الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جـ 1 | المبشرات | حـ 12 | أ.د علي جمعة

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جـ 1 | المبشرات | حـ 12 | أ.د علي جمعة - المبشرات
المذيع (محمد مصطفى كامل): بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته. حلقة جديدة من حلقات المبشرات مع فضيلة الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. لا زلنا مع مولانا نتحدث عن صفات جيل النصر المنشود في الحلقة الماضية تحدثنا مع مولانا، حيث أوضح لنا قول رب العزة تبارك وتعالى: " إِنَّ ٱللَّهَ يُدَٰفِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟" [الحج: ٣٨]. وفي نهاية الحلقة تحدث مولانا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كصفة من صفات جيل النصر الموعود. تفضل يا مولانا. الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قلنا إن الله يدافع عن الذين آمنوا، وإن الإنسان عندما يؤمن مصدقًا جازمًا بما يطابق الواقع، وينشأ هذا عن دليل في قلبه، فإنه يعرض نفسه لتلك البشرى، ويجد
أن الله سبحانه وتعالى يدافع عنه بكل الوسائل وفي كل المجالات، ففي مجال الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. ومن صفات المؤمن العمل الصالح، لكن أيضاً من صفاته أنه يعمل في جماعة، وأنه يعمل ضمن فريق. الدين الجماعة، ونرى الجماعة واضحة في الصلاة، فصلاة الجماعة تفضل صلاة المنفرد بخمس وعشرين درجة. ربما تكون الدرجة ما بين السماء والأرض أو تفوق ذلك، فليست درجة عادية. درجة سلّم، ليست مجرد درجة، بل إن بدايتها ونهايتها شيء
ضخم جداً. أحياناً يقولون مسيرة خمسمائة سنة، وأحياناً يقولون ما بين السماء والأرض، وأحياناً يقولون هكذا، أي شيء ضخم. لماذا؟ لأن فضل الجماعة يُعيد الإنسان إلى كونه إنساناً اجتماعياً، وفي سورة النساء خصصها الله سبحانه وتعالى لقواعد الاجتماع البشري وكيف تكون ابتداءً من الزواج وتنظيمه وبناء الأسرة وإنجاب الأولاد وموقف الرجل من المرأة لأن أساس الاجتماع البشري هو العلاقة بين الرجل والمرأة، فإذا كانت هذه العلاقة سوية كان المجتمع كله سوياً، وإذا اختلت هذه العلاقة اختل المجتمع في أخلاقه ومنشئه ونشأته وفي تكوينه وفي بقائه واستمراره. فالإنسان لا بد أن يعيش
في جماعة، يجد نفسه في أسرة، هناك أب وهناك أم. بعد الحداثة يقول لك: دع الأسرة. دعنا هكذا نسير مثل الحيوانات. ولا، حتى الحيوانات والله، حتى الحيوانات فيها أسر، المذيع: أسد ومجموعة حوله، عائلته هو. الشيخ: ما زال توجد أسرة، لكن هذا أيضاً لا يريدون أن تكون هناك أسرة حتى لا تكون هناك سلطة أبوية أو أموية على الطفل. شيء مرعب، تصورات مخيفة، لكنهم قالوها ولم يخفوها. يجد الإنسان نفسه في أسرة، والأسرة ماذا تعني؟ علاقات، هناك أب، هناك أم، أكبر مني، يمكن أن يكون هناك جدٌّ وجدَّة، ويمكن أن يكون هناك أخٌ أكبر أو أصغر أو مساوٍ عندما يكون هناك توأم. وهذا الأخ لديه أخت، والتي
لديها أسرة، وهذه الأسرة لها عائلة، ففيها عمٌّ وعمَّة وخالٌ وخالة وابن عم وابن خالة. ومع هذا فهناك حيٌّ ومسجدٌ وعملٌ، فيجد الإنسان نفسه في دوائر في جماعات: جماعة العمل وجماعة المسجد وجماعة الحي وجماعة، ثم يجد نفسه منتمياً إلى أمة مصلحته من مصلحتها، حضارته من حضارتها، مستقبله وآماله منها. فالإنسان يجد نفسه دائماً محاطاً بالاجتماع البشري. هذا الاجتماع البشري من أسسه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولذلك وجدنا علوم الإدارة الحديثة وهي تتكلم عن التخطيط والتنظيم والرقابة، المذيع: تخطيط وتنظيم ورقابة.
