الإمام الشافعي ج1 | ح #11 | مصر أرض الصالحين | أ.د. علي جمعة - شخصيات إسلامية, مصر أرض الصالحين

الإمام الشافعي ج1 | ح #11 | مصر أرض الصالحين | أ.د. علي جمعة

24 دقيقة
  • الإمام الشافعي محمد بن إدريس، ينتسب إلى بني المطلب من قريش، ويلتقي نسبه مع النبي في جدهما عبد مناف.
  • ولد سنة 150هـ في فلسطين في عسقلان بغزة، وهي السنة التي توفي فيها الإمام أبو حنيفة.
  • انتقل مع أمه إلى مكة وهو في السادسة من عمره حيث حفظ القرآن وأشعار الهذليين، وأظهر ذكاءً مبكراً.
  • وجهه مفتي مكة مسلم بن مخلد الزنجي نحو الفقه بدلاً من الشعر والأدب.
  • حفظ موطأ مالك كاملاً ثم سافر إلى المدينة للتتلمذ على يد الإمام مالك الذي أعجب بحفظه وقال له: "في قلبك نور فلا تطفئه بالمعصية".
  • سافر إلى اليمن للتعلم على يد عبد الرزاق الصنعاني، وهناك اتهمه والي اليمن بإثارة الفتنة.
  • أرسل مكبلاً إلى هارون الرشيد في بغداد، لكنه استطاع إقناعه ببراءته بفصاحته وعلمه.
  • أثر في مصر وتأثر بها، وأقام بها وألف كتابه "الرسالة" في أصول الفقه.
محتويات الفيديو(30 أقسام)

حديث النبي ﷺ في فضل جند مصر ورباطهم إلى يوم القيامة

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إذا فتح الله عليكم مصر فاتخذوا فيها جندًا كثيفًا، فذلك الجند خير أجناد الأرض»، فقال له أبو بكر: ولِمَ ذلك يا رسول الله؟ قال: «لأنهم في رباط إلى يوم القيامة».

فاللهم بارك في جند مصر، واجعل أهلها في رباط إلى يوم القيامة، اللهم آمين.

التعريف بالإمام الشافعي: الفقيه والشاعر وصاحب المدرسة الفقهية

هو فقيه وشاعر وحاد الذكاء وقوي الحجة، كان كثير السفر والترحال لتحصيل العلم. تتلمذ على يد الكثيرين من الأئمة والأعلام، كالإمام مالك في المدينة على سبيل المثال، وغيره من أعلام الأمة وعلمائها.

وكان له مدرسة فقهية خاصة لا زالت موجودة حتى الآن، وخصوصًا هنا في مصر التي أثّر فيها وأثرت فيه. الإمام الشافعي رضي الله عنه وأرضاه، في مصر أرض الصالحين.

نشأة الإمام الشافعي وانصرافه من الشعر إلى طلب العلم والفقه

الإمام الشافعي الباحث عن الحقيقة، انصرف الإمام الشافعي في بداية حياته إلى الشعر والأدب واللغة العربية، قبل أن يجعل طلب العلم والبحث عن الحقيقة لذته في الحياة.

حفظ القرآن وحفظ السنة النبوية الشريفة، وتفوق في الفقه حتى شغل الناس بعلمه وعقله، قبل أن يضع علم أصول الفقه في كتابه [الرسالة].

رحلات الإمام الشافعي في طلب العلم ومجالسته للعلماء والسيدة نفيسة

كان رضي الله عنه محبًّا للسفر والترحال ويرى فيه فوائد كثيرة. فمن أجل العلم ذهب لمجالسة كبار العلماء في المدينة ومكة وفي اليمن والكوفة والبصرة وبغداد، ثم رحل إلى مصر ليحصّل علمًا من تلاميذ الليث بن سعد.

وكان عندما جاء إلى مصر يذهب إلى نفيسة العلم [السيدة نفيسة] فيباحثها كثيرًا في العلوم، رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

ترحيب المذيع وسؤاله عن نسب الإمام الشافعي وصلته بالنبي ﷺ

[المذيع]: أرحب بحضراتكم، وهنا نتوقف اليوم مع سيرة ومسيرة العلامة والفقيه والشاعر الإمام الشافعي رضي الله عنه وأرضاه. أرحب بفضيلة العالم الجليل الأستاذ الدكتور علي جمعة، السلام عليكم مولانا.

