الحكم العطائية | المقدمة وشرح الحكمة الأولى | أ.د علي جمعة
- •ابن عطاء الله السكندري من كبار الصالحين توفي أوائل القرن الثامن الهجري، وكان ابن تيمية يجله ويقدره.
- •شهد على ابن تيمية في مسائل أدت لدخوله السجن، ولما خرج ابن تيمية لم يلمه لأنه قال الحق.
- •اشتهر بإخلاصه وتوكله على الله، فأخرج الدنيا من قلبه فتنزلت عليه الأنوار وتكلم بالحكم العطائية.
- •قلب المؤمن إذا خلا من سوى الله صار عرشاً للأنوار فينطق بالحكمة.
- •وضع ٢٦٤ حكمة تكتب بماء الذهب، منها "من علامة الاعتماد على العمل نقصان الرجاء عند وجود الزلل".
- •كان له سلسلة من المشايخ ترتقي إلى رسول الله، فالبركة تسري في الأمة من جيل إلى جيل كسريان الماء في الورد.
- •ينبغي للمسلم أن يعرف أن العبادة من الله وفضله، وعند وقوعه في الزلل عليه بالرجاء والتوبة.
- •توفي سنة ٧٠٩ هـ ودفن بسفح المقطم.
ابن عطاء الله السكندري ومكانته عند ابن تيمية وإخلاصه لله
كان [ابن عطاء الله السكندري] من كبار الصالحين، توفي في أوائل القرن الثامن الهجري، وكان ابن تيمية رحمه الله تعالى يُجلّه ويُقدّره وينادِيه: يا وليَّ الله.
شهد [ابن عطاء الله] على ابن تيمية في عدة مسائل، فكان سببًا في دخوله السجن. فلما خرج [ابن تيمية من السجن] قال: لا ألومك؛ لأنك ما قلتَ إلا الحق. يعني ليس لنا شأن بأن يسجنوني ولا ما يسجنوني، لكن أنت قلتَ الحق، واعلم أنك ما قلتَ ذلك إلا لله.
فشهد له القريب والبعيد، وسبب ذلك وسرّه الإخلاص؛ لأنه كان مخلصًا لله، قد توكّل عليه سبحانه وتعالى حقّ توكّله.
كيف أخرج ابن عطاء الله الدنيا من قلبه فتنزلت عليه الأنوار
أخرج [ابن عطاء الله السكندري] الدنيا من قلبه، ودعا الله سبحانه وتعالى ألّا تدخل فيه حتى يلقاه، فتنزّلت عليه الأنوار، وتكلّم بهذه الحِكَم التي سُمّيت بـالحِكَم العطائية؛ نسبةً لاسمه ابن عطاء، وإشارةً لما فيها من عطاءٍ ربّاني ومِنحةٍ منحها الله سبحانه وتعالى وأجراها على لسان ذلك الوليّ.
فله من اسمه نصيب؛ فهو أحمد بن عطاء الله، وهو من عطاء الله، وحِكَمه من عطاء الله. كل الحِكَم تُفسّر لا حول ولا قوة إلا بالله من داخل، كثيرٌ [منها] تشرح هذه الكلمة.
لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز العرش وعظمة السماوات
التي هي كنز من كنوز العرش. تخيّل ما العرش! النبي صلى الله عليه وسلم يُخبر أن السماء الدنيا في السماء الثانية حلقةٌ في فلاة، يعني نسبة السماء الدنيا في حجمها إلى السماء الثانية كنسبة الحلقة في الصحراء الكبيرة.
يعني نسبة لا تكاد تُذكر؛ واحد إلى مليون، واحد إلى مليار، لا نعرف أعدادًا يقولون عنها الأعداد الفلكية حتى يعجز العقل عن تصوّرها. والسماء الثانية بالنسبة للثالثة كذلك حلقةٌ في فلاة. هنا خلاص يتوقف العقل، فتقعد تتصوّر الاتساع كم هو!
الإنسان ذرة في الكون الفسيح وعظمة العرش المخلوق
والإنسان الصغير هذا الذي في أرض الله لا نستطيع أن ندرك مشارقها ومغاربها، وهذه الأرض ذرّة في ذلك الكون وأقلّ من حلقة في فلاة بالنسبة للسماء الدنيا. فما بالك بالسابعة! وكل سماء بالنسبة لما بعدها حلقةٌ في فلاة، يعني ذرّة في كونٍ فسيح.
حتى نصل إلى السماء السابعة فتكون حلقةً في فلاة بالنسبة للعرش. فالعرش مخلوقٌ عظيم غايةً في العظمة من ناحية الحجم. إذا رآه أيّ مخلوق فإنه يسجد لله الذي خلقه، يسجد لله انبهارًا بهذا الخلق الذي لا يمكن لعقلٍ أن يحيط به.
