الحكم العطائية | من 136 - 145 | أ.د علي جمعة
- •إذا أشرق نور اليقين في القلب رأى المؤمن الآخرة قريبة منه ورأى فناء الدنيا ظاهراً عليها.
- •القلب يبصر بالبصيرة كما تبصر العين، ولكن لا يبصر القلب إلا إذا أشرق عليه نور اليقين.
- •مقام اليقين لا يخالطه شك ولا ريب، وهو مرتبة الإحسان في أن تعبد الله كأنك تراه.
- •ما يحجب الإنسان عن الله ليس وجود موجود معه، بل توهم وجود شيء مع الله.
- •الموجود على الحقيقة هو الله، وكل شيء فانٍ إلا وجهه، فالكائنات قائمة بإقامة الله لها.
- •لولا ظهور الله في المكونات ما وقعت عليها أبصار المخلوقات.
- •أباح الله لنا النظر إلى ما في المكونات ولم يأذن لنا بالتعلق بذواتها.
- •المؤمن إذا مدحه الناس استحيا من الله أن يُثنى عليه بوصف لا يشهده من نفسه.
- •من الجهل ترك يقين ما عند المرء لظن الناس، والعاقل يعلم حقيقة نفسه.
- •إذا أُثني على العبد وليس بأهل، فليثنِ على الله بما هو أهله، فهو المستحق للثناء والمجد.
دعاء افتتاحي بطلب نور القلوب والمغفرة والتوفيق والرشاد
والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. اللهم يا ربنا يا كريم نوّر قلوبنا واغفر ذنوبنا واستر عيوبنا ويسّر أمورنا، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، واجمعنا على الخير في الدنيا والآخرة، وحبّب إلينا الإيمان وزيّنه في قلوبنا، وكرّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين ومع القوم الصادقين.
اللهم ارزقنا التقوى ومن العمل ما ترضى، وافتح علينا فتوح العارفين بك، وافتح علينا من خزائن رحمتك ما تثبّت به فؤادنا يا أرحم الراحمين.
حكمة ابن عطاء الله: نور اليقين يُري الآخرة قريبة والدنيا فانية
قال [ابن عطاء الله السكندري] رضي الله تعالى عنه ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين:
لو أشرق لك نور اليقين لرأيت الآخرة أقرب إليك من أن ترحل إليها، ولرأيت محاسن الدنيا قد ظهرت كَسْفَةُ الفناء عليها.
يعني أن القلب يرى كما ترى العين، ولكن العين ترى المحسوس بانعكاس الأنوار عليه والأضواء حتى يرتدّ [النور] إلى العين فترى العين.
كيف يرى القلب بنور اليقين كما ترى العين بالنور الحسي
فمتى يرى القلب؟ قال: يرى القلب إذا انعكس عليه — أي أشرق عليه — كما تشرق الشمس على الأرض، نورُ اليقين. إذن فالشيخ [ابن عطاء الله] بنور الله يدرك هذا: أنما هو في عالم الروح كما هو في عالم الحس.
فالعين تُبصر والقلب يُبصر، وبصر القلب يُسمّى البصيرة. ولا يُبصر القلب وهو مليء بالظلمات، بل يُبصر إذا أشرق عليه نور اليقين.
دعاء الصالحين بالتعوذ من الشك والريب ومقام اليقين الكامل
ولذلك كان من دعاء الصالحين: اللهم إننا نعوذ بك من الشك والريب، أي التردد في الإيمان والوساوس والخواطر التي تُلقى في ذهن الإنسان فيجد نفسه حائرًا. وهذا ليس من اليقين في شيء.
بل اليقين هو ما تحدّث عنه بعض العارفين فقال: لو رُفع الحجاب ما ازددتُ يقينًا. وهو ما عبّر عنه سيد الخلق أجمعين حينما علّم جبريلَ وعلّم معه الأمة من بعده وقال له:
قال النبي ﷺ: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه»
فهذه هي مرتبة اليقين ومقام اليقين، لا يخالطه شك ولا ريب.
معاني كلمة الريب في لغة العرب بين الحاجة والتهمة والشك
﴿ذَٰلِكَ ٱلْكِتَـٰبُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: 2]
يعني لا شك فيه ولا تهمة. والريب في لغة العرب: الحاجة، والتهمة، والشك. يعني كلمة "ريب" قد تكون معناها الحاجة، فلمّا قضينا من تهامة كلَّ ريبٍ، يعني كل حاجة.
