الجليل | من أسماء الله تعالى الحسنى | أ.د علي جمعة
- •الجليل اسم من أسماء الله الحسنى يتناسب مع كونه مالك الملك وذو الجلال والإكرام والعظيم والكبير والعلي.
- •ليس هناك من هو أجل من الله، مما يوجب أن يكون مقدماً في الطاعة قبل غيره.
- •لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وتأتي طاعة الوالدين بعد طاعة الله لأن طاعتهما من طاعة الله.
- •أمر الله بالإحسان للوالدين والتلطف معهما، وقرن عقوقهما بالشرك في الكبائر.
- •طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم هي عين طاعة الله وليستا منفصلتين، فالرسول هو من أوصل إلينا مراد الله.
- •بعد طاعة الله ورسوله والوالدين تأتي طاعة ولي الأمر.
- •الجليل يستوجب الإجلال الذي يتضمن التعظيم والمحبة والمهابة، ومن هذا تتولد الطاعة.
- •الله جليل في ذاته قبل الخلق وأثناءه وبعد فنائه، فجلاله لا يتغير.
- •يجوز وصف الأشياء بالجليلة، كما يجوز التسمي بعبد الجليل.
مقدمة في اسم الله الجليل وتناسبه مع أسمائه الحسنى
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
﴿وَلِلَّهِ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: 180]
فمع اسم من أسماء الله الحسنى وهو اسمه الجليل. والجليل يتناسب مع أنه مالك الملك، يتناسب مع أنه ذو الجلال والإكرام، يتناسب مع أنه هو العظيم، يتناسب مع أنه هو الكبير الأكبر، يتناسب مع أنه هو العلي سبحانه وتعالى.
يتناسب مع هذا الجلال والجمال والكمال الذي وصف الله به نفسه؛ ليعرّف نفسه إلى عباده. الجليل فليس هناك من هو أجلّ من الله [سبحانه وتعالى].
تقديم طاعة الله على طاعة المخلوقين لأنه الجليل سبحانه
وهذا معناه أنك إذا أردت الطاعة فعليك أن تطيع أول من تطيع الله؛ لأنه هو الجليل. إذا أُمرت بأوامر شتى من أفراد مختلفين، فإنك تطيع من هو الأجلّ وهو الأكبر وهو الأقدر، ومن هذا هو الله [سبحانه وتعالى].
ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»
وهو الله [سبحانه وتعالى]. ولأنه جليل فهو مقدّم في الطاعة، مقدّم في الطاعة.
طاعة الوالدين من طاعة الله وقرن عقوقهما بالشرك
وتلي هذه الطاعة [طاعة الله] طاعة الوالدين؛ لأن الوالدين طاعتهما من طاعة الله، وأمرنا الله سبحانه وتعالى بالتلطف معهما أشد التلطف، وقرن عقوق الوالدين بالشرك بالله.
قال [رسول الله ﷺ في الحديث]: تسعة من الموبقات: الشرك بالله وعقوق الوالدين، وأكمل التسعة. فجعل [الله سبحانه وتعالى] على الفور هكذا:
﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوٓا إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: 23]
ويقول [الله تعالى]:
﴿وَإِن جَـٰهَدَاكَ عَلَىٰٓ أَن تُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِى ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: 15]
طاعة الرسول هي عين طاعة الله وليست منفصلة عنها
فإذا الطاعة تأتي للوالدين، ثم الطاعة تأتي بعد ذلك لولي الأمر.
تقول لي: ماذا إذن؟ أين طاعة الرسول؟
أقول لك: هذا لا، هذا هو [المقصود]؛ طاعة الرسول هي عين طاعة الله.
﴿قُلْ أَطِيعُوا ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا ٱلرَّسُولَ﴾ [النور: 54]
ونحن عرفنا ماذا يريد الله، ونحن [ما] رأيناه بأعيننا [ولا] سمعناه بآذاننا، إنما الذي وصل إلينا مراده سبحانه وتعالى وكلامه سبحانه وتعالى هو سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم.
فعرفنا الحق من الباطل والخير من الشر، وليس هناك باب مفتوح إلى الله سوى باب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فهو الذي عرّفنا. فلا تقل لي إن طاعة الله وطاعة الرسول شيئان منفصلان، بل هما طاعة واحدة؛ طاعة الله عن طريق الرسول، ليس فيها إلا ذلك.
ترتيب الطاعات: الله ثم الوالدين ثم أولي الأمر بأمر الجليل
ثم أطعنا ربنا فقال: أطيعوا الوالدين، قال: أطيعوا الوالدين، قال:
﴿وَأُولِى ٱلْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: 59]
نطيعهم رقم ثلاثة: الله، لا تقولوا الرسول [لأن طاعته هي طاعة الله]، بقي [أنه قد] انتهى [الأمر]، اتفقنا؛ لأن طاعة الرسول هي طاعة الله، والوالدين، وأولي الأمر.
هذا هو معنى الجليل. من الذي قال لنا الترتيب هذا؟ من الذي قال لنا هكذا؟ من الذي قال لنا نعمل هكذا؟ الجليل سبحانه وتعالى.
الجليل يستوجب الإجلال والطاعة والمحبة والمهابة
ولذلك الجليل يستوجب الإجلال، والإجلال التي فيها الفخامة والتعظيم والتقديم تستوجب الطاعة. لو كنت حقًا تحبه لأطعته؛ إن المحب لمن يحب مطيع.
لا يصح أن تُجلّ أحدهم ثم لا تطيعه، لا يصح، أين إجلالك هذا؟
فالإجلال يقتضي الحب ويقتضي المهابة، ويتولد من ذلك الطاعة، سبحانه وتعالى.
الله جليل في ذاته قبل الخلق وأثناءه وبعد فنائه
جليل في ذاته قبل الخلق، وهو جليل أثناء الخلق والخلق موجود، ثم يفنى هذا العالم — شيء اسمه يوم القيامة أو الساعة — وبعد ذلك يوم القيامة.
فأثناء هذا الفناء هو جليل، فهو سبحانه وتعالى لا يتغير ولا يتحول عن جلاله.
جواز التسمي بالجليل وقصة الرافعي القزويني مع اسم كتابه العزيز
ولذلك ترى كثيرًا من الناس يكرهون أن يسمّوا الأشياء بأنها جليلة مثلًا، ولكن هذا جائز أن تسمي هذا جليل. لم يكرهوا هذا [لأنه ليس من الأسماء المختصة بالله]؟ يقول لك: ربنا هو الجليل، يعني هذا رجل رقيق الحاشية رقيق القلب، لا يريد أن يسمي اسمًا يشتبه مع [أسماء الله تعالى].
هذا الشيخ الرافعي القزويني سمّى كتابه في الفقه سماه "العزيز في شرح كتاب الوجيز"، وبعد ذلك نام فجاءه أحد في المنام وقال له: أليس العزيز هذا ربنا؟ قال له: ما علينا، هو يصلح أن يسمي الكتاب "العزيز شرح كتاب الوجيز"، ما يضر شيئًا.
فلما قام [من نومه غيّر] اسم الكتاب [إلى] "فتح العزيز شرح كتاب الوجيز"؛ فتح العزيز سبحانه وتعالى. فكذلك الجليل.
التسمي بعبد الجليل لأنه اسم من أسماء الله الحسنى والخاتمة
ولذلك نرى أن من يتسمّى بماذا؟ عبد الجليل، عبد الجليل؛ لأن هذا الجليل اسم من أسماء الله تعالى.
وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