الكون كله يسبح ويسجد لله سبحانه وتعالى ويتجه إليه
ومخلوقات الله سبحانه وتعالى يخاطبها وخلقها وجعلها تتّجه إليه سبحانه وتعالى. فالكون يسبّح:
﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: 44]
والكون يسجد:
﴿يَسْجُدُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الرعد: 15]
والكون مسخّر، والسماء تبكي والأرض تبكي:
﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ﴾ [الدخان: 29]
إذن هذه الأشياء يخاطبها ربّنا ويجعلها تسير في طريقٍ متّجهٍ إلى الله. فإن الله مقصود الكلّ؛ مقصود السماء ومقصود الأرض ومقصود هذا وذاك، مما علمنا ومما لا نعلم. فالكلّ منجذبٌ إليه بالحال والقال.
الكافر يخالف تيار الكون المتجه إلى الله فيعيش في لعنة
إلا قلب الكافر؛ فإنه منجذبٌ إليه بالحال ويأبى بالقال. يعني انظر إلى اللعنة التي يعيشها الكافر ومدى المصيبة التي يخالف بها تيار الكون! كل الكون يسير متّجهًا إلى الله، وهذا صاحبنا أعطانا ظهره وسار في الاتجاه الآخر؛ سيغرق هكذا، سيتعب وهو متعبٌ فعلًا.
عندما جلسنا مع الكافرين قالوا لنا: نحن في جهنم. فقلنا لهم: لماذا لا تخرجون من جهنم وتؤمنون؟ قالوا: لسنا قادرين. فقلنا: سبحان الله!
﴿وَٱعْلَمُوٓا أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: 24]
أي أنهم لا يستطيعون أن يؤمنوا من كثرة كفرهم ووصولهم إلى درجة العُتُلّ. ما هو في درجة اسمها ماذا؟ درجة العُتُلّ الزنيم.
عرض الأمانة على السماوات والأرض واستواء الله على العرش
فالكون كله يتّجه إلى الله:
﴿إِنَّا عَرَضْنَا ٱلْأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلْإِنسَـٰنُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: 72]
﴿ٱئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ﴾ [فصلت: 11]
إذن السماء والأرض لمّا قال لها: ائتيا طوعًا أو كرهًا، قالت ماذا؟ أتينا طائعين.
يبدو أن العرش رأى نفسه قليلًا أعظم مخلوقات الله؛ السماء السابعة التي يُرى قدر حلقة في فلاة. فلمّا خلقه الله لم يمكنه أن هو يعني يتكلّم هكذا أو هكذا.
﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ﴾ [طه: 5]
أين إذن استوى؟ يعني سكن، يعني استولى عليه وقهره.
معنى استواء الله على العرش ودلالته على شدة العظمة
فهل يعني ذلك أن مخلوقات الله تُقهر من الله؟ أليس هو الذي يقول:
﴿ٱئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ [فصلت: 11]
أي إن لم تأتيا طوعًا فستأتيان كرهًا. ففي مخلوقات كذلك ستفكّر وستتمهّل كي لا تأتي قهرًا؟
العرش دليل عظمة الله، فاستواء الله عليه يعني شدّة العظمة. فالله عظيمٌ لا يحيط به العقل.
قم فتجد أولياء الله وهم يصلّون على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون للعرش: أنت مسرور، أي أنك عرش استواء العظمة. لدينا أفضل منك. فمن الذي أفضل من العرش؟ سيدنا رسول الله؛ فهو سيد المخلوقات والكائنات.
النبي ﷺ عرش استواء الرحمانية وتفوقه على سائر المخلوقات
لماذا [كان النبي ﷺ أفضل من العرش]؟ لأنه عرش استواء رحمانية الله. الرحمانية أعلى أم العظمة أعلى؟ الرحمانية.
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]
فهذه فاقت. ولذلك قال: بسم الله الرحمن الرحيم، لم يقل بسم الله الرحمن العظيم، قال بسم الله الرحمن الرحيم.
فيقول [المصلّي على النبي]: اللهم صلِّ على عرش استواء رحمانيتك صلى الله عليه وآله وسلم. هذا الكلام يُثبت عظمة سيدنا رسول الله صلى عليه وآله وسلم، وأن قلبه الشريف كان محلّ استواء ربّ العالمين من جهة الرحمانية، لا من جهة العظمة كما هو لأعظم المخلوقات حجمًا وهو العرش المبارك الشريف.
معنى الصلاة على عرش استواء الرحمانية وتفضيل النبي على الكائنات
إذا لمّا تقرأ هذه العبارة تفهمها: اللهم صلِّ على عرش استواء رحمانيتك، تعرف ماذا تعني؟ أي أنك فضّلت رسول الله صلى الله عليه وسلم على سائر الكائنات ورفعته إلى المقام الأعلى.
فهو أعظم من كل عظيم؛ لأن الله سبحانه وتعالى أرسله رحمةً للعالمين؛ بما فيها العرش، بما فيها الفرش، بما فيها كله. وحصر ذلك فيه فقال:
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]
أسلوب حصر وقصر: رحمةً للعالمين.