الشيخ: يقول لك: لكي نفعل هذا ونسير بأسلوب علمي سليم، يجب علينا أن نخطط ونرسم خطة نرى فيها ما هي أهدافنا، ونرى فيها ما هي أساليبنا، ونرى كذا وكذا. ويجب علينا أن ننظم لتطبيق هذه الخطة تنظيماً معيناً إدارياً وتنظيماً تنفيذياً وتنظيماً عملياً لابد أيضاً ونحن نطبق الخطة أن نراقب جيداً. إن هذه المراقبة تُعد أمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر. فما وافق الخطة والمعيار فهذا ما نأمر به دائماً، وكلما حدث انحراف عن هذا، سواء كان قصوراً أو تقصيراً، بقصد أو بغير قصد، أو ضعفاً أو قلة إمكانات، فيجب أن نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر أن نستمر
في هذا. إذن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مكون أساسي من مكونات الرقابة. المذيع: لذلك رب العزة تبارك وتعالى يقول: "كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ‎" [آل عمران: ١١٠]. الشيخ: فالخيرية جاءت من أن لدينا رقابة وهي جزء لا يتجزأ من الخيرية الرقابة في رقابة وهذه الرقابة تبدأ بالرقابة على النفس. {حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا} {كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه}. والرقابة على النفس تبدأ بالحساب وتنتهي بالتوبة. فأنا إذا وجدت شيئاً حسناً أزيد وأستزيد من الخير، وإذا وجدت نفسي قد انحرفت فلا بد لي من التوبة. والتوبة أركانها أن
أقلع عن الذنب. لا أستمر فيه. ثانياً: أندم عليه. ثالثاً: أعزم على ألا أعود إليه مرة أخرى. رابعاً: إذا كان هذا الذنب يتعلق بحقوق الناس، أرجعت حقوق أصحاب الحقوق إليهم. خامساً: وهذا اللطيف الظريف الذي جاء به علماء المسلمين بعد التدبر والتأمل والعمل والتجربة نسيان الذنب. المذيع: نسيان الذنب؛ الشيخ: فلا أجلس أُعكّر نفسي، وإلا سيحدث لي إحباط، والإحباط يجعلنا نقول: ما دمت سأدخل جهنم فلأترك نفسي هكذا. لا، نسيان الذنب ولكن بعد ماذا؟ بعد المرور بالأربعة الأوائل هذه أو الثلاثة: الإقلاع
عن الذنب، واستعظامه، والندم عليه. انظر في البداية إلى استعظام الذنب والندم عليه، والعزم على ألا أعود إليه أبداً، ورد الحقوق لأصحابها. وبعد ذلك، عندما تفعل هذا، فلتنسَ الأمر، وهذا النسيان من رحمة ربنا. أي كأنها صفحة بيضاء. على من ستخدع نفسك؟ لا، هذا ليس خداعاً للنفس، بل هو تغافل، المذيع: تغافل الصالحين. الشيخ: هذا التغافل الذي يقول عنه الإمام أحمد بن حنبل في التربية، والتربية جزء من الإدارة على فكرة، لأنه يربي مَن أو يدير مَن؟ إنساناً. فهو يحتاج إلى تربية. يعني الكلام معناه أن التغافل تسعة أعشار التربية. المذيع: التغافل تسعة أعشار التربية. الشيخ: فعندما أجد ابني فعل شيئاً، ليس من
الضروري أن أوجهه بها. المذيع: ليس كل خطأ يعتبر مشكلة. الشيخ: وليس بالضرورة أن أُفهِم الطفل عند كل خطأ أنني أعلم به وأنني اكتشفته وأنني أبوه ومُدرك فعله، لأنه بذلك سيتجرأ، ويمل. لكن يمكنني أن أتغافل عنه وأتجاوز الأمر له، وأن أنوه عن الخطأ بطريقة غير مباشرة مثل قولي إن بعض الناس يفعلون كذا، وهو طبعاً لم يفعل مثلهم ، لكنه فعل. المذيع: المذيع:أنا رأيته لكن تظاهرت بأنني لم أره. الشيخ: فبعض الناس تظن أن هذا كذب وخداع وأنه خطأ. خطأ! الإمام أحمد بن حنبل يقول: لا، هذا التغافل وهو تسعة أعشار التربية. المذيع: التغافل، تسعة أعشار التربية. الشيخ: تتغافل عنه، ونسيان الذنب هذا قد وضعه أهل التربية والإرشاد كنوع من أنواع أيضاً الآية تكملة التوبة. فالأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر يبدأ مع النفس، كنوع من أنواع الرقابة والمحاسبة والتوبة. ثم بعد ذلك أيضاً "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده" إن كان تحت سلطانه، "فإن لم يستطع فبلسانه" بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قولاً، "فإن لم يستطع فبقلبه" وهذا أضعف الإيمان{حديث شريف}. ما هي حكاية "لم يستطع" هذه؟ "لم يستطع" قال: أول شيء يجب عليك وأنت تأمر غيرك بالمعروف وتنهى عن المنكر، أن تكون عالماً. لا تذهب لتنكر شيئاً لا يُنكر. قالوا إن هناك أشياء تُنكر وأشياء لا تُنكر. قال: كثير، "إنما يُنكر المتفق عليه، ولا ينكر المختلف فيه" قاعدة فقهية: أنكِر الأشياء عندما تجد شخصاً يشرب الخمر، أنكِر عليه. عندما تجد شخصاً يتعاطى المخدرات،
أنكِر عليه. عندما تجد شخصاً يترك الصلاة، أنكِر عليه، لأن هذه أمور متفق عليها. كل هذا الكلام يندرج تحت النهي عن هذا والأمر بذاك، لكن عندما تجد شخصاً يفعل أمراً من المختلف فيه. المذيع: قال بعض الناس أنها حلال وقال بعض الناس حرام. الشيخ: وقال بعض الناس صحيح وقال بعض الناس حرام وخطأ، الشيخ:كذا إلى آخره مثل الشطرنج. الشطرنج هذه أجازها بعضهم مع الكراهة وحرمها بعضهم. إذا وجدت شخصًا يلعب الشطرنج، المذيع: اتركه يلعب. الشيخ: ولا تنكر عليه، بالرغم من أنني أرى أنها حرام مثلاً. المذيع: ولكن لأن هناك في رأي مختلف فيه. الشيخ: إذا كان هناك رأي اتركه. رأيت شافعياً يسلم على زوجته فيتوضأ، وحنفياً يسلم على زوجته ولا يتوضأ. فأنا أدع الأمور لأن هذا اختلاف فقهي ولا ينكر المختلف فيه. وهكذا آلاف المسائل، لو عرفنا هذه القاعدة لجعلنا الفقه ونتعامل معه على أساس أنه ثري وقوي ورحمة.
في الشريعة الإسلامية وليست نقمة ولا خلافاً واضطراباً في الفتاوى، وليس اضطراب الفتاوى، كل هذا نشأ من عدم فهم للفقه الإسلامي وأن له السعة وله القوة. المذيع: لننتقل إلى الفاصل يا مولانا ونعود نستكمل هذا الحوار الشيق. فاصل ونعود إليكم، فابقوا معنا. المذيع: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عدنا إليكم الجزء الثاني من حلقة اليوم من برنامج المبشرات مع فضيلة الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. تفضل يا مولانا. توقفنا عند الإنسان كصفة من صفات جيل النصر، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنه يستطيع أن يبدأ بنفسه ثم يتوب. الشيخ: لأنه يراقب نفسه، فيأمر نفسه بالمعروف وينهى عن المنكر على سبيل المحاسبة والتوبة ثم ينقل هذا إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لمن بعده من أبنائه من عائلته ممن هو وصي عليهم أو مسؤول عنهم، وقلنا إن
التغافل هو تسعة أعشار التربية، وينتقل من التغيير باليد أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد إلى القول، ويشترط حينئذ وقد انتقل إلى الغير أن يكون عالماً بالأمر والنهي. المذيع: حتى لا ينكر أمراً مختلفاً فيه. هنا يا مولانا، هناك دائماً مقولة نسمعها أو يقولها بعض العلماء: إذا كان تغيير المنكر سيؤدي إلى منكر أشد فلا تغيره. هل لهذه المقولة ضوابط يا مولانا؟ الشيخ: بالطبع، فهذا هو ما كنا سنقوله الآن. مع العلم يعني، هو الشرط الأول أن يكون عالماً، الشرط الثاني أن يكون رفيقاً. "يا عائشة إن الرفق ما دخل في شيء إلا زانه، وما نُزِع من شيء إلا شانه"{حديث شريف}. الشرط الثالث أن يكون مناسباً للحال. المذيع: مناسباً للحال. الشيخ: لأن هناك فرقاً بين النصيحة والفضيحة.
