الإسلام كتاب مفتوح - بعض أحكام الصوم
- •يجب الصيام على البالغين العقلاء من المسلمين، ويجب على المرأة الحائض والنفساء الإفطار ثم قضاء ما أفطرت.
- •يجوز للمرأة تناول ما يؤخر حيضها للصيام رغم عدم النصح بذلك، وإذا كانت حائضاً فلا حرج في أكلها طعاماً طبيعياً.
- •المجاهرة بالإفطار في رمضان قلة أدب، والإعلام أداة مهمة لمحاربة ذلك وبناء العقلية وتصحيح المفاهيم.
- •يجب الإفطار على المريض الذي يتسبب الصيام في زيادة مرضه أو هلاكه كمريض السكر.
- •حقنة الأنسولين تحت الجلد لا تُفطر ويجوز أخذها حسب وصفة الطبيب.
- •يجوز للمسافر الإفطار بشرط أن يؤذن عليه المؤذن وهو متلبس بالسفر، والصيام أفضل له.
- •الغيبة والنميمة وعدم حفظ السمع والبصر لا تبطل الصيام بل تقلل من ثوابه، كما قال النبي: "ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش".
مقدمة اللقاء وسؤال عن المرخص لهم بالإفطار في رمضان وشروط وجوب الصيام
[المذيع]: أعزائي المشاهدين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، نلتقي ونتواصل اليوم مع فضيلة مفتي الديار المصرية، فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة، أهلًا بحضرتك.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم، مرحبًا.
[المذيع]: من هم الذين يُرخَّص لهم الإفطار في نهار رمضان؟ ومن تجب عليهم الفدية فقط؟ ومن الذين يجب عليهم القضاء فقط؟ ومن الذين يجب عليهم القضاء والكفارة معًا لإفطارهم؟
[الشيخ]: هؤلاء الذين يجب عليهم الصيام هم البالغون العقلاء من المسلمين. إذن يجب على الرجل والمرأة، ويجب أيضًا - كما كان في الماضي عندما كان هناك رقٌّ وخلَّصنا الله منه - على العبد والحر، يجب على كل المسلمين.
لكن المهم أن يكون عاقلًا؛ فلا يجب على المجنون، وأن يكون بالغًا؛ فلا يُطلب من الصبي الصغير أو الصبي.
العوارض الموجبة للإفطار كالحيض والنفاس وأثرها على صحة الصيام
[المذيع]: حسنًا، ثم ماذا؟
[الشيخ]: ثم تعرض أحوال وعوارض، هذه العوارض بعضها يوجب الإفطار، الذي هو الحيض والنفاس. فالمرأة إذا دهمها الحيض أفطرت، ولو دهمها قبل الأذان، قبل الغروب بلحظة أو بدقيقة؛ لأن بهذه الدقيقة يكون لم يصم اليوم كله.
مثل الإنسان عندما يأتي قبل الغروب بدقيقة أيضًا عامدًا متعمدًا يأكل، يكون أفسد [صيامه]. وأصوب [القول]: يكون المرأة الحائض والمرأة النفساء من ولادتها، هذا يجب عليهم الإفطار.
كذلك المريض الذي...
حكم تناول حبوب منع الحيض لإكمال صيام رمضان وحكم أكل الحائض في النهار
[المذيع]: لكن اسمح لي فضيلتك، يعني بعض السيدات اليوم يأخذن حبوب منع الحيض لكي يُكملن شهر رمضان كاملًا.
[الشيخ]: نعم.
[المذيع]: حسنًا، الذي يحدث بعض الأحيان، هل يجوز هذا؟ هو السؤال الثاني: في بعض الأحيان تجد سيدة عليها الدورة الشهرية، لكنها تأكل لقمة واحدة فقط أو تتناول قليلًا من السوائل ثم تُمسك عن الطعام بقية اليوم، هل هذا مخالف شرعًا؟
[الشيخ]: لا، هذا ليس مخالفًا شرعًا، ولا هذا مخالف شرعًا. يجوز للمرأة - مع عدم نصحها بذلك - أن تتناول ما يؤخر حيضها فتصبح غير حائض.