[الشيخ]: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أهلًا وسهلًا بحضرتك، أهلًا بكم.

[المذيع]: يعني أعلم أن لفضيلة الإمام الشافعي محبة في قلب فضيلتكم، ولعلّنا إن شاء الله في هذه الحلقة سنستفيد منها الكثير في سيرته الطيبة. أولًا، لو تفضلتم بتعريفنا على نسب الإمام الشافعي، هل بالفعل ينتهي نسبه إلى النبي عليه الصلاة والسلام؟

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. لا، هو ليس من أولاد الكساء أو العباءة، أو أولاد الحسن أو الحسين، بل هو مطلبي.

نسب الإمام الشافعي المطلبي واتصاله بنسب النبي ﷺ في هاشم

والمطلب كان عمًّا لعبد المطلب الذي أنجب عبد الله، وعبد الله أنجب سيد الخلق محمدًا ﷺ. فهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، فالمطلب أخو هاشم، فهو عمّ جدّ النبي ﷺ.

والشافعي واصلٌ نسبه حتى المطلب هذا، فيكون مشتركًا مع سيدنا النبي ﷺ في هاشم [أي في الجد الأعلى هاشم بن عبد مناف].

موقف بني المطلب من حصار قريش للنبي ﷺ ودخولهم في مفهوم آل البيت

عندما حدث أن المشركين فرضوا حصارًا على النبي ﷺ وعلى المسلمين، وكتبوا صحيفة خبيثة وعلّقوها على الكعبة، أنه لا أحد يعطي لبني هاشم أي شيء كعقوبة؛ لأن سيدنا النبي ﷺ يقول إنه نبي.

فذهب بنو المطلب ودخلوا معهم الشِّعب، قالوا لهم: حسنًا، نحن أيضًا في المقاطعة، قاطعونا نحن أيضًا. فكان ذلك موقفًا من المطلبيين أثلج صدر النبي عليه الصلاة والسلام.

فقال ﷺ: نحن الذين هم بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد، يعني نحن معًا. فمن هنا دخل بنو المطلب وبنو هاشم في مفهوم آل البيت في مسألة الزكاة؛ في مسألة الزكاة لا يتلقون الزكاة.

الإمام الشافعي من آل البيت بمعنى حرمة الزكاة عليه وأمه الأزدية

سيدنا الإمام الشافعي من البيت بمعنى حرمة الزكاة عليه، نعم؛ لأنه من بني المطلب. نعم، فالإمام الشافعي إذن من نسل المطلب هذا.

وأمه من قبيلة اسمها أزد، وهي من القبائل الستة التي نُقلت لغاتها. فأمه أزدية، فاطمة بنت عبد الله الأزدية. فاطمة بنت عبد الله عارفة أن الشافعي هذا له نسب؛ لأنه مطلبي.

إذن فالمطلبيون هؤلاء شيء آخر، يُعدّون من البيت كما قلنا بالمفهوم الخاص الزكوي.

مولد الإمام الشافعي سنة مائة وخمسين وعلاقة ذلك بوفاة أبي حنيفة

وذلك عندما أنجبت [أمه] صاحبنا هذا، هو محمد بن إدريس الشافعي رضي الله تعالى عنه، ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين.

وُلد سنة مائة وخمسين. مائة وخمسين، نعم. بعض الناس يحب هكذا: ما هي المائة والخمسون هذه؟ إنها السنة التي توفي فيها أبو حنيفة. فبعض الناس يحب أن يصنع توافقات هكذا، فيقول لك: وُلد الشافعي في اليوم الذي مات فيه أبو حنيفة، فمات إمام ووُلد إمام، وأشياء مثل ذلك.

هذا الكلام غير صحيح. إذن الشافعي لم يدرك أبا حنيفة إطلاقًا؛ لأن أبا حنيفة توفي سنة مائة وخمسين، والشافعي وُلد سنة مائة وخمسين.

