الحكم العطائية | من 121 - 135 | أ.د علي جمعة
- •العارف بالله يعلم أن العمل كله منسوب إلى الله تعالى، فهو الخالق للأفعال والموفق للطاعات.
- •متى طلبت عوضاً على عمل طولبت بصدق النية فيه، فمن شرط قبول العمل الإخلاص.
- •يكفي المرتاب وجدان السلامة والعافية كعلامة على قبول العمل عند الله.
- •لا تدعي لنفسك ما هو لله، فأنت لست المصلي والمزكي حقيقة، بل الله أجرى ذلك عليك.
- •إظهار الله جوده عليك يجعلك محبوباً عند الناس، فإذا أحب الله عبداً نادى في الملأ الأعلى أنه يحبه.
- •كن بأوصاف ربوبيته متعلقاً وبأوصاف عبوديتك متحققاً، والقلب بيت الرب لا يقبل الشركة.
- •الستر نوعان: ستر عن المعصية وستر في المعصية، فالعامة يطلبون الستر في المعصية خشية سقوط مرتبتهم عند الخلق.
- •الخاصة يطلبون الستر عن المعصية خشية السقوط من نظر الله تعالى.
- •من أكرمك فإنما أكرم فيك جميل ستر الله عليك.
- •خير من تصاحب من يطلبك لا لشيء يعود منك إليه، وهو الله سبحانه وتعالى.
دعاء افتتاحي بالصلاة والسلام على النبي وطلب المغفرة والهداية
الصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. اللهم اشرح لنا صدورنا، واغفر لنا ذنوبنا، وكفر عنا سيئاتنا، وتوفنا مع الأبرار، وأهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وافتح علينا فتوح العارفين بك.
اللهم يا ربنا تقبل منا صالح أعمالنا، وانقلنا من دائرة سخطك إلى دائرة رضاك، وارض عنا برضاك. نعوذ اللهم بعفوك من عقوبتك، وبرضاك من سخطك، وبك منك، لا نحصي ثناء عليك جل وجه الله.
اللهم يا ربنا ثبت أقدامنا وقلوبنا، وانصر المجاهدين في سبيلك، واجعلنا من السالكين إليك، وأعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وتوفنا مسلمين واحشرنا يوم القيامة تحت لواء نبيك؛ سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، واسقنا من يده شربة ماء لا نظمأ بعدها أبدًا.
تتمة الدعاء الافتتاحي بطلب التخفيف والعافية والتمتع بالنظر إلى وجه الله
اللهم خفف عنا عناء الدنيا. اللهم يا رب العالمين نعوذ بك من فتنة المحيا والممات، أحينا ما دامت الحياة خيرًا لنا، وأمتنا إذا كان الموت راحة لنا.
اللهم يا ربنا متعنا بالنظر إلى وجهك الكريم، واجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا، وجلاء همنا وحزننا.
حكمة ابن عطاء الله: من طلب عوضًا على عمله طُولب بالصدق فيه
قال سيدي ابن عطاء الله السكندري صاحب الحكم العطائية، رضي الله تعالى عنه ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين:
«متى طلبت عوضًا على عمل، طُولبت بوجود الصدق فيه، ويكفي المريب وجدان السلامة».
فإذا أردت الطمع في وجه الله، والرجاء في رحمة الله، ورجوت بعملك مقابلًا؛ وأنك ما دمت قد صليت تريد من الله أن يستجيب لك الدعاء؛ وهي حالة ضعف؛ لكنها ضعف لله، وحالة مسكنة؛ لكنها مسكنة في سبيل الله.
فعليك إذا أردت ذلك ولم تستطع أن تخرج من هذه الدائرة إلى ما هو أرقى منها — وهو أنك لا تطلب شيئًا بل ترضى وتسلم بقضاء الله فيك — إذا أردت أن تقوم بعملك وتطلب مقابلًا، فعليك أن تكون صادقًا في هذا العمل.
شرط قبول العمل هو الصدق والإخلاص لله رب العالمين
متى طلبت عوضًا؟ أي إذا لم تستطع أيها المؤمن أن تخرج من هذه الدائرة إلى ما هو أعلى منها، وطلبت عوضًا على عملك، فإن من شرط قبول العمل الصدق فيه.
والصدق في العمل هو الإخلاص؛ ألا يكون هذا العمل إلا لله رب العالمين.
علامة قبول العمل عند الله هي وجدان السلامة والتوفيق
«ويكفي المريب وجدان السلامة»، أي تكفي وجدان السلامة؛ عندما يجد الإنسان السلامة والعافية في نفسه وفي بدنه وفي أمره كله، هذا يكفي.
أي شخص متشكك يأتي ويقول: كيف أعرف أن الله قد قبل عملي، وأن الله قد قبل توبتي؟ [الجواب هو:] السلامة والتوفيق؛ فما دام الله قد وفقك للعمل من ناحية، ورزقك السلامة من ناحية أخرى؛ فهذا يطمئن قلبك أن العمل قد قُبل؛ فإن الله كريم.
المقام الأعلى: العبادة لوجه الله دون طلب شيء إثباتًا للعبودية
ثم يقول الإمام ابن عطاء الله السكندري: «لا تطلب عوضًا على عمل لست له فاعلًا، يكفي من الجزاء لك على العمل أن كان له قابلًا».
هذه الدائرة التي هي أعلى؛ أنك تصلي لوجه الله، ولا تطلب شيئًا، ولا تقول شيئًا. وإذا دعوت فإنما تقيم نفسك في عبودية الله؛ ذلًّا وخضوعًا له سبحانه وتعالى، وإظهارًا لحالك معه؛ أنك عبد تطلب وتدعو وتسأل إثباتًا لربوبيته وإثباتًا لعبوديتك.
لا من أجل أن تحصل على الدعاء وأن تنتظره، وأن تتبرم إذا ما تأخر؛ فكل هذا من الحالة الرديئة المنحطة.
الدعاء عبادة لله وليس مجرد طلب للإجابة مع الاستدلال بالقرآن
لكن الحالة العالية أنك إذا ما أردت أن تدعو الله، فادعُ ولكن لا تنتظر الإجابة؛ بل ادعُ إثباتًا لعبوديتك من ناحية، ولربوبيته وألوهيته وعظمته سبحانه وتعالى؛ فهو الذي يستحق منا أن نسأله.
