التوكل على الله | المبشرات | حـ 17 | أ.د علي جمعة
- •التوكل على الله أساس مفهوم "لا حول ولا قوة إلا بالله"، وهي كنز من كنوز العرش ومن الباقيات الصالحات.
- •الباقيات الصالحات خمس كلمات: سبحان الله، الحمد لله، لا إله إلا الله، الله أكبر، لا حول ولا قوة إلا بالله.
- •معنى "لا حول ولا قوة إلا بالله" أنه لا يكون في الكون إلا ما أراد الله، فلا حول لأحد من المخلوقات ولا قوة لأحد إلا بمشيئة الله.
- •الفرق بين التوكل والتواكل: التوكل فعل الأسباب مع تعليق القلب بالله، والتواكل ترك الأسباب.
- •الأنبياء كانوا قدوة في الأخذ بالأسباب، فالنبي ﷺ كان يلبس درعين ومغفراً مع أن الله وعده بالعصمة.
- •قال النبي ﷺ: "لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً".
- •الاعتماد على الأسباب شرك، وترك الأسباب جهل.
- •التوكل يرقى بحال الإنسان مع ربه، ويدخله في محبة الله، ويكون سبباً للنصر.
مقدمة الحلقة والترحيب بالشيخ علي جمعة للحديث عن التوكل على الله
[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
حلقة جديدة من حلقات برنامج المبشرات مع فضيلة الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية، أهلًا ومرحبًا بك.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم.
[المذيع]: نحن فضيلتكم نستمتع بعلمكم، زادكم الله علمًا يا مولانا. نتحدث عن صفات جيل النصر، وقد وصلنا إلى الصبر والشكر في الحلقة الماضية. نريد أن نتحدث عن صفة من صفاتهم وهي التوكل على الله؟
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
التوكل على الله أساس مفهوم لا حول ولا قوة إلا بالله من الباقيات الصالحات
التوكل على الله سبحانه وتعالى هو أساس مفهوم لا حول ولا قوة إلا بالله. لا حول ولا قوة إلا بالله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، هذه كنز من كنوز العرش، وهي واحدة من الجمل التي سماها أهل الله بـالباقيات الصالحات.
كما يقولون، يعني علَّم الإسلام المسلمين ذكر الله، فعلّمهم الباقيات الصالحات وعلّمهم الكلمات الطيبات. كلمات الباقيات الصالحات خمسة، بقيت الخمسة من العشرة يسمونها كلمات الطيبات.
يعني العشرة كلمات الطيبات: سبحان الله، الحمد لله، كلنا نحفظها لكن نقولها لكي نركز فيها: سبحان الله، الحمد لله، لا إله إلا الله، الله أكبر، لا حول ولا قوة إلا بالله. وهؤلاء يسمونهم، هؤلاء الخمسة، الباقيات الصالحات.
معنى الباقيات الصالحات وأنها الأعمال التي تبقى بعد انتقال الإنسان إلى ربه
يعني ما هي الباقيات الصالحات؟ يعني هي تلك الأعمال التي تبقى بعد انتقال الإنسان إلى الرفيق الأعلى وإلى ربه بجوار ربه، ما شاء الله. طاشت العبارات وذهبت الإشارات ولم يبقَ إلا ركعات كنا نؤديها بالليل نسبح.
ما هي الصلاة وماذا فيها؟
قال رسول الله ﷺ: «إن صلاتكم هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، تهليل وتكبير وتسبيح وحمد، ولا يصلح فيها من كلام»
﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَـٰنِتِينَ﴾ [البقرة: 238]
الحديث هكذا، فإذن الصلاة التي فيها الباقيات الصالحات هذه التي نذكر فيها ربنا سبحانه وتعالى دون أن نتكلم فيها كلام الناس: أريد أن آكل، وأريد أن أشرب، وأريد أن أنام، أريد أن أقرأ، أريد أن أذهب، أريد أن أجيء، لا يصح ذلك في الصلاة.
﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَـٰنِتِينَ﴾ [البقرة: 238]
عابدين ذاكرين، في الصلاة لا يوجد كلام الناس، فيه تسبيح وتهليل، لا حول ولا قوة إلا بالله.