والريب التهمة؛ قالت بثينة: يا جميلُ أَرَبْتَني، قلتُ: كلانا يا بثينةُ مُريب. فالريبة التهمة. قالت له: جلبتَ لنا الكلام، قال لها: ما الكلام آتٍ إليّ وآتٍ إليك — ويعني هو آتٍ إليك فقط — لأنه كان يحبها ويسير بحبها في القبائل.
قالت بثينة: يا جميلُ أَرَبْتَني، قلتُ: كلانا يا بثينةُ مُريب. والريب الشك.
نفي جنس الريب عن القرآن الكريم بجميع معانيه الثلاثة
وفي قوله تعالى:
﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: 2]
نفيٌ لجنس الريب الذي قد يعمّ المشترك فيه في هذه المعاني؛ فلا تهمة في القرآن ولا شك فيه ولا حاجة بعده. يعني هو [القرآن] لا يريد منك شيئًا:
﴿قُل لَّآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا ٱلْمَوَدَّةَ فِى ٱلْقُرْبَىٰ﴾ [الشورى: 23]
فحبّ آل البيت من الإيمان.
نور اليقين يُحيي البصيرة فيرى القلب الآخرة حاضرة قريبة
فنور اليقين إذا انعكس على القلب أحيا البصيرة فيه، فرأى القلب بنور اليقين. فإذا رأى بنور اليقين ماذا يرى؟ يرى الآخرة أقرب إليه من حبل الوريد، يرى الآخرة بحيث أنه لا يرحل إليها بل يعيش فيها.
فهو يسير بيننا على قدميه، ولكن قلبه معلّق بالله، مؤمن بالآخرة لا يتزحزح عنها أبدًا. وهو يعلم حينئذٍ أن الدنيا معبرٌ لهذه الآخرة، وأن هذه الدنيا فانية هالكة، وإنما العبرة في هذه الحياة الأخرى التي هي الحيوان، يعني هي الحياة الحقيقية.
نور اليقين يكشف الحقائق كما يكشف النور الحسي الأشياء المادية
وعلى ذلك فنور اليقين يكشف الحقائق كما أن النور الحسّي يكشف الأشياء. وأول ما يكشف هذا النور هو أن الآخرة قريبة؛ لا نرحل إليها ولا نراها بعيدة نقطع المفاوز إليها، بل إننا نراها حاضرة معاشة.
ورجلٌ قلبه معلّق بالمساجد، انظر إلى الكلام: رجل قلبه معلّق بالمساجد. فمن كان قلبه معلّقًا بمواطن السجود وزمانها — يعني بالصلاة — خائف أن يضيّع العصر، خائف أن يضيّع المغرب، يقوم يصلّي بسرعة لئلا يفوته الظهر لأنه باقٍ له ساعة.
ها هو قلبه قلقٌ من أجل الدنيا أم قلقٌ من أجل الآخرة؟ بل هو قلقٌ لأجل الآخرة.
معنى كَسْفَة الفناء على الدنيا وإدراك ظلال الزوال عليها
ولرأيت محاسن الدنيا قد ظهرت كَسْفَة الفناء عليها، أو كِسْفَة الفناء عليها. كِسْفَة يعني مثل كسوف الشمس؛ فالكَسْفَة الظلّ. فتجد ظلال الفناء عليها، ترى أن الدنيا هذه فانية.
فأنت عندما تجلس مع واحد من أهل الدنيا تجده متعلّقًا بها تعلّقًا لا يذكر معه الموت، وتجده متعلّقًا بها تعلّقًا وكأنه لا يؤمن بأنها تنتهي. وهو قد صلّى الجنازة على الميت توًّا، لكن بالنسبة له فهو يدبّر كأنه يعيش أبدًا.
غفلة الإنسان عن قرب الأجل وأن الروح بين نفس داخل ونفس خارج
وهو غير منتبه إلى أن الروح بين نفَسٍ داخل ونفَسٍ خارج، وأن الله أعلم إذا كنّا نلتقي اليوم، نلتقي غدًا أم لا. اللهم آمين، معكم إن شاء الله، لا غنى لي عنكم.
إذن لا بدّ للإنسان أن يرى كَسْفَة [الفناء]. ما هي الكَسْفَة؟ هي الظلال الخاصة بالفناء على الدنيا. كَسْفَة الفناء عليها يعني ظلال الفناء عليها، يعني ينتبه ويشمّ رائحة الفناء فيها. هذا يعني يشمّ رائحة الفناء في الدنيا.
حكمة ابن عطاء الله: ما حجبك عن الله وجود موجود بل توهّم موجود معه
قال [ابن عطاء الله] رضي الله تعالى عنه: ما حجبك عن الله وجودُ موجودٍ معه، ولكن حجبك عنه توهُّمُ موجودٍ معه.
وأنتم تظنون أن الدنيا هذه موجودة مع الله هكذا، هو وجودٌ بوجود هكذا ندًّا لندّ يعني؟ لا! وجودٌ فانٍ والله باقٍ، هذا وجودٌ حادث والله قديم، هذا وجودٌ محتاج إلى غيره والله قائم بذاته.
الفرق بين وجود الكائنات المضطرب ووجود الله الواحد في ذاته وصفاته
هذا وجودٌ كله اختلاف واضطراب، والله سبحانه وتعالى واحد في ذاته، واحد في صفاته، واحد في أفعاله. هذا وجودٌ فيه كدر وفساد؛ تمسك الإناء هكذا وتتركه يسقط فيتكسّر، يدك وهي تقشّر البصل تتجرّح. فسادٌ، كونٌ قابل للفساد.
والله سبحانه وتعالى ربّ العالمين، خارج عن الزمان والمكان، لا يحلّ في الأشخاص ولا تحيط به الأحوال، سبحانه وتعالى، لا شريك له ولا مثيل له:
﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 4]
فهل تعتقد أن هذا الوجود في كفّة ووجود الله سبحانه وتعالى في كفّة أخرى؟ إذن فأنت واهم.
الموجود على الحقيقة هو الله وكل شيء قائم بإمداده ومدده
والحاصل أن الموجود على الحقيقة هو الله، وكل هذا منه سبحانه وتعالى وبإذنه ومدده وخلقه. فإن قطع الإمداد أو أبطل الاستعداد فنينا.
يعني لو قطع الإمداد الصادر منه — كل يوم هو في شأن — فإننا نفنى هكذا ونذهب فلا يبقى في العالم شيء. أو أبطل الاستعداد — أنا لديّ استعداد للوجود، من الذي صنعه؟ الله — ألغى هذا الاستعداد فأصبح فانيًا، يأتي المدد هكذا فلا يجد شيئًا، لا يجد مكانًا.
فالكوب إذا وضعتَ فيه الماء امتلأ به، فإذا جاء الماء لم يجد الكوب!
وجود العالم قائم بإقامة الله له وليس وجودًا مستقلًا بذاته
إذن، إذا انقطع الإمداد أو توقّف الاستعداد فني العالم. من الذي بيده هذا الكلام؟ الله. يبقى هذا وجودٌ محترم، يعني هكذا قائم بنفسه؟ أم أنه وجودٌ يخجل؟ لا، وجودٌ يخجل، جلّ وجه الله.
ووجود مَن؟ الحق. وجود الحق هو وجود الله، هذا هو الوجود الحق. وما هذه الدنيا؟ اسمها دار باطل. نعم هي حاصلة، هي حاصلة، فنحن نعيش فيها، ولكنها حياة محتاجة إلى غيرها، لا تقوم بذاتها. لا حول ولا قوة إلا بالله.
الكائنات لا تحجب الله بل الإنسان هو المحجوب بتوهمه استقلال الأشياء
وأنت تظنّ أن هذه الكائنات حجبت الله؟ الله لا يمكن أن يحجبه شيء، بل أنت الذي محجوب. إنما هذه الكائنات توهّمتها أنت في ذهنك أنها شيء.
وتقول: العمود هذا موجود من ألف سنة، وما دام موجودًا من ألف سنة فسيبقى كذلك ألف سنة أخرى مستقبلًا. والأمر ليس كذلك؛ هذا كل ساعة يفنى وينشأ، وهو قائم بإقامة الله له.
ولو قطع الله عن هذا العمود الرخامي الذي استغرق ألف سنة في الإعداد أو التهيئة والاستعداد فَنِيَ، فنحن لن نجده.
وجوب إدراك معنى لا حول ولا قوة إلا بالله وظهور صفات الله في المكونات
إذن ينبغي علينا أن ندرك هذا المعنى: أنه لا حول ولا قوة إلا بالله.
قال [ابن عطاء الله] رضي الله تعالى عنه: لولا ظهوره في المكوّنات ما وقع عليها وجودُ أبصار. وهو نفس الذي نقوله الآن؛ هذا هو الإمداد الذي إذا ظهرت صفاته اضمحلّت مكوّناته.
فيكون الله سبحانه وتعالى ظاهرًا حولنا، وفي كل شيء له آية تدلّ على أنه واحد. فإذا أظهر فيها صفاته فَنِيَت؛ لأنه هو المُوجِد المُعدِم المُحيي المُميت.
سرعة أمر الله بين الكاف والنون وعدم تخلف شيء عن إرادته
أظهر كل شيء حولنا، هو الذي أظهره من العدم:
﴿كُن فَيَكُونُ﴾ [يس: 82]
وأمره بين الكاف والنون، يعني لا يتأخّر. كُنْ: كاف ونون، قبل أن تأتي الكاف وبعد ذلك تُنطق النون يكون قد مضى كم فيمتو ثانية؟ أمره بقي قبل أن تتمّ النون، يعني قبل الفيمتو ثانية.
فهل يكون هناك شيء يتخلّف عن أمره سبحانه؟ كلّا، لا يكون ولا ينفع.
الله هو الباطن الذي لا يظهر والظاهر الذي طوى وجود كل شيء
أظهر كل شيء، وعندما أظهر كل شيء هل ظهر معه؟ أي هل وجدنا معه صنمًا أو وجدنا شيئًا هكذا فنقول هذا ربنا؟ لا! قال: لأنه الباطن.
فيكون هو أظهر كل شيء لأنه هو الباطن الذي لا يظهر. وطوى وجود كل شيء — كل شيء ذاهب وفانٍ — لماذا؟ لأنه الظاهر.
فيكون هو الباطن والظاهر والأول والآخر، وهو على كل شيء قدير.
الله أباح النظر في المكونات للاعتبار لا للتعلق بذوات الأشياء
الله — أنت حافظ — قد أباح لك أن تنظر إلى ما في المكوّنات، أباح لنا أن ننظر إلى السماء والأرض وما حولنا من مكوّنات كونها. وما أذن لك أن تقف مع ذوات المكوّنات؛ لم يقل لك غُصْ معها هكذا واعتبرها.
فأنت حين تنظر إليها تراها صورة، ولذلك سمّوها رسوم الكائنات أو صور الكائنات. احذر! هذه لا تُدخل قلبك فهي فانية، فلا تعتمد عليها ولا تعظّمها ولا تجعلها في قلبك شيئًا مع الله. اجعل قلبك خاليًا منها حتى يمتلئ بربّ العالمين.
الفرق بين النظر في صفات المكونات والتعلق بذواتها في القرآن
قال [الله تعالى]:
﴿ٱنظُرُوا مَاذَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ﴾ [يونس: 101]
فقط انظروا فقط، وليس اعتمدوا. فتح لك باب الأفهام ولم يقل "انظروا السماوات"، وإنما قال "ماذا في السماوات"؛ فعلّق الأمر على الصفات ولم يعلّقها على الذات، لئلا يدلّك على وجود الأجرام.
لأنه لا يريد أن يجعلك تلتفت إلى صور الكائنات هذه، إلى المكوّنات، إلى هذه الرسوم التي ينبغي ألّا تعتمد عليها وأن لا يتعلّق قلبك بها.
التحذير من تعلق القلب بالأشياء المادية حتى لو كانت تخص الصالحين
فيبقى الواحد عندما يفقد سبحة عزيزة عليه — كان طوال النهار جالسًا يذكر بها لأنها أصلًا كانت لشيخه — كلها هذه ما هي إلا قليل من قليل. هذا كله قليل، من التي سعرها ثلاثة صاغ، فلا يهمّك فإنها ضاعت وانتهى، وماذا أفعل لها؟
قلبك لا يتعلّق بشيء حتى لو كان سبحة الشيخ. نعم، حتى لو كان سبحة الشيخ، تحزن هكذا وتمتعض قائلًا: إنها من ممتلكاته، ضاعت وانتهى.
خاتم النبي ﷺ ضاع في بئر أَريس، يعلّمهم أنه لا تتعلّقوا بالأشياء حتى ولو كانت تخصّ سيد الخلق أجمعين.
الأكوان ثابتة بإثبات الله لها وممحوة بأحدية ذاته وحقيقتها العدم
الأكوان ثابتة بإثباته؛ هي لماذا كائنة هكذا؟ لأنه هو الذي أراد ذلك. وممحوّة بأحدية ذاته، ولكنها في الحقيقة — إن جئت للحقيقة ولنتكلّم بصراحة — فهي: عدم.
فنحن عدمٌ مع مَن؟ مع الله. لكن نحن موجودون، نعم موجودون، ولكن يعني لا ترفع ذيلك لتتكبّر. فلنتركه مع الله، حقًّا أنا لا أعرف شيئًا، أنا لا علاقة لي:
قال النبي ﷺ: «لا نُحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيتَ على نفسك»
جلّ وجهك، اللهم لك العُتبى حتى ترضى.
استشعار العدمية مع الله في السجود والتبرؤ من الحول والقوة
حقًّا مع مَن؟ مع الله. وأنت ساجد هكذا في الصلاة، استشعر العدمية مع الله، فهو فعّال لما يريد.
الناس يمدحونك لما يظنّونه فيك؛ يرونك تصلّي وتزكّي وتؤدّي الديون التي عليك وتبتسم في وجه الناس، والله أعلم. كل هذا من الذي يعلم به؟ الله.
يمدحونك: هذا رجل طيّب، هذا رجل صالح، هذا وجهه منوّر إلى آخره. فكن أنت دائمًا ذامًّا لنفسك لما تعلمه منها.
دعاء الصالحين بطلب المغفرة والتجاوز عما يعلمه الله من عيوب العبد
من دعاء الصالحين: اللهم اغفر وارحم وتجاوز عمّا تعلم. البلايا التي بين المرء ونفسه هذه لا يعرفها أحد إلا هو، ربنا يسترها.
وتجاوز عمّا تعلم إنك أنت الأعزّ الأكرم. أعزّ، فيمكن أن تأخذني بما أنا فيه، ولكنك أكرم فسامحني.
إذن هكذا على ما كان، فلتمضِ هكذا، اتركها كذلك. فماذا أفعل أنا؟ أليس أنت الذي خلقتَ هذا فيّ؟ وتبكي: ماذا أفعل أنا؟ ما باليد حيلة. فإذن لا بدّ عليك أن تتبرّأ من حولك وقوتك لله.
دعاء أبي بكر الصديق عند مدح الناس وطلب أن يكون خيرًا مما يظنون
وعندما تجد الناس يمدحونك، كلما مدحوك كلما تقول لهم: يا خبر أبيض! هذا أنتم مخدوعون بي.
فكان سيدنا أبو بكر [الصديق] رضي الله عنه يقول ماذا: اللهم اجعلني خيرًا مما يظنّون. لا يوجد مانع ما دام أجريتَ هذا الكلام على ألسنتهم — وألسنة الخلق أقلام الحق — فدعني أكون أحسن من ذلك، واستر عنهم ما لا يعلمون، واغفر لي.
هذا من الذي يقول هذا الكلام؟ الصدّيق الأعظم! أي لم يغترّ بما عمل ولا بما وصل من درجة عند ربّه. ومات النبي صلى الله عليه وسلم — انتقل إلى الرفيق الأعلى — وهو راضٍ عنه.
المؤمن إذا مُدح استحيا من الله وسعى ليوافق عمله ثناء الناس عليه
المؤمن إذا مُدح استحيا من الله أن يُثنى عليه بوصف لا يشهده من نفسه. المؤمن إذا مُدح وبعد ذلك هذا المدح يقول: يا للعجب! هذا رجل يقوم الليل وهو لا يقوم ليلًا ولا نهارًا.
فماذا يفعل؟ يقوم الليل لكي يراه الله وهو يقوم الليل، فيكون موافقًا لما أجراه الله على لسان عبيده، ولا يكون كأنه خدعهم. هو لم يخدعهم ولا قال لهم شيئًا. خدعهم؟ أتاهم ليقول لهم: هذا أنا أمس الحمد لله وأنا أصلّي في الساعة الثالثة ليلًا وهو يغمض عينيه؟ هذا ليس معنا إطلاقًا.
قصة أبي حنيفة في قيام الليل أربعين سنة بعد سماعه ثناء الناس عليه
ولكن لا، هو لا يصلّي ولا شيء، والناس ألقى الله في قلوبها القبول له والحبّ له، فجرى على ألسنتها أن هذا الرجل يصلّي الليل. فيكون من جرّاء ذلك أنه يقوم يصلّي حتى يكون كلام الناس مطابقًا للواقع.
سيدنا أبو حنيفة فعل ذلك؛ كان يمشي مرّة ثم سمع أحدهم يقول: هذا أبو حنيفة الذي يقوم الليل. فلم يترك قيام الليل أربعين سنة بعد ذلك.
قال: وكان يصلّي الفجر بوضوء العشاء أربعين سنة. أرأيت كم هو عظيم لأنه سمع هذه الكلمة!
لا تيأس في أي سن فأبو حنيفة بدأ قيام الليل في الأربعين
عندما تعلم أن سيدنا أبا حنيفة مات وعمره ثمانون، إذن بدأت هذه الحكاية في سنّ الأربعين.
إذن أيضًا عندما تجد نفسك في الأربعين والخمسين لا تقل هذا انتهى، لا! امضِ على هذه الخطة.
المؤمن إذا مُدح استحيا من الله أن يُثنى عليه بوصف لا يشهده هو سبحانه وتعالى من نفسه.
أجهل الناس من ترك يقين ما عنده لظن ما عند الناس فيه
أجهل الناس من ترك يقين ما عنده لظنّ ما عند الناس. أنا متيقّن أني قبيح، وطوال النهار الناس يقولون عنّي أنّي جميل.
العقل يقول لك: أن تسير وراء اليقين الذي تعرفه والمصائب التي تعرفها، أم تسير وراء ظنّ الناس؟ فالعقل يقول: سِرْ وراء اليقين الذي تعرفه من نفسك ولا يعلمه أحد من الناس.
التحذير من الاستدراج بمدح الناس ووجوب محاسبة النفس قبل الحساب
فاحذر أن تُستدرج إلى هذا؛ لأن فضل الله عظيم وكرمه عميم، وهو سبحانه وتعالى يُمهل ويُمهل بالسنين. ويأخذ [العبد غرّة]، الناس يمدحونك سنين طويلة وأنت على غير الحق.
لا! حاسب نفسك قبل أن تُحاسَب، وحاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا.
إذا أطلق الله الثناء عليك ولست بأهل فأثنِ عليه بما هو أهله
قال [ابن عطاء الله] رضي الله تعالى عنه ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين: إذا أطلق الثناء عليك ولست بأهل — فمن الذي أطلق؟ الله هو أيضًا الذي أجرى الثناء على ألسنة الخلق بشأنك — ولست بأهل، وأنت تعلم ذلك أنك لم تفعل شيئًا ولا خلافه.
وتقول لي: نحن لسنا أهلًا. دائمًا الإنسان خطّاء:
قال النبي ﷺ: «وخير الخطّائين التوّابون»
ودائمًا الإنسان محلّ نقص. واعلم أن النقص قد استولى على جملة البشر.
الكمال المطلق لسيدنا محمد ﷺ وحده دون سائر البشر
من الذي لم يستولِ عليه النقص؟ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
من ذا الذي ما ساء قطّ، ومن له الحسنى فقط؟ محمد الهادي الذي نزل عليه جبريل، هبط عليه الصلاة والسلام.
خطة التعامل مع ثناء الناس: أثنِ على الله فهو أهل الثناء والمجد
إذا أطلق [الله] الثناء عليك ولست بأهل، فماذا تفعل إذن وما هي الخطة؟ إنه [ابن عطاء الله] يرسم لنا الخطط في كيفية التعامل مع الله.
قال: فأثنِ عليه بما هو أهله. هذا واحد: شاكرين هكذا لربنا. أنت تجعل الناس هؤلاء جميعًا تتذكّر، طيّب شاكرين، لكنه هو أهل الثناء والمجد.
ونحن أصلًا لسنا أهل الثناء، بل نحن أهل المذمّة كبشر. ولذلك هو مستحقّ لهذا، فأنت تفعل الواجب، وهذا يخفّف عنك قليلًا الغلواء.
خلاصة الحكم: لا تتكبر واتهم نفسك وأقر بأنه لا حول ولا قوة إلا بالله
إذن بماذا نخرج من هذا كله؟ لا تتكبّر، اتّهم نفسك، داوم على هذا إلى منتهاه.
لا بدّ أن تُقرّ في قلبك أنه لا حول ولا قوة إلا بالله. لا بدّ أن تُقرّ في قلبك أن هذه الكائنات فانية:
﴿وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلَـٰلِ وَٱلْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: 27]
جلّ وجه الله.