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدْعُونِىٓ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: 60]
إذن فسمى الدعاء عبادة. وكان أبو هريرة رضي الله تعالى عنه إذا روى الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقول:
«الدعاء هو العبادة»
يقول في أثرها: وتصديق ذلك من كتاب ربنا، ويتلو الآية. يعني كأنه يستدل بهذه الآية على أن الله سبحانه وتعالى قد اعتبر وجعل الدعاء عبادة.
الفاعل الحقيقي للصلاة هو الله الذي وفقك إليها وليس أنت
«لا تطلب عوضًا على عمل لست له فاعلًا»، فمن الذي صلى؟ إنه الله الذي أجرى الصلاة عليك. هل سنضحك على بعضنا البعض؟ وهل أنت فعلت شيئًا يا مسكين؟ صليت وتجحش هكذا [كناية عن خشونة الصوت].
الجحش هو الحمار الصغير، هو قال له [يقصد من يتحدث بمثل ذلك]: الحمد لله الذي خلقني جحشًا ولم يخلقني حمارًا [مقولة في العامية]، يعني أنه لم يكبر وأصبح حمارًا. ولكن مع ذلك الجحش لا يفهم، لا الجحش يفهم ولا الحمار يفهم، وأنت إنسان لست جحشًا ولست حمارًا، فلماذا تتشبه بالحيوان؟
نعم، اللهم علمنا. هكذا لا تتشبه بهذا؛ لأن الجحش والحيوان هذا يعني خلقه الله هكذا، له أوضاعه، له وظائفه؛ غيرك أنت خلقك الله ووهب لك نعمة العقل فلا تحطّ به.
الفاعل الحقيقي هو الله فلا تمنّ عليه بما أجراه عليك من طاعة
أأنت الذي صليت؟ إذن من الذي صلى؟ إنني أنا الذي صليت، وتجحش هكذا. يقول لك: عندما تتكلم من غير وعي فيقول لك ماذا؟ «بيجحش»، لماذا؟ تشبيهًا لنا بالحيوان والعياذ بالله؛ ونحن لسنا كذلك.
فيجب إذن علينا أن نرجع إلى أنفسنا في هذا ونقول: لا، الفاعل الحقيقي هو الله. من الذي وفقك للصلاة؟ [الله]. فماذا تفعل أنت؟ أتمنّ على الله بما أجراه عليك؟ بل ينبغي أن تقول: الحمد لله أنك وفقتني للصلاة وخلقت الصلاة والطاعة.
فما هي الهداية؟ إنها خلق الطاعة، أو خلق قدرة الطاعة. فهذا هو التوفيق والهداية؛ أن ربنا يخلق فيك الطاعة.
الخذلان هو خلق قدرة المعصية والحمد لله على التوفيق يستوجب حمدًا آخر
والخذلان هو ضد الهداية والتوفيق. والإضلال هو خلق قدرة المعصية، أو خلق المعصية في العبد. من الذي يخلق الطاعة والمعصية ويجريها عليك؟ حقيقةً يعني: الله.
فما موقفك من ذلك حينئذ؟ تقول: الحمد لله. ومن الذي جعلك تقول الحمد لله؟ الله. وماذا يستوجب هذا منك؟ أن تقول: الحمد لله على أنك وفقتني لأن أقول الحمد لله، لأنك وفقتني لأن أصلي.
وماذا بعد ذلك؟ واحد يقول لك: الله! هل نحن متفرغون لذلك؟ أنت منتبه، يقول لك: وهل نحن متفرغون؟ سنظل نقول الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله، على أنك قلت لنا: الله! الحمد لله. فتشعر بالعجز.
عجز الإنسان عن إحصاء نعم الله وتعليم النبي لنا كيف نعبر عن ذلك
الله! هكذا بهذا الشكل يصبح غير ممكن، ولا يمكن. إذن متى ستأكل، ومتى ستدخل دورة المياه -لا مؤاخذة-، ومتى ستقرأ، ومتى ستعمل، ومتى ستعمر الدنيا؟ هكذا لا يوجد وقت، نحن عاجزون.
فيعلمنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أشياء جميلة، يقول له [أي لله] ماذا؟
«لا أحصي ثناءً عليك»
وهل نستطيع؟
﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ﴾ [النحل: 18]
فماذا نفعل إذن؟ أنت كما أثنيت على نفسك، أي احمد نفسك أنت، أنا لا شأن لي بذلك. فما معنى هذا الكلام؟ إظهار العجز المطلق؛ وأنا بيدي شيء، وما شأني؟
كنز لا حول ولا قوة إلا بالله تحت العرش وغفلة الإنسان عن معناها
حسنًا، فما معنى الكلام؟ هذا اسمه ما هذا؟ مكتوب هكذا في كنز موضوع في صندوق الكنز تحت العرش:
«لا حول ولا قوة إلا بالله»
ألم أقل لكم: كل الحكم عندما نسير فيها حتى آخرها توصلنا إلى الكنز؛ أنه لا حول ولا قوة إلا بالله. سهلة هكذا؟ إنما المرء نائم، والكلام قلناه مائة مرة، وعندما نقوله مرة أخرى كأنه أول مرة نسمعه.
إذن توجد غفلة، فنكون إذن من الغافلين؛ فاللهم أيقظنا في الطريق إليك.
طبيعة النسيان في الإنسان ووجوب التذكير الدائم بنص القرآن
حسنًا، وهل هذا [النسيان] طبيعي؟ نعم، طبعًا. (وما سُمّي الإنسان إلا لنسيه، وما أول ناسٍ إلا أول الناس). أول من نسي من هو؟ سيدنا آدم. هو الإنسان ينسى هكذا.
فماذا يستوجب هذا؟
﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: 55]
لا تنفع الكافرين. فيجب أن نذكّر كل حين. أنتم لا تملّوا؟ لا. وهل مللت أنت من النسيان؟ هل سئمت من النسيان؟ فأنت ناسٍ دائمًا، ولذلك نذكّر دائمًا.
حكمة ابن عطاء الله: إذا أراد الله إظهار فضله عليك خلق ونسب إليك
قال [ابن عطاء الله] رضي الله تعالى عنه ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين:
«إذا أراد أن يُظهر فضله عليك، خلق ونسب إليك».
الله! إنه كريم؛ فهو يعطيك الشيء، وبعد ذلك أمام الناس هكذا، الذي لا يفهم يظنها منك أنت؛ صادرة منك.
فما الحاجة إذن أن ترفع ذيلك [أي ترائي وأنت تعطي] وأنت تؤدي الزكاة؟ أتظن أن هذا المال ملكك؟ هو يظن ذلك، الغافل يظن هكذا. مالي [يرجع بجسده للخلف ويشير بيده كما يفعل المتكبر] والحمد لله، ويهز لك رأسه هكذا ويغمض لك عينيه: ربنا وفقني وأعطيته للفقراء، ويضغط هكذا على كلمة الفقراء.