بقية الكلمات الطيبات العشر وعلاقتها بذكر الله وأسمائه الحسنى
بقية العشرة حتى تكون الفائدة كاملة: إنا لله وإنا إليه راجعون، أستغفر الله، حسبنا الله ونعم الوكيل، توكلت على الله، والصلاة على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنها من الذكر، لأنها اشتملت أيضًا على اسم الله: اللهم صلِّ على سيدنا محمد، فكان ذكرًا لله.
علّمنا الإسلام الذكر عن طريق أسماء الله الحسنى:
﴿وَلِلَّهِ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: 180]
علّمنا الإسلام الذكر، وهذا الذكر له معانيه.
معنى لا حول ولا قوة إلا بالله وأنه لا يكون في الكون إلا ما أراد الله
ومن معانيه: معنى لا حول ولا قوة إلا بالله أنه لا يكون في كونه إلا ما أراد، وأنه لا يكون في كونٍ إلا ما أراد، يعني أن:
﴿وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: 96]
فنحن وأعمالنا مخلوقة لله:
﴿وَخَلَقَ فَسَوَّىٰ وَقَدَّرَ فَهَدَىٰ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الأعلى: 2-3]
كل هذا يعني أنه لا حول لأحد من المخلوقات ولا قوة لأحد من المخلوقات، من الملائكة، من الإنس، من الجن، من الأنبياء، من الأولياء، من الصديقين، من الشهداء، من القادة، من الكفار، من المسلمين. لا حول لأحد في خلقه ولا قوة لأحد في خلقه إلا ما أراده الله سبحانه وتعالى أن يستعمله.
التبرؤ من الحول والقوة وحقيقة العبودية لله سبحانه وتعالى
أو أن يكون هذا التبري من الحول والقوة تبرؤًا تُرى به الحقيقة: لا أنت الذي خلقت أفعالك، ولا أنت الذي أثرت الكون، ولا أنت شيء في هذا الكون سوى أنك من عبيد الله سبحانه وتعالى.
فإذا أراد لك شيئًا فلا رد لقضائه، ولو اجتمع أهل الأرض جميعًا على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإذا اجتمعوا على أن يضروك بشيء لن يضروك بشيء إلا ما كتبه الله عليك!
قال رسول الله ﷺ: «رُفِعَت الأقلام وجفّت الصحف»
وانتهى الأمر.
من تسأل ومن تستعين وعلى من تتوكل في ضوء حديث النبي ﷺ
طيب، إذا كان الأمر كذلك، فتسأل مَن؟ قال [النبي ﷺ]:
«إذا سألت فاسأل الله»
طيب، تستعين بمن؟ قال:
«وإذا استعنت فاستعن بالله»
طيب، تتوكل على من؟ قال: توكلت على الله:
﴿وَمَا تَوْفِيقِىٓ إِلَّا بِٱللَّهِ﴾ [هود: 88]
﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: 159]
﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: 159]
ما شاء الله، أي أنك في التوكل تحقق عمليًا مفهومًا عقائديًا مستقرًا في الذهن، موجودًا في الكلمات الطيبات، موجودًا في الباقيات الصالحات، عنوانه لا حول ولا قوة إلا بالله.
تحويل التوكل إلى عمل صالح والاعتماد الكامل على الله دون ترك الأسباب
أنت تحققها وتحولها إلى عمل، أي تحولها إلى عمل صالح تتبرأ فيه من حولك ومن قوتك. وفي هذا التوكل تعتمد اعتمادًا حقيقيًا وأساسيًا ابتدائيًا وانتهائيًا على الله سبحانه وتعالى.
وفيه لا تسأل إلا الله، وفيه أنك لا تستعين إلا بالله، وفيه أنك قد تصرفت وقمت بأفعال، أي فعلت واختلطت بالأسباب دون أن تعتمد عليه [على السبب]، دون أن تعتمد على الأسباب، ولا بد أن تفعلها [الأسباب].
الفرق بين التوكل والتواكل عند العلماء وفعل الأسباب مع تعلق القلب بالله
وهذا هو الفرق؛ تحدث العلماء عن الفرق بين التوكل والتواكل؛ فالتوكل هو أن تفعل السبب ثم تقول: يا رب، وقلبك معلق به [بالله]، وإيمانك يعلم أنه لا يكون في كونه إلا ما أراد، وأن كل شيء عنده بمقدار، وأنه لا حول ولا قوة إلا بالله.
