الإسلام كتاب مفتوح - أحكام المساجد - توحيد الأذان
- •تناول الحوار مع الدكتور علي جمعة، مفتي الديار المصرية، موضوع توحيد الأذان في مصر.
- •أوضح المفتي أن دار الإفتاء مؤسسة علمية رصينة تضم فريقاً من العلماء المتخصصين وتستعين بلجان علمية في مختلف المجالات.
- •بين أن الفتوى درست الأمر من جانبين: الشرعي والواقعي، ووجد أن جمهور العلماء يجيزون الاكتفاء بأذان واحد في البلدة ما دام مسموعاً.
- •أشار إلى تطبيق توحيد الأذان بنجاح في عدة دول إسلامية منذ سنوات طويلة كالأردن واليمن وتركيا وأبو ظبي.
- •أوضح أن توحيد الأذان لا يلغي وظيفة المؤذن، إذ سيظل المؤذن مطلوباً للإقامة والأذان الثاني يوم الجمعة وفي حالات انقطاع الكهرباء.
- •أكد أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان له مؤذن واحد في المدينة رغم تعدد المساجد.
- •أوضح أن الفتوى المصرية تراعي الصلاحية للتطبيق في كل زمان ومكان.
مقدمة الحلقة واستكمال الحوار حول أحكام المساجد وتوحيد الأذان
أعزائي المشاهدين، مساء الخير، نستكمل مع فضيلة مفتي الديار المصرية الأستاذ الدكتور علي جمعة الحوار حول أحكام المساجد. فضيلة المفتي، أهلًا بحضرتك. أهلًا وسهلًا بكم، مرحبًا.
كنا قد استضفنا فيما سبق فضيلة وزير الأوقاف الأستاذ الدكتور محمود حمدي زقزوق، وكنت سألته فيما يتعلق بتوحيد الأذان، فقال لي إن الهدف من توحيد الأذان هو القضاء على عشوائية الأذان والتشويش والأصوات المزعجة.
وقال لي أن فضيلتك فضيلة المفتي، والمفتي السابق أيضًا الدكتور أحمد الطيب، والمفتي الأسبق الدكتور نصر فريد واصل، قد استندتم مع مجمع البحوث الإسلامية إلى رأي أحد الفقهاء الأربعة الذي يجوز من خلاله أن يكون الأذان واحدًا ما دام كان مسموعًا، وأن هذا مُطبَّقٌ في كثير من دول العالم الإسلامية في إسطنبول وفي دبي وفي بعض الدول الخليجية، هل هذا صحيح؟
دار الإفتاء المصرية مؤسسة علمية رصينة وليست رأياً فردياً
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. هذه الفتوى صدرت من دار الإفتاء المصرية، وأيضًا نحن نحب أن ننبه مرارًا إلى أن دار الإفتاء المصرية هي عبارة عن مؤسسة، وإن كنت أنا على رأس هذه المؤسسة، يعمل معي أكثر من خمسة عشر عالمًا في كافة المجالات في المجال الشرعي وحده.
وتستعين دار الإفتاء بلجان علمية في الفلك والاقتصاد والطب وفي سائر التخصصات، لجان معتمدة من علماء هذه التخصصات وغيرها، وتُشكَّل اللجان ونستمع وكذا إلى آخره، إلى أن تصدر الفتوى بعد دراستها من الناحية الواقعية وبعد دراستها من الناحية الشرعية.
بروتوكولات دار الإفتاء مع مراكز البحث العلمي المتخصصة
قضية التوحيد [توحيد الأذان]، الفتوى وإذا كانت تحتاج إلى رأي علمي من خلال اللجان، نأتي بالتخصص العلمي الدقيق الذي تحتاجه، أو ننفذ البروتوكولات التي بيننا وبين مراكز البحث.