العرش يسبح بحمد الله والمؤمن مطالب بالسير في تيار الكون
هذا العرش الذي استوى عليه ربّنا سبحانه وتعالى، والذي فُضّلنا بأن اتّبعنا رسول الله الذي هو أعظم منه شأنًا وأجلّ قدرًا، هذا العرش يسبّح بحمد الله مع عظمته.
وإذا نظر إليه الناظر خرّ ساجدًا لله، خرّ ساجدًا وليس للعرش. هذه أمّة توحيد؛ خرّ ساجدًا لله لأنه يتبيّن أن من خلق هذا يستحقّ السجود له.
فالكون يسجد، فلا بدّ عليك أيها المؤمن أن تسير في تيار هذا الكون.
قلب ابن عطاء الله أصبح عرشًا للأنوار بعد إخراج الدنيا منه
فابن عطاء الله السكندري لمّا خلا قلبه من الدنيا أصبح قلبه عرشًا من عروش الله تتلألأ عليه الأنوار؛ لأن الله يتّخذ القلب عرشًا.
فقلب المؤمن إذا أخرج منه السِّوى — سوى الله سبحانه وتعالى — ولم يبقَ فيه إلا الله، انكشفت له الأنوار وانكشفت له الأسرار، فينطق بالحكمة:
﴿وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: 269]
إذا الخير الكثير في الحكمة، والحكمة تخرج من قلب المؤمن الذي أخرج منه السِّوى. سوى ماذا؟ سوى الله. فلم يبقَ فيه إلا الله، فكان بيتًا لله.
النفس ضيف على الله ومن كان كذلك فتح الله له ينابيع الحكمة
وما كان كذلك [أي قلبًا خالصًا لله] كانت النفس عنده ضيفًا على الله، ومن كان ضيفًا على الله فحقّ على الله أن يُكرمه. ما هو الله كريم! فيفتح له من ينابيع الحكمة ما يجري على لسانه.
أخرج ابن أبي الدنيا في كتاب اسمه الصمت — يعني اصمت أحسن لك، اصمت — الصمت:
«إذا رأيتم الرجل أُوتيَ صمتًا وعبادةً فاعلموا أن قلبه يتفجّر منه ينبوع الحكمة»
إذا رأيتم الرجل أُوتيَ صمتًا وعبادة، ليس صامتًا لأنه أبله، ولا صامتًا لأن لديه عجز أو عِيّ، بل هو صامتٌ لله.
خطورة اللسان وحصائد الألسنة وفضل الصمت في الإسلام
قال النبي ﷺ: «يا معاذ، وهل يكبّ الناسَ على وجوههم في النار إلا حصائدُ ألسنتهم؟»
أنُؤاخَذ بما نقول يا رسول الله؟ قال:
«ربّ الكلمة من غضب الله لا يُلقي أحدكم إليها بالًا تهوي به سبعين خريفًا في جهنم»
إذا اضمن لي ما بين فكّيك وفخذيك أضمن لك الجنة. سيدنا رسول الله يقول هكذا، أي اترك الكلام الكثير.
﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: 3]
فيبدو أن سيدنا ابن عطاء أعطاه الله هذا [الصمت والعبادة] فأنار قلبه، فأجرى الحكمة على لسانه، فأنشأ هذه الحِكَم حتى صار قلبه عرشًا للأنوار وانكشاف الأسرار. مائتين وأربعة وستين حكمة، كل حكمة تُكتب بماء الذهب.
سلسلة مشايخ ابن عطاء الله السكندري إلى رسول الله ﷺ
توفي ابن عطاء سنة سبعمائة وتسعة ودُفن بسفح المقطّم، وهو تلميذ المرسي أبي العباس المدفون بالإسكندرية. والمرسي أبو العباس تلميذ أبي الحسن الشاذلي المدفون بحميثرة على البحر الأحمر في جنوب الوادي.
وأبو الحسن الشاذلي — وكان اسمه عليّ — تلميذ ابن بشيش أو مشيش؛ لأن العرب إذا جاءت الباء في أول الكلمة أحيانًا ينطقونها باءً وأحيانًا ينطقونها ميمًا. قال: ما اسمك؟ قال: بكر. قال: وما الذي عدل بك عن لغة قومك؟ كان يجب على [الرجل] أن يقولها ماذا؟ مكر. فقال: خفتُ أن أكون مكرًا. دعنا نتركها هكذا، فبكر أحسن من مكر. فكان العرب يفعلون هكذا.
أهمية السلسلة والإسناد في الطريق إلى الله وتوثيق الدين
فابن عطاء له سلسلة يرقى بها إلى الأخذ عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وهذا الطريق إلى الله بركته في تلك السلسلة.
المسلمون دائمًا يهتمّون بالسلسلة بالإسناد؛ أن هذا الإسناد دين، فانظروا ممّن تأخذون دينكم. تميّزت الأمة الإسلامية بأنها قد وثّقت قرآنها؛ يجب أن أقرأ [على] الشيخ حتى أقول: القرآن هذا صحيح، هو الذي أنطق به هو الذي سمعته من الشيخ.
