الحكم العطائية | من 146 - 155 | أ.د علي جمعة - الحكم العطائية, تصوف

الحكم العطائية | من 146 - 155 | أ.د علي جمعة

32 دقيقة
  • اللهم اغفر ذنوبنا وكفر سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار وألف بين قلوبنا وسدد رمي المجاهدين واحفظ المسلمين.
  • الزهاد ينقبضون عند المدح لشهودهم الثناء من الخلق، بينما العارفون ينبسطون لشهودهم ذلك من الله.
  • عندما تفرح بالعطاء وتحزن للمنع فهذا يدل على طفوليتك وعدم صدقك في العبودية.
  • إذا وقع منك ذنب فلا تيأس من الاستقامة، فقد يكون آخر ذنب قُدر عليك.
  • استعظم الذنب أولاً ثم تناساه لتفتح صفحة جديدة مع الله.
  • للخوف والرجاء ميزان، فإذا اختل الميزان لجانب الرجاء فافتح باب الخوف، وإذا اختل لجانب الخوف فافتح باب الرجاء.
  • القبض قد يفيدك في الليل ما لم تستفده في إشراق نهار البسط.
  • مطالع الأنوار هي القلوب والأسرار، فالنور المستودع في القلوب مدده من النور الوارد من الغيوب.
  • للنور نوعان: نور يكشف لك عن آثاره، ونور يكشف لك عن أوصافه.
  • ستر الله أنوار السرائر بكثائف الظواهر إجلالاً لها أن تبتذل.
محتويات الفيديو(39 أقسام)

دعاء جامع بطلب المغفرة والهداية والعلم النافع والعصمة من الذنوب

واغفر ذنوبنا وكفّر عنّا سيئاتنا وتوفّنا مع الأبرار، واهدنا إلى أقوم طريقٍ لا يهدينا إليه إلا أنت، علّمنا العلم النافع. اللهم نسألك العصمة من الخطأ والخطيئة ومن الذنوب جميعها.

اللهم ارضَ عنّا برضاك وارحمنا برحمتك واهدنا بهدايتك، وألّف بين قلوبنا ولا تجعل في قلوبنا غلًّا للذين آمنوا.

اللهم يا أرحم يا أرحم الراحمين سدّد رمي المجاهدين في سبيلك وثبّت قلوبهم. اللهم يا رب العالمين من أراد الإسلام والمسلمين بشرٍّ وسوءٍ فخذه أخذ عزيزٍ مقتدر، وردّ إلينا أوطاننا واحمِ أعراضنا ووحّد صفوف المسلمين.

دعاء بالحياة والممات على الإسلام والإعانة على الذكر والشكر وحسن العبادة

اللهم أحينا مسلمين وأمتنا مسلمين غير خزايا ولا مفتونين، إن لم يكن بك علينا غضبٌ فلا نبالي.

اللهم أعنّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، بلّغ عنّا دينك واسلك بنا طريقك وافتح علينا فتوح العارفين بك.

اللهم يا رب العالمين اجعل لنا النبيّ أسوةً حسنة صلى الله عليه وآله وسلم، واحشرنا تحت لوائه يوم القيامة، واسقنا من يده الشريفة شربة ماءٍ لا نظمأ بعدها أبدًا، ثم أدخلنا الجنة من غير حسابٍ ولا سابقة عقابٍ ولا عتاب.

مراتب الناس عند المدح بين الزهاد والعارفين بالله تعالى

قال رضي الله تعالى عنه ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين:

الزهّاد إذا مُدحوا انقبضوا؛ الشخص العادي إذا مُدح انبسط، والرجل الذي هو عالٍ جدًّا إذا مُدح انبسط أيضًا [يعني أهل الله الكبار].

إنما الزهّاد الذين أرادوا أن يتخلّوا عن الدنيا التي أعطاها الله لهم ابتغاء مرضاة الله، فهم في الدرجة الوسطى؛ إذا مُدحوا انقبضوا لشهودهم الثناء من الخلق، يعني يقول لك: ماذا أفعل بثنائك؟ اتركني في حالي يا أخي، أنا وربي.

