الحكم العطائية | من 11 - 15 | أ.د علي جمعة - الحكم العطائية, تصوف

الحكم العطائية | من 11 - 15 | أ.د علي جمعة

34 دقيقة
  • ادفن وجودك في أرض الخمول، فما نبت مما لم يدفن لا يكتمل إنتاجه، والخمول هنا ضد الظهور والشهرة وليس ضد النشاط.
  • تقي خفي إذا طلب لم يوجد وإذا غاب لم يفقد، فالخمول يعني البعد عن مراءاة الناس والتصدر بغير حق، مع الإخلاص لله.
  • العزلة تنفع القلب، وهي نوعان: عزلة بالجسد وعزلة بالقلب، والثانية تسمى الخلوة في الجلوة.
  • لا يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته، ولا يرحل إلى الله من هو مكبل بشهواته.
  • الغفلة تسبب جنابة روحية تحتاج إلى التطهر بالتوبة، فالتوبة هي الاستحمام الروحي.
  • الكون كله ظلمة وإنما أناره ظهور الحق فيه، فمن رأى الكون ولم يشهد الله فيه فقد حجبته سحب الآثار.
  • فقدان الوجدان لا يلزم منه فقد الوجود، والعارف يدرك أن وجود الله أظهر من الكائنات.
  • الخلق يفنى ويتجدد كل لحظة بمدد من الله، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
محتويات الفيديو(31 أقسام)

مقدمة الدرس والترحيب بالشيخ ابن عطاء الله السكندري

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

قال [الشيخ ابن عطاء الله السكندري] رضي الله تعالى عنه، ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين.

كيف يُتصوَّر أن يحجبه شيء وهو الذي ظهر بكل شيء؟

نعم، نحن أنهينا [الحِكَم] الخمسة عشر في المرة التي مضت، حسنًا، نحن أنهيناها.

معنى دفن الوجود في أرض الخمول وثمرة ذلك

قال [الشيخ ابن عطاء الله السكندري رضي الله عنه]: «ادفن وجودك في أرض الخمول، فما نبت مما لم يُدفن لا يكتمل إنتاجه.»

ادفن وجودك في أرض الخمول؛ فالبذرة عندما تدفنها في الأرض وتُحسن دفنها، ثم يأتيها الري بالماء، تنبت وينتج منها إنتاج وثمرة وزرع.

لكن لو أنها كانت على الأرض غير مدفونة، تدوسها الأقدام، أو تذروها الرياح، أو يأتي الماء فبدلًا من أن يُطعمها ويسقيها يأخذها ويجرفها.

ولذلك إذا أردنا أن نصل إلى حصول الثمرة، فلا بد من أن تدفن نفسك وتجعل نفسك تحت قدميك في أرض الخمول.

الفرق بين الخمول والكسل وبين الخمول والشهرة

الخمول ضد الشهرة، وليس ضد النشاط؛ والذي ضد النشاط هو الكسل.

قال رسول الله ﷺ: «اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل»

لأنه ﷺ يريد أن ينشط في عبادة الله، ويريد أن يكون صاحب همة فيها.

والعابد لا يقصر نفسه على الخمول الذي بمعنى الكسل. الناس تفهم الخمول أنه بمعنى الكسل، لا؛ هذا الخمول ضد الظهور، والكسل ضد النشاط.

ادفن نفسك، أو ادفن وجودك في أرض [الخمول]، لا في أرض الكسل؛ والكسل عسل أبدًا [أي لا خير فيه].

ادفن وجودك في أرض الخمول؛ يُقال: هذا رجل تقي خفي، إذا طُلب لم يوجد، وإذا غاب لم يُفقد، لا أحد يسأل عنه، ليسوا منتبهين إليه؛ هذا هو الخمول.

حقيقة الخمول هي الإخلاص لله لا البعد عن الناس

الخمول هو البعد عن مراءاة الناس، وعن التصدر بغير حق، وعن أن تظهر هكذا فجأة وتنسب إلى نفسك ما ليس لك.

ولكن الخمول هو أن تفعل الشيء وتنشط، ولكن لله مخلصًا لله، لا تريد من أحد جزاءً ولا شكورًا.

ادفن وجودك في أرض الخمول؛ إذا دفنت وجودك في أرض الخمول وجدت ثمرة ذلك في قلبك.