كل التوفيق من الله فمن أغناك ووفقك للزكاة وللفقير هو الله وحده
يظن أنه هو [المتكبر] غني وهو مسكين. من الذي أغناه؟ الله. ومن الذي وفقه إلى أن يدرك أن هناك زكاة؟ الله. ومن الذي وفقه إلى إخراج الزكاة؟ الله. ومن الذي وفقه للفقير الذي يقبل منه الزكاة؟ الله.
وفي آخر الأمر يقول: هذا أنا. أنا مَن؟ ما اسمك؟ أنا لا أفهم، مَن أنا هذه؟ أنا هذه عدم.
تواضع المشايخ الكبار كالدسوقي والرفاعي وتنزههم عن نسبة شيء لأنفسهم
كان مشايخنا يقولون لنا: عندما نقول له يا فضيلة الشيخ، فيقول: شيخ ما هذا؟ [يرفع يديه دلالة على استهجان شيخه للكلمة]. الشيخ هذا يعني شيئًا، أنا تراب ابن تراب، تراب ابن تراب. وهو من الأقطاب، من أولياء الله الكبار. أنا تراب ابن تراب.
كان سيدي إبراهيم الدسوقي [إمام صوفي سني مصري، وآخر أقطاب الولاية الأربعة لدى الصوفية، وإليه تنسب الطريقة الدسوقية] لا يقول: أنا. يخجل. أنا، والله! وهل أنا شيء يعني، هل أنا أصلًا شيء؟ كيف يعني؟ [الشيخ يسأل مستنكرًا لعلمه بقدر الدسوقي]. أكيد طبعًا أنت شيء، ومحل نظر الله، ومن كبار الأولياء.
وهكذا سيدي الرفاعي [الإمام أحمد بن علي الرفاعي الحسيني الهاشمي، فقيه شافعي أشعري، وصوفي عراقي من أقطاب الصوفية، وإليه تنتسب الطريقة الرفاعية] كان يتنزه عن ياء الملكية؛ فيقول: الكتاب، ولا يقول: كتابي. كتابي [يشير إلى نفسه] هذه ياء ملكية؛ لا، كتابه هو سبحانه وتعالى. ثيابي [يمسك بثوبه] هذه ثيابي أنا يعني؟ كرسيي الخاص بي أنا يعني؟ لا، لا يوجد ملكي هذه.
قصة بكر التميمي مع عبد الملك بن مروان في تبادل الباء والميم في لهجة تميم
هذه جاءت من أين يا أولاد؟ من متاعي. العرب تقلب الباء ميمًا والميم باءً في أول الكلام، فتسمي بكرًا مكرًا، أتدرك؟ وتسمي مكة بكة.
﴿لَلَّذِى بِبَكَّةَ﴾ [آل عمران: 96]
ها هي في القرآن؛ فالعرب عادتها كذلك، عندما تأتي الباء والميم تتبادلان في أول الكلام، لهجة تميم كذلك.
دخل شخص اسمه بكر على عبد الملك بن مروان [الخليفة الخامس من خلفاء بني أمية والمؤسس الثاني للدولة الأموية]، وعبد الملك بن مروان هذا كان ماذا؟ كان عالمًا في اللغة، خليفة نعم، لكن عالمًا في اللغة.
فقال له: ما اسمك؟ قال له: أنت من أين؟ قال له: من بني تميم. قال له: باسمك؟ باء، ما هو الميم تُقلب لباء. فقال له: باسمك؟ فتنحّ [أي صمت] قليلًا، قال له: بكر. قال له: وما جعلك تعدل عن لهجة قومك؟ قال له: خفت أن أكون مكرًا عندك. يعني: أنتم تقولون على البكر مكرًا، والمكر عندكم شيء آخر. لكن أنا اسمي في لغتي مكر، يعني ماذا؟ عندك أنت بكر، فالباء تُقلب ميمًا، والميم باءً.
الأدب مع الله يقتضي نسبة الأشياء لحقائقها وعدم التكبر بالطاعة
فيقول [ابن عطاء الله] رضي الله تعالى عنه: أنه [الله] خلق ونسب إليك. هذا من ماذا؟ من كرمه؛ فأنت تقابل هذا الكرم بقلة الأدب مع الله؟
فنقول: ربنا علمنا الأدب معك. ما هو تعليم الأدب معه؟ أنك تنسب الأشياء لحقائقها. وما هي الأشياء تُنسب لحقائقها كيف؟ أن الذي وفقك هو الله؛ فيستلزم منك الحمد وليس الكبر.
«الكبرياء ردائي، فمن نازعني ردائي أخذته ولا أبالي» [حديث قدسي]
إذن:
قال رسول الله ﷺ: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر»
خطورة الكبر ولو بمقدار ذرة وكيفية مقاومته بالمراقبة الدائمة للنفس
ما هو الخردل هذا؟ ستة آلاف حبة تساوي جرامًا، ستة آلاف حبة تساوي جرامًا؛ يبقى ذرة، يعني لا يوجد شيء على الإطلاق. ومن في قلبه جبال من الكبر؟ يا رب سلّم سلّم.
وهذا الكبر كيف نقضي عليه؟ نقول هكذا: لن نتكبر؟ لا، هذا يحتاج إلى معاناة، ومقاومة، ومراقبة للنفس. وتسقط فيه مرة أخرى، وتقوم مرة أخرى، ولا تملّ من نفسك، وتبقى مع نفسك تراقبها هكذا حتى يوم القيامة؛ عسى أن تُخرج ما في قلبك من الكبر.
التحذير من عبارة أنت لا تعرف من أنا وبيان أنها من الكبر المذموم
فعندما يأتي أحد وتكسر خاطره، فماذا فيك؟ قطعة هكذا [يفتح راحة يده إشارة لقطعة الصخر]، قطعة أي جلمودة ضخمة كبيرة هكذا، أي صخرة قد تزن تسعمائة جرام. والخردل كم يزن؟ واحد على ستة آلاف من الجرام.
عندما تأتي هكذا وتقول له: أنت لا تعرف من أنا، هذه تكفي؛ هذه تكفي. إلا إذا كنت تقصد جملة «أنت لا تعرف من أنا» فأنا تراب ابن تراب، فيمكن لأحد أن يقولها وهو يضحك: أنت لا تعرف من أنا؟
فهذا يُقال لمن يخاف منك. الله! يا بني، أنت لا تعرف من أنا؟ ما أنا إلا عبد مثلك، أنا واحد يعني.