أما التواكل فهو أن تترك السبب. فالفرق بين التوكل [والتواكل]: يفعل المتوكل على الله السبب، وفي التواكل يترك هذا السبب.
سنة الأنبياء في الأخذ بالأسباب وأخذ النبي ﷺ بالأسباب يوم أحد
سنة الأنبياء ماذا إذن؟ دعنا نرى أقوالهم ونرى أعمالهم. سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج يوم أُحد، والله تعالى يقول:
﴿وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ﴾ [المائدة: 67]
يعني لا أحد سيناله، نعم، لكنه يجمع بين درعين، والدرع هذا قميص من حديد، فيلبس درعًا ويلبس درعًا مقلوبًا لكي يحمي ظهره ويحمي صدره الشريف.
ممّا يحتمي؟ لن يعرف أحد أن يضربه، صحيح، والله يعصمكم من الناس. يمكن أن يُجرح، نعم صحيح، الناس لم تقدر عليه أن تميته، لكن يجرحونه، وقد كان، فشجّوا رأسه وكسروا رباعيته وسنّه غيرها، وكتمت فاطمة الدم النازف بالحصير المحروق، وهذا موجود في السيرة.
أخذ النبي ﷺ بالأسباب في الحرب وقوة جسده الشريف ومكانته العظيمة
كل هذا جميل، يعني سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام كان يأخذ بالأسباب على أبدع ما يكون، فيلبس المغفر الطائي وهو من الحديد على الرأس، ويخالف بين درعين. هذا يدل على أمور منها الأخذ بالأسباب، ومنها قوة جسده الشريف.
قال الصحابة: «كنا إذا اشتدَّ الوطيسُ احتمينا برسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم، فكان هو أقربنا إلى العدو»
فيكون أقربنا إلى العدو عليه الصلاة والسلام. يعني عليه الصلاة والسلام كان مثالًا، ولا أعرف أن هذا توفيقٌ من عند الله، فلا يوجد بشرٌ يتحمل كل هذا؛ صائمٌ بالنهار وقائمٌ بالليل.
قال ﷺ: «أبيتُ عند ربي يُطعمني ويسقيني، لست كهيئتكم»
وبعد ذلك فليتحدث من يتحدث وليفعلوا ما يفعلونه.
مكانة النبي ﷺ بابنا إلى الله وحديث التوكل على الله كما ترزق الطير
سيدنا رسول الله هو بابنا إلى الله صلى الله عليه وسلم، شيء بديع، شيء لا يكون إلا أنه رسول وأنه سيد الخلق وأنه خاتم المرسلين وأنه حبيب رب العالمين صلى الله عليه وسلم.
والقول يقول:
قال ﷺ: «لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما تُرزق الطير، تغدو خماصًا وتروح بطانًا»
ما شاء الله، انظر كيف يقول العلماء: لو توكلتم على الله حق التوكل، حق توكله، سيرزقكم، لا تخف إذن، فليكن قلبك متعلقًا بالله.
التوكل لا يعني ترك العمل والسماء لا تمطر ذهباً ولا فضة
نعم بالله، حسنًا، اجلس إذن في بيتك، وما دام لا يكون في الكون إلا ما أراد ودام لا حول ولا قوة إلا بالله، فلتبقوا في بيتكم وأن الرزق سيطرق الباب، أو تجدوا صُرة ذهب ملقاة على السطح أو شيء من هذا القبيل!
إن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة!
يقول ماذا؟ كما ترزق الطير، حسنًا، والطير ماذا تفعل؟ تغدو وتعود وتروح المرواح.
عودة من الفاصل واستنباط العلماء من حديث الطير أن التوكل يقتضي السعي
[المذيع]: طيب، سنعرف ماذا تفعل الطير يا مولانا بعد الفاصل إن شاء الله، فاصل نعود إليكم فابقوا معنا، فاصل ثم نواصل.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عدنا إليكم من الفاصل، الجزء الثاني من حلقة اليوم من المبشرات برنامج مع فضيلة الإمام الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. مولانا كان يتحدث لنا عن حديث شريف لسيدنا رسول الله عليه وسلم قال:
«لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا وتروح بطانًا»
اتفضل يا مولانا.