والعارفون إذا مُدحوا انبسطوا؛ هؤلاء [العارفون] أعلى من الزهّاد، انبسطوا لشهودهم ذلك من الملك الحق.

العارفون يرون المدح والذم من الله لأن ألسنة الخلق أقلام الحق

هو [الله] من الذي أجرى ألسنة الخلق بالكلام مدحًا أو قدحًا؟ الله. وأدام الله، هو الذي أجرى الكلام على ألسنتهم.

فلِمَ لا نقبل؟ [أي لِمَ لا نقبل المدح بانبساط؟] بلّغني [الله] رسالةً على طريق هذا العبد بأن خلق الثناء على لسانه، فيستوجب بذلك الانبساط؛ لأن ألسنة الخلق أقلام الحق سبحانه وتعالى.

الزاهد ما زال صغيرًا لا يعرف هذه الحكاية، فإذا مُدح انقبض، يقول: هذه فتنة، هذا ربنا يراقبني إن كنت سأنحرف أم سأسير على الصراط المستقيم. اللهم الطف، اللهم سلّم.

مقام الزاهد طيب لكن مقام العارف الذي يشهد الأفعال من الله أرقى وأحسن

اللهم يا رب العالمين لا تفتنّا في ديننا. أمثال هذا [مقام الزاهد] وهو طيب، لكن هناك ما هو أطيب منه، وهو أمرٌ عالٍ لم يترك الإنسان فيه نفسه بل راقبها وحاسبها وتابعها، وهو أمرٌ مطلوب.

إنما يعني أنه يتبيّن لك أن هناك ما هو أرقى منه وأحسن، وهو أن تشهد هذا [المدح] من الله، فلا تفكّر بعد ذلك أنه ابتلاء، بل فكّر أنه من الله؛ لأنك لا ترى الأشياء إلا بالله، ولا ترى في هذا الكون إلا فعل الله سبحانه وتعالى، فهو الفعّال لما يريد.

علامة الطفولية الروحية أن يبسطك العطاء ويقبضك المنع

قال رضي الله عنه ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين:

متى كنت إذا أُعطيت بسطك العطاء، وإذا مُنعت قبضك المنع، فاستدلّ بذلك على ثبوت طفوليتك.

إذا كنت تفرح بالنجاح وتحزن للفشل، وتفرح للعطاء وتحزن للمنع، فتبقى ما زلت طفلًا، ما زال أمامك وقتٌ طويل. كان مشايخنا يقولون لنا ماذا؟ ما زال أمامك وقت.

فاستدلّ بذلك على ثبوت طفوليتك وعدم صدقك في عبوديتك.

الطفل غير صادق لأنه يتبع خياله ولذلك لا تُقبل شهادته عند القضاء

الطفل خيال يتبع خياله فليس بصادق، ولذلك لا تُقبل شهادته عند القضاء.

بخلاف ما هو شائعٌ يقول لك: هذا طفلٌ بريء لا يكذب. أكذب خلق الله الأطفال! لماذا؟ الكذب الذي يصدر منه من أين يأتي؟ من خياله، أي أنه يتخيّل ثم يتكلم بخياله معتقدًا أنه الصواب أو أنه الحق، أو أنها لا تفرق، أو هكذا ظنّ لمّا رأى شيئًا.

ولذلك لا تُقبل شهادتهم عند القاضي. حكاية أنه بريء أصله أنه لا يكذب كذبك الذي هو كذب اللفّ والدوران والخداع وقلة الديانة والأدب، هو ليس كذلك، لكن كذبه من ناحية عدم الضبط، يعني غير ضابط.

الطفولية الروحية تستوجب عدم الصدق في العبودية وعدم الفهم الحقيقي

فالطفل غير صادق أصلًا، لا تظنّ أن الطفل بريء فيكون صادقًا فتجلب قلق الدماغ لخلق الله.

فاستدلّ بذلك على ثبوت طفوليتك. هذه الطفولية تستوجب ماذا؟ عدم صدقك في عبوديتك، لست تفهم، في النهاية أنت لست تفهم.

إذا وقع منك ذنب فلا تيأس بل بادر بالتوبة وافتح صفحة جديدة مع الله

قال رضي الله تعالى عنه:

إذا وقع منك ذنبٌ فلا يكن سببًا ليأسك من حصول الاستقامة لا مع ربك، فقد يكون ذلك آخر ذنبٍ قُدّر عليه.

يبقى دائمًا المرء يفتح صفحة جديدة مع الله. وقعت في الذنب فلا تخف، لا تستهن لكن لا تيأس. بادر بالتوبة لكن افتح صفحة جديدة وكأنك بعد التوبة لم تفعل شيئًا.

تناسَ الذنب، ولذلك قال: أوله استعظام وآخره تناسٍ. أول الذنب تستعظمه لكي يدفعك هذا الاستعظام إلى التوبة والإقلاع والرجوع إلى الله والخبوت إليه سبحانه وتعالى، ثم بعد ذلك تتناساه.

صفحتك بيضاء بعد التوبة فأحسن الاستقامة ولا تعد للذنوب والمعاصي

قال: يعني صفحتك بيضاء يا فتى ولم تفعل شيئًا قط، لكي لا تكدّرها بذنبٍ آخر، فلعله أن يكون آخر ذنبٍ قد قُدّر عليك، فتحسن استقامتك مع الله سبحانه وتعالى، ولا تعود للتقصير ولا للذنوب والمعاصي والقذورات، ولا لهذه القذورات مرة أخرى.

فإذا وقعت مرة أخرى فكلّ بني آدم خطّاء وخير الخطّائين التوابون، فارجع مرة أخرى ولا تيأس.

قال الله تعالى في الحديث القدسي: «يا ابن آدم لو جئتني بقُراب الأرض ذنوبًا ثم جئتني تائبًا لغفرت لك»

لأن الله واسعٌ صبور، لا يناله منّا ضرٌّ ولا نفع، ولا يناله منّا شيء.

نحن المحتاجون إلى الله نتوسل إليه بالمغفرة والهداية إلى سواء السبيل

نحن الذين في حاجةٍ إليه، ونحن الذين نتوسّل إليه سبحانه وتعالى أن ييسّر لنا أمورنا وأن يغفر ذنوبنا وأن ينوّر قلوبنا وأن يهدينا إلى سواء السبيل.

﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: 6]

فتح باب الرجاء بمشاهدة نعم الله وفتح باب الخوف بمشاهدة تقصيرك

قال رضي الله تعالى عنه ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين:

إذا أردت أن يُفتح لك باب الرجاء فاشهد ما منه إليك، وإذا أردت أن يُفتح لك باب الخوف فاشهد ما منك إليه.

الترغيب والترهيب، الرجاء والخوف، القبض والبسط، كلها أمورٌ من الله. هو القابض وهو الباسط، وهو النافع وهو الضار، وهو المحيي وهو المميت، وهو الأول وهو الآخر، إلى ما لا يتناهى من الصفات، فهو بكل شيءٍ محيطٌ وعلى كل شيءٍ قدير، وهو سبحانه وتعالى رب العالمين.

الخوف والرجاء شعوران جميلان وبينهما سير العبد إلى الله تعالى

فالخوف والرجاء شعوران حسنان؛ الخوف جميل والرجاء جميل، وبين الخوف والرجاء سير العبد.

فترى نفسك هكذا دخلت في دائرة الخوف وستنغلق عليك، وسنصل إلى مرحلة الوسواس، والوسواس سيؤدي بك إلى الإحباط واليأس من رحمة الله.

﴿وَلَا تَايْـَٔسُوا مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِنَّهُ لَا يَايْـَٔسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ [يوسف: 87]

والعياذ بالله، يعني ليس نحن كفر [بمعنى الكفر الاصطلاحي]، يعني ستر قلبه عن الإيمان. القوم الكافرون هذه شديدة جدًّا، فاليأس من الله مصيبة، فيجب عليك ألّا تيأس.

كيف تخرج من دائرة الخوف المفرط إلى التوازن بفتح باب الرجاء

ماذا تفعل وأنت ترى كل يومٍ الوسواس يزيد والخوف يزيد وبدأت تحاسب نفسك أكثر من اللازم وسندخل في دورٍ مرضيّ؟ نفعل ماذا؟

افتح الباب واخرج! أيّ باب؟ افتح الباب الذي يخرجك من دائرة الخوف إلى دائرة الرجاء حتى يحدث توازن.

باب الرجاء هذا كيف؟ قال: يا أخي تأمّل ما من الله إليك. متّعك بصحة، نعم، متّعك ببصر، بشمّ، بأكل، بشرب، بهدوء بال، بصفاء ذهن، نعم. فها هو، هل تريد شيئًا أكثر؟ حيزت لك الدنيا وما فيها. هذا يعني أن ربنا راضٍ عنك جدًّا.

باب الرجاء يخرجك من الخوف لكن احذر الإفراط فيه حتى لا تتساهل بالذنوب

إذن هذا يفتح لك باب الرجاء؛ لأنه انفتح لك بذلك بابٌ يخرجك من ماذا؟ من الخوف. تقول: لا، هذا ربنا كريمٌ وعفوٌّ وغفور، وما فعل لي هذه الأشياء كلها إلا لأجل أنه يحبني قليلًا. هكذا لكي توازن الخوف الذي أدخلت نفسك فيه.

فتحت [باب الرجاء] معك قليلًا فوجدت نفسك أنك في رجاءٍ دائم وبدأت لا تبالي لا بالذنب ولا بغيره، فأصبحت قد دخلت الرجاء من أوسع أبوابه، فخفت على نفسك أنها تميل الكفّة وتريد أن تعود إلى شيءٍ من الخوف.

فتح باب الخوف بتأمل البلايا والذنوب والعودة إلى التوازن بين الخوف والرجاء

افتح باب الخوف! ما هو باب الخوف؟ تأمّل البلايا التي تفعلها. باب الخوف على الفور تفزع، تقول: يا الله! طيب وهذا [الله] صابرٌ عليّ لماذا يا الله؟ هذا يمهلني، إذن يا الله هذا سيأخذني أخذ العزيز المقتدر، يا خبر أسود! هذا لنرجع إذن بسرعة قبل أن يفوت القطار.

يكون إذن ينبغي عليك أن تكون دائمًا في الأمة الوسط؛ لأن وسط الشيء أعلاه. عندما تكون وسط قمةٍ تكون في العلوّ هكذا، وسط الجبل أين أعلاه؟ إذا صعدت وصلت، فإذا استمررت نزلت.

الوسطية في الدين والزيادة أخت النقص وضرورة التوازن بين الخوف والرجاء

ولذلك عندما تصعد فوق لا تنزل إلا [كما قال النبي ﷺ]:

قال رسول الله ﷺ: «إنني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني»

هذا الكلام يقوله لمن زاد على سنته. إذن الزيادة أخت النقص، ويجب علينا أن نكون أمةً وسطًا كما وصفنا ربنا سبحانه وتعالى؛ لأن وسط الشيء أعلاه.

فإذا اختلّ بأيدينا الميزان لجانب الرجاء فتحنا باب الخوف بأن نرى مصائبنا فنخاف، أو اختلّ في جانب الخوف فتحنا باب الرجاء بأن نرى مِنّة الله علينا فنعلم مدى رحمته وكرمه. إن الله سبحانه وتعالى [واسع الرحمة والكرم].

ربما أفادك في ليل القبض ما لم تستفده في إشراق نهار البسط

قال رضي الله تعالى عنه ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين:

ربما أفادك في ليل القبض ما لم تستفده في إشراق نهار البسط.

لأن القبض عندما يأتي في القلب تصبح ليلةً سوداء؛ لأن فيها شدة وفيها كدرة وفيها عناء وفيها مجهود. وعندما يأتي الانبساط يحدث فيه مثل هذا في النهار والليل؛ يحدث فيه إشراقاتٌ وأنوارٌ وانبساطٌ وسعادة.

وليت يا ربّ تبقى على الدوام منبسطًا هكذا! فيقول لك: لا، هذا في الظاهر فقط.

الاستفادة من حالة القبض والشدة في تعلم الأدب مع الله أكثر من حالة البسط

لكن في الحقائق يمكن أن تستفيد وتتأدّب وتتعلّم الأدب مع الله في حالة القبض، في الليل البهيم هذا، في الشدة، مما تتعلمونه في النهار في الإشراق في البسط.

هو أنني عندما آتي لأعرض عليكم وأقول لكم: بسطٌ أم قبض؟ تقولون لي: بسط. وما هي إلا مصلحة. لكن القبض الذي هربت منه يمكن أن يكون أنفع لكم.

والدواء قد يكون مُرًّا لكنه قد يكون حاسمًا وللمرض قاصمًا.

الفرق بين الصوفية والباطنية في تفسير الآيات القرآنية وإضافة المعاني

﴿لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ [النساء: 11]

انظر إلى الآية ومعناها الصوفي ومعناها الباطني. فالصوفية لا ينكرون الظاهر؛ أيّهم لا تدرون أيّهم أقرب إلى المنفعة، فيبقى هؤلاء أولادنا وأبناؤنا وزوجاتنا وآباؤنا كسياق الآية.

أبناؤنا وآباؤنا هؤلاء كما هي الآية تدلّ على ذلك، لكن سوف يُستدلّ بها هنا على الأحوال [أحوال القبض والبسط]، فيبقى أضاف إليها معنًى لكن ما نفى المعنى الأول.

الباطنية ينفون المعنى الأول، هذا هو الفرق الكبير.

منهج التوسعة في معاني الآيات بإضافة الظلال دون نفي المعنى الأصلي

بعض الناس يقول لك: الله أنت باطنيٌّ أم ماذا؟ ما هو ليس معناها كذلك. لا، بل وسّع في معناها، اجعل معناها كمعناها الأصلي في اللغة، ثم أضاف إليها ظلالها، أضاف إليها ماذا؟ ظلالها، أضاف إليها معنًى آخر تقبله الآية، لكنه لا ينفي المعنى الذي استُفيد من السياق والسباق.

لا ينفي المعنى الذي استُفيد من اللغة، بل إنه يضيف إليه.

﴿وَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُوا شَيْـًٔا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّوا شَيْـًٔا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216]

مطالع الأنوار هي القلوب والأسرار كما أن للشمس مطالع ومشارق

قال رضي الله تعالى عنه ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين:

مطالع الأنوار القلوب والأسرار.

الشمس لها مطلع، فأين المطلع الخاص بها؟ في الشرق. كل يومٍ لو تأمّلتها تجدها تنتقل من نقطة إلى نقطة هكذا؛ أحيانًا تطلع من هنا وأحيانًا تطلع من هنا، تظلّ سائرة حتى تصل إلى درجة ثلاثٍ وعشرين وترجع ثانيةً حتى إلى درجة ثلاثٍ وعشرين وتعود مرة أخرى ذاهبةً آيبة هكذا.

فتكون مشارق، فتكون مطالع، فتكون للشمس مطلعٌ عام وهو ماذا؟ الشرق، ولها مطلعٌ خاص كل يومٍ وهو المشارق.

رب المشارق والمغارب في القرآن ومطالع الأنوار الإيمانية في القلوب

تعال انظر كيف:

﴿بِرَبِّ ٱلْمَشَـٰرِقِ وَٱلْمَغَـٰرِبِ﴾ [المعارج: 40]

جمعها مرة، و﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾، و﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾؛ لأن لها نهاية هنا ولها نهاية هنا. هذا كل هذا الناس يرونه بأعينهم في الصحف، يرون بأعينهم.

كذلك الأنوار، أنوار انعكاس تجلّي ربنا سبحانه وتعالى على خلقه. الأنوار الإيمانية لها مطالع، لها جهةٌ تطلع منها.