والرجل [الشيخ ابن عطاء الله] هنا أصبح يقول لنا ماذا؟ سيدنا الشيخ ابن عطاء الله يقول لنا الخطوات التي نتخذها حتى نصل إلى السير في طريق الله سبحانه وتعالى؛ فأول شيء: إخفاء الأعمال، الدخول في أرض الخمول، هذا أول شيء.

علامة صحة العمل وتفسير حكمة دفن البذرة في الأرض الطيبة

وحتى يطمئن قلبك أن ما تفعله صحيح، وحتى تعلم علامة صحته، فإنه [الشيخ ابن عطاء الله] علَّل لك وسبَّبه وبيَّن ما الذي سيترتب عليه.

فقال: «فما نبت مما لم يُدفن لا يتم إنتاجه.» البذرة التي على وجه الأرض ذهبت نهائيًا، ضاعت منا.

لكن البذرة التي دفناها في الأرض الطيبة تنبت سبع سنابل، وكل سنبلة فيها مائة حبة، والله يضاعف لمن يشاء.

قال [الشيخ ابن عطاء الله] رضي الله تعالى عنه: «ما نفع القلب مثل عزلة»؛ وهو لا يقول لك في الخمول ويقول لك عدم الظهور والابتعاد عن الناس وعدم مراقبتهم فحسب، بل يُحرر هذا في خمول وليس فيه كسل، بل يبقى في نشاط.

الرد على من يتهم أولياء الله بالكسل وتوضيح معنى الخمول

لأجل الناس الذين يقرؤون ولا يفهمون، ويتهمون أولياء الله بأنهم من أهل الكسل؛ كيف يكون كسلًا إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استعاذ من العجز ومن الكسل؟ فهذا الكسل شيء [مذموم].

فما هو إذن الخمول؟ هو عدم الظهور، وعدم التصدر، وعدم مجاملة الناس [على حساب الحق].

فلتعزل نفسك؛ بأن العزلة نوعان:

  1. عزلة بالجسد
  2. عزلة بالقلب

العزلة بالقلب يسمونها الخلوة في الجلوة؛ خلوتك في جلوتك. وما معنى في جلوتك؟ أنت جالس أمام الناس هكذا وسطهم، فهذه هي الجلوة، وأنت قلبك منشغل مع الله، فهذه هي الخلوة.

العزلة بالجسد ليست دائمة وسنة النبي ﷺ في التحنث بغار حراء

العزلة بالجسد أي أن أذهب فأنعزل بنفسي قليلًا وأعتزل الناس لكي آخذ وأشحن طاقتي، وليس الاعتزال دائمًا.

كان [النبي ﷺ] يتحنث في غار حراء الليالي ذوات العدد، ولم يكن دائمًا، ثم ينزل إلى أهله فيتزود، ولم يمنعهم ذلك من التجارة ومن السعي ومن النشاط في الحياة الدنيا صلى الله عليه وسلم.

ففي خلوة مثل خلوة غار حراء، وفي خلوة في الجلوة؛ أحب الأعمال إلى الله سبحانه وتعالى في الحديث:

قالوا: وما سُبحة الحديث يا رسول الله؟ قال: «الرجل يسبح والناس يتحدثون»

قلبه متعلق بالله لدرجة أنه ظاهر في وسطهم إلا أن قلبه في خلوة.

العزلة تُدخل القلب ميدان التفكر في خلق السماوات والأرض

«ما نفع القلب مثل عزلة يدخل بها ميدان فكرة التفكر.»

قلنا ونحن في [شرح كتاب] منازل السائرين أنه من أهم علامات الطريق إلى الله:

﴿ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَـٰمًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَـٰذَا بَـٰطِلًا سُبْحَـٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [آل عمران: 191]

جلس يفكر؛ فكَّر في الكون ويفكر في خالقه، ليس في ذاته [ذات الله]؛ فإن الفكرة في الذات إشراك، لكن في الآلاء وآثاره ونعمه وأوامره ونواهيه وملكات عبيده في الدنيا.

كيف تبدأ في دفن وجودك في أرض الخمول بعزلة القلب

«ما نفع القلب مثل عزلة يدخل بها ميدان فكرة التفكر.»

