً، وهذا ما يتفق عليه العقلاء، أما عند المشاغبين كالسوفسطائية فإن أرسطو قد رد عليهم. أما كلام أرسطو من أنه جعل كلمة حقيقة للنسبي وأن كلمة حق للمطلق فهذا أمر آخر لا يعني ما يقوله الإمام النسفي من أن حقائق الأشياء ثابتة، نعم حقائق الأشياء ثابتة ولكن هذه الحقيقة نسبية،
وهذا الحق إنما هو واحد لا يتعدد وهو مطلق، ولذلك من أسمائه تعالى الحق. الحقيقة النسبية ليس معناها أنها ليست ثابتة، ليس معنى النسبية عدم الثبات ليس معناها هذا إطلاقاً. الحقيقة هي ثابتة وهي نسبية أيضاً في نفس الوقت. الكعبة ثابتة في مكانها لكن إذا أتيتها من جهة الباب رأيتها بنياناً له باب، لكن إذا أتيتها من الضلع المقابل لذلك، الغربي من الضلع الغربي، وجدته من غير باب. هل الكعبة لها باب أم الكعبة ليس لها بابٌ، كذلك الكعبة ثابتة، هذه هي الحقيقة.
ولكنك إذا سرت وجعلتها على يسارك قلت إنني كان البيت على يساري. حسناً، إذا عكست وجعلتها على يمينك - وهو طوافٌ باطلٌ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصنعه ولم يأمر به - يكون إذن الكعبة على يميني؟ نعم، الكعبة على يسارك. عندما كانت هناك نسبية أن كنت على يمينها والكعبة على يمينك، وعندما كان هناك نسبية أنك على يسارها، ولذلك هذه أمور نسبية والكعبة ثابتة. بمثل هذا يتضح الحال أن الثبات لا علاقة له بالنسبية. النسبية حاصلة للحقيقة مع وجود الثبات، فالحقيقة سُميت
حقيقة لما فيها من الحاء والقاف، والقاف من حقٌّ هذه معناها الثبوت، فهي ثابتة، ولكنها في ذات الوقت نسبية لأنها قد يُدخَل إليها من مداخل شتى، فتكون على درجات شتى، وتكون لها أوضاع شتى. وهذا لا علاقة له بالثبات الذي أقرَّه أهل السنة والجماعة، والذي أقرَّه الحقيقة العقلاء أيضاً. قال: ما معنى الملكوت وما معنى اللاهوت؟ الله. والعالم الرب رب والعبد عبد وهناك فارق بين المخلوق والخالق. الله كان ولم يكن شيء معه. الإله
نسميه اللاهوت وقد يكون هو اشتقاق منه (الله)، ولكن العالم المخلوق هذا نسميه العالم. والعالم إما أن يكون مشاهداً للبشر مدركاً للبشر أو تُدرك آثاره كالكهرباء مثلاً، ندرك منها النور ولكن لا ندرك. ذات الكهرباء لا نراها، فهذا يُسمى عالم الملك، كل ما يدركه البشر بحسه المعتاد أو يدرك آثاره فهو من عالم الملك. وهناك في المخلوقات أشياء لا يراها البشر مثل الجن، مثل الملائكة، مثل العرش، مثل الجنة، مثل النار، هذه أشياء لا يدركها الإنسان بحسه
ولذلك الاعتقاد فيها يُسمى بالسمعيات لأنها جاءت لنا عن طريق استماعنا للنبي صلى الله عليه وسلم صاحب الوحي من عند الله هذا هو الملكوت، فالملك والملكوت كلاهما مكون لعالم الغيب والشهادة. الشهادة هي الملك والغيب هو الملكوت، في مقابل هذا العالم رب العالم، فالرب رب والعبد عبد. هذا الرب ليس داخلا في ذلك العالم، هذا الرب ليس معتمدا على هذا. العالم هذا يتجلى الرب على هذا العالم ومن تجليه الخلق، إذن فالملكوت هو ما لا نراه واللاهوت أيضاً لا نراه. ولكنه ليس بمخلوق. ما
معنى الذكر الخفي؟ الذكر الذي لا يطلع عليه أحد، إما أن يكون بالقلب وإما أن يكون بالسر أو بالروح أو بالخفي أو بالأخفى، وتلك هي اللطائف التي تكلم. عنها المسلمون أنها تشتغل بالذكر الخفي. نلتقي إن شاء الله الأسبوع القادم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. القارئ الأول: يا شيخنا لدينا رجاء هو الدعاء الدعاء معنا والدعاء لهذا البلد الكريم مما يحاولون فعله به. الشيخ: طيب، القارئ: نرجو منكم الدعاء. الشيخ: حاضر لكن أنت تقصد أي البلاد، المغرب؟ القارئ: كل بلاد المسلمين يا سيدي، كل بلاد المسلمون الشيخ: نعم، لأن المغرب ومصر وسائر بلاد المسلمين هي في أذهانهم، وليست الحرب حديثة. الحرب
كانت موجودة منذ أيام الفرس والروم، ومنذ أيام التتار والصليبيين، ومنذ أيام الاستعمار، وما زالت الحرب مستمرة. يخافون كل الخوف من أن يعود المسلمون مرة أخرى إلى حضارتهم وإلى دينهم وإلى أخلاقهم. والإسلام في انتشار، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يحفظ بلادنا وبلاد المسلمين والمغرب ومصر وسائر بلاد المسلمين من كل شر، وأن يجعل كيدهم في نحورهم، وأن يُفشل كل خططهم، والله من ورائهم محيط. ونتوسل إليه بسيدنا النبي صلى الله عليه وسلم أن ينظر إلينا بنظر الرحمة وأن لا يؤاخذنا. بما نسينا أو أخطأنا وأن يتوب علينا وأن يرجعنا إليه رجوعاً طيباً يرضاه وينقلنا
من دائرة سخطه إلى دائرة رضاه بحق المصطفى وأهل بيته الكرام يا رب العالمين، القارئ: اللهم آمين. جزاكم الله خيراً يا سيدنا، الشيخ: بارك الله فيكم، مع السلامة.