توقف الحيض لأسباب عارضة وحكم الصيام عند عدم رؤية الحيض لأي سبب
نعم، من الممكن أن تكتشف أنها حامل فتبقى أيضًا غير حائض. نعم، يعني من الممكن أن يتوقف الحيض لسبب عارض، فتذهب وتقول للطبيب: لم تأتني الدورة الشهرية، فيقول لها: إنه حمل كاذب، أو إنه حمل حقيقي، أو هناك عارض في تليف في شأن ما لا أعرف ماهيته أو في كذا.
هناك قضية أننا ليس لنا تدخل في هذه القضية إلا أن رؤية الحيض توجب الإفطار. فإن لم ترَ الحيض فعليها أن تصوم، وإن لم ترَ الحيض لأي سبب كان، بما في ذلك أنها تناولت الدواء لتأخير الحيض.
فنقول لهم: لا تتدخلوا فيما خلق الله؛ لأن هذا يُربك الأمور.
حق المرأة الحائض في الأكل وأهمية إخفاء الإفطار عن الأطفال تربوياً
أي أن المرأة التي في فترة الدورة الشهرية يحق لها أن تأكل طعامًا طبيعيًا، ولا لوم ولا حرج عليها ولا حرج عليّ. لكن ما يحدث من الناحية التربوية أنها تُخفي عن أطفالها الصغار الذين لا يفهمون لماذا هذه الفترة، وأن هذا شهر مقدس وأن الصيام هذا شيء مهم.
حتى لا يجاهروا بإفطارهم في النهار، قبل أن يجاهروا بإفطارهم، وحتى لا يتهموا أمهم وهم لا يفهمون، كما حدث مع فضيلة الشيخ الشعراوي أيضًا وهو صغير في السن بعدم الالتزام.
فتأتي المرأة هنا من إيمانها فتأكل وكل شيء، وتجرح صيامها كما تقول إعلانًا للعبودية، يعني أنتِ قلتِ لي يا ربّ أَفطِري، فسوف أُفطر، ثم تُمسِك. وعندما تُريد أن تأكل شيئًا تأكله في الخفاء.
حكم المجاهرة بالإفطار في نهار رمضان ودور الإعلام في مواجهتها
لأنّ معنى سوء المجاهرة بالإفطار هو الإفطار علنًا في نهار رمضان. وهذا هنا إجابة لسؤال حضرتك أيضًا، أي ما حكم المجاهرة بالإفطار في نهار رمضان؟ إنها قلة أدب فقط، قلة أدب يعني.
[المذيع]: وليس هناك وسيلة لمحاربة المجاهرة بالإفطار في نهار رمضان؟
[الشيخ]: طبعًا هناك - شاهد هذا - الإعلام هو بكل وسائله: الإذاعة والتلفزيون والصحافة، أداة قوية جدًا.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: لبناء العقلية ولشيوع الثقافة السائدة.
نعمة الإعلام وخطورة عدم استغلاله في نشر الخير والأخلاق وعمارة الكون
هذا الإعلام هو شيء، شيء يعني نعمة من نعم الله سبحانه وتعالى. ولذلك المرء يحزن حزنًا كبيرًا عندما لا تُستغل هذه النعمة وهذه الأداة الجبارة في النافع للإنسان وللوطن وللحياة.
فإن عدم الاستعمال يُضعف الإنسان ويجعله متعبًا نفسيًا، ويجعله يشعر بالتعب من عدم استغلال هذه الأداة في الخير وفي الأخلاق وفي عمارة الكون وفي تزكية النفس وفي إحداث ثقافة سائدة وعقلية علمية تبتعد عن الخرافة.