فبيننا وبين مركز البحوث القومي بروتوكول، وبيننا وبين جامعة عين شمس بروتوكول، وبيننا وبين المرصد والمساحة المصرية بروتوكول، ومركز دراسات واستشارات علوم الفضاء بكلية العلوم جامعة القاهرة أيضًا بيننا وبينهم بروتوكول، وهناك بروتوكولات متعددة في نواحٍ شتى؛ بيننا وبين وزارة الاتصالات بروتوكول وهكذا.
فنحن مؤسسة ولسنا فردًا يتكلم، أو رأيًا حتى يُواجه برأيٍ آخر أو شيء من هذا القبيل، هذه مؤسسة علمية رصينة، هكذا كانت وهكذا هي الآن وإن شاء الله ستظل هكذا.
منهجية دار الإفتاء في دراسة قضية توحيد الأذان شرعياً وواقعياً
لمّا جاءت قضية توحيد الأذان، توحيد الأذان مباشرة عندما نُسأل عنه فإننا ننظر إلى الجانبين:
الجانب الأول: الموقف الشرعي، هل هو جائز أو غير جائز؟ ماذا يقول الأئمة؟
والجانب الآخر هو الجانب الواقعي: هل هو مناسب؟ هل هو ملائم؟ هل هو ممكن؟ هل تعتري تنفيذه مشكلات؟ ما هذه المشكلات؟ كيف يمكن الحل؟ هل تُعد هذه المشكلات عائقًا؟ وهكذا.
ويُدرس الأمر من كل الوجوه ثم تُصدر الفتوى خالصة للناس. كثير جدًا من الناس لا يعرف هذا الترتيب ويعتقد أن هذا رأي يمكن أن يُرد عليه برأي آخر ومن غير المختصين وبطريقة عشوائية.
جمهور العلماء يجيزون الاكتفاء بأذان واحد في البلدة الواحدة
وهكذا يعتقد السواد الأعظم من الناس، وهذا هو الذي نصححه للناس، أن هذا الرأي عندما يخرج وإنما يخرج من مؤسسة علمية رصينة تدرس الأمور من جوانبها الواقعية العلمية الفنية ومن جوانبها أيضًا وقبل كل ذلك وبعده الشرعية.
فبالنسبة لتوحيد الأذان، هل يجوز أن تكون البلدة كلها يؤذن فيها مؤذن واحد؟ رجعنا إلى الكتب فوجدنا أن جمهور العلماء على ذلك، ولا أريد أن أقول اتفاق العلماء على ذلك.
لماذا لا أقول اتفاق العلماء؟ لأن هناك بعض العبارات عند السادة المالكية قد يختلف في تفسيرها أو تأويلها أو فهمها، فلكي لا ندخل في نزاع نقول إن جمهور العلماء يقولون أنه يُكتفى بأذان واحد في بلدة واحدة ما دام يكون مُسمِعًا.
أبو الوفاء بن عقيل ينص على ذلك، والمغني لابن قدامة ينص على ذلك، هؤلاء أئمة فقهاء علماء.
تجربة الأردن الناجحة في تطبيق توحيد الأذان منذ عام 1974
عندما نأتي الآن إلى الواقع، الواقع أن هذا [توحيد الأذان] مطبق في الأردن منذ سنة ألف وتسعمائة وأربعة وسبعين. قلنا لهم: حسنًا يا جماعة أهل الأردن، أنتم بنيتم كلامكم على ماذا؟ قالوا: على فتوى أصدرها الشيخ عبد الله القلقيلي من قلقيلية، وكان من كبار علماء الأردن.
فاستجلبنا هذه الفتوى وأخرجناها من الأضابير هناك، انظر إلى مؤسسة تعمل! ووجدنا فعلًا أنهم يفعلون هذا ومنذ سنة ألف تسعمائة أربعة وسبعين، يعني نحن داخلون في ثلاثين سنة.
إذن هناك تجربة وتجربة ناجحة من غير إنكار، فيها فتوى سابقة لأحد المتخصصين المفتين في بلدة إسلامية عريقة اسمها الأردن الهاشمية.