لو تركك الله لنفسك لهلكت فالذنوب والمعاصي تسبب الاكتئاب النفسي
(قضاء الله ولطفه أسرع إلينا منا، ولو تركنا لأنفسنا طرفة عين لهلكنا). لا نهاية لمذامّك إن أرجعك إليك. أتعلم لو تركتك لنفسك ستكره نفسك، سيصيبك اكتئاب نفسي لو تركتك لنفسك.
الذنوب والمعاصي الخاصة بك والبلايا الخاصة بك ستكبر، سيأتيك اكتئاب نفسي على الفور. نحن لا نريد أن يأتيك اكتئاب نفسي؛ نحن نريدك أن تنسى أيضًا حتى الذنوب، تنساها لكي تبدأ صفحة جديدة مع الله.
قال رسول الله ﷺ: «جددوا إيمانكم». قالوا: كيف يا رسول الله؟ قال: «أكثروا من قول لا إله إلا الله»
كل حين هكذا، جددوا إيمانكم.
حكمة ابن عطاء الله عن إظهار جود الله وقصة فرعون مع موسى عليه السلام
«ولا تفرغ مدائحك إن أظهر جوده عليك».
﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّى وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِىٓ﴾ [طه: 39]
فكان فرعون [هو لقب ضمن ألقاب ملوك مصر القديمة] ينظر إلى موسى فيحبه، ينظر إليه هكذا؛ عنده في الكتب وفي التنجيم وفي السحر وفي الجداول الخاصة بهم أن هذا سيقتله. فرعون هذا مصيبة!
ينظر إلى موسى هكذا يحبه، لا يستطيع أن يقول له: يا فتى استحِ يا فتى، ليس هكذا يا فتى. وهل هذه فيها يا فتى؟ أنت قتلت مئات لكي تصطاد هذا [يقصد قتل فرعون لأطفال بني إسرائيل]، وعندما أصبح بين يديك، وأنت تعرفه وتعرف أن نهايتك على يديه، ولا تقدر على قتله؟
﴿وَٱعْلَمُوٓا أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: 24]
إذا أظهر الله جوده عليك أحبك الناس وتحولت الشتيمة إلى مديح
«ولا تفرغ مدائحك إن أظهر جوده عليك». فإذا أظهر جوده عليك أحبك الناس. وهذا في الحديث الخاص بجبريل:
«إن الله إذا أحب عبدًا نادى في الملأ الأعلى» يعني ماذا؟ النخبة، الصفوة من الملائكة، وليس كل الملائكة، بل الكبار [يقصد كبار الملائكة]: «إني أحب فلانًا فأحبوه»
هذا كلام مَن؟ هذا كلام رب العالمين. انتهى الأمر. كل من يريد أن يشتمك، فإن الله يحول الشتيمة إلى مديح فيك.
يا للعجب! هذا لا يريد أن ينفق، يا للعجب! رجل صالح هو حريص إذن على أموال المسلمين، أتدرك ذلك؟ لا يرضى أن يعطينا.
كيف يحول الله كلام الناس لصالح من أظهر جوده عليه سواء بالمدح أو الذم
الآخر يقول ماذا؟ لو كان ربنا غير راضٍ، انظر إلى الرجل البخيل منذ أن جاء وضاقت المعيشة. أما الآخر هي نفس الوصف، هو لا يرضى أن ينفق؛ فضدها يقول ماذا؟ يا سبحان الله، حريص على أموال المسلمين؛ نريد من هذا كثيرًا.
هذا الرجل يا أخي طوال الليل ساهرًا يصلي! يأتي الآخر فيقول: إنه مضيّع عمله، جالس يصلي ويركع ويسجد، والله أعلم مقبولة أم غير مقبولة. والآخر يقول له: هذا رجل صالح؛ إن وجهه منوّر.
«من طال قيامه بالليل، حسُن وجهه بالنهار»
كلمة واحدة، الناس يمكن أن تحولها هكذا، ويمكن أن تحولها هكذا؛ من الذي يحوّل إذن؟ الله. حسب ماذا؟ حسب إظهار جوده عليك.
إذا أظهر الله جوده عليك فامض في حالك ولا تبال بكلام الناس
إذا أظهر جوده عليك لا يهمك، امضِ في حالك أنت واتركها. دعهم يتخبطون ويقولون، كلما يقولون شيئًا كلما تأتي لصالحك. كل ما يقولون شيئًا؛ هو وهو يقولها يريد أن يشتمك، فسبحان الله؛ تتحول الشتيمة إلى مدح.
هذا من عند مَن؟ هذا من عند الله. لا أحد يقدر أن يفعلها أبدًا، لا صحافة ولا إعلام ولا أحد.
التعلق بأوصاف الربوبية والتحقق بأوصاف العبودية وعدم تعليق القلب بالدنيا
«كن بأوصاف ربوبيتي متعلقًا»، إياك أن تعلق قلبك بالدنيا، علّقه بالله فقط. «وبأوصاف عبوديتك متحققًا»، ولا تنسَ أنك العبد الخاص به [الله].
أما إذا عكسنا الأمر وتعلق قلبنا بالدنيا؟
«أنا أغنى الأغنياء عن الشرك» [حديث قدسي]
القلب بيت الرب، يأتي الله يسكن فيه، فيجد معه شريكًا؟ إنه لا يحب الشركة، شركة لا يحبها سبحانه. فإذا شاركنا معه شيئًا في قلوبنا تركنا وشِركنا.
شِركنا الذي هو ماذا؟ الذي يقيم في هذا البيت بداخله ومستقر، وهي الدنيا. قال لك: دعها معك، دعها تنفعك؛ انظر إلى أين ستأخذك؟ الحيرة والقلق والتكالب والجري إلى ما لا نهاية.
مثل اجري يا ابن آدم جري الجحوش والتعلق بأوصاف الربوبية والعبودية
اجرِ يا ابن آدم جري الجحوش. ما هي الجحوش؟ ليست الوحوش، لا، الجحوش. ما هو لا يفهم، ما هو جالس يجري يتخبط هنا وهناك. غير رزقك يا ابن آدم لم تحوش [مثل عامي مصري يدعو للتوكل والتأني في طلب الرزق].
فكن بأوصاف ربوبيتي متعلقًا، وبأوصاف عبوديتك متحققًا، تنجو.