فلا بد عليك حتى تستطيع أن تدفن وجودك في أرض الخمول، أن تبدأ في دخول قلبك عزلةً يستجم فيها من التعلق بالناس وبالأشياء وبالأشخاص وبالأفكار، ويسبح مع الله في كونه؛ تهيئةً لسلوك الطريق إليه.

يبقى إذن هذا [الشيخ ابن عطاء الله] يعطينا الخطوات وهي: ادفن نفسك في أرض الخمول.

فكان أحدهم سأل: كيف؟ قال [الشيخ]: اعزل القلب؛ هذه الخطوة التي أستطيع بها أن أدفن نفسي ووجودي في أرض الخمول.

سؤال عن فائدة العزلة والخمول وجواب الشيخ بأن القلب سيصبح مرآة للأنوار

قال [الشيخ ابن عطاء الله] رضي الله تعالى عنه، ونفعنا الله بعلومه في الدارين.

كيف يشرق قلب؟ واحد يقول له: فلماذا نعتزل لكي ندفن أنفسنا في أرض الخمول لكي ننتج؟ ماذا سيحدث؟

قال له: قلبك سيصبح مرآةً للأنوار؛ كل حكمة تتجاوب مع الخطوة التي ستقوم بها من الحكمة التي قبلها.

فيقول لك: كيف يشرق قلبك؟ يعني الأشياء التي أقولها لك هذه إذا نفَّذتها فإن قلبك سيشرق بالأنوار.

ولكن إذا أحضرنا المرآة ودهناها بدهان أزرق وأصبحت معتمة، تنظر إليها فلا ترى فيها وجهك؛ لأن صقلها قد ذهب بهذا الدهان.

تشبيه القلب المشغول بالدنيا بالمرآة المطلية التي لا تعكس النور

فأنت تفعل في قلبك هكذا عندما تُدخل الدنيا فيه وتجعل مرآة القلب لا تستطيع أن تعكس شيئًا ولا يشرق فيها شيء.

حتى لو نزل فيها [النور] فيصبح نورًا باهتًا، تشعر بحرارته فقط هكذا، ولا تشعر بضوئه ولا نوره.

ولا تعرف كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته؟

كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته؟ كيف يرحل إلى الله وهو مكبَّل بشهواته، مقيَّد بالسلاسل الحديد؟

مثل من يُلقى في البحر مكتوفًا ويُنهى عن البلل بالماء

في الأسطوانة [أي في هذه الحكمة] هذه، ونقول له: امضِ فألقاه في اليم مكتوفًا، وقال له: إياك أن تبتل بالماء؛ سيطاوعه [أي هل سيستطيع ألا يبتل]؟

أين ما هو؟ ألقاه في الماء! مثل واحد ألقى آخر من مكان عالٍ - يعني منارة المسجد هكذا - صعدنا إلى الأعلى وذهبنا نُلقي واحدًا من الأعلى وهو ينزل، انتهى.

الأرض أصبحت كلها رمالًا، فقال له: ماذا؟ أم أقول لك اصعد؟ إلى أين؟ سيصعد إلى أين؟

حسنًا، فنظر إليه هكذا وقال له: يا ظالم، أصعد إلى أين؟ أنا نازل على جذور عنقي الآن.

فالإنسان انظر ماذا تفعل بنفسك عندما تستعبد نفسك بالشهوات ثم تدَّعي أنك تريد أن تذهب [إلى الله].

الله لا يحب الشريك والتناقض بين الشهوات وإرادة السير إلى الله

إن الله لا يحب الشريك. انتهى.

يا أيتها الشهوات، يا ربنا اختر؛ فإذا لم تختر ستبقى متناقضًا مع نفسك، غير صادق.

والله يحب الصادق.

كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآتها؟ طبَّعه فيها نوع من أنواع النجاسة، طبعة منطبعة.

انظر إلى التعبير؛ إذن كان القلب متنجسًا، ولذلك عندما دخلت فيها الطباعة هذه.

قصة اشتقاق كلمة مطبعة من النجاسة وعلاقتها بالتطبيع مع إسرائيل

قالوا للمشايخ: ما هذا الشيء الجديد الذي هو الطابعة؟ في شيء وصل إلينا من الغرب يُسمى طابعة، هذه تسمونها ماذا بالعربية؟

قالوا: طيب، ما هي هذه الطابعة؟ قالوا لهم: شيء هكذا آتٍ من جلد الخنزير، أسطوانة، وهذه الأسطوانة تدور على ورق ويبقى فيها حبر، وهذا الحبر لا أعرف كيف تكون فيه حروف، وسيحدث نسخ هكذا.