[الشيخ]: فقد استنبط العلماء من هذا الحديث أن الطيور تغدو وتروح، نعم، ليست قاعدة في العش منتظرة الطعام يأتيها. تغدو أي من الغدو، والغدو يعني الصباح، أي تخرج في الصباح، هكذا خرجت من أوكارها وأخذت تجري طلبًا لرزقها.
معنى تغدو خماصاً وتروح بطاناً وكيف تسعى الطيور لرزقها
ثم تعود، أي من الرجوع، كما نعود ونحن في المدرسة حيث يقال لنا: ستروحون. تروح أي ترجع.
فتغدو خماصًا، خماصًا في مخمصة، والمخمصة تعني أنها جائعة بطنها فارغة، بطنها فارغة. وتروح بطانًا شبعى قد شبعت وسرت ما شاء الله، وتكون أعشاشها وغيرها من الأشياء التي جلبتها معها في فمها أو في منقارها أو نحو ذلك، فتأخذها وتطير بها.
إنها لم تمكث في البيت وفي العش وتقول: ليرزقني ربي. نعم، وفي الوقت نفسه هي مع الله، وإن الله سبحانه وتعالى لم يخلق أحدًا وينساه:
﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: 64]
فسيرزقك، سيرزقك.
الإجمال في الطلب وعدم إذلال النفس لغير الله في طلب الرزق
فأجمل في الطلب، يعني لا تذل نفسك لأجل أن تطلب ما ليس لك، لا تتشوف وتحارب هكذا وتجري جري الوحوش. قال لك [المثل]: غير رزقك لا تحوش، الناس المجربة الحكيمة رأت هذا.
فأجملوا في الطلب، أجملوا في الطلب، يعني اجعل طلبك مجملًا أو اجعل طلبك جميلًا، هي الاثنين تمشي. فأجملوا في الطلب يعني لا تدققوا هكذا، أو اجعلوها جميلة هكذا واجعلوها لله.
ولذلك يقول لك: لا، إن الله يرزقك أكثر مما لو أذللت نفسك أو أذللت نفسك لغيرك وطلبت من غيرك.
نهي النبي ﷺ عن سؤال الناس وعزة الصحابة في عدم طلب شيء من أحد
نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نسأل الناس، وجعل السؤال من غير وجه حق نكتة سوداء في وجه الإنسان يوم القيامة، لدرجة أنه نهاهم حتى أن يسأل الناس شيئًا.
نعم، وهذا يعني دليل رقي كبير جدًا، فكان أحدهم إذا سقط سوطه من يده وهو على فرسه لا يسأل أحدًا أن يناوله، بل ينزل ليأخذه بنفسه. نعم، لا يقول: لو سمحت ناولني هذا، ناولني هذه، إنها شيء بسيط يعني فماذا سأل؟
لكن ينزل ويحضر حتى لا يسأل الناس شيئًا. ما هذه العزة! ما شاء الله، هذه عزة كبيرة وتصنع في النفس شيئًا كبيرًا جدًا.
ثمرات التوكل على الله من العزة والإجمال في الطلب ومجاهدة الأسباب
إذن التوكل على الله ينشئ العزة في النفس، ينشئ الجمال والإجمال في الطلب، ينشئ في نفس الإنسان مجاهدة الأسباب مع عدم الاعتماد عليها.
ولذلك قالوا عبارة جميلة جدًا في هذا العلماء: نعم، الاعتماد على الأسباب شرك، والاعتماد على الأسباب شرك، وترك الأسباب جهل. جميل، وترك الأسباب جهل.
جميل، الاعتماد على الأسباب شرك، لماذا؟ يعني هل يوجد أحد يفعل شيئًا مع الله؟ لا أحد يفعل شيئًا مع الله، صحيح.
ترك الأسباب جهل وخروج عن سنن الأنبياء وتحذير الإمام الغزالي من ذلك
حسنًا، طالما الأمر كذلك نتركها [الأسباب]، تكون جاهلًا البعيد؟ نعم، الأبعد يكون جاهلًا لأنه خرج عن سنن الأنبياء، صحيح، وفعل فعلًا لم يفعلوه وادّعى أن هذا من الدين.