فما بالك إذا استعملها من مُكِّن في الإعلام بهذه النعمة وتحويلها إلى نقمة؟ هي المصيبة الكبيرة الأكثر شرًا؛ لأنك أنت أيضًا لم تستعملها في الخير، هذه مصيبة أخرى، واستعمالها في الشر مصيبة أكبر.
الإعلام أداة لبناء الثقافة السائدة والأصول التي يحتاجها المجتمع
وهذه قضية سيدي، أنا أعلم أن في قلبك الكثير من هذا، ولهذا سيأتي وقته. حضرتك الذي أنت في حال عنه، هذا هو تجعل فيه شيئًا واضحًا جدًا.
[المذيع]: يعني كيف نُعلِّم الناس أو كيف؟ أليس هناك... أنت تريدني مثلًا أن أقول ماذا؟ أأقول مثلًا: نصدر قانونًا وما إلى ذلك؟ ماذا نفعل؟
[الشيخ]: لا، إن لدي ما هو أجمل وأسمى من ذلك، وهو استخدام الإعلام.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: لأن الإعلام قوة ضاربة تصحح المفاهيم.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: الإعلام يبني العقلية، الإعلام ينشر الثقافة السائدة التي هي الثقافة السائدة. هذه الأصول التي كنّا قديمًا نقول عنها: الله، هذه ليست أصولًا. هذه التي كنا نقول عنها: في الأصل، يعني يصح.
[المذيع]: نعم، هذه الكلمة.
[الشيخ]: هذه الكلمة لم نعد نستعملها. يصح أيضًا أن نفعل كذا وكذا وكذا، يصح أيضًا. وكلمة لا يصح، لا يصح أن نفعل هكذا. يصح وما يصح، هذا يعني أنها تحتاج إلى أصول. من الذي يبني هذه الأصول؟ إنها الثقافة السائدة.
قناعة المذيع بأن الإعلام هو المحرك الأساسي لبناء ثقافة المجتمع
وهي التي تقول لي: العلم والخلاف يساهم مساهمة كبيرة وفعالة في هذا.
[المذيع]: لقد بدأت أقتنع أن كلمة "يساهم" هذه قليلة، بل هي كل الأمور في يد الإعلام.
[الشيخ]: إلى هذه الدرجة.
[المذيع]: إلى هذه الدرجة، يعني أنا كنت سابقًا أقول إن الإعلام والتعليم ودور المسجد وغير ذلك من هذا الكلام، أما الآن فقد بدأت أقتنع أنه لا، بل هو الإعلام ثم الإعلام ثم الإعلام.
ولماذا أنت فضيلتك غاضب من الإعلام؟
[الشيخ]: لا، أنا لست غاضبًا من الإعلام، لا لا لا. هذا ما أقوله الآن يثبت أنني لست غاضبًا من الإعلام. أنا غاضب من المفسدين الذين أولًا لا يستغلون الإعلام لمنفعة البلاد والعباد، وثانيًا يستعملونه لبناء العقلية الخرافية، للكذب، للبهتان، للتلبيس، تلبيس الحق بالباطل.
السرعة في الإعلام لا تتناقض مع العلم والحقيقة وميثاق الشرف الصحفي
لا يا إخواننا، واحدًا واحدًا، انتبه لهذا. خطأ هكذا، بعض الناس يقول لي: أصل الإعلام مبني على السرعة يا أخي. السرعة عمرها ما ناقضت العلم، ولا عمرها ما ناقضت الحقيقة، ولا عمرها ما ناقضت الأخلاق.
أقول لك أقرب شيء: ميثاق الشرف الصحفي. أنا لا أريد شيئًا إلا تطبيق ميثاق الشرف الصحفي. ألا يوجد ميثاق للشرف الصحفي؟ ألا يوجد ميثاق للشرف الإعلامي؟ ألا توجد أصول جعلت هناك ما يسمى بالصحافة الصفراء والصحافة الجادة؟
[المذيع]: نعم، صحيح.
نماذج المؤسسات الإعلامية الرصينة في الشرق والغرب ودورها في بناء الثقافة
لا توجد مؤسسات وصلت من الرصانة إلى أنها أصبحت هي حجة في خبرها ونقلها وما شابه في وسائل الإعلام بشكل عام؟ لا يوجد شيء اسمه رويتر وشيء اسمه تاس وهناك شيء لا أعرف اسمه وأصبح عَلَمِيًّا؟ أليس كذلك؟ أصبح عَلَمِيًّا بموجبين.
حسنًا، أليست هناك نيويورك تايمز والتايم والواشنطن بوست وعدة وسائل إعلامية أخرى؟ أليست هناك أشياء وصلت إلى الرصانة؟ أليس لدينا في الأهرام ما يساوي؟ أليس هناك كذا؟
حسنًا، لماذا لا ترى، أليس هو كذلك؟ في تجارب ناجحة هنا في الشرق وفي الغرب. أليس هذا ما بنى الثقافة وبنى الأصول؟
مقاومة المجاهرة بالإفطار بالإعلام واقتراح قانون لمعاقبة المجاهرين
فأنت تريد الآن: كيف نقاوم المفطر [المجاهر بالإفطار في رمضان]؟ نقاومه بالإعلام.
[المذيع]: وإن كان هناك اقتراح آخر، يعني منذ سنتين أو ثلاث سنوات، اقترح بعض أعضاء مجلس الشعب مشروع قانون يُقدَّم إلى المجلس لمعاقبة من يجاهرون بإفطارهم في نهار رمضان. سيكون هناك مساعدات.
[الشيخ]: نعم، مساعدات.
[المذيع]: هل تؤيد ذلك؟
[الشيخ]: انظر، سأقول لحضرتك شيئًا: قضية إصدار القوانين تحتاج إلى دراسة. أنا أؤيد كل ما هو نافع.
[المذيع]: يعني أنت مع الإجراءات ومع الضوابط.
شروط التشريع الناجح من الدراسة والعصف الذهني ودعم الإعلام له
[الشيخ]: انظر، سأقول لسيادتك شيئًا: ليست بمفردها هكذا كما قلنا الآن، يعني ليس مجرد عمل تشريعات. فما التشريعات؟ كثيرة. وبعد ذلك لا أُصدر تشريعات تؤدي إلى تعارضات.
لا، إن أي تشريع لا بد له من دراسة. ثم بعد الدراسة، ماذا يحدث في هذه الدراسة؟ يحدث فيها عصف ذهني، ويحدث فيها تصور لما الذي ستؤدي إليه.
وهكذا نعمل معًا، فأنت تقول لي: لا، انتبه، أنت صنعت هذا التشريع لأجل شيء طيب وجيد، لكن سيترتب عليه أثر جانبي شكله كذا وكذا. فنقول له: حسنًا، لِمَ لا ننفي الأثر الجانبي بمادة ما؟ لِمَ لا ننفي كذا بمادة أخرى؟
حسنًا، وقد حصل التشريع وتم، فيجب أن يُنفَّذ. حسنًا، حصل ونُفِّذ، فيجب أن يُؤيَّد ويُدعَم من قِبَل الإعلام.
شروط تأييد التشريع أن يكون نافعاً مدروساً مؤيداً من الإعلام الهادف
إذن لا تختزل القضية وتسألني: أأنت مع هذا التشريع أم لا؟ أنا معه بشرط أن يكون نافعًا، مدروسًا، خاليًا من الآثار الجانبية، مُطبَّقًا التطبيق الحسن، مؤيدًا من الإعلام الهادف، إلى آخره.