ولادة الشافعي في فلسطين وانتقال أمه به إلى مكة لحفظ القرآن

وُلد [الإمام الشافعي] في فلسطين، يُقال في عسقلان في غزة. وكانت غزة هذه منسوبة إلى القطر المصري، ولكن هي جزء من عسقلان، أو بمعنى من أعمال عسقلان.

فلما وصل إلى حوالي خمس أو ست سنوات، أخذته [أمه] إلى الكُتّاب ليحفظ وما إلى ذلك. وبعدها قالت: حسنًا، إن الناس هنا غرباء ولن يفهموا مطلبيًّا وما شابه، فسافرت به إلى مكة.

وهناك حفظ القرآن وأتمّ حفظه، وكان الله قد منحه قوة هائلة في الحفظ.

حفظ الشافعي لأشعار الهذليين وقراءة الأصمعي عليه

فحفظ القرآن الكريم وبدأ في الأشعار، لدرجة أنه حفظ أشعار الهذليين. أشعار الهذليين شرح السكري طُبعت في ثلاث مجلدات كبيرة هكذا، أتحداك لو استطعت قراءتها!

ليس إن استطعت فهمها، بل إن استطعت قراءتها! اعتبرني لم أستطع قراءتها، سأعتبرك فحضرتك. أشعار الهذليين هذه، تتصور إذن أن واحدًا مثل الأصمعي - والأصمعي هذا شيء آخر في اللغة، حُجّة - قرأ أشعار الهذليين على الشافعي.

نصيحة مفتي مكة مسلم بن خالد الزنجي للشافعي بالتوجه إلى الفقه

فلما أتمّ [الشافعي] خمسة عشر عامًا، كان هناك رجل مفتي مكة اسمه مسلم بن مخلد الزنجي. سمّوه الزنجي لسبب غريب جدًّا؛ لأنه كان أشقر! أشقر، نعم، بالعكس، أتفهم؟

فوجد الشافعيَّ، وبعد ذلك سمعه - والله إنه ينطق بشكل صحيح، إنه يتكلم بشكل صحيح. قال له: من أي البلاد أنت؟ قال له: من مكة. قال له: من أي مكة؟ قال له: من قريش، وأنا مطلبي من بني عبد مناف - عبد مناف الذي هو جدّ النبي ﷺ الأصلي.

انتبه، فهو يقول له: أيٌّ من بني عبد مناف؟ لكي يشير له إلى اتحاده مع سيدنا [النبي ﷺ] في عبد مناف.

توجيه مسلم الزنجي للشافعي نحو الفقه بدلًا من الشعر وبداية رحلته الفقهية

قال [مسلم بن خالد الزنجي للشافعي]: إذن نلت الدنيا والآخرة! الله، أراك مهتمًّا بالشعر وبالأدب، وأراك عاقلًا. يعني عقله ظاهر في النبوغ، ظاهر عليه، واضح في الكلام أنه ذكي.

فلو جعلته [أي ذكاءك] في الفقه لكان خيرًا لك. هذا الذكاء كله أريد أن يذهب إلى الفقه بدلًا من الشعر، بدلًا من الشعر والأدب وما إلى ذلك. لا أعرف ماذا فقال له.

وبدأ الشافعي رحلته مع الفقه، وتتلمذ على مسلم الزنجي هذا.

ذيوع صيت الشافعي في سن الخامسة عشرة وذهابه لطلب العلم عند الإمام مالك

وبعد ذلك بقليل أصبح عمره الآن كم؟ خمسة عشر عامًا، أي مائة وخمسة وستون. صار ذائع الصيت، نعم، مائة وخمسة وستون.

أمر مالك إمام أهل الهجرة، أصبح إمام أهل المدينة وإمام الذي هناك [أي إمام دار الهجرة]. فذهب [الشافعي] وقال لهم: سيدنا الإمام مالك الذي في المدينة هذا، أنا سمعت أنه ألّف كتابًا سمّاه الموطأ.

فقال له الرجل: نعم، نعم، أنا عندي نسخة منه. قال له: حسنًا، ألا تعطيها لي؟ فأعطاها له، فحفظها! حفظ موطأ مالك كلها من أولها إلى آخرها.

سفر الشافعي إلى المدينة بخطاب توصية للإمام مالك

وبعد ذلك أحبّ [الشافعي] أن يسافر [إلى المدينة]، فجعل الوالي يكتب له كتاب توصية للوالي الذي في المدينة، لكي يقبله الإمام مالك تلميذًا عنده.

