الحكم العطائية | من 156 - 165 | أ.د علي جمعة
- •الدليل على أولياء الله من حيث الدليل عليه، ولا يوصل إليهم إلا من أراد أن يوصله إليه.
- •فقدان المربي مصيبة، وعند فقده يُنصح بالإكثار من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
- •الصلاة على النبي مقبولة حتى من المنافق والفاسق لتعلقها بالجناب الأعظم.
- •قد يُطلِع الله الولي على غيب ملكوته ويحجب عنه الاستشراف على أسرار العباد.
- •إذا اطلع الولي على أسرار العباد، وجب عليه التخلق بالرحمة والستر وإلا كان اطلاعه فتنة عليه.
- •حظ النفس في المعصية ظاهر جلي، بينما حظها في الطاعة باطن خفي، ومداواته أصعب.
- •قد يدخل الرياء على العبد من حيث لا ينظر إليه الخلق، فيتكبر بطاعته.
- •العبد ينبغي أن يغيب نظر الخلق إليه بنظر الحق إليه، ويغيب عن إقبالهم عليه بشهود إقبال الله عليه.
- •من عرف الحق شهده في كل شيء، ومن فني به غاب عن كل شيء، ومن أحبه لم يؤثر عليه شيء.
- •الله محتجب عن العباد لشدة ظهوره وخفي عن الأبصار لعظم نوره.
افتتاح الدرس بالبسملة والصلاة على النبي والدعاء
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
اللهم اشرح لنا صدورنا واستر عيوبنا ونوّر قلوبنا وثبّتنا على الإسلام، فأحينا مسلمين وأمتنا مسلمين غير خزايا ولا مفتونين.
اللهم اغفر وارحم وتجاوز عمّا تعلم، إنك أنت الأعزّ الأكرم. اللهم افتح علينا فتوح العارفين بك واسلك بنا الطريق إليك وأعنّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وفهّمنا مرادك من كلامك وأقمنا بشرعك وفي شرعك ولشرعك يا أرحم الراحمين.
اللهم بلّغ بنا دينك واهدنا وأصلح حالنا. اللهم اجمع بين قلوب أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم. اللهم ثبّت حبّه في قلوبنا وحبّب إلينا الإيمان وزيّنه في قلوبنا وكرّه لنا الكفر والفسوق والعصيان.
الدعاء بالحشر تحت لواء النبي ودخول الجنة بلا حساب
نوّر وجوهنا بذكرك واحشرنا تحت لواء نبيّك واسقنا من يده الشريفة شربة ماء لا نظمأ بعدها أبدًا، ثم أدخلنا الجنة من غير حساب ولا سابقة عقاب ولا عتاب، ومتّعنا بالنظر إلى وجهك الكريم في جنة الخلد يا أرحم الراحمين.
أولياء الله أدلة عليه ومن وُفّق إليهم فقد اختصر الطريق
قال المصنف رحمه الله تعالى — ولينفعنا الله بعلومه في الدارين آمين —: سبحان من لم يجعل الدليل على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه، ولم يوصل إليهم إلا من أراد أن يوصله إليه.
فالحمد لله، تنزّه سبحانه وتعالى حيث جعل أولياءه أدلّة عليه، وجعل هداية الإنسان إليهم نعمة ما بعدها نعمة. فإذا وجد أحدهم الشيخ المرشد والإمام الهادي فقد اختصر الطريق، ومنّ الله عليه بالقرب والوصال.
فسبحان الله، جعل الدليل على أوليائه أنك تعرفهم عندما تعرف أنهم من أهل الله لا من أهل الدنيا.
البحث عن أولياء الله يستلزم الإيمان به سبحانه أولًا
إذن حتى تبحث عن أوليائه لا بدّ أن تؤمن به [سبحانه وتعالى]، وإلا فأنت تبحث عن أولياء مَن؟ أولياء الله. إذن يجب [أن تكون] مؤمنًا بالله الذي أنت تبحث عن أوليائه.
فجعل الله سبحانه وتعالى الدليل إليه هم أولياؤه، ثم وفّقك إليهم — إلى الأولياء — فهذه قضية أخرى؛ فوفّقك إلى المربّي.
فقد المربي مصيبة عظيمة وهداية الله عند فقده بالافتقار إليه
وفقْدُ المربّي مصيبة. أهل الله ألّفوا [كتابًا] قالوا: «هداية ربّي عند فقد المربّي». يعني طيب، وبعد ذلك عندما نفقد المربّي نفعل ماذا؟ يبقى ما لا إلا أن تظلّ تبكي وتبكي.
فلماذا تكون فيها مصيبة؟ فعندما تفقد الأدلّة إلى الله تبكي إليه: اهدني. «هداية ربّي عند فقد المربّي»: لو فقدتَ المربّي ستحتار، ولو احترتَ ستتعب، ولو تعبتَ ستلجأ إلى الله سبحانه وتعالى، فيكون في افتقار حينئذٍ.
«هداية ربّي عند فقد المربّي» — فما هي هداية ربّي عند فقد المربّي؟ هذا قال لك: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
الصلاة على النبي مقبولة حتى من المنافق والفاسق لتعلقها بالجناب الأعظم
فإذا فقدتَ المربّي وتريد أن تستتر الحكاية قليلًا معك فلا تنحرف عن طريق الله، فابدأ في الصلاة على المصطفى صلى الله عليه وسلم.
لماذا؟ ما فكّرتها؟ قال لك: جميع الأعمال بين القبول والردّ إلا الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؛ فهي مقبولة حتى من المنافق والفاسق. يعني أسوأ شيء ما هو أن تكون منافقًا أو تكون فاسقًا، لا يوجد شيء أخسّ من ذلك.
إذن صلِّ على النبي! أرأيت كم هو عظيم أن تصلّي على النبي؟ لماذا لا وهو سيقبلها منك حتى وأنا منافق وأنت منافق وفاسق فاسق.
طيب، لماذا؟ قال: لتعلّقها بالجناب الأعظم صلى الله عليه وسلم. فأول ما تفقد الأولياء تصلّي على النبي عليه الصلاة والسلام.
الصلاة على النبي من المؤمن أعظم قبولًا وثوابًا من المنافق
يبقى الصلاة على النبي من المؤمن شكلها كيف إذن؟ إذا كانت هذه الصلاة على النبي من المنافق مقبولة، فما بالك من المؤمن، تبقى مرفوضة؟ يعني ماذا؟ لا، تكن مقبولة أكثر وأكثر.
من صلّى عليه واحدة صلّى الله بها عليه عشرة. أبو لهب قلناها: فرح لمّا سيدنا رسول الله جاء ووُلد، من التي كانت حاضرة الولادة ثويبة — هذه الجارية التي تخصّ أبا لهب — فجاءت فرحةً الفتاة تقول له: أبشر، آمنة أتت بولد! ففرح [أبو] لهب فأعتقها، قال لها: اذهبي أنتِ حرّة.
جائزة لها؛ كان الإنسان عندما يأتيه البشير يقوم فيعطيه ماذا؟ جائزة. ففي جائزة أحسن من هذا؟ إذن حرّرها، أعطاها نفسها فحرّرها.
تخفيف العذاب عن أبي لهب يوم الاثنين بسبب فرحه بمولد النبي
كان سيدنا رسول الله قد وُلد متى؟ يوم الاثنين. وأبو لهب هذا أين [هو]؟ في الجنة؟ في النار بنصّ القرآن. كلّ يوم الاثنين يُخفَّف عنه العذاب وتسقط له حاجة كذلك مثل قطرة ماء يشرب ويُروي روحه قليلًا، بما فرح بمولد النبي صلى الله عليه وسلم.
بسبب ماذا؟ هذا بفرحه بمولد النبي صلى الله عليه وسلم. أخرجه البخاري. أليس كذلك؟ أخٌ يقول لك: لا، هذا ضعيف! أخرجه البخاري هكذا. نعم، أخرجه البخاري.
ما هو الإخوة يريدون أن يُخرجه البخاري على الفور بحيث أنه ماذا؟ لا، هذا قد أخرجه البخاري، يعني صحيح. هو كذلك. لا، ما هو ليس الإخوة الذين شكّكوا، هؤلاء إخوة آخرون.
فرح المؤمن بمولد النبي وثواب الاحتفال بالمولد النبوي
إذن لماذا؟ قال: فرح هذا كافر، قال لك: فما بالك لو فرح المؤمن! يكون لمّا نعمل المولد ثواب أم ليس لنا ثواب؟ لأننا نفرح بمقدم النبي صلى الله عليه وسلم وإنّ شرف العالم [بمقدمه].
قالوا: فالصلاة عليه صلى الله عليه وسلم ستدخل في نطاق ماذا؟ [القبول والثواب العظيم]. والدليل عليه: كم مرة؟ قال: لا تقلّ عن ألف في كل يوم وليلة، لا تقلّ عن ألف.
الصلاة على النبي بالاسم الكامل وأهمية تحريك القلب بالذكر
وبعض الإخوة أيضًا يقول لك: «اللهم صلِّ عليه» حتى غير راضٍ أن يقول «على محمد»! لا يصلح، لا يصلحنا هذا الكلام، هذا كله هذا هراء.
وإنما ألف مرة لكي يبدأ قلبك يتحرّك؛ لأن قلبك عليه ما عليه من البلايا. نحن نعرف بعضنا البعض، عارفين بعضنا البعض.
الاطلاع على غيب الملكوت والفرق بين عالم الملك وعالم الملكوت
قال رضي الله تعالى عنه — ونفعنا الله بعلومه في الدارين آمين —: ربما أطلعك على غيب ملكوته.
ما هو في مُلك — الذي هو المشهد أمامنا هذا — في ملكوت ما لسنا نشاهده: عالم الملائكة، عالم الروحانيات، عالم الجنّ، العرش، الجنة، النار. كل هذه مخلوقات لكنها غير مرئية لم نرها، وإنما أخبر سبحانه وتعالى عنها فقال: صدق الله.
ملكوت: ففي مُلك — الذي هو المشاهَد المحسوس المرئي المعاش — وفي ملكوت — الذي هو ما وراء ذلك. هذه عوالم الدنيا: رب العالمين، عالم المُلك وعالم الملكوت.
الله سبحانه ليس كمثله شيء وله عوالم الجمال والجلال والكمال
والله ما سوى العالم يعني شيئًا، سوى العالم تمامًا يعني شيئًا آخر.
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾ [الشورى: 11]
شيئًا آخر، له رهبوت ورحموت ولاهوت، يعني عالم الجمال وعالم الجلال وعالم الكمال سبحانه. فهي أمر عظيم جدًّا إذن، حالة مختلفة تمامًا عن التي نحن فيها.
الكشف الذي يحدث للولي أثناء الذكر والصلاة ورؤية الملكوت
فأحيانًا يحدث للوليّ كشف وهو يذكر وهو يصلّي وهو كذلك. يحدث كشف يعني ماذا؟ النافذة تنفتح، على ماذا؟ على الملكوت