ما أسموها؟ ناسخة. قالوا: خنزير، هذه تكون مطبعة [أي منجِّسة].

إذن جاءت كلمة ماذا؟ مطبعة، جاءت من أين؟ من النجاسة، من التنجيس.

هذا ما لا أعرف هل كانت الأسطوانة من جلد الخنزير أم لا، ولكنهم قالوا للمشايخ، قال المشايخ حينذاك وأهل اللغة: إن هذه نجسة، فقالوا لهم: إذن فليكن اسمها مطبعة منجِّسة، وشاعت الكلمة رغم أن هناك كلمات أخرى في اللغة العربية تعطي معنى أننا نصنع نسخًا من الكتاب الواحد مثل كلمة ناسخة، ولكنهم اختاروا هذه الكلمة بحسب ما علموه، وشاعت بعد ذلك ونسيت الناس [أصلها].

التطبيع مع إسرائيل تنجيس وموافقة الشعب المصري على هذا الاسم

قالوا: هذه الكلمة، فلما جئنا نعمل التطبيع مع إسرائيل فماذا يكون؟ يكون تنجيسًا.

قالوا: نعم، والله أنتم اخترتم الكلمة المناسبة؛ التطبيع تطبيع يعني ماذا؟ يعني تنجيسًا.

ولذلك تجد الشعب المصري مقروفًا في الأصل؛ مقروف، نظيف، معروف من هذه الحكاية، عنده قرف. لماذا؟ ما هو سيقعد مع النجاسة والنجاسة رائحتها كريهة؟ فكذلك العلاقة مع اليهود رائحتها كريهة، لا تصلح.

فحقًا هذا تطبيع، نحن موافقون على ماذا؟ على الاسم. نعم، موافقون على الاسم أنه هذا تطبيع تدنيس.

فانظر الرجل [الشيخ ابن عطاء الله] رضي الله عنه اختار الكلمة التي فيها المردود الخاص بالنجاسة: منطبعة.

أسئلة الشيخ ابن عطاء الله الأربعة عن عوائق إشراق القلب والوصول إلى الله

كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته عندما هو متلطخ بالنجاسة؟

أم كيف يرحل إلى الله وهو مكبَّل بشهواته؟

أم كيف يطمع أن يدخل حضرة الله وهو لم يتطهر من جنابة غفلاته؟

أم كيف يرجو أن يفهم دقائق الأسرار وهو لم يتب من هفواته؟

لم يتطهر من جنابة غفلاته؛ الغفلة عاملة له جنابة؛ الذي عنده جنابة لا ينفع، لا يصح، يجب أن يستحم ويجب أن يغتسل لكي يزيل الحدث المانع من الصلاة.

التطهر الروحي من الغفلة كالاستحمام الجسدي وضرورة التوبة

فكذلك لا بد عليك أن تتطهر في عالم الروح؛ عالم الجسد معروف أنني أذهب وأضع نفسي تحت الدش فتنزل المياه على جسمي وانتهى الأمر.

ولكن عالم الروح قال: يجب أن تتطهر من غفلاتك؛ في فجوات في أحيانًا يتعلق بالدنيا ثم يرجع إلى ربه، وأحيانًا يتعلق بالدنيا ثم يرجع إلى ربه، ثم يجب أن يتوب من هذه الغفلات.

والتوبة هذه هي الاستحمام الروحي الخاص به.

أم كيف يرجو أن يفهم دقائق الأسرار؟ ونحن لدينا أنوار ولدينا أسرار، وهذا قلب لا فيه نور ولا فيه سر.

ما هي الأسرار التي يتحدث عنها الشيخ ابن عطاء الله وقيمتها

ما هذه الأسرار؟ تعلُّم الأدب مع الله، ما هو سر؟ لأنك لو عرفته تستقيم، ولو عرفته ترتاح، ولو عرفته تفرح، ولو عرفته تجد روحك ترشد الخلق حتى بكلامك؛ كلامك هكذا عندما تتكلم يصل إلى القلوب.