تطبيق توحيد الأذان في أبو ظبي واليمن وتركيا بأكملها
وبعد ذلك وجدنا أن نفس القصة [توحيد الأذان] طُبِّقت في أبو ظبي، وبعد ذلك وجدنا أنها أيضًا مطبقة في اليمن، بعد ذلك وجدنا أنها مطبقة في تركيا.
هل في إسطنبول فقط؟ لا، ليس في إسطنبول فقط بل في تركيا كلها، أذان واحد بصوت مسموع.
الزيارات الميدانية لدراسة تطبيق توحيد الأذان في عدة دول
ثم ركبت الطائرة وذهبت إلى تركيا، وذهبت إلى يلوى وسمعت فيها الأذان، وجلست في يلوى يومين لأرى: هل ستنقطع الكهرباء؟ الصوت هذا من أين يخرج؟ ما تأثيره في النفس البشرية؟ هل الأداء حسن أم غير حسن؟ هل الصوت مسموع أم غير مسموع؟
وقد ذهبت إلى عمّان وفعلت نفس الأمر، وذهبت إلى أبو ظبي وطلبت من وزير الأوقاف هناك أن أزور لأرى كيفية الأداء هذا في الأذان، يعني كيف يكون؟ أين المؤذن؟ أين الجهاز؟ كيف يتم ذلك؟ كيف تُفتح؟ كيف تُغلق؟
حسنًا، أين المسجد الذي سيستقبلها [الإشارة]؟ فذهبنا إلى المسجد الذي فيه الإرسال، وذهبنا إلى المسجد الذي فيه الاستقبال، ومررنا على عدة مساجد، وانتظرنا وقت الأذان ليؤذن كي أسمع وأرى.
تفاصيل آلية تطبيق توحيد الأذان في القاهرة الكبرى
وبعد أن درسنا الأمر هكذا، قلنا: حسنًا، السؤال هو: هل سيؤذن مؤذن عبر الراديو أم سيؤذن مؤذن حقيقي؟ فقالوا لنا: لا، إنه سيؤذن مؤذن حي.
إذن هل سيؤذن مؤذن لكل صلاة من الصلوات الخمس؟ نعم، سيؤذن. من أين؟ قالوا: يمكن أن يؤذن من مسجد النور في العباسية، ويمكن أن يكون من جامع الأزهر، واستقروا الآن على جامع الأزهر.
حسنًا، كم مسجدًا يوجد في مصر؟ ماذا تقصدون بمصر؟ مصر كلها أم القاهرة؟ قالوا: نقصد القاهرة الكبرى. حسنًا، إذن ستضعون في كل مسجد جهاز استقبال (ريسيفر) بحيث أن الشيخ عندما يؤذن في الأزهر سيستقبل كل مسجد. قالوا: نعم، ويُسمع كما هو الحال في يلوى وفي عمان وفي أبو ظبي وفي اليمن. قالوا: نعم، هذه تجارب موجودة.
التعامل مع احتمال انقطاع الكهرباء أو الأعطال الفنية أثناء الأذان الموحد
حسنًا، افترضوا أن الكهرباء انقطعت، ماذا ستفعلون؟ قالوا: حسنًا، افترض أن الكهرباء انقطعت من العاصمة، ماذا ستفعلون؟ وإذا لم يكن هناك أذان موحد، أو حدث عطل في الأجهزة الإلكترونية الموجودة، ماذا سيحدث؟ لا شيء.
ولو لمدة دقيقة أو دقيقتين ألن يغير ذلك من ميعاد الصلاة؟ لا، فمواعيد الصلاة معروفة ومفهومة ومحسوبة في قسم الجيوديسيا في المساحة المصرية، ومكتوب في النتائج أن القاهرة كذا كذا كل يوم، لا يتغير إلا كل خمسمائة ستمائة سنة.
وإذا تأخر أو حدث عطل فني أو عطل في الكهرباء؟ فليؤذن كل مؤذن في مسجده مباشرةً؛ لأن هذه الحالة [حالة الطوارئ] نحن لا نلغي المؤذن.