انظر كيف يقول لك: "الفرق بين النصيحة والتعيير" "ابن رجب" له كتاب بهذا العنوان يُفرِّق فيه ويقول لك: يجب أن يكون كلامك مناسباً، ففي بعض الأحيان يكون أمام الناس، وفي بعض الأحيان لأن ذلك أنسب، وفي بعض الأحيان يكون بينك وبينه، وفي بعض الأحيان يكون في شيء من المشورة والنصيحة والقصة، وفي بعض الأحيان يكون مباشر حسب الحال في ملاءمة للمناسبة التي فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. النقطة الرابعة: أن يكون لا يترتب عليه ضرر أكبر. فعبارة "لا يترتب عليه ضرر أكبر" مستمدة من قاعدة فقهية مقررة مجمع عليها "أن ارتكاب أخف الضررين واجب". المذيع: ارتكاب أخف الضررين واجب. الشيخ: فإذا
كان ارتكاب أخف ارتكاب أخف الضررين واجب، وأنا آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وهذا صحيح، إلا أنه قد يترتب عليه ويؤل إلى ولذلك نقول هنا: النظر إلى المآلات مهم، إذ قد يؤدي إلى منكر أشد ومصيبة أكبر وفتنة عمياء صماء يترتب عليها ضياع أموال أو ضياع نفوس أو إراقة الدماء بغير حق. فإذن "الفتنة نائمة لعن الله مَن أيقظها"{حديث شريف}. "وَٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ" [البقرة:١٩١‏].‏ ففي الحقيقة أن هذا مأخوذ من قاعدة "لا ضرر ولا ضرار" التي يتولد منها أن ارتكاب أخف الضررين واجب، ومأخوذ من أن هذا يسبب فتنة والفتنة ملعونة، والفتنة أشد عند الله من القتل. المذيع: الله يفتح عليك يا مولانا. الشيخ: فهذه من
شروط الأمر بالمعروف عن المنكر إذا ما تعدى حال الإنسان إلى حال الغير أن يكون عالماً، أن يكون رفيقاً، أن يكون مناسباً، أن يكون لا يترتب عليه ضرر أبلغ من الضرر الآخر. ومن صور هذا، وقد يكون شرطاً أيضاً، يقول "الحسن البصري:" "لا تقل لمن شهر سيفه في السوق وسار يقول اتقني اتقني". أي شخص مشهر سيفه ويقول للناس: افسحوا الطريق لئلا أقطع رقابكم. المذيع: تنحوا عنى من الأحسن لأنى لا أطيق نفسى. الشيخ: وما هذا؟ هذا طاغية. ممكن، لكن هذا معه سيف فعلاً. المذيع: سيف بيده فعلاً. ومشهر سيفه. الشيخ: وهذا مشهر فعلاً. ولديه إمكانية أن ينفذ حماقته التي يتكلم عنها ويُطيح برقبة شخص. اتقِ
الله. شخص آخر ذهب وقام وقال: لا، يجب عليَّ أن أنصح أخانا هذا. المذيع: لم يكن الأمر ملحاً في الوقت الحالي. الشيخ: أي هل تفهم؟ كيف تنصحه؟ المذيع:كيف انصحه وهو ليس بوعيه، !لا توجد ملاءمة. هذا لا، يُنصح. المذيع: هذا يجب أن يتجنب ويتركوه حتى يهدأ أو يذهب. الشيخ: وهنا هذه علة كثيرين الآن ممن يدعون إلى الحرية وإلى الانفتاح وإلى غير ذلك إلى آخره، يأتي ويقول لك: "الله، يوجد ظلم اجتماعي في حياتنا وكذا، ولا بد أن نأمر { اشار الشيخ بيده أن الأمر بالقوة} آمر بالتي هي أحسن. "ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ ۖ وَجَٰدِلْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ" [النحل: ‎١٢٥]. لكن يرى أن هذا نوعاً من الجبن. فهو يرى ذلك نوعاً من الجبن. المذيع: يظن أن الحكمة حماقة. الشيخ: أن