الله! ما هو؟ ما الحكاية؟ ما أنت أصلًا عرفت السر، ما هذا السر؟

ما هذا؟ ما هو؟ هذه الأسرار التي نحن نتحدث عنها الآن أمام الناس، نعم هذا يعرفه أحد؟

هو الذي نحن نقوله؛ نحن ستة مليارات من البشر على الكرة الأرضية، هذا الكلام يعرفه أحد؟ هذا الكلام كنز وسر نتعلمه نحن الآن.

سر الغفلة كالجنابة الروحية وضرورة فك القيود الروحية للانطلاق

أين هذه الأسرار؟ هذه هي الأسرار التي نحن جالسون نتعلم: أن الغفلة تصنع جنابة روحية؛ هذا هو سر الرجل [الشيخ ابن عطاء الله] ستره لنا هنا رضي الله تعالى عنه.

ويجب كي تنطلق أن تفك قيودك، والقيود الروحية هي الشهوات؛ هذا هو السر.

هل يوجد أحد يعرف هكذا؟

أم كيف يرجو أن يفهم دقائق الأسرار وهو لم يتب منها [من] هفواته؟

الله! هذا أنت تريدني إذن صاحب همة. نعم، وإلا فماذا تقول لي؟ خمول؟ ما الخمول بمعنى الظهور والرياء والمراءاة والتصدر بغير حق، وليس الخمول بمعنى الكسل وضد النشاط.

الكون كله ظلمة وإنارته بظهور الحق فيه سبحانه وتعالى

الكون كله ظلمة؛ لأنه حجاب من المحجوب أنت، لأن الكون لا يحيط بربه سبحانه وتعالى؛ ربنا خارج الزمان والمكان، يحيط بكل شيء ولا يحيط به شيء سبحانه.

الكون كله ظلمة، وإنما إنارته ظهور الحق فيه؛ أصل الخلق السكون، وأصل الخلق الظلمة، ثم الحركة عارضة والنور عارض عليه.

المادة الأولى للكون أصلها ظلمة ظلام، وبعد ذلك الله سبحانه وتعالى يشرح صدر من أراد ويفجر الأنوار في قلب من أراد.

فإذا الحق سبحانه وتعالى - والحق اسم من أسمائه تعالى - فإنه ينير ما حوله من الأكوان، وإن ما أناره ظهور الحق فيه.

ظلمة الكون بغياب ربنا عن القلب وشهادة الملحد هكسلي على ذلك

طيب، أنت نسيت ربنا فأصبح الكون أمامك من غير ربنا؛ من غير ربنا في قلبك، يعني من غير ربنا في نفسك وروحك، من غير ربنا في عقلك ووجدانك، من غير ربنا في عملك؛ يا هذه تصبح الحكاية مظلمة جدًا.

واحد من كبار الملحدين اسمه هكسلي، لما تقدم في السن أدرك هذه الحكاية؛ فهناك فطرة داخل الإنسان خلقها الله.

فقال: الله ضرورة اجتماعية، يعني الدنيا سوداء من غير الله، يجب أن نقول إن هناك ربًا - بحسب اعتقاده الفاسد الكاسد الملحد - حتى لو لم يكن فيه بصر العقل ولم يسلم ولم يؤمن ولم يعمل شيئًا، فهو كافر ومات كافرًا.

ولكن انظر كيف قهره ربنا وجعله ينطق بشعور غريب أنه رأى ظلمة الكون حيث لا يوجد فيها الله، عندما ظل يقول: لا يوجد الله، لا يوجد الله، لا يوجد الله؛ في أظلم أظلمت في وجهه.

الرد على هكسلي وإثبات أن الله أظهر من الكائنات

فقال: يا إخواننا، ما نحن نقول فيه الله؟ حتى لو ضحكنا على أنفسنا: الله ضرورة اجتماعية.

نحن نقول له: يا مغفل، هذا الله أظهر من الأكوان؛ هذا عمى قلب، ما هذا؟ ما أنت لست تراه يا ولد، يا هكسلي، لست تراه؛ هذا ربنا أظهر من هذه التي حولنا.

ولذلك قالوا للعارفين: أقم الدليل على وجود الله. قال له: أقم الدليل على عدم وجوده.

هذا هو [الجواب]؛ يريد دليلًا.