وظيفة المؤذن لن تُلغى مع توحيد الأذان لأسباب شرعية متعددة
لأن الناس تظن أنه مع توحيد الأذان سيتم إلغاء المؤذنين، وهذا غير حاصل. فالمؤذنون سيظلون موجودين من أجل الآتي:
أولًا: الأذان الثاني يوم الجمعة، حيث إنه سيختلف من مسجد لآخر فلا يوجد فيه توحيد للأذان.
ثانيًا: الإقامة في كل مسجد، والإقامة في كل مسجد ستجعل كل مسجد له مؤذن يقيم الصلاة فيه.
إذن مهنة المؤذن لن تنتهي وسنحتاج إليها دائمًا؛ سنحتاج إليها في إقامة كل صلاة، وسنحتاج إليها في يوم الجمعة. فحكاية أن هذا سيلغي المؤذن، دعونا نتجنبها.
الرد على اعتراضات ضياع وظائف المؤذنين والأعطال الفنية
لكن البعض اعتقد - واعتقد هذا أيضًا الشيخ الدكتور منصور الرفاعي وكيل وزارة الأوقاف سابقًا لشؤون المساجد - وطرح هذا الطرح: ماذا لو حدث عطلًا فنيًا أو أي أخطاء في الأجهزة الإلكترونية أو ما شابه ذلك؟ سيؤذَّن المؤذن [في مسجده مباشرة].
وطرح أيضًا أنه تضيع علينا أربعة آلاف وظيفة من خلال وظيفة مؤذن المسجد الحافظ للقرآن.
هذه ليست اعتراضات مقبولة؛ لأنها وهمية ولأنها لا حقيقة لها، حيث أن المؤذن سوف يبقى. حسنًا، انتهى الأمر، يعني لا يوجد إذن اعتراض؛ لأنه هل سنستغني عن أربعة آلاف مؤذن؟ الإجابة: لا، لن نستغني عن أربعة آلاف مؤذن.
الرد على اعتراض ضرورة وجود شخص مرئي يؤذن اقتداءً بالنبي
هذا الاقتراح الخاص بتوحيد الأذان عُرِض منذ عام ألف وتسع مئة ثلاثة وستين على كثير من الوزراء، وكان العلماء يرفضونه اقتداءً بالرسول عليه الصلاة والسلام. كان يقول [الدكتور منصور الرفاعي]: لا بد من شخص مرئي يؤذن ويقيم الصلاة، ولابد أن يراه الناس، أي أنه يستشهد اقتداءً برسول الله عليه الصلاة والسلام، والكلام لا يزال للدكتور منصور الرفاعي وكيل الوزارة الأسبق.
هذا الكلام درسناه ووجدنا الآتي:
رقم واحد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن عنده إلا مؤذن واحد، هو بلال مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
مؤذنو النبي صلى الله عليه وسلم الأربعة وقصة كل منهم
ومجموع المؤذنين الذين أذنوا في حضرته صلى الله عليه وآله وسلم أربعة: بلال، وابن أم مكتوم، وأبو محذورة في مكة. أبو محذورة في مكة وليس في المدينة، فلما دخل مكة وأسلم أبو محذورة في آية ومعجزة جرت على يد النبي صلى الله عليه وسلم، جعله مؤذنًا له في الحرم.
ورجل اسمه الساعدي، ثم كان هناك أذان عارض وهو لرجل من صُداء، فقال [النبي ﷺ]:
«إن أخا صُداء قد أذن، ومن أذن فهو يقيم»
فهذا عارض واحد، جاء إلى المسجد وقال: أنا أريد أن أؤذن يا رسول الله، فجعله يؤذن مرة واحدة فقط.
المدينة المنورة كان فيها أذان واحد رغم تعدد المساجد
فمؤذن الرسول في المدينة - وهي متعددة المساجد - كان شخصًا واحدًا وهو بلال، ويضم إليه شخص واحد أيضًا وهو ابن أم مكتوم في الفجر فقط.
وكان ابن أم مكتوم هو الذي يؤذن للفجر الصادق، وبلال يؤذن بليل.