ذهب إلى الإمام مالك بكتاب التوصية، واسطةً! واسطةً، حسنًا.

[المذيع]: أستأذنكم الآن لنرى بعد الفاصل هل سيقبل الإمام مالك الواسطة أم لن يقبلها؟ نقول إن شاء الله، ابقوا معنا.

اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم إنك عفوٌّ كريم تحب العفو فاعفُ عنا.

مسجد الإمام الشافعي ومكانته عند المصريين وفي تاريخ العمارة الإسلامية

هنا مسجد الإمام الشافعي، العالم الذي أنار الدنيا بعلمه وفقهه. أحبه المصريون وتعلقوا به، فلم يكتفوا باتباع مذهبه، وإنما خلّدوا اسمه بإطلاقه على واحدة من أشهر مناطق مصر القديمة.

في رحابه رضي الله عنه يجد الزائرون السلام والراحة النفسية، ترفع الأيادي وتتضرع القلوب بالدعاء إلى الله، فيعود صاحبها مجبور الخاطر. نحن محظوظون أننا نسكن بجانب الإمام الشافعي رضي الله عنه وأرضاه.

أصبح مسجد فقيه مصر كصاحبه علامة بارزة في تاريخ العمارة الإسلامية ومقصدًا سياحيًّا. بُنيت واجهاته بالحجر، وله منارة على شاكلة المنارات المملوكية، تطل على منطقة عين الصيرة التي أصبحت واحدة من أجمل مناطق القاهرة القديمة، بعد أن وصلها قطار التطوير وعادت إلى بهائها وجمالها وشكلها الحضاري.

رفض الإمام مالك لخطاب التوصية وقبوله الشافعي بناءً على كفاءته

[المذيع]: مرحبًا بحضراتكم مرة أخرى، وما زال الحديث متواصلًا حول سيرة الإمام الشافعي رضي الله عنه وأرضاه، مع فضيلة الدكتور علي جمعة. الدكتور، أهلًا بحضرتك مرة أخرى.

[الشيخ]: أهلًا وسهلًا.

[المذيع]: حسنًا، توقفنا قبل الفاصل عند أن الإمام الشافعي أخذ خطاب توصية للإمام مالك في المدينة لكي يقبله. نعم، هل ذهب بالخطاب فعلًا؟

[الشيخ]: ذهب بخطاب التوصية، والإمام مالك رفض هذا وقال: سبحان الله، أصبحنا في عصر يحتاج علم رسول الله إلى توصية! يعني حكمة، فكأنه قال له: أنا لم أفعل ذلك الذي يعني طلبًا؛ لأنني سأكون تلميذًا وحرصي على هذا [العلم].

اختبار الإمام مالك للشافعي في الحفظ وإعجابه بموهبته الفريدة

فحضر الإمام الشافعي جلسة الإمام مالك، فالإمام مالك انتبه إليه، فهو يراه ليرى تصرفه ومدى أهليته لتلقي العلم.

كل الناس معها اللوح أو الورقة لكي يكتبوا فيها الكلام الذي يقوله الإمام مالك. يقول له، فيرى الإمام الشافعي وهو ليس معه ورقة ولا قلم، وجلس.

بعد أن انتهوا، قال له: يعني أنت جئت إليّ بدون ورقة وجئت إليّ بدون قلم وتريد أن تتعلم؟ قال له: أنا أحفظ ما قلته حضرتك. قال له: كيف تحفظ؟ يعني كيف تحفظ؟ الشخص العادي يكتبه وبعدها يحفظه، وبعدها يراجع، يذاكر ويحفظ ويراجع.

إثبات الشافعي لقدرته الخارقة في الحفظ أمام الإمام مالك

نعم، هكذا يفعل البشر العاديون، البشر العاديون هكذا هم، ولا يفهمونه. نعم، ليسوا أصحاب المواهب.

قال له: ماذا تعني؟ قال له: أعني أن ما قلته لك، هل حفظته؟ قال له: نعم. قال له: حسنًا، قُلْه.