نعم، الإمام الغزالي حجة الإسلام أبو حامد الغزالي حذّر جدًا من هذه النقطة، أن بعض الناس من جهلهم الشديد يدّعون أشياء لم تفعلها الأنبياء.
قصة من ادعى الورع في رفض النقود وتفنيد الإمام الغزالي لهذا الادعاء
نعم، فيقول [الغزالي]: فيمن أراد ألا يستعمل النقد المتداول بين الناس، نعم، أو النقود التي لدينا هذه، نعم. نقول له: لماذا لا ترضى أن تأخذ أجرك؟ قال: والله أنا متورع! متورع! ورع، يعني ورع.
كيف يكون ورعًا؟ لا نفهم هذا، أنت عملت فيجب أن تأخذ أجرك، وهذا خاصتك. قال: لا، ولكن السبب أنك لم تنتبه أن المائة جنيه التي أعطيتني إياها كانت في يد شارب خمر، أو كانت في يد امرأة لعوب، أو كانت في يد زانٍ أو زانية، أو غير ذلك إلى آخره.
أو أن الله... ما علاقة هذا بي؟ حسنًا، افترض أن المائة جنيه، تورع في غير موضعه، يعني أنها صدرت مني إليك في مقابل عملك.
حكم الإمام الغزالي على من تورع ورعاً لم يتورعه الأنبياء بأنه قليل الأدب
نعم، قال: لا، أيضًا المرء يتورع عن أن يلمس شيئًا لمسه العصاة. لا حول ولا قوة إلا بالله!
فالإمام الغزالي قال: والله هذا ليس ورعًا، هذا قليل الأدب! نعم، هذا رجل قليل الأدب، هذا الرجل. نعم، ماذا؟ الذي جعل الإمام الغزالي يعنف عليه هكذا.
قال: لأنه تورع ورعًا لم يتورعه الأنبياء! صحيح! من أنت؟ كانت تأتي الدراهم والدنانير وما كانوا [الأنبياء] يأخذونها [ويرفضونها].
ما هذا التشدد؟ الحنشصة، كلمة عامية خالصة في مصر، تعني التنطع والتكلف. ما هذا التنطع السخيف؟ نعم، كيف أنك أنت تدّعي أنك قد تورعت ورعًا لم يتورعه الأنبياء؟ لا، صحيح، هذا يُعَدُّ قلة أدب وحياء مع الأنبياء الذين هم أمثلة وأسوة حسنة.
التوكل صفة مرتبطة بمفهوم لا حول ولا قوة إلا بالله ومخالطة الأسباب دون الاعتماد عليها
إذن، التوكل له أثر وهو صفة مرتبطة ارتباطًا عضويًا تامًا بقضية مفهوم لا حول ولا قوة إلا بالله، مفهوم التبري، مفهوم مخالطة الأسباب على وجهها باعتبارها إنها من سنن الأنبياء، وعدم الاعتماد عليها قلبًا باعتبار أنه لا يكون في كونه سبحانه إلا ما أراد.
التوكل صفة من صفات المؤمنين تدخلهم في البشرى، تدخلهم في حب الله؛ لأن الله سبحانه وتعالى أحب أشياء وكره أشياء، فمما أحب التوكل عليه.
التوكل يرقى حال الإنسان مع ربه. التوكل في النهاية هي صفة من صفات ذلك الجيل الموعود بتأييد الله ونصر الله.
الفرق بين التوكل والتواكل في فعل السبب وقصة الغزالي عن مدعي التوكل في الكهف
والتوكل الفرق بينه وبين التواكل فعل السبب؛ فمن يفعل السبب فهو متوكل، ومن ترك السبب فهو متواكل.
[المذيع]: جميلٌ ما شاء الله، وكان فضيلتكم [قد ذكرتم أن] سيدنا الإمام أبو حامد الغزالي في إحياء علوم الدين قد ضرب مثالًا لعابدٍ أو أحد المدّعين الذي يدّعي التوكل، وكان جالسًا لا يعمل في كهفٍ يتعبد، فجاءه شخصٌ وقال له: من أين تأكل؟
فقال: رزقي:
﴿وَفِى ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: 22]
فقال له: ألا تعمل حتى يأتيك الرزق؟ فوضع له طعامًا وقال له: كُلْ، فمدّ يده. فقال له: لماذا تمد يدك؟ انتظر حتى تقفز اللقمة وتدخل في فمك!