قال النبي ﷺ: «إن بلالًا يؤذن بليل، فإذا سمعتم ابن أم مكتوم فقد وجبت الصلاة وحرم على الصائم الطعام»
ابن أم مكتوم وبلال واحد وليسا متعددين.
حسنًا، هل كان في المدينة مساجد غير مسجد رسول الله؟ نعم، من ضمنها مسجد القبلتين ومن ضمنها هنا وهنا وهنا، وكان في المدينة أذان واحد.
فإذا حكاية أنه لا بد من شخص مرئي، فهذا كلام لم يقله الأئمة ولم يُذكر في كتب الفقه. هذا كلام معترض، والرد عليه هو ما في كتب الأئمة الأعلام: أن الأذان الواحد يكفي في المدينة الواحدة ما دام يكون مُسمِعًا.
سبب رفض العلماء لتوحيد الأذان عام 1963 والفرق عن الوضع الحالي
رقم اثنان: إن هذا الأمر [توحيد الأذان] عُرِض سنة ثلاثة وستين وقد رفضه العلماء. لماذا رفضه العلماء؟ رفضه العلماء لأنه لم تكن هناك تقنيات، ولأن المعروض سنة ثلاثة وستين كان شيئًا آخر.
ما هو الشيء الآخر؟ هو أن يؤذن مؤذن في الإذاعة وبأصوات مسجلة، فرفض العلماء هذا وقالوا: هذه الأصوات حكاية صوت وليست هي ذات الصوت، فيكون بذلك حكى الصوت، وحكاية الصوت لا ثواب فيها كثواب الصوت نفسه.
في ثواب للسمع لأنني أسمع الصوت هو هو مثل صوت الشيخ رفعت، لكن ليس فيها ثواب للأداء.
الفرق الجوهري بين عرض 1963 وعرض 2003 في توحيد الأذان
فقلت له: حسنًا، ولكن حالتنا مختلفة عن ذلك. إذن الذي عُرض سنة ثلاث وسبعين [كذا، والمقصود ثلاث وستين] مختلف عن الذي عُرِضَ سنة ألفين وثلاثة أو ألفين وأربعة.
الفرق بينهما: أن الأول كان يريد أن يجعل ذلك بالإذاعة بصوت مسجل، وحينئذٍ ستُلغى وظيفة المؤذن، وحينئذٍ فعلًا ليس هناك حيٌّ يؤذن.
لكن الآن لا، هناك حيًا يؤذن، ووظيفة المؤذن لا تُلغى، وتوحيد الأذان يأتي في صورته الشرعية؛ لأن الأئمة أجازوه، وفي صورة الالتزام بصحة الأذان والالتزام بأداء الأذان وخشوع الأذان.
جمال الأذان الموحد ودعوته إلى الله وأثره في إسلام كثيرين
لو سمعت الأذان في يلوة ستقول على الفور: لابد أن نوحد الأذان؛ لأنه صوت رخيم جميل يدعو إلى الله، وكم من إنسان قد أسلم من أجل الأذان.
ولذلك فنحن ندعو الناس إلى أن تتعامل مع هذا الشأن لا بمنطق الخوف. قال: نعم، نحن نخشى أن نفعل ذلك لأن هذا لم يكن في آبائنا الأولين. الأمر ليس كذلك أبدًا، نحن ندرس الأمور شرعيًا وندرس الأمور واقعيًا، ولا ندخل في هذه المتاهات.
أي أنني أسميها متاهات مضحكة؛ لأنها تقوم على التوهمات والانطباعات والتخوفات، وليس على الآراء الفقهية الرصينة التي عليها الأئمة الأعلام في ديننا، والحمد لله الذي جعلنا مسلمين.
الرد على موقف المجمع الفقهي في مكة من رفض توحيد الأذان
الحمد لله، ولكن المجمع الفقهي في مكة المكرمة يرفض توحيد الأذان، ويقول إن هذا مخالف للإجماع، ويقضي على ظاهرة تميزت بها المجتمعات الإسلامية، واستشهدوا بذلك بحديث الرسول عليه الصلاة والسلام:
قال النبي ﷺ: «إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم»
هذا الذي ذكرته منسوبًا إلى المجمع، هذا رأي من الآراء يرى عدم الملاءمة، وهذه خاصة ببيئة معينة، خاصة ببلد معين.