فقال الحديث الأول سليمًا، والحديث الثاني سليمًا، والثالث، العشر، العشرين، سليم! قال له: نعم، فهمت. الإمام مالك منوِّر، نعم بالطبع.

الإمام مالك يأخذ الشافعي إلى بيته ويرى فيه نور العلم والكفاءة

فأخذه [الإمام مالك] معه إلى البيت، أخذه معه إلى البيت، معه إلى البيت. نعم، انتهى الأمر هكذا، انتهى الأمر هكذا، انتهى الأمر.

تولّى الأمر وفهم أن القضية ليست قضية توصية ولا القضية قضية كذا، إنه فعلًا شخص حريص على العلم وصاحب كفاءة وصاحب موهبة.

واضحٌ أن الإمام مالك رأى في الإمام الشافعي هذا الشاب الصغير هذه الأمور. عندما وجدها تقريبًا أول مرة، يعني من بين ما كنت قرأت وأنا أُحضّر، قال له: في قلبك نور فلا تُطفئه بالمعصية، أرى لك شأنًا وفي قلبك نورًا فلا تُطفئه بالمعصية.

شكوى الشافعي لوكيع بن الجراح من سوء حفظه وأبيات ترك المعاصي

وهذا الذي حدث عندما سافر الشافعي، فأصبح وكيع بن الجراح أستاذه حينما سافر إليه. فاشتكى له قائلًا: إنني أحفظ عشرين حديثًا في المرة الأولى وما إلى ذلك، لكنني أريد أن أحفظ بشكل جيد، لا يعجبني هذا. عشرون حديثًا لا تعجبني! هل انتبهت؟

فقال [الشافعي في شعره]:

شكوت إلى وكيع سوء حفظي، فأرشدني إلى ترك المعاصي، وأخبرني بأن العلم نور، ونور الله لا يُهدى لعاصٍ.

هذا قول الإمام الشافعي رحمه الله. انظر إلى ما نراه أنه السماء ونحن في الأرض، هو يرى أنه في الأرض وما زال في سماء ثانية للحفظ أو غير ذلك إلى آخره.

الإمام الشافعي إمام الدنيا ورحلته بعد وفاة مالك إلى اليمن

وبناءً على ذلك، أين نحن؟ على كل حال، الإمام الشافعي إمام الدنيا، ملأ الأرض علمًا وفضلًا.

فبعد ذلك أصبح الإمام الشافعي قد ذهب إلى مالك. مات مالك في سنة حوالي تسع وسبعين [ومائة]، أي كان الإمام الشافعي عمره تسع وعشرون سنة.

ثم فكّر قليلًا، فعرف أنه عبد الرزاق بن الهمام الصنعاني في صنعاء في اليمن، إمام أهل الحديث. قال: حسنًا، فلأذهب وآخذ منه؛ لأنه يروي عن معمر [بن راشد].

الشافعي في اليمن ومواجهته للظلم ووشاية الوالي به عند هارون الرشيد

فلما وصل [الشافعي] إلى اليمن، كان عليها واليًا ظالمًا. وهو [الشافعي] لا يحب الظلم، فكان دائمًا يفعل أشياء تعطّل وصول هذا الظلم إلى الناس، أشياء عجيبة.

يعني فلاحظ ذلك والي اليمن، قال: والله هذا الولد فتنة! فذهب وأرسل إلى هارون الرشيد: الحق، هناك شخص من المطلبيين يدعو إلى العلويين لكي يُحدث فتنة، هو وتسعة معه.

العلويون هم امتداد لآل البيت. فأرسل إليه هارون قائلًا: اقبض عليهم وأرسلهم لي؛ لأن هارون ذكي.

حكمة هارون الرشيد في التعامل مع قضية الشافعي وطلبه إحضارهم إليه

فهو [هارون الرشيد] الثاني [أي له رأي آخر]، فهو ليس واثقًا كثيرًا في هذا الوالي، وعنده أخبار عن هذا الوالي أنه يظلم الناس وأمور من هذا القبيل. يعني هو ليس غافلًا.

فيريد أن يتأكد، وفي نفس الوقت يُخمد أي فتنة ستحدث. فأمسك بالشافعي وهكذا، ورحّله إلى بغداد، إلى العراق.