ووثّقوا أحاديث نبيّهم صلى الله عليه وآله وسلم؛ مليون سند، عشرون ألف إنسان لهم ملفّات عندنا، كل ملفّ فيه متى مات ومتى وُلد ورحل إلى أيّ البلدان وهكذا.
البركة الموروثة من رسول الله تسري في الأمة كسريان الماء في الورد
كذلك في الطريق إلى الله والإرشاد والوراثة والبركة، فإن البركة تنزل في حلقات السلسلة؛ سلسلة بدايتها أنت ونهايتها سيد الخلق صلى الله عليه وآله وسلم. لا عن أوهام ولا عن أخبار تُنقل وتُزاد وتُنقص، بل عن حقّ وحقيقة ورؤية ومشاهدة وأخذ البركة من جيلٍ إلى جيل ومن حلقةٍ إلى حلقة.
إذن فلا بدّ علينا أن ندرك سرّ البركة، وإن البركة من ميراث الأنبياء، وإنها موروثة من سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، تسري في الأمة كما يسري الماء في الورد. وإن هذه الأمة باقية على خيريّتها ما بقيت البركة موروثة.
أهل البيت من قمم البركة وحديث الترمذي في التمسك بالعترة
وإن من قمم البركة أهل البيت، فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما أخرجه الترمذي — وليس في الكتب الستة سواه — يقول:
«تركتُ فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي أبدًا: كتاب الله وعترة أهل بيتي»
لا يوجد «وسنّتي» في الكتب الستة. التي موجودة في الكتب الستة: وعترة أهل بيتي. و«سنّتي» أخرجه أحمد:
«تركتُ فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي أبدًا: كتاب الله وسنّتي»
هذا موجود في مسند أحمد، لكن «وعترتي» في الترمذي. والترمذي مقدّم على أحمد لأنه من الكتب الستة المعتمدة.
تفرد النبي ﷺ بمعرفة قبره دون سائر الأنبياء
ما معنى آل البيت؟ أي النبي حقيقة. ما معنى القرآن؟ أي النبي حقيقة.
النبي صلى الله عليه وسلم هو الوحيد الذي نجزم بقبره. قولوا لنا: أين قبر موسى؟ إذن، قولوا لنا: أين قبر آدم؟ قولوا لنا: أين قبر سليمان؟ لا نعرف، ولا أحد يعرف.
القبر الوحيد الموجود لمن؟ لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبالكاد يعني بالكاد سيدنا إبراهيم في الخليل، مدفون بجانبه يعقوب وإسحاق وإسحاق ويعقوب ويوسف، كله ظنّ، وزوجاتهم ظنّ. وقريب من دمشق هكذا في أيوب ظنّ.
الأضرحة المبنية على طريقة المسلمين وتفرد النبي ﷺ بقبره المعروف
وتذهب فتجد الضريح مبنيًّا على طريقة المسلمين، فهؤلاء كانوا يُدفنون نحو الشرق، فكيف يكونون مسلمين؟ ودانيال واحد هنا اسمه دانيال في الإسكندرية، ظنّ. أحد يعرف أنه لا بدّ أن يكون؟ أبدًا لا يوجد.
إلا لا بدّ أن يكون إلا سيد الخلق. تفرّد هو. حقًّا ليس بمنكر؛ لا يمكن أن تُنكر وجود سيدنا محمد.
أحد المجرمين من الملحدين ألّف ثلاثة مجلّدات يُثبت فيها عدم وجود سيدنا عيسى. يقول لك إن سيدنا عيسى هذا غير موجود! أحد من الكفار الذين في أوروبا.
الرد على من أنكر وجود سيدنا عيسى وتميز الأمة الإسلامية بالتوثيق
لماذا يا أخانا سيدنا عيسى غير موجود؟ كفى الله الشرّ! قال: غير موجود في السجلّات الرومانية، أي شيء من موجودة في هذا الأمر هو.
طيّب، نحن إذن ليس لدينا هكذا. نحن لدينا آلاف الروايات من آلاف الأشخاص تُعبّر عن كل مقولة صدرت من فمه الشريف صلى الله عليه وآله وسلم، وتُعبّر عن كل حركة وسكنة.
وحُفظ القرآن وفيه آية معجزة:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ﴾ [الحجر: 9]
فإذ به قد حُفظ، حفظه الله سبحانه وتعالى فعلًا، لا على مستوى الكلمة ولا الجملة ولا السورة، بل على مستوى نطق الحرف.
حفظ القرآن معجزة فريدة على مستوى نطق الحرف والتلاوة
عندما تجلس مع المشايخ ويقول لك: «والضحي»، يقول لك: لا خطأ، قل: «والضحى»، حيّ ليس حاء، انطق، عدّل! ويضربك على كتفك. ما هذا؟ حفظ!
وإلى الآن وهو الكتاب الوحيد الذي يُحفظ، هو محفوظ من التحريف ولكنه محفوظ حتى في التلاوة. رأيت كتابًا يُحفظ؟ هل حفظ أحدٌ التوراة أو الإنجيل؟ الذي يحفظ منه صفحة واحدة يصبح من العلماء الكبار عندهم. لماذا؟ حفظ صفحة واحدة!
إذن نحن لا يُعجبنا المشايخ ونقول له: يا أخي اتّقِ الله، ألستَ حافظًا؟ أم كن واعيًا للقرآن. والشيخ يتلعثم ولا شيء في الصلاة تكون ورطته كبيرة، وتجد الطفل الصغير هكذا يردّ عليه. هذه معجزة!
هيبة المحراب والمنبر وحفظ القرآن وآل البيت والأسانيد
ولد صغير هكذا والشيخ واقف في المحراب، يُشوّش الذهن، يجعل الإنسان مضطربًا؛ المحراب والمنبر والشيء والتوجّه، هذا كله ما هذه! الناس جميعًا في ناس ينسون الفاتحة، شيء مسؤولية.
قال [عبد الملك بن مروان]: شيّبتني المنابر والمحاريب. هذا عبد الملك بن مروان يقول: شيّبتني المنابر والمحاريب، وهو فصيح كان وعالم، لكنه يخاف.
وبعد ذلك إذا بك تجد الرجل في رمضان واقفًا بنا ولا يُخطئ إلا ربما ربع خطأ فقط، لكنه كان يعني دخل من آية إلى آية أيضًا، حافظ يعني شيء عجيب الشكل.
فالقرآن محفوظ، وآل البيت محفوظون، وأسانيد النبي في سنّته محفوظة، والبركة موروثة.
التحذير من القدح في البركة الموروثة والتمسك بمنهج السلف الصالح
انتبه، انتبه! لا، حسن، هذه معانٍ بدأ كثير من الناس في القدح فيها، فما قدحوا إلا في أنفسهم ودينهم والعياذ بالله تعالى.
فتحرّر من هؤلاء الذين يريدون فسادًا كبيرًا في الأرض، وتمسّك بما عليه السلف الصالح. واعلم أن البركة موروثة من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم، تسري في الأمة سريان الماء في الورد.
ما هي أمّة مثل الوردة رائحتها جميلة! ما أحد يسجد إلا نحن، ما أحد يذكر إلا نحن، ما أحد يمشي يأمر بعبادة الله وعمارة الكون وتزكية النفس إلا نحن، ما أحد عنده أمر بالمعروف ولا نهي عن المنكر إلا نحن.
من أجرم في حق الأمة وأضعف قوتها وضيع مصالحها
فانظر إلى مدى من أجرم في حقّنا فأضعف قوّتنا حتى لم نعد قادرين على الجهاد في سبيل الله. وانظر إلى مدى الإجرام الذي يتولّى كِبره من يتولّاه في تضييع الأمة من أجل مصالح بني آدم الشخصية. تبقى مصيبته مصيبة عند الله.
ولكن ينبغي عليك أن تبدأ بنفسك ثم بمن تعول. إذا أردت أن تُغيّر فابدأ بنفسك ثم بمن تعول. أترى جذع النخلة في عينك؟ تترك جذع النخلة في عينك وترى القذاة في عين أخيك؟ يعني ابدأ دائمًا [بإصلاح] نفسك.
حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا.
ابن عطاء الله ورث البركة عن مشايخه فأنار الله قلبه فنطق بالحكم
عرف ابن عطاء رضي الله تعالى عنه هذا كله فطبّقه، فورث عن مشايخه بركةً من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأنار الله قلبه فنطق بالحِكَم.
قال أول ما قال — وهي على هذا الترتيب الذي رتّبه ابن عطاء — فيها حكمة؛ فإن كل حكمة تُهيّئ للتي بعدها تُسلّم الأمر للتي بعدها.
جاء منتقلٌ هندي ولم يفهم هكذا، فذهب ورتّبها وأحضر الحِكَم التي تتشابه مع بعضها البعض في باب واحد، لخبط الدنيا. ترتّبها على الحروف الأبجدية كما فعل الشيخ البزمي؟ هنا ليس لها معنى، هذا من أجل البحث فقط.
ترتيب الحكم العطائية فيه بركة ولا ينبغي تغييره بسرعة
وترجع المسألة إلى الأنوار التي تخصّ ابن عطاء. البركة لا تُغيَّر هكذا.
نحن أمّة نسعى إلى الحقّ بالهدوء بالعلم، فلا تُغيّر بسرعة. أي ليس الحكمة أن تُغيّر لأحسن، هذه هي الحكمة الآن أن تُغيّر.
وقالوا: ألن تُغيّروا أنفسكم أم ماذا؟ حتى قالوا لنا في المؤتمرات: ألن تُغيّروا القرآن؟ فقد غيّرنا طبعة جديدة مزيدة ومنقّحة، ماذا فيها؟ فقلنا لهم: لا يصحّ ذلك.
فقال: إذن أنتم هكذا أيها المسلمون، غيّروا الآية التي لا تعجبك، لا تضعها في الطبعة الجديدة يا عمّ! لا يصلح. لماذا؟
الفرق بين عالم الدين في الإسلام ورجل الدين عند غير المسلمين
أنت ألستَ رجل دين؟ قلت له: لا، أنا عالم دين. قال: ماذا؟ عالم دين يعني رجل دين، ورجل دين يعني لديه سلطة يضع ويرفع ويفعل ما يريد.
﴿ٱتَّخَذُوٓا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَـٰنَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ ٱللَّهِ﴾ [التوبة: 31]
انتبه يا عمّ! نحن لسنا كذلك. كيف أنتم متخلّفون هكذا؟ احذف! لا أستطيع. لماذا لا تستطيع؟ المسلمون يأكلون وجهي لو حذفت شيئًا في القرآن.
آية كذلك لا تعجبنا واتّفقنا أن نحذفها معًا سويًّا، فتجد المسلمين يغضبون. لماذا يغضبون؟ لماذا؟ ألستَ أنت رجل دينهم وقلت لهم هذه ليست هنا؟
المسلمون لا يخفون كتابهم بخلاف أهل الكتاب الذين حرفوا كتبهم
نعم، ولكنهم في الأصل يعرفون أيضًا أنكم كنتم تُخفون هذا لتلعبوا به على هواكم. نحن لا نُخفيه، بل قلناه للناس.
أما أنتم فمخطئون؛ كنتم تحتفظون به عندكم وتُحرّفون فيه على هواكم. لا تُحرّفوا، بل طوّروا فيه! لن ننجح معًا.
نحن أمّة نسعى إلى الحقّ، وهم أمّة يسعون إلى المنفعة والمصلحة والشهوة. لن ننفع [معهم].
ترتيب ابن عطاء للحكم فيه بركة موروثة وأنوار تتجاوز الظاهر
فانتبه إلى ترتيب ابن عطاء؛ لأن ترتيب ابن عطاء هذا فيه بركة وبركة موروثة، وتجاوز به إلى الأنوار التي وراءه.
قال رضي الله تعالى عنه — ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين —:
الحكمة الأولى: من علامة الاعتماد على العمل نقصان الرجاء عند الزلل
من علامة الاعتماد على العمل: نقصان الرجاء عند وجود الزلل.
أعلن [ابن عطاء الله] العبودية وقال لك: أنت عبدٌ لله، إذا فينبغي عليك أن تفعل العمل مخلصًا لله.
قال صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيّات، وإنما لكل امرئ ما نوى»
وقال:
«ثلاثٌ من كنّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبّ إليه مما سواهما» أو لوحدي [أي أو كما ورد في الرواية]
وقال:
«لا يبلغ أحدكم مبلغ الإيمان حتى أكون أحبّ إليه من والده وولده والناس أجمعين»
وقال:
«لا يبلغ أحدكم مبلغ الإيمان حتى يكون هواه تبعًا لما جئتُ به»
يعني لا بدّ عليك من إخلاص النية لله وأن تفعل العمل لله.
خطورة تحول العبادة إلى عادة عندما يغيب ذكر الله عنها
طيّب، لو فعلتَ العمل للعمل تصبح أنت ناسيًا ربّك ولستَ تذكره. تصلّي لأن وقت الصلاة دخل وأنت لا تذكر ربّنا ولا شيئًا. الله! هذه تصبح العبادة قد صارت عادة.
العبادة من غير ذكر الله تتحوّل إلى عادة. أنت تصلّي لماذا؟ يقول لك: أصلّي كل يوم، وهل أترك الصلاة والعياذ بالله؟ هذا جميل حسن.
لكن الصلاة التي صلّيتها هذه، أين معناها؟ أين نيّتها؟ أين الحال الخاصة بها؟ يجب أن يكون لها حال عندك، يجب أن تعيشها. فأنت الآن تصلّي فحسب، فيكون ذلك واجب إثبات حالة، لكن ليس القيام بواجب العبودية. وحينئذٍ لا تجد حلاوة الإيمان في قلبك.
قول أبي يزيد البسطامي: إنكم عبدتم العبادة ولم تعبدوا الله
قالوا لأبي يزيد البسطامي: ما لنا نعبد الله ولا نجد لذّة العبادة؟ قال: إنكم عبدتم العبادة، لو عبدتم الله لوجدتم لذّة العبادة.
أي إذا عبد العبادة تعني ماذا؟ يعني صلّى لكي يقول لنفسه — وليس يقول لغيره؛ يقول لغيره فهذا يكون مرائيًا — لا، هذا يقول لنفسه: أنا صلّيت، أنا شجاع! أنا صلّيت، أنا شجاع!
فتكون حالة نصل إلى درجة تُسمّى الاعتماد على العمل. فأنا أعتمد على العمل. أقول له: لماذا تصلّي؟ قال: حتى يُدخلني الله الجنة.
العبادة لغرض شخصي وليست لأن الله يستحق العبادة
نعم، فقد أصبحت العبادة لها غرض، والغرض شخصي؛ لكي يستجيب الله دعائي، شخصي أيضًا. وليس لأن الله يستحقّ العبادة.
لا، هذه عملية شخصية: سأعبد ربّي لأجل غرض. هذا الغرض هو أن يُكرمني في الدنيا ويُكرمني في الآخرة. وهذا الغرض هو أن أكون أمام نفسي رجلًا محترمًا؛ أنا أصلّي وأصوم ولا أرتكب معاصي.
فيكون هناك اعتماد على العمل. فماذا بعد؟
مقاييس ابن عطاء الله لاكتشاف الاعتماد على العمل في النفس
قال لي أحدهم: إذن أنا أريد أن أتخلّص من هذه الحالة. قلت له: حسنًا، يجب أن أضع لك مقياسًا. دائمًا تجد ابن عطاء يضع لنا مقاييس لكي نكتشف بها أنفسنا.
ونرى: هل أنا اقتنعت بكلامك مولانا؟ نريد أن نصلّي لله حتى نجد حلاوة الإيمان، ولكن أعرف كيف أنني صلّيت لله؟ هذا سؤال.
إذ لا بدّ من الكواشف. هذه الكواشف عندما نتّبعها نجدها تكشف لنا حالنا مع الله.
فما هي العلامة؟ هذه الكواشف، المعيار، المقياس، الشيء الذي أكتشف به الاعتماد على العمل المذموم. لا أريد أن أبقى معتمدًا على العمل؛ أنا أعتمد على الله وأؤدّي العمل لله.
علامة الاعتماد على العمل نقصان الرجاء عند وقوع المعصية
فقال [ابن عطاء الله]: من علامة الاعتماد على العمل — والاعتماد على العمل هذا شيء جيد أم سيء؟ شيء سيء. ناقصة أم كاملة؟ لا، ناقصة —: نقصان الرجاء عند وجود الزلل.
جاء فوقعت في المعصية، فلمّا وقعت في المعصية ساءت الدنيا في وجهي وقلت: نعم، أنا لستُ ذا فائدة، أنا داخل النار، داخل النار!
وهناك أناس — والعياذ بالله — يسيرون في هذا الطريق حتى يقولوا: ما دمت داخل النار فخلاص، لم أعد أجلس لأصلّي وأصوم. لا، اتركك من العمل لأنه لا توجد فائدة. هذه طبيعة الإنسان هكذا، وسمعنا ورأينا هذا الصنف من الناس.
الرد على من يدعي أن الإنسان لا يخلو من المعصية فيترك العمل
يدّعي [هذا الصنف] أن الإنسان لا يمكن أن يخلو عمله من المعصية. حسنًا، قد تكون هذه حقيقة. النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
«كل ابن آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوّابون»
لا، هو حذف الجزء الثاني من الحديث! قال: كل ابن آدم خطّاء، ولذلك ينبغي علينا أن نسير في الخطأ لأن هذه سنّة الله فينا هكذا.
أصحاب علم النفس عندهم ولد اسمه فرويد — سيجموند فرويد — هذا ولد يهودي. هذا الولد اليهودي قال لك: إن النفس هذه أمّارة بالسوء، وجلس يصف النفس الأمّارة بالسوء، ألّف كتبًا كبيرة هكذا هو يصف فيها النفس الأمّارة بالسوء.
الرد على فرويد: النفس سبع درجات وعلاجها ليس بالاستسلام للسوء
فقلنا له: حسنًا، ما نحن لدينا أيضًا كذلك، لدينا شيء: النفس سبع درجات أولها الأمّارة بالسوء، فأنت لم تأتِ بشيء جديد، نحن مؤمنون بهذا.
قال: لا، لكن أنا أتيت بعلاج النفس الأمّارة بالسوء: أن تستمرّ في السوء! علاج النفس الأمّارة بالسوء أن تستمرّ في السوء وتبيع نفسها للسوء لكي تهدأ ولكي تستقيم مع الحياة الدنيا، وإلا يحدث لك اكتئاب.
قلنا له: نعم، هنا سنتخاصم مع بعضنا البعض. أنت من طريق ونحن من طريق؛ أنت في طريق الشيطان ونحن في طريق الرحمن.
النفس كالطفل إن تهمله شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم
نحن لدينا: والنفس كالطفل إن تتركه شبّ على حبّ الرضاع، وإن تفطمه ينفطم.
انظر كيف النفس عندما تُعطيها تطلب أكثر، لا ترتاح. هذه تتعب أكثر. وهذا الذي يحدث حتى ينتحروا! أكبر نسب انتحار عند الناس الذين أطاعوا فرويد.
تظلّ نُعطيه حتى ينتحر، نُعطيه حتى قال: ما هي الحياة؟ ما شكلها؟ ما هي الحياة بعد ذلك؟ ويأتي منتحرًا.
لكن لدينا هذه النفس الأمّارة بالسوء، بعدها نوصل الإنسان إلى النفس اللوّامة التي تقول له: لا، عيب، استحِ، تلومه. والنفس اللوّامة تُسلّمه إلى النفس الملهمة، والنفس الملهمة إلى الراضية، والراضية إلى المرضية، والمرضية إلى المطمئنة، والمطمئنة إلى الكاملة.
النفس الأمارة بالسوء لا نسلمها للسوء بل نسلمها لربها ونقاومها
من قال لك يا فرويد إن النفس أمّارة بالسوء فقط؟ النفس أجل، أمّارة بالسوء موجودة، ولكن من الذي قال لك إننا نُسلّمها إلى السوء؟
النفس نُسلّمها لربّها. النفس نُقاومها ونضغط عليها ونجعلها تحت أقدامنا، فإذا بها تستقيم وتسكن؛ لأنها مثل الطفل.
والنفس كالطفل إن تُهمله شبّ على حبّ الرضاع، وإن تفطمه انفطم. فحاذر النفس والشيطان واعصِهما، وإن هما محّضاك النصح فاتّهم، ولا تُطع منهما خصمًا ولا حكمًا، فأنت أعلم كيد الخصم والحكم.
هذه النفس لا تُعطها هكذا، لا تسِر وراءها. هذا يلزم أن تُقاومها.
عند الوقوع في المعصية لا تيأس بل ثق بالله وبادر بالتوبة
من علامة الاعتماد على العمل: نقصان الرجاء عند وجود الزلل.
فلمّا تقع في المعصية تيأس؟ لا، لا تيأس. ثِق بالله، ارجع، تُب.
«خير الخطّائين التوّابون»
بادر بالمغفرة، فِرّ إلى الله، سارع إلى المغفرة. وهكذا.
هذه أول حكمة: من علامات الاعتماد على العمل نقصان الرجاء عند وجود الزلل.
علاقة الحكمة بلا حول ولا قوة إلا بالله والتبرؤ من الحول والقوة
ما علاقته بلا حول ولا قوة إلا بالله؟ إذا تبرّأت من حولك وقوّتك عرفت أن العبادة التي جرت عليك إنما هي من الله ومن توفيق الله، وأنه لا شأن لك إلا أنك محلّ تجلّي فعل الله في كونه.
هو أنت صلّيت أصلًا يا مجرم؟! الله هو الذي جعلك تصلّي! يستوجب منك أن تحمد الله سبحانه وتعالى على أن وفّقك إلى الصلاة.
الله سبحانه وتعالى هو الذي وفّقك للطاعات، وهو الذي خلقها عليك وأجراها عليك. فيجب عليك أن تشكره. وعندما تشكره فإنه يجب عليك أن تشكره إن وفّقك لشكره. وعندما تشكر شكره يجب عليك أن تؤمن أن ذلك كله من عند الله، وأنك لا توفّيه حقّه أبدًا.
لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك سبحانك
لا يمكن أن توفّيه حقّه؛ لأن كلما شكرت كلما احتاج الأمر إلى شكر المزيد. ولذلك يقول [النبي ﷺ]:
«أنت كما أثنيت على نفسك، لا نُحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك»
ما لن ينفع! قل له: انتهى، أنا عجزت أن أحمدك كما ينبغي لجلال وجهك أن يكون. ولذلك أنت فاحمد نفسك؛ لأنني لو حمدتك لن أنتهي. أنا ضعيف.
«لا ملجأ منك إلا إليك، سبحانك لا أُحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك»
أي ما معنى لا حول ولا قوة إلا بالله؟
إذا عرفت أن العبادة من فضل الله فلا تيأس عند الزلل وارجُ المغفرة
فإذا عرفت هذه الحقيقة [أنه لا حول ولا قوة إلا بالله] وأن ما قدّمته من عبادة إنما هو من فضل الله، عرفت أنه إذا ما قصّرت ووقعت في الزلل فلا بدّ عليك من الرجاء في الله؛ لأن الكلّ من عند الله. إذا فلا تيأس.
إذا هذه الحكمة علّمتنا أمورًا:
- أنه لا حول ولا قوة إلا بالله.
- لا تعتمد على العمل وحده.
- اعلم أن ما أجراه الله عليك من الطاعات فبإذن الله ومن الله، مما يستوجب مزيد الشكر.
- إذا وقعت في الزلل فارجُ المغفرة وبادر بالتوبة.
إذا لم تكن كذلك فاعلم أنك ما زلت في نطاق الاعتماد على العمل، ولا بدّ عليك أن تتخلّص من هذه الصفة.
الاكتفاء بشرح الحكمة الأولى والوعد بإكمال الشرح في رمضان القادم
نكتفي اليوم بهذا، ثم إن شاء الله نشرع في شرحها إلى [أن] ننتهي منها في رمضان القادم إن شاء الله تعالى.