من يُباح لهم الإفطار وجوباً كالحائض والنفساء والمريض بأنواعه
[المذيع]: لو رجعنا - تسمح لي - للإجابة على سؤالك الذي سألته، وهو: من الذي يُباح له الإفطار؟
[الشيخ]: فالذي له الإفطار وجوبًا: الحائض والنفساء، والمريض الذي يُعاين [مرضه]، أو الذي يتسبب الصيام في زيادة مرضه أو هلاكه، يجب عليه الإفطار.
مريض السكر الذي مستواه ستمائة، يجب عليه الإفطار لكي يأخذ الأنسولين الخاص به ويتناول أدويته. كذلك مريض الضغط الذي لا أعرف كم قياسه، ينبغي له أن يفطر.
حكم أخذ حقنة الأنسولين تحت الجلد في نهار رمضان ووجوب طاعة الطبيب
[المذيع]: أي أن بعض الأطباء، فضيلتك، ينصحون أيضًا بأخذ حقنة الأنسولين تحت الجلد قبل الإفطار بنصف ساعة. هل هذا يجوز في رمضان؟ قبل إفطار رمضان بنصف ساعة أن يأخذ حقنة الأنسولين تحت الجلد؟
[الشيخ]: نعم، هذه حقنة الأنسولين تحت الجلد غير مفطرة، ويجوز أخذها بوصفة الطبيب الذي يحددها. وطبعًا هذه تختلف في جرعتها وفي وقتها وفي كيفيتها وفي زمنها باختلاف مريض السكر.
أي أن السكر هذا أنواع كثيرة ودرجات كثيرة وهكذا. ولذلك علينا أن نطيع الطبيب في رسمه للخطة الخاصة به. فإذا قال لي: أفطر، أفطر. وإذا قال لي: صُم، أصوم. خذ الأنسولين في الوقت المحدد، حاضر. بالدواء، بالحبوب، خذ الحبوب أو خذ العلاج في الوقت المحدد. كميات الطعام، أنواع الطعام، كل ذلك لا بد عليّ أن أطيع فيه الطبيب.
حكم إفطار المسافر في رمضان وشرط التلبس بالسفر عند أذان الفجر
بعد ذلك، يجوز أيضًا للمسافر أن يفطر، لكن بشرط أن يؤذن عليه المؤذن وهو متلبس بالسفر.
يعني أنا نزلت وذهبت إلى محطة مصر، وبعد أن أذّن عليّ الفجر وأنا في محطة مصر، فيجوز لي أن أفطر وأنا راكب القطار. يجوز لي أن أفطر وأنا في سيارتي ومتوجه إلى الطريق الزراعي.
[المذيع]: لكن هذا ليس وعثاء الطريق يا فضيلة المفتي، يعني هذا اليوم السفر، اليوم أنت جالس في القطار الديزل - أي بعيدًا طبعًا عن حوادث القطارات الموجودة - أنت جالس في الديزل المكيف، يعني أمامك فيديو أثناء السفر.
[الشيخ]: لا علاقة لي بذلك. هذا يعني هذا اليوم السفر.
حكمة إباحة الإفطار للمسافر ليست المشقة فقط بل الغربة عن الوطن
[المذيع]: طبعًا مقارنةً بما كان في الماضي، في أيام الرسول والصحابة كان السفر شاقًا على الجمل وفي الصحراء وتحت حرارة الشمس الحارقة، واليوم أنت جالس في مكيف في حافلة ديزل تأخذك إلى الإسكندرية في ساعتين.
[الشيخ]: صحيح، ولكن الحقيقة أنه عندما أباح الله للصائم المسافر الإفطار، لم يُبِحه فقط من أجل مشقة السفر، وإلا لكان حرّمه على الملوك في رفاهيتهم في سفرهم.
إنما هي إباحة لأمور أخرى، حتى قالت عائشة رضي الله تعالى عنها:
«السفر قطعة من العذاب»
الغربة هي الحكمة. فالغربة تعني أنك لست في بيتك، وهذا ما انتهى إليه الحال في الغربة اليوم.