مثول الشافعي أمام هارون الرشيد مكبلًا ودفاعه الفصيح عن نفسه

فوصل الشافعي ودخل إلى هارون الرشيد وهو مكبّل. وهارون قال: خلاص، أنتم تريدون أن تزيلوني أنا وتأتوا بالعلويين مكاني، إعدام! إعدام.

فقال له [الشافعي]: على رِسلك يا أمير المؤمنين، فهو فصيح وعالم وكذا إلى آخره. قال له: على رسلك يا أمير المؤمنين، أنت الداعي وأنا المدعو، وأنت القادر وأنا لا أقدر على شيء، قد أتيتك مكبّلًا بالسلاسل، ألا تسمعني؟

فقال له: نعم أسمعك، قل من أنت؟ قال له: أنا محمد بن إدريس الشافعي القرشي المطلبي.

حجة الشافعي البليغة أمام هارون الرشيد في إثبات قربه منه

يا أمير المؤمنين، أرأيت أحدهم يدّعي أنه أخي، والآخر يدّعي أنني عبده، أنني العبد الخاص به، فأيهما أقرب إليه؟ قال [هارون]: الذي يدّعي أنه أخوك.

قال [الشافعي]: أنت يا أمير المؤمنين أخي، والعلويون يدّعون أننا عبيد لهم، عبد المطلب! نعم، صحيح.

نعم، راق الأمر لهارون.

اختبار هارون الرشيد للشافعي في علوم القرآن وإعجابه بعلمه الواسع

ولأن هذا الولد فصيح، قال [هارون]: كيف حال القرآن معك؟ فأجاب [الشافعي]: أعلم محكمه ومتشابهه، وأعلم ناسخه ومنسوخه، وأعلم وصله وفصله، ووقوفه وما إلى ذلك.

قال له: حسنًا. ثم استمر في سؤاله، فوجد أمامه عالمًا كبيرًا.

انظر الآن، انظر القلوب النيّرة. هارون هذا كان يحج عامًا ويجاهد عامًا، بخلاف الصورة التي نُقلت عنه أنه زير نساء. هذا أبدًا! لقد كان يحج عامًا ويجاهد عامًا.

موعظة الشافعي لهارون الرشيد بكلام طاووس بن كيسان وعفو هارون عنه

قال له [هارون]: عِظني يا شافعي، قل لي هكذا موعظة. فقال له موعظة كانت لواحد اسمه من تلاميذ ابن عباس، طاووس بن كيسان اليماني. وطاووس كان رقيق القلب، وعندما كان [الشافعي] في اليمن حفظ هذه الأشياء.

فأبكى الرشيد، استمر الرشيد يبكي ويتأوّه هكذا. وقال لهم: حسنًا، أولًا عفوت عنكم وعرفت أنكم لا ذنب عليكم، وثانيًا أعطى الشافعي مالًا يستعين به على [طلب العلم].

عودة الشافعي إلى مكة ثم رحيله إلى مصر وختام الحلقة

بدأ الشافعي بعد ذلك يأخذ من بعض تلامذة أبي حنيفة، ورجع إلى مكة فدرّس فيها واستكمل فيها الأمر، ثم بعد ذلك ذهب إلى مصر.

[المذيع]: طيب، أنا أشكر فضيلتك جزيل الشكر، الحقيقة، على هذه المعلومات القيمة حول سيرة الإمام الشافعي رضي الله عنه وأرضاه. وأرجو من فضيلتك أن يكون اللقاء القادم حول الإمام الشافعي في مصر وعلمه وفقهه، ومسألة تغيير الرأي حينما جاء إلى مصر، وعلاقته بالسيدة نفيسة، نفيسة العلم رضي الله عنها وأرضاها، إن شاء الله.

[الشيخ]: إن شاء الله.

[المذيع]: شكرًا جزيلًا لحضرتك، شكرًا، شكرًا جزيلًا. والشكر موصول لحضراتكم، إلى اللقاء.

دعاء الاستخارة كما علّمه النبي ﷺ لأصحابه

دعاء الاستخارة والذي نحتاجه من حين لآخر، وكان رسول الله ﷺ يعلّمنا:

«إذا همّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين، ثم يقول: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علّام الغيوب. اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاقدره لي، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان ثم رضّني به، ويسمّي حاجته».