الحكمة جبن، وأن التهور مهما كان، فإنه كأنه يجاهد، وهكذا. المذيع: يربط بينها يا مولانا - ربما - وبين الحديث "الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر عند حاكم ظالم أو إمام جائر فقتله على ذلك فهو سيد الشهداء"، فيُعتبر أيّ شخص عنيفاً أدخله ولو يموت يصبح شهيداً". الشيخ: هذا الحال كفهم السلف الصالح يبين لنا متى يكون كذلك.المذيع: متى يكون كذلك؟. الشيخ: عندما أتعرض لهذا، غير عندما أُعَرِّضْ نفسي له. المذيع: هناك فرق بين أن أتعرض أو أُعَرِّضْ نفسي. الشيخ: أن أُعَرِّضْ نفسي، النهي هنا يأتي لأنني ذهبت واقفًا معرضًا نفسي أمام القطار، أي وضعت نفسي أمام القطار كي يقتلني، المذيع: وهذا نوع من الانتحار. الشيخ: هذا نوع من الانتحار ونوع من السعي للسمعة حتى يُقال
عنك إنك شهيد. المذيع: إني شهيد وأني جريء وكلمت الحاكم. الشيخ: أما الثاني، فلا الثاني أقامني الله سبحانه وتعالى وجعلني قاضياً، وجاء من عند الله أن نرفع قضية ضد هذا الحاكم، وأنا مأمور بالعدل، وهذه مصيبة كبرى، ماذا أفعل؟ لابد أن أعدل، ليس في الأمر كلام. المذيع: وُضعت في هذا الاختبار. الشيخ: فعدلت، فلم يُسر هذا الطاغية من حكمي فذهب أذاني. المذيع: أو قال لي غير هذا الحكم. الشيخ: أو قال لي غيره، لا، لست مغيراً، لأن هذه القضية أصبحت الآن دخلت في حقوق أناس وفي أمور أخرى إلى آخره. فقتلني متُ شهيداً. هذه القضية هنا، ما هو الفرق بين أنك تتعرض للهلاك وبين
أن الهلاك يتعرض لك؟ يجب أن نفهم هذا الحديث الصحيح في ظل فهم السلف له، فهم يقولون هذا الكلام ولا يخالفون الحديث، هم يفهمون ماذا يقول الحديث. المذيع: ليس أي شخص يدخل على الحاكم ويصرخ في وجه الحاكم ويُقْتل ويقول أنا شهيد. الشيخ: هذا شيء لم يرد في الحديث هكذا، وإنما الذي ورد في الحديث "أن "كن حيث ما أقامك الله"، فإذا أقامك الله في حاجة معينة صممت عليها بمقتضيات مهنتك وأدى بك ذلك إلى الهلكة، فإنك حينئذ من الشهداء الكبار. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صفة لا يستطيع الإنسان أن ينفك منها، لأنه بعد هذه الشروط وبعد الفعل
باليد أو بالقول، وإذا لم يستطع فإنه ليس معفواً عنه ألا أن يأمر وألا أن ينهى، وليس معفواً عنه أن يُسلِّم، أي ليس معفواً عنه أن يسلّم أي "لا يكون أحدكم إمّعة يقول: أنا مع الناس، إن أحسن الناس أحسنتُ وإن أساؤوا أسأتُ، وطّنوا أنفسكم على أنهم إن أحسن الناس أحسنوا وإن أساؤوا فلا تظلموا" وكلمة فلا تظلموا تعني لا تظلموا أنفسكم باتباعكم السوء واتباعكم الظلم، وهنا سنجد أن الإنسان إذا لم يستطع ذلك فبقلبه "وهذا أضعف الإيمان". طبعاً جماهير الشراح على أن هذا أضعف الإيمان يعني أقل شيء ممكن. المذيع: وليس معناه ضعف في إيمان هذا الشخص، الشيخ: لكن بعضهم يعني
حاول أن يفسر الحديث وهذا "أضعف الإيمان" أنه الإيمان المضاعف. المذيع: أضعف من المضاعف وليس من الضعف. الشيخ: ليس من الضعف. بالطبع هذا التفسير ليس عليه جماهير الشراح ولا شيء، لكن هو خاطر خطر في بال شخص فقام يقول: "أضعف الإيمان" يعني هذا إيمان مضاعف، لماذا؟ لأنه لم ييأس، لأنه لم يرضى أن يترك حتى مع عدم إمكانية الفعل باليد أو القول باللسان، إلا أنه ما زال مستمرًا في إيمانه، مستمرًا في أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر. المذيع: عذرا لقد انتهت الحلقة، ونحن نريد في الحلقة القادمة إن شاء الله أن نستكمل الحوار عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتحديد ما معنى كلمة "فمن لم يستطع" تعني عدم الاستطاعة. الشيخ: حاضر. المذيع: إلى ذلك الحين نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فى حفظ الله ورعايته.