الغربة شعور إنساني عميق لا تزيله وسائل الاتصال الحديثة
[المذيع]: مع وجود الهاتف المحمول، فاليوم لو كان ابنك مثلًا موجودًا في أمريكا أو ابنتك موجودة في أستراليا، يمكنك التواصل معهم في أية لحظة. سأتحدث إليها في نفس اللحظة، أين الغربة إذن؟ من الممكن أن تراها وتتحدث إليها عبر الإنترنت. يعني المسائل اليوم أصبحت ميسرة إلى أبعد درجات الرفاهية.
[الشيخ]: ومع ذلك ما زالت الغربة قائمة؛ لأن الغربة في القلب.
[المذيع]: إذن طبعًا، نعم.
[الشيخ]: الغربة هي أن تغير مكان نومك، أنت تنام في مكان آخر. الغربة أن تخرج من ذكرياتك. قصة الإنترنت هذه ليست لها علاقة بالسفر الذي نحن فيه، ولكنني أرد على حضرتك في موضوع الهاتف المحمول والإنترنت.
لا، هذه هي الغربة: عندما أخرج من موطني هكذا يا أخي. أنا عندما أنزل الآن إلى منطقة سيدنا الحسين وأتذكر كيف قضينا العيد في شبابي وكيف كان كذا إلى آخره، أنا أشعر بمشاعر معينة لا أشعر بها عندما أكون في أمريكا ولا في اليابان. فالغربة هذه شيء إنساني عميق جدًا.
الإفطار في السفر جائز وليس واجباً والصيام أفضل عند الإمام الشافعي
لكن بالرغم من كل ذلك، وبعيدًا حتى عن تحمل المشقة أو وجود المشقة من عدمه أو غير ذلك، فإن الإفطار في الصيام في رمضان عند السفر جائز وليس واجبًا، والأفضل منه أن تصوم.
انتبه أن هناك فرقًا بين أن الله سبحانه وتعالى يجيز لي شيئًا ويرخص لي شيئًا، وبين ما أفعله. فالإمام الشافعي جاء هنا في هذه المسألة وقال:
﴿وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 184]
فيكون وأنت مسافر: صُم يا أخي. وأنت ستعوض رمضان متى؟ أنت ستصوم يومًا مكانه.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: حسنًا، إذا أحببت الحق والمستحق، وأنت تحاسب على نفسك، لكن رمضان ونفحة رمضان كيف ستحصل عليها؟
حكمة الله في إباحة الإفطار للمسافر خطاب للعالمين إلى يوم الدين
إذن، أنا هنا لا أنظر إلى المشقة والغربة وما إلى ذلك، بل أنظر إلى حكمة الله الذي خاطب بالقرآن الكريم العالمين إلى يوم الدين، أي كل الأشخاص وفي كل مكان وزمان.
بأنه يا أخي لا، فهناك وعثاء وغربة وأشياء أخرى، فقال لي: يجوز لك أن تفطر. حسنًا، يجوز لي أن أفطر، مفهوم. لكن لو صمت فهذا يكون خيرًا له، ويكون جيدًا جدًا.
[المذيع]: إذن، هل الصيام في السفر أفضل أم الإفطار أفضل؟
[الشيخ]: فكانت مدرسة الإمام الشافعي ترى هذا المنحى، وهو أن الصيام في السفر أفضل من الإفطار في رمضان. لماذا؟ قال: لأن نفحة رمضان لا تُعوَّض. وقال سبب كبير:
﴿وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 184]
منة الله في تيسير السفر وثبات الأحكام الشرعية مع تغير الزمان
هنا إذن ينبغي أن نبدأ نشعر - على حد كلام حضرتك - بمنة الله علينا، حيث قارب بين أسفارنا، وحيث خفف عنا وعثاء السفر الأول، وحيث جعلنا نتصل الاتصال البشري بالهاتف المحمول وبالإنترنت وبالمكالمات الجماعية وما إلى ذلك.