[فقال المدّعي:] أن أمد يدي وآخذ هذا، آخذ بأسبابه، فلماذا آخذ بالأسباب في الأكل ولا آخذ بها في عملي هنا؟
هل التوكل على الله مرتبط بالانتصار وعلاقته بآية حسبنا الله ونعم الوكيل
[المذيع]: يا مولانا، دعنا نتذكر قول الحق تبارك وتعالى:
﴿ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَـٰنًا وَقَالُوا حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ * فَٱنقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوٓءٌ﴾ [آل عمران: 173-174]
هل التوكل يا مولانا مرتبط بالانتصار؟ يعني ليس فقط التوكل أن الله يرضى عنا، بل ننتصر بأن نتوكل على الله سبحانه وتعالى؟
[الشيخ]: التوكل حقيقة الإيمان؛ لأنه حقيقة لا حول ولا قوة إلا بالله، أي فعندما يأتي شخص ويخوفني بغير الله سبحانه وتعالى، فهذا لم يعرف الحقيقة، ولم يعرف أن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء.
الله ينصر من ينصره ويدافع عن الذين آمنوا والتخويف بغير الله جهل
ولم يعلم أن الله سبحانه وتعالى ينصر من ينصره، ولم يعلم أن:
﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُدَٰفِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا﴾ [الحج: 38]
ولم يعلم هذا الجاهل أن:
﴿ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: 173]
لأنه هذا جهل، نعم، لم يلتفتوا [المؤمنون] يأخذونه مأخذ الجد أن هو اخشوهم، اخشوهم، هذا فعل أمر. نعم، يقول لي: اخشَ هؤلاء الناس!
فزادهم إيمانًا، هذه هي النقطة الأولى: أول شيء أنهم التفتوا إلى إيمانهم وهم متوكلون على الله، فوجدوا أن إيمانهم قد استُحضر.
زيادة الإيمان هي استحضاره في تركيز العقل وتأمله وأثر ذلك في مواجهة التخويف
ونحن مرة قبل ذلك قلنا أن زيادة الإيمان هي عبارة عن استحضار الإيمان في تركيز وتأمل العقل والمعيشة فيه، ليس أن يكون في الهامش، هامش الذهن.
فعندما استحضروا الإيمان زاد إيمانهم، قائلين: نحن مؤمنون، من هذا الذي سيُخيفنا؟ من هذا الذي سيحارب الله؟ من هذا؟ نحن وما علينا إلا أن ننفذ أوامر الله سبحانه وتعالى.
وقالوا: حسبنا الله، أي كافينا الله، ونِعْمَ الوكيلُ، ما شاء الله.
معنى الوكيل على وزن فعيل بين اسم الفاعل واسم المفعول وأنه المتوكَّل عليه
وكيلٌ على وزن فعيل، وفعيلٌ تأتي بمعنى الفاعل وبمعنى المفعول في لغة العرب. ومعنى هذا أن الله سبحانه وتعالى هو الذي نتوكل عليه والذي يوكلنا، فهو اسم فاعل واسم مفعول.
فالمتوكَّل عليه فهو وكيل، وكيلُك ربنا، يعني توكل على الله واستند إليه وارمِ حِمْلَك على الله سبحانه وتعالى كما يقول العوام.
أو أنه هو الذي أوكلنا هذا، يعني نحن ماذا نفعل؟ نحن نقوم بما أمرنا الله به. فالوكيل بمعنى اسم فاعل ووكيل بمعنى اسم مفعول؛ لأنها على وزن يصلح للدلالة على الاثنين. حبيب يعني مُحِب أو محبوب، وهكذا.
خاتمة الحلقة والتبشير باستكمال الحوار عن التوكل وإعداد القوة في الحلقة القادمة
[المذيع]: ربنا يجعلنا من المتوكلين يا مولانا. نستكمل الحوار عن التوكل ونربط بينه وبين إعداد القوة:
﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60]
في الحلقة القادمة إن شاء الله يا مولانا. إلى ذلك الحين، نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[الشيخ]: حفظكم الله ورعاكم.