ونحن لا نتكلم [من فراغ]، ونحن والحمد لله نسبق غيرنا في حل مشكلات عصرنا بخمسين سنة، حيث إن المصريين يضعون قانونًا للأحوال الشخصية يُقلَّد في البلاد الأخرى بعد خمسين سنة؛ لأننا نبادر بحل مشكلات الناس طبقًا لمقررات الفقه الإسلامي الرصين.
الفتاوى المحلية لا تصلح أن تكون نموذجاً عالمياً كمثال قيادة المرأة للسيارة
بعد ذلك بخمسين سنة يأتي هذا وذاك هنا وهناك محاولًا أن يقلدنا. ولذلك نحن في منتهى الحرص أن تصدر منا فتاوانا لتكون صالحة للأمة الإسلامية كلها، ولكن بالرغم من ذلك فإن كل بيئة وكل مكان له حالته الخاصة.
لكن هذا المكان [المجمع الفقهي] ليس قائدًا للعالم الإسلامي ولا يُصدر فتواه إلا للمواءمة والملاءمة. خرجت فتوى بأن المرأة لا تقود السيارة، لا يُصدر فتوى أبدًا عندنا تقول أن المرأة لا تقود السيارة؛ لأن فتواي ستلتزم بها الأمريكية كما ستلتزم بها اليابانية.
أما حكاية أن المرأة لا تقود السيارة فقد يكون صحيحًا في بيئة ما لها تقاليدها ولها ظروفها ولها قوانينها ولها أعرافها ولها تركيبتها الاجتماعية المعينة، لكنها لا تصلح لأن تكون مثالًا يُحتذى به في الشرق والغرب، بل تكون خاصة.
فتوى توحيد الأذان مؤسسة على موقف شرعي رصين وصالحة لكل زمان ومكان
ولذلك، والإجابة على السؤال - وأنا لا أتهرب من شيء - إنما أنا أقرر أشياءً من أجل المستمع الذي يستمع من مفتي الديار المصرية الآن ليبني عقله وليأخذ منه دينه الخالص.
فإنني أقول لك إن هذه الفتوى [فتوى توحيد الأذان] فتوى تصلح للتطبيق في كل زمان ومكان، فتوى لمصر الرائدة القائدة، فتوى مؤسسة على موقف شرعي رصين، على وضع عالمي واضح، وليست فتوى محلية، ولا تتأثر بهذا ولا ذاك، ولا أضرب مجمعًا، ولا أرد على علماء، وإنما الذي أفعله أنَّني أُسِّسُ من أجل البناء وهكذا دائمًا.
خصائص دار الإفتاء المصرية في البناء الفقهي الرصين والجهاد العلمي المستمر
ومن هذه اللطيفة تتبين لنا خصائص دار الإفتاء المصرية: أننا لسنا في نزاع مع أحد، نحن نبني وليست لنا ردود أفعال مع أحد، نحن نؤسس ولسنا في جهاد من غير وغى، بل إننا في جهاد مستمر لبناء الفقه الإسلامي الرصين المأخوذ من الأئمة أهل السنة والجماعة عبر القرون، المعتمد على الكتاب والسنة والأدلة والبراهين الواضحة.
ثم بعد ذلك أمامنا الأدوات والمناهج التي نتعامل بها، فنحيا عصرنا وننصر مصرنا ونكون أقوياء كما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:
قال النبي ﷺ: «المؤمن القوي خير وأحب عند الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير»
ختام الحلقة والتواصل في الغد مع فضيلة المفتي
أشكر فضيلتكم ونتواصل في الغد بإذن الله تعالى. إن شاء الله.
أيها المشاهدون الأعزاء، نتواصل في الغد بإذن الله مع فضيلة المفتي الأستاذ الدكتور علي جمعة.