حسنًا، هذا يكون الحمد لله رب العالمين. ولكن الأحكام الشرعية ثابتة، الأحكام الشرعية ثابتة.
﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14]
وفي نفس الوقت، مع ثباتها، إلا أنه كما نرى الآن قال بالجواز وليس بالوجوب. وأيضًا الصيام خير لنا كما نص ربنا على ذلك.
حكم الكبير في السن الذي يُنصح بالإفطار وقول الغزالي فيمن صام فمات
إذا رأينا أيضًا الرجل الكبير في السن الهَرِم، في بعض الناس يكون متعودًا على الصيام، فيأتي الطبيب ويقول له: إنك هكذا قد تتعرض لسكتة قلبية بسبب الصيام، لا بد أن تفطر. هذا يجب عليه أن يفطر.
أيضًا يقول الإمام الغزالي: لو أن كبيرًا في السن أو مريضًا، لو أن كبيرًا في السن أو مريضًا صمّم على الصيام فمات بسبب الصيام، مات مفطرًا آثمًا.
[المذيع]: لكن كلمة "مفطرًا" هذه خطيرة.
[الشيخ]: نعم بالطبع، هو مفطر، أي أنه خلاص، أنت مفطر الآن كأنه لم يصم.
[المذيع]: نعم، كأنه لم يصم رغم أنه صائم في الحقيقة.
[الشيخ]: نعم.
حكم الغيبة والنميمة في نهار رمضان وأثرها على ثواب الصيام لا صحته
[المذيع]: أسئلتك بعد ذلك يعني كانت تتحدث عن المفطرات.
[الشيخ]: نعم، المفطرات. سأنتقي طبعًا، الأكل والشرب وما إلى آخره، لكنني سأنتقي مجموعة من المفطرات يسأل عنها الناس كثيرًا.
[المذيع]: النميمة، الغيبة والنميمة، وعدم حفظ السمع والبصر، هل هي من مفطرات الصوم؟
[الشيخ]: لا، هذه ليست من مفطرات الصوم، وإنما مما يؤدي إلى تقليل ثواب الصائم.
نحن نرى في نهار رمضان مجموعة من السيدات أو مجموعة من الرجال يجلسون يتحدثون عن فلان وفلانة وهذا وذاك.
[المذيع]: هل هذا يُبطل الصيام أو يُقلل من ثوابه؟
[الشيخ]: لا يُبطله. ولو قال الناس بأنه يُبطل، لوجدتهم بعدما يغتابوا ينامون ويأكلون ويشربون ويقولون: خلاص قد بطل. لا، إنه لا يُبطل، وإنما يقلل من ثوابه على حد قول النبي صلى الله عليه وسلم:
قال النبي ﷺ: «ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش»
الفرق بين ذهاب الثواب فقط وبين العقوبة المركبة عند الأكل في نهار رمضان
يعني إذا - لكن على فكرة - لو أكل سيكون قد ارتكب مصيبتين: ذهب الثواب وعليه عقاب، عقوبة مركبة إذن، وعقوبة مركبة ومصيبته سوداء.
لكن هنا لا، هنا مصيبته خفيفة بعض الشيء، فبعض الشر أهون من بعض، هذا من بعضه. فهو الذي يغتاب وينمّ ويكذب ويشهد الزور، كل هذه أشياء تذهب بركة الصيام، تذهب ثواب الصيام، لكن الصيام ما زال صحيحًا.
خاتمة اللقاء والتوديع مع فضيلة مفتي الديار المصرية
[المذيع]: وبعد، أعزائي المشاهدين، نلتقي غدًا بإذن الله مع فضيلة المفتي، مفتي الديار المصرية، الأستاذ الدكتور علي جمعة. إلى اللقاء.