ولا يصح في الأفهام شيء إذا احتاج النهار إلى دليل

وبعد ذلك أقول لك ماذا؟ إثبات؛ اثبت لي أنه يوجد نهار. ما هذا عبث؟ هذه في وضح النهار تقول لي أن أثبت أن النهار نهار؟ أي نهار هذا؟ نهارك لا يفيد.

قاعدة لا يصح في الأفهام شيء إذا احتاج النهار إلى دليل

على الفور تقول له هكذا؛ لأن هذا سقط معه التخاطب.

ولا يصح في الأفهام شيء إذا احتاج النهار إلى دليل

قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد، يبقى فيه رمد مصاب به؛ عندما تقول إن كانت الدنيا ظلمة في وجهي ونحن في النهار، فأنت المخطئ.

وينكر الفم طعم الماء من مرض؛ تكون مريضًا عندما تجد الماء مرًّا في فمك، فلديك إنفلونزا، لكن الماء ليس مرًّا؛ فأنا أشربه وغيرنا يشرب، كلنا نشربه سليمًا، أنت الذي تشربه ولست متلذذًا بطعمه.

فإذن هناك أشياء لا تحتاج إلى دليل، ومن بينها: ما الدليل على وجود الله؟ يا للعجب! لا، ما الدليل على عدم وجوده؟

الكون ظلمة وإنارته بظهور الحق ومن رأى الكون ولم يشهد الله فقد أعوزه النور

إن الله أظهر من الكائنات؛ فالكون كله ظلمة وإنما أناره ظهور الحق فيه.

فمن رأى الكون ولم يشهده فيه أو عنده أو قبله أو بعده، فقد أعوزه وجود الأنوار عنه شموس المعارف بسحب الآثار التي هي الحطام؛ هذا والأرض والسماء والناس والكون الذي حولك صنع غبارًا يا عيني على قلب أعمى.

هذا القلب فلم يرَ شيئًا من وراء الغبار.

وذهبوا فقالوا قاعدة مهمة: فقدان الوجدان لا يلزم منه فقد الوجود؛ أي أنك لست ترى فيبقى معناه أنه غير موجود أبدًا.

فقدان الوجدان لا يلزم منه فقد الوجود وأمثلة على ذلك

فقدان الوجدان ليس لدي وجدان، لست أذوق، لم أعرف هذه الحكاية، لم أرها، لم أذهب إلى لندن؛ إذن لا توجد لندن!

واحد لم يذهب ليحج في مكة؛ إذن لا توجد كعبة! هذا لا يقوله عاقل، لا يقوله عاقل.

فلما أنت لم تر [الله]، سلِّم لأقوام ذهبوا إليه بالأبصار. نعم، سلِّم يا أخي؛ لأنك أنت لم تر، عجزًا فيك ونقصًا قائمًا بك.

انظر إلى الكلام؛ نحن نتكلم الآن قبل أن نصل إلى الحكمة التي بعدها، نقول ماذا؟ سلِّم، وهذا موجود بالرغم من أنه لم تكن تراه إلا أنه موجود.

أول درجة تُحس هكذا أنه موجود؛ اعبد الله فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

الله يحجب العبد عنه بما ليس بموجود معه وتشبيه الكون بشريط السينما

أي يقول: حسنًا، أنا لست قادرًا على الإحساس بهذه الإحساسات العظيمة التي لديكم، ولكنه موجود هكذا دائمًا.

فيخطو خطوة ويقول لك شيئًا كأنه يرى أنك حائر ويريد أن يطمئن قلبك، مما يدلك على وجود قهره سبحانه الذي حجبك عنه بما ليس بموجود معه.

هذا فانٍ، هذا شريط سينما، هذا لا شيء مع وجود الله.

وجود الله لا أول له وهذا الكون له أول، وجود الله قائم بذاته وهذا الكون قائم به تعالى، وجود الله لا نهاية له وهذا الكون له نهاية ويفنى، وجود الله سبحانه وتعالى واحد أحد وهذا الكون متعدد، وجود الله لا يطرأ عليه فساد وهذا الكون يطرأ عليه الفساد بالحياة والموت والهلاك والفناء.

من عرف نفسه بالاحتياج عرف ربه بالقدرة وسر الكون كشريط سينما

وهكذا من عرف نفسه بالاحتياج عرف ربه بالقدرة؛ لأن الله سبحانه وتعالى قيوم السماوات والأرض.