حكمة ابن عطاء الله: منعك أن تدعي ما للمخلوقين فكيف تدعي وصف رب العالمين
قال [ابن عطاء الله] رضي الله تعالى عنه: «منعك أن تدعي ما ليس لك مما للمخلوقين، أفيبيح لك أن تدعي وصفه وهو رب العالمين».
يقول [المتكبر]: ألم أعطك؟ ألم أمنعك؟ أنت أعطيت؟ [يطرح السؤال على المتكبر]. أنت المعطي، أنت المانع؟
إذا كان هو [الله] لا يريدك أن تقول: أنا المصلي وأنا المزكي؛ لأن المصلي والمزكي بالتوفيق والخلق هو الله؛ وإنما أجرى هذا الفعل عليك منّةً منه وفضلًا، فتأتي وتُدخل نفسك في صفات رب العالمين؟
التحذير من ادعاء صفات الله كالرحمة والضر ووجوب مراقبة الألفاظ
قال له: أنا هذه المرة رحمتك. أنت الذي رحمت؟ أنا أقول لك: سأفرمك [يؤذيه]. يعني أنت الضار؟ ليس هذا الكلام كلامًا معقولًا. لا، يجب عليك أن تخجل، ولا تقل هكذا.
فيجب أن نراقب أنفسنا؛ لأننا نقول كلامًا كثيرًا من هذا القبيل، ولكن في غفلة عن المعاني؛ لكننا لا نقصد ذلك. ولكن مع ذلك فإن الدرجة منحطة؛ لأننا لا ننتبه.
فيجب أن ننتبه حتى تترقى قلوبنا، وتخرج الدنيا شيئًا فشيئًا منها. والقلب لا يكون فارغًا أبدًا؛ فإذا خرجت الدنيا حلّت أنوار الله.
خرق العوائد يبدأ بخرق عوائد النفس لا بطلب الكرامات الظاهرة
كيف تُخرق لك العوائد؟ هناك بعض الناس تعبد لكي يطير في الهواء [يقصد الكرامات]، وهو ينزل السلم؛ من بيتهم إلى بيت أمه بالطابق السفلي، يطير [يهز كف يده لأعلى وأسفل]، يريد أن يرى كيف يطير!
كيف تُخرق لك العوائد وأنت لم تخرق من نفسك العوائد؟ حسنًا؛ توقف عن الأكل؛ دعنا ننتهي منك. هل تستطيع؟ حسنًا، توقف عن النوم؛ لا تخنفر [صوت النائم المستغرق] ويضيع عليك الدرس الصباحي في الساعة السابعة.
أنت نائم تشخر [مستغرق في النوم] وتقول لي: الله! لماذا لم أطِر حتى الآن؟ ستطير إلى أين؟ أنت في الأصل نائم في الخط [تقال لكثير النوم قليل العمل].
الله أحوجنا للأكل والنوم لتحرير القلوب من التعلق بخرق العوائد
وتظل تأكل وتشرب؛ اخرق العادات، ولا تأكل، ولا تشرب، ولا تنام، لا تلبس. طبعًا ستموت هكذا، نتخلص منك، الحمد لله، ليس موجودًا أصلًا.
إذن؛ انظر، ربنا أحوجنا. يجب أن نأكل، يجب أن ننام؛ لكي يحرر قلوبنا من التعلق بخرق العوائد.
حسنًا، أنت تريد أن تكون وليًّا؟ تكون وليًّا عندما تعرف ربنا بصفاته، ليس وليًّا عندما تظهر عليك مخارق العوائد.
الاضطرار والافتقار إلى الله أسرع الطرق لنيل المواهب الإلهية
ما طُلب لك شيء مثل الاضطرار إليه سبحانه وتعالى. قال: أنا فقير الاضطرار لله؛ فقير لله، يعني مفتقر لله، مضطر إليه.
قال [الإمام ابن عطاء الله]: «ما الشأن وجود الطلب». «ما» هنا بمعنى ليس؛ قال: ما المشبهة بليس. ما الشأن وجود الطلب، يعني ليس الشأن — الحاجة المحترمة الجميلة، الشأن المحترمة الحلوة، الأمر والوضع — يعني ليس الأمر وجود الطلب.
«إنما الشأن أن تُرزق حسن الأدب». الشأن أنك تكون مؤدبًا مع الله. والأدب مع الله أن تكون عندما أرادك، أي زمانًا ومكانًا، فيما أرادك؛ تقوم فيما أرادك.
سوء الأدب في الدعاء واختبار الله والافتقار الحقيقي إليه سبحانه
يا رب ارزقني مليون دولار، ولكن باليورو. مليون دولار باليورو؛ ما معنى هذا الكلام؟ سوء أدب في الطلب. فليس الشأن وجود الطلب، إنما الشأن حسن الأدب.
واليوم وتحت الوسادة، الله! ما كان لك أن تختبر الله، هو يختبرك ويمتحنك، وتسقط أو تنجح. رب العالمين يربيك، لكن لا ينبغي لك أن تفعل هذا. هذا من سوء الأدب.
افتقر إليه واضطر إليه. ما طُلب لك شيء مثل الاضطرار. لا بد أن تضطر إليه وتكون مفتقرًا إليه.
«ولا أسرع بالمواهب إليك مثل الذلة والافتقار». الاضطرار والذلة والافتقار ستسرع بك في طريق الله.
إجهاد الجسم بقلة الكلام والطعام والنوم والاختلاط طريق الافتقار لله
متى يكون ذلك [الاضطرار والافتقار]؟ قالوا: بإجهاد جسمك بالأربعة التي قلنا عليها:
- قلة الكلام
- قلة الطعام
- قلة الأنام (أي المنام)
- أي تنكفّ عن الناس هكذا وتهتم بنفسك
ولا ترى عينيك كل عيوب الناس، ولا فائدة في عيوبك أنت. لا!
قال رسول الله ﷺ: «ترى القذاة في عين أخيك وتترك جذع النخلة في عينك»
ليس لك شأن بالناس. الناس جميعهم طيبون، وليس إلا أنا فقط السيء. كل خلق الله طيبون.
التواضع الحقيقي أن ترى الناس أفضل منك من قلبك لا ادعاءً
هذا أكيد، فمن السيء إذن؟ ربنا لم يخلق أحدًا سيئًا. قال [يقصد المتّبع]: خلقني أنا، أنا ذي الخلق السيء فقط، في تلك اللحظة دون التفات إلى هذا المعنى.
أي لا تقل هذا وأنت تدّعي التواضع، بل أنت تقول هذا من قلبك ومن داخلك؛ أنك تشعر أن كل هؤلاء الناس أفضل منك.
فماذا ستفعل مع الناس الذين هم أفضل منك؟ تستطيع التشاحن معهم؟ أنت تخاف. تقول: هذا الذي تخاصمت معه أفضل مني، سيوقعني في مصيبة، فلو دعا عليّ؛ أو قال حسبنا الله، لا شأن لي. أتقدر على مضايقته، أو ترفع صوتك؟ أبدًا. هل تستطيع أن تقتله؟ تطعن بطنه هكذا [يرفع يده على هيئة طعنة]؟ لا.
إذا كان صوتك لم يخرج، فقلة الطعام، وقلة المنام، وقلة الأنام، وقلة الكلام.
قال رسول الله ﷺ: «ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكبّ الناس على وجوههم في النار إلا حصائد ألسنتهم»
حكمة ابن عطاء الله: لو لا تصل إليه إلا بعد فناء مساويك لم تصل إليه أبدًا
قال [الإمام ابن عطاء الله] رضي الله تعالى عنه: «لو أنك لا تصل إليه إلا بعد فناء مساويك»، أي المساوئ التي تخصك سنتجنبها.
أحدهم أقول له: يا أخي صلِّ. يقول لي: كيف أصلي، أنا كلي ذنوب؟ هل جاءت على الصلاة؟ أنا البلايا التي فعلتها ستدخلني النار، ستدخلني النار.
قال له [أي الشيخ ينصحه بالصلاة]: إياك أن تقول هكذا؛ صلِّ فقط.
﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: 45]
فقط تعال صلِّ.
التحذير من تأخير التوبة بحجة عدم الكمال فهذا من ألاعيب الشيطان
ولكن إياك أن تقول: سأؤخر التوبة واللجوء والبدء حتى أصبح رقم واحد. أنت لن تصبح رقم واحد، وإن أصبحت رقم واحد، فلن تكون رقم واحد بالمناسبة؛ بمجرد أن تشعر في قلبك أنك أصبحت رقم واحد؛ فقد ضعت.
ما نقوله إنه يجب أن تشعر بمساوئك دائمًا، وأنني أضعف خلق الله، وأنا المذنب الوحيد، وأنا من لست منضبطًا.
«لو أنك لا تصل إليه إلا بعد فناء مساويك ومحو دعاويك، لم تصل إليه أبدًا». أنت لن تبدأ إذن؛ فتلك من ألاعيب الشيطان ومداخله.
مواجهة وساوس الشيطان بالجرأة في العبادة وعدم ترك العمل من أجل الناس
يأتي [الشيطان] يقول لك: لا، أستصبح من أهل الله وأنت أصلًا مقصر في كذا وكذا؟ قل له: ليس لك شأن.
أن يأتي [الشيطان] ليقول لك: أنت في البيت لا تصلي السنة، تصلي الظهر أربع ركعات سريعات، وهنا أنت في المسجد؛ تريد أن تقوم لتصلي السنة من أجل الناس. لا، اتركك من السنة.
كن جريئًا، قل له: ليس لك شأن. الله أكبر؛ وادخل في السنة. إياك أن تترك العمل من أجل الناس، ولا تعمل العمل من أجل الناس؛ حتى الترك فيه شرك أيضًا.
إياك أن تترك العمل من أجل الناس، أي خير تبادر إليه. وإلا ما فائدة الجماعة؟ إنني أرى أخي يقوم يصلي ركعتين فأتأثر به يا أخي؛ وأريد أن أصلي ركعتين مثله. أهذا خير أم شر؟ خير. قم؛ قل: الله أكبر، وادخل [في الصلاة].
مواجهة وسوسة الشيطان في الصلاة وإرغام أنفه بالدخول فورًا في العبادة
واحذر أن يوسوس لك الشيطان؛ ويقول لك: لا، اتركها فما هذه عادتك. قل له: لا، وما شأنك أنت، عادتي هي أم ليست عادتي، ما دخلك أنت، لماذا تتدخل بيني وبين ربي؟
الله أكبر، وادخل فورًا في الصلاة، فترغم أنف الشيطان فينصرف محسورًا مخذولًا.
إذا أراد الله إيصالك إليه غطى نقصك بكماله ونعتك بنعته سبحانه
ولكن إذا أراد [الله] أن يوصلك إليه، غطّى وصفك بوصفه. ووصفك فيه ماذا؟ القصور. ووصفه سبحانه الكمال؛ فينزل ستارة الكمال عليك.
وأنت واقف تصلي ركعتين، أي أنت الديك الشركسي [تُطلق على المتباهي المعجب بنفسه]. يا سلام، أنا يجب أن أصلي ركعتين، جميل؛ لأنه لله. اجعل الكمال يستر النقص.
ونعتك بنعته؛ نعته أنه الرحمن الرحيم، ونعتك أنت؟ كالحبة في النار، حبة في النار. نعم، فهو يرحمك ويعفو عنك.
ومسألة النقص أنك أنت في البيت لا تصلي وفي الحقل تصلي، يتركها لك من الرحمة. ولكن هيا اعمل.
وصولك إلى الله بما منه إليك لا بما منك إليه وعمق كلام ابن عطاء الله
فوصلك إليه بما منه إليك، لا بما منك إليه. كله من عنده.
إذن هذا الشيخ دقيق جدًّا، هذا الرجل ابن عطاء الله السكندري [فقيه مالكي وصوفي شاذلي الطريقة، أحد أركان الطريقة الشاذلية الصوفية، الملقب بقطب العارفين وترجمان الواصلين ومرشد السالكين]، رضي الله عنه، مفتوح عليه؛ لأنه يقول هذا الكلام.
لقد تعمق كثيرًا؛ وفكر كثيرًا بينه وبين الله، وكان يحب ربه كثيرًا، وكل شيء فيه كثير جدًّا.
هل تنتبه أن الكلام مفهوم أم غير مفهوم؟ مفهوم يا سيدي.
لولا جميل ستر الله لم يكن عمل أهلًا للقبول والعبرة بالقبول لا بالإيجاد
قال رضي الله تعالى عنه: «لولا جميل ستره، لم يكن عمل أهلًا للقبول».
أنتم تظنون يعني أنك ستظل تقول: انتظر حتى أتوب. حسنًا؛ تتوب تعمل ماذا تعني؟ تقوم الليل كله، وتصوم النهار كله، وتزكي بمالك كله، وكل شيء كله. حسنًا، إلى هذا الحد؟ نعم.
حسنًا، ها أنت وُجد منك العمل، لا يقبله. وسيتضح أنك تعمل كل هذا العمل؛ وفي قلبك: أنا أريد أن أصل إلى شيء معين. لدرجة أي أنك لا تعبد ربنا إذن؟
أنت تريد أن تقول لنفسك — وليس للناس — أنت تصلي وتصوم في السر وكل شيء، لكن تقول لنفسك: أنا جيد. لا، يصح؟ يجب أن نقول ماذا؟ أنا ضعيف، أنا عبد، وأفهم من أنا؟
أنت إلى حلم الله أحوج في الطاعة والمعصية والمهم القبول لا الإيجاد
أنت إلى حلمه إذا أطعته، أحوج منك إلى حلمه إذا عصيته. أي وأنت تطيع لا تتكبر بالطاعة، قل له: يا رب استر؛ نعم أنا صليت، لكن اقبلها.
ليس المهم الإيجاد، المهم القبول.
فلا بد أن تتبرأ مما أنت فيه. ولذلك سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يعلمنا — ولقد علمنا كثيرًا — كيف نتكلم مع الله، ونقول له ماذا؟
يقول له مثلًا:
«لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك»
أي يُظهر العجز التام.
دعاء النبي بطلب المغفرة لما علم وما لم يعلم من الذنوب إظهارًا للعجز
يقول [دعاء نبوي]:
«اللهم اغفر لي ذنبي، ما علمت منه وما لم أعلم، وما أنت به أعلم»
الله! يعني خرج [من حوله وقوته]. الله، وما أدراني ماذا أفعل؟ ما أدراك ماذا تفعل؟
ماذا؟ هذا أنت سيد الخلق عليه الصلاة والسلام، ولكن لأجل أن يعلمنا نحن، عليه الصلاة والسلام. هو تركنا على المحجة البيضاء، على المحجة البيضاء.
«ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك»
الستر على قسمين: ستر العامة في المعصية وستر الخاصة عن المعصية
قال [الإمام ابن عطاء الله] رضي الله تعالى عنه ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين:
«الستر على قسمين: ستر عن المعصية، وستر فيها».
في المعصية، فالعامة يطلبون من الله تعالى الستر فيها، خشية سقوط مرتبتهم عند الخلق. بعد أن يرتكب المعصية يقول: يا رب استرني، ستفضحني الذي فعلته هذا، لو علم به أحد ستكون بلوى، الذي فعلته هذا ستكون فضيحة عظيمة، فاسترني.
إذن ستر في المعصية، ستر فيها. انتهى الأمر، لقد ارتكب المعصية وطلب الستر.
العامة يخشون الفضيحة أمام الخلق والخاصة يخشون سقوطهم من نظر الله
هنا حتى ينزل عليه [الستر]، طلب فيه خوف من الخلق: احمني يا رب، كل هؤلاء الناس سأُفضح أمامهم، فأين أذهب بوجهي؟ أنا كنت أموت [من الخزي]. فهو يراعي في قلبه مَن؟ الخلق، وخجل منهم. ما زال ما زال صغيرًا [قليل الدرجة].
إذن الستر فيها من شأن العامة، العوام يعني.
والخاصة — أهل الله — يطلبون من الله الستر عنها، خشية سقوطهم من نظر الملك الحق سبحانه وتعالى. يقول له: يا رب لا تدخلني في هذه المعصية لئلا تغضب عليّ، فلا تُقدّر عليّ غضبك. أنا خجل منك.
حسنًا، والناس؟ قال: يا رب يعرفوا جميعًا أنني فعلت المعصية التي لم أفعلها، لا يهمه.
أهل الله لا يبالون بكلام الناس لأن سلامتهم مع الله وليس مع الخلق
فالناس جميعًا يقولون: انظروا إلى الرجل العاصي، انظروا إلى الرجل الفاجر. وهو يضحك قائلًا: نعم هكذا، الحمد لله أنني لم أفعلها أمامك [أمام الله]، فأنا سليم بيني وبينك.
هم يظنون وما شأني؟ يظنون، هم وشأنهم، ما شأني أنا؟
وبعد مدة يعرف الناس أنه كان رجلًا صالحًا؛ مثل قصة جريج [جريج العابد، رجل صالح من بني إسرائيل اشتهر بقصته التي رواها النبي ﷺ، حيث تفرغ للعبادة في صومعته، وابتُلي باتهام في عرضه من امرأة فاجرة، فنطق رضيع ببراءته].
كل الناس ظنوا أنه رجل زانٍ وقليل الأدب، وهدموا له الصومعة، وأنزلوه وفعلوا، وهو بينه وبين الله عمّار وسليم، وجلس يضحك.
قصة جريج العابد وفتنته بسبب عدم إجابته لأمه أثناء الصلاة
أن ذلك لأن أمي دعتني وأنا أصلي، ولم أستجب لها، فحدثت الفورتينة [الفتنة] هذه كلها. فورتينة يعني ماذا؟ ألا تعرف؟ هي الضوضاء والصخب، المصيبة هذه كلها، الفتنة. فورتينة يعني ماذا بالعربية؟ فتنة.
حسنًا، إذن هذه الفتنة كلها حدثت لماذا؟ لأنه وهو يصلي، قال: يا رب صلاتي وأمي؟ صلاتي أفضل، فأكمل. فأمه دعت عليه: اللهم لا تمته حتى يرى وجوه المياميس.
فذلك يعني وجوه المياميس عندما ينظر إليها الإنسان يكون ذلك عذابًا. فالحمد لله رب العالمين على العافية، الحمد لله الذي خلقنا في هذا العصر، الحمد لله لكي يدخلنا الجنة يا رب.
دعوة أم جريج عذاب وما نفعله هو الاحتساب عند الله والصبر على الفتن
هي تدعو عليه بماذا؟ أن يرى وجوه الفاجرات. هل هذه دعوة؟ عذاب.
فماذا نفعل إذن؟ ماذا نفعل؟ نفعل؛ أن نحتسب عند الله. وعندما نحتسب عند الله ماذا يحدث؟ يحدث لنا أجر كأجر جريج، أجر لهذا الإيذاء والأذى، أجر لهذا الصبر.
ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«أجر العامل فيهم كأجر خمسين منكم. قالوا: منهم أم منا يا رسول الله؟ قال: منكم، أنكم تجدون عونًا على الخير وهم لا يجدون»
فلا يحتج أحد بكثرة الفتن أن يقع فيها، بل لا بد أن يقبض على دينه.
«القابض على دينه كالقابض على الجمر»
لكن تكون همة أكثر، وله أجر خمسين صحابيًّا.
فضل الله واسع والركعة بأجر خمسين صحابيًّا فما نحن فيه منحة لا محنة
فالصحابي منهم الركعة بمائة ألف، فيكون أنت خمسون في مائة ألف بخمسة ملايين، وفضل الله واسع.
فيكون الذي نحن فيه هذا منحة أم محنة؟ منحة.
إذن يقول: يا رب، يا رب، ألم تكن خلقتني في عصر المماليك مع العز بن عبد السلام [الملقب بسلطان العلماء وبائع الملوك وشيخ الإسلام، عالم وقاضٍ مسلم برع في الفقه والأصول والتفسير واللغة]، أو كنت خلقتني مع الإمام النووي [أبو زكريا يحيى بن شرف النووي الشافعي، محدّث وفقيه ولغوي مسلم، أحد أبرز فقهاء الشافعية]، أم هكذا أفضل لك؟
الرضا والتسليم؛ حكمة ربنا أنك هنا الآن، فاغتنمها إذن. هذه هي الحكاية.
كل من في الكون يشكو حظه والرضا بقضاء الله والصبر على الفتن هو السبيل
أنت متضجر من ماذا؟
(كل من في الكون يشكو حظه ... ليت شعري هذه الدنيا لمن)
كل واحد يشكو حظه. انتهى الأمر، ربنا خلقك هنا، في عصر السيارات والطائرات وأشياء أخرى. هناك أشياء أيضًا لم تكن موجودة تريحك، تذهب إلى الطبيب على الفور يعطيك الحقنة، فيذهب القيء. الله! ما هذا، أسحر هذا أم ماذا؟ فضل الله.
ولكن فيها فتن، نصبر على الفتن.
«القابض على دينه كالقابض على الجمر»
«إذا رأيت هوًى متّبعًا وإعجاب كل ذي رأي برأيه وشحًّا مطاعًا وإن كانت دنيا مؤثرة، فعليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العامة»
هذا هو السبيل.
«فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن يأتيك الموت وأنت تعضّ على جذع نخلة مؤمنًا بالله واليوم الآخر»
أي اثبت، إياك أن تنحرف هكذا أو هكذا. اثبت.
الصبر الجميل والتسليم لله مع الاستشهاد بآيات عدم الظلم وحفظ الأجر
حسنًا، وبعد ذلك اثبت إلى متى؟
﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ﴾ [يوسف: 18]
﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: 49]
﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7-8]
﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: 30]
القرآن كله هكذا، فلا تخف؛ لن تُظلم، ولن تحاسب على هذا وهذا، إنه فضل كبير.
فيكون التسليم والرضا، الذي سيؤول بنا لماذا؟ إلى لا حول ولا قوة إلا بالله، ليس لنا حول ولا قوة.
الخاصة يطلبون الستر عن المعصية خشية من الله وبصبرهم يعلو ذكرهم بعد حين
الخاصة يطلبون من الله الستر عنها، خشية سقوطهم من نظر الملك الحق سبحانه وتعالى. ما يهمهم هو الله، وليس الناس.
فبصبرهم هذا يعلو ذكرهم في الناس ولو بعد حين. ففي البداية تجد الناس متضايقة من فلان، وبعد أن يموت يقولوا: يا للعجب، لقد كان رجلًا صالحًا! لأنهم عندما رأوا من جاء بعده، هانت عليهم القضية.
لا، لقد أصبح هناك مقارنة؛ وسيفهمونها بعد أن يرحل. وزامر الحي لا يُطرب [تقال لعدم تقدير الأقربين لإنجازات الفرد أو مواهبه]. كل واحد عندما يرحل يمدحونه، وهو حي يسلخوه [كناية عن العنت في المعاملة].
أهل الله يضحكون وهم يُؤذون لأن سلامتهم مع الله وليس مع الخلق
أهل الله وهم يُتسلخون يضحكون؛ يقول لك: فعل الله فيهم هكذا، هو يريد أن يعطيني ثوابًا، وأنا ما شأني بهم؟ أنا بيني وبينك سليم، ليس لي شأن بما يقولوه.
«من أكرمك فإنما أكرم فيك جميل ستره». فالحمد لمن سترك، ليس الحمد لمن أكرمك وشكرك.
لمّا يأتي أحد يكرمك ويعظمك، هذا لأن الله ألقى في قلبه هذا. إذن فمن تحمد؟ الله. هو في الحقيقة تحمد الله.
خير من تصحب هو الله الذي يطلبك لا لشيء يعود منك إليه
«ما صحبك إلا من صحبك وهو بعيبك عليم، وليس ذلك إلا مولاك الكريم».
خير من تصحب من يطلبك لا لشيء يعود منك إليه. هل أنت ستنفع ربنا في شيء؟ الله هو النافع الضار، أنت المنتفع على طول الخط. أنت إذن فيما ستنفعه؟ ما هذا، هل في العبادة؟
«الحمد لله ملء السماوات والأرض وما بينهما»
تعبده، لا ينقصك أنت. فأنت تنفع مَن؟ تنفع نفسك.
صاحب في الله وباغض في الله ولا تمش مع الغافلين عن الله
تصاحب الذي لا يصاحبك إلا ليأخذ منك، أم تصاحب الذي لا يريد منك شيئًا؟ من هذا الذي لا يريد منك شيئًا؟ الله. المسألة محلولة إذن.
فأنت تصاحب، عندما تصاحب صاحب في الله، وعندما تباغض تباغض في الله، وعندما تخاصم تخاصم في الله.
فأي شخص يحاول أن يزحزحك عن طريق الله؛ في ميزان، والله أنا سأختار طريق الله. وأنت؟ أنت خارج القصة؛ لأنه لا يريد مني شيئًا، بل أنا الذي أحتاج إليه في كل شيء، هو قيوم السماوات والأرض.
من يطلب من المخلوقين غافل عن أمر الله وعن ضعف المخلوق
وأنت أيها الطالب تحتاج مني أنا؟ فأنت إذن غافل عن أمرين: غافل عن أمر الله؛ لأنك لم تحتج إليه في قلبك، وغافل عن ضعفي وعدم استطاعتي أن أعطيك شيئًا أصلًا.
فأنت غافل من ناحيتين. أنا أمشي مع الغافلين لماذا؟ إذن.
فإذا أردت أن تصاحب في طريقك، فعليك الله. والله تعالى أعلى وأعلم.