فأين إذن؟ في الدماغ هنا أم في العين أم في اليد؟ نشعر بها أين؟ قال: في القلوب.

القلب لطيفة من اللطائف الخمس التي يتدرج فيها المؤمن في سيره إلى الله

والقلب هذا هو القلب الصنوبري هذا الذي دخل إلى المكان الذي يقومون فيه بعمليات القلب المفتوح؟ لا، هذا القلب هذه حالةٌ محلّها هذا الصنوبري.

يمكن أن يكون القلب لطيفة من اللطائف الخمس التي يتدرّج فيها المؤمن:

  1. القلب
  2. الروح
  3. السر
  4. الخفي
  5. الأخفى

خمس مراتب يتدرّج فيها المؤمن.

المصطلحات الشرعية والصوفية مستنبطة من القرآن ولا ينكرها إلا جاهل

وهذا الكلام لم يكن موجودًا عند الصحابة، فمن أين نحن أتينا بأشياء كثيرة سمّيناها الحقائق الشرعية في الفقه وفي العقيدة وفي الأخلاق وفي التصوف وفي جميع العلوم؟ وأتينا أيضًا بألفاظ الفاعل والمفعول والمضاف إليه والحال، وهذا الكلام كله لا يعرفه العرب، لكنهم كانوا يفلقون العربية تفليقًا ويتكلمون بها سجيّة، وإنما هذا لكي نتعلّم نحن، فكانت هذه الأشياء معروفة.

مفهومٌ أن هناك الخفي وهناك الأخفى، فالله سبحانه وتعالى يعلم الجهر وما يخفى، فيبقى هناك خفيٌّ وأخفى.

﴿يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: 7]

فيبقى هناك سرٌّ وأخفى من السر.

أهل الله استخرجوا من القرآن ما يدل على الحقائق المحسوسة ولا ينكر المصطلح إلا جاهل

تتبّعوا القرآن واستخرجوا منه واستعاروا منه ما يدلّ على الحقائق المحسوسة التي رآها أهل الله عندما اشتغلوا بالذكر مع الله وصاروا في طريق الله على سنة سيدنا رسول الله ﷺ.

فلا ينكر ذلك أحد؛ لأنه إن أنكره فكأنما أنكر المصطلح، ولا ينكر المصطلح إلا جاهل.

فقال: مطالع الأنوار ما هاتان اللطيفتان؟ هما القلوب والأسرار، بمعنى أن القلب والسرّ هما مطالع للأنوار التي ستتلألأ في قلوب العارفين من عند رب العالمين.

نور قلب المؤمن العاصي يطبق الدنيا فما بالك بالمؤمن المطيع

الأنوار هذه التي في القلب يقول فيها سيدي أبو الحسن الشاذلي رحمه الله:

لو اطُّلع على نور قلب المؤمن العاصي لأطبق الدنيا، فما بالك بالمؤمن المطيع!

يعني الإيمان يا إخواننا الذي بعض الناس يستهينون به ويقولون لك: هذا عاصٍ، هذا فاسق. الإيمان في ذاته له نور، ولذلك رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتبر المؤمن حتى ولو كان عاصيًا.

قصة سيدنا نعيمان وحب الله ورسوله في قلب المؤمن العاصي

حتى لو كان سيدنا نعيمان كان يشرب الخمر وقال له [النبي ﷺ]: إنه يحب الله ورسوله. فيبقى حبّ الله ورسوله الذي في قلبه سيملأ الدنيا.

فماذا عن هذا الخمر؟ الخمر معصية سيئة، لكن النور الذي في قلبه من الإيمان هذا شيءٌ آخر.

الصحابة فيها عصاة، لكن قلوبهم مليئة بالنور. فتكون المعصية هذه قصة، والنور هذا قصة أخرى.

من شهد أن لا إله إلا الله صادقا من قلبه دخل الجنة بنور الإيمان

وعندما يقول [النبي ﷺ]:

قال رسول الله ﷺ: «من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صادقًا من قلبه دخل الجنة على ما كان من عمل»

قال: على ما كان من عمل، على ما كان من عمل. قال له [أبو ذر]: كان من عمل؟ [قال]: رغمًا عن أنف أبي ذر.

«وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق. وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، رغمًا عن أنف أبي ذر»

حسنًا، فبموجب ماذا سيدخل الجنة؟ المعصية لا تُدخل الجنة، المعصية تستوجب المؤاخذة والعياذ بالله. يدخل الجنة بما قد وضع الله في قلبه من نورٍ بسبب إيمانه، فالإيمان له نورٌ في القلب.

النور المستودع في القلوب مدده من خزائن الغيوب وتعظيم شأن المؤمن

قال رضي الله تعالى عنه ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين:

نورٌ مستودعٌ في القلوب، من أين يأتي هذا النور؟ مدده من النور الوارد من خزائن الغيوب، آتٍ من الله.

انظر إلى تعظيم شأن المؤمن! لو أننا عظّمنا شأن المؤمن هكذا سنحترم بعضنا البعض، وما إن أراك مسلمًا تصبح الدنيا وما فيها مع معصيتك وكل شيء، أنت أفضل إنسانٍ في الدنيا وأنا أسوأ إنسانٍ في الدنيا.

لو فعل كل واحدٍ ذلك فماذا سيحدث؟

﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا مَّآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال: 63]

نوعا النور المستودع في القلوب نور يكشف الآثار ونور يكشف الأوصاف

قال رضي الله تعالى عنه:

النور المستودع في القلوب هذا ما هو؟ منه نورٌ يكشف لك به عن آثاره، ونورٌ يكشف لك به عن أوصافه [سبحانه وتعالى]، هذا أرقى.

نورٌ ما أنت لن تراها [الحقائق] إلا بالنور، عينك لا ترى إلا بالنور، قلبك أيضًا لا يرى إلا بالنور.

ففي نورين: النور المستودع هذا نوعان:

  • نورٌ يكشف لك به عن آثاره: آثار ما هو؟ حقائق الكون تنكشف، حقائق الكون.
  • ونورٌ يكشف لك به عن أوصافه [سبحانه وتعالى].

النور الذي يكشف حقائق الكون كما قال أحد العارفين عن سبق العلم التجريبي

يقول أحد العارفين: كلما انكشف لي سرٌّ في الكون رأيت ذلك الأعمى قد سبقني إليه بعكّازته.

يعني ابن سينا سبقه إليها بالعلم؛ ابن سينا عنده مختبرٌ ويجرّب ويعرف، عندما يضع هذه المادة مع هذه المادة ينتج عنها هذه المادة، كيمياء وفيزياء وطبيعة يدرس.

والآخر [العارف] انكشف له هذا بالنور الذي يكشف عن الآثار. هذا بالنور الذي يكشف عن الآثار، في كشفٍ ولكن كشفٌ بسيط هكذا؛ لأنه كشف حقائق الدنيا، فإذا كانت الدنيا فانية أصلًا فما فائدتها؟

النور الأعلى الذي يكشف أوصاف الله ولذة النظر إلى الرب بعين البصيرة

لا شيء مثل العلم، مثل فائدة العلم؛ يعرف كيف يعالج، وآخر يعرف كيف يصنع آلة، وآخر يعرف كيف يسعى في عمارة الأرض، هكذا يعني. هذا جميلٌ أيضًا.

ولكن هناك نورٌ أعلى من ذلك ينظر به إلى حقائق أوصافه سبحانه وتعالى، هذا لذةٌ أخرى.

﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 22-23]

فهنا سينظر إلى ربه لا إلى ذاته [سبحانه]؛ لأن ربكم لا يُرى في الدنيا.

﴿لَّا تُدْرِكُهُ ٱلْأَبْصَـٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلْأَبْصَـٰرَ﴾ [الأنعام: 103]

بل يراه بعين البصيرة لا بعين البصر.

التحذير من الوقوف مع الأنوار لأنها قد تصبح حجابا عن الله كما يحجب العلم

يبقى إذن نورٌ يكشف لك به عن آثاره، ونورٌ يكشف لك به عن أوصافه.

ربما وقفت القلوب مع الأنوار كما احتُجبت النفوس بكثائف الأغيار. أحيانًا ينشغل القلب بالأنوار ويسير معها، يبقى ضلال الطريق؛ لأن الأنوار ليست هي المقصود.

إياك أن تقع في هذا المطبّ! فمن هو المقصود؟ الله. وإياك أن يتحوّل النور إلى حجاب، كما أن العلم يمكن أن يتحوّل إلى حجاب. العلم نفسه يمكن أن يتحوّل إلى حجاب، هذا يكون بدنيا علمٍ نعم.

انشغال النفوس بالدنيا وانشغال القلوب بلذة الأنوار كلاهما حجاب عن الله

لكن في دنيا [الأحوال] هنا النفوس قد تنشغل بهذه الكائنات والدنيا والأخذ والعطاء والسعي في الأرض وتحصيل المعاش وننسى ربنا.

والقلوب قد تفعل هذا ولكن من لذة الأنوار، هذا أشدّ. إذن فيجب علينا أن ننتبه إلى ذلك حتى لا نُحجب عن ربنا.

ستر أنوار السرائر بكثائف الظواهر إجلالا لها من الابتذال والاشتهار

قال رضي الله تعالى عنه ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين:

ستر أنوار السرائر بكثائف الظواهر إجلالًا لها أن تُبتذل بوجود الإظهار، وأن يُنادى عليها بلسان الاشتهار.

لماذا عندما يكون أحد العارفين بالله جالسًا فينا وسطنا هكذا لا نرى قلبه ينوّر؟ كان بإمكاننا أن نرى هكذا قلبه ينوّر. ستر! لا نحن نعرف من المنوّر ولا نعرف من المظلم.

ستر هذه الحكاية لكي تبقى غالية جدًّا. فما هو الشيء عندما يكون غاليًا لا يُبتذل ولا يوضع هكذا في الهواء، وكلما ازداد غلاؤها وثمنها كلما احتُفظ به في خزانةٍ داخل خزانةٍ داخل خزانة.

الله ستر الأنوار لكنه أظهر شعاعا منها على وجوه أهل التقوى والسجود

فلكي لا تُبتذل هذه الأشياء الغالية جدًّا جعلها [مستورة]، مع أنه قادرٌ سبحانه وتعالى على أن يُظهرها، ولكن أعطى لنا أيضًا هكذا فكرة، هكذا شعاعٌ منها يخرج على الوجه ينير الدنيا.

تجد ماذا؟ منوّر، تمدح نفسك. طيب، تجد الولد منهم منوّر هكذا وجهه منوّر، منعكسٌ على وجهه نور البصائر والقلوب من علّام الغيوب، شيءٌ جميل، شيءٌ جميلٌ جدًّا.

وخيركم من إذا رُئي ذُكر الله، تراه تقول: لا إله إلا الله، هذا الرجل جميلٌ جدًّا.

من طال قيامه بالليل حسن وجهه بالنهار وإلقاء المحبة على أولياء الله

وبعض الصالحين قال: من طال قيامه بالليل حسُن وجهه بالنهار.

وربنا قال ماذا عن سيدنا موسى [عليه السلام]:

﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّى وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِىٓ﴾ [طه: 39]

إذن فهذا الذي في القلب وإن سُتر وأُخفي حتى لا يُبتذل، إلا أن الله لم يحرمنا تمامًا من إظهار شيءٍ منه. فمن كثُر سجوده وتقواه أنار الله وجهه في العالمين.

دعاء ختامي بالمغفرة والرحمة وأن يكون الجمع مرحوما والتفرق معصوما

فاللهم يا ربنا يا كريم اغفر لنا ذنوبنا وكفّر عنّا سيئاتنا، واجعل جمعنا هذا جمعًا مرحومًا وتفرّقنا من بعده تفرّقًا معصومًا، ولا تجعل فينا شقيًّا ولا محرومًا.