ما الذي جعل الإنسان من هؤلاء لا يرى ربنا؟ الأكوان وهذه الأكوان موجودة حقيقة، موجودة بإيجاد الله لها.

هذا شريط سينما؛ إن الله سبحانه وتعالى يشغلنا، فما معنى شريط السينما؟ إن الله سبحانه وتعالى يشغل الهيئة التي نحن جالسون فيها هذه في مدد من عند الله، مثل الضوء الذي على شاشة السينما؛ أي أن كل لحظة تحتاج لاستمرار الآلة حتى تظهر الخيالات على الشاشة، فلو أُغلقت الآلة فماذا سيبقى على الشاشة؟

الخلق يُفنَون لا يموتون والله يخلق كل لحظة بمدد متجدد

لدينا إمداد الخلق؛ فنحن نفنى ولا نموت؛ فالموت يعني أن يبقى جسمنا بينما يأتي أناس آخرون فيجدوننا قد متنا.

لا، ليس كذلك، بل نحن نفنى فنصبح لا شيء.

والله يعني هل أنا الآن غير ما كنت عليه عندما جلست على الكرسي في بداية الدرس؟ أجل، يعني أنني أُخلق كل حين؛ فيمتو ثانية بمليون مرة تُخلق.

كل يوم هو في شأن [الرحمن: 29]

لا يزال سبحانه وتعالى خالقًا؛ ليس أنه خلق وترك الدنيا هكذا تسير وحدها، بل أمدها بمدد من عنده.

لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز العرش وسر الخلق المتجدد

ما هذا يعني؟ أنا لا أملك أن أحافظ على نفسي، لا، بل المدد هو الذي يفعله؛ يعني لا حول ولا قوة إلا بالله.

أفأنت ضعيف أم قوي؟

﴿وَخُلِقَ ٱلْإِنسَـٰنُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 28]

أفلك حول وقوة أم لا حول ولا قوة إلا به؟ إذن نكلك إلى نفسك طرفة عين، وطرفة العين تعني نصف ثانية أو ربع ثانية، لكن هذا يحدث في جزء من الثانية.

فلو إن وكلك لنفسك طرفة عين يعني سيتركك مدة طويلة، تفنى؛ لن تموت بل ستفنى، ستُمحى من الكون.

فاللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا أقل من ذلك.

انظر إلى الكلام، كلام متين جدًا؛ من أين يأتي؟ من أنه لا حول ولا قوة إلا بالله، كنز من كنوز العرش.

سر الخلق المتجدد في كل لحظة يمنع العصيان ويوجب اللجوء إلى الله

هذا سر لا يعرفه أحد؛ أنك وأنت تسير هكذا في شعاع يخلقك كل لحظة بإذن الله وخلقه وإرادته.

هذا أنك لو عرفت ذلك لما استطعت أن تعصي، هذا أنك لو عرفت هذا وتذكرته لما استطعت أن تنسى ربنا، ولا تعرف إلا أن تلجأ إليه وأن تخبت وتخضع له سبحانه.

ملك طوعه لو كنت حقًا تحبه لأطعته؛ إن المحب لمن يحب مطيع

إذا هذه عقيدة تساعدك على العزلة التي تؤدي إلى الفكرة، تساعدك على دفن وجودك في أرض الخمول حتى تنبت منك الزرعة الصالحة لله.

تساعد على إزالة ما انطبع في قلبك من صور الأكوان حتى يشرق بالأنوار، وحتى تتنزل فيها الأسرار.

الخاتمة وتوحيد الله وأنه لا إله إلا هو ولا حول ولا قوة إلا به

مما يدلك على وجود قهره سبحانه، وأنه لا إله إلا هو، وأنه لا رب سواه، وأنه لا حول ولا قوة إلا به، وأنه قاهر فوق عباده، وأنه يفعل ما يشاء ويختار، وأنه فعَّال لما يريد، وأنه لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون.

والحجاب عنه بوهم بشاشة سينما، بما ليس بموجود معه؛ فإن الله هو الموجود وحده على الحقيقة، وسائر الكائنات في وجودها وحصولها إنما هو من عند الله وبإذن الله وأمر الله.

فاللهم يا ربنا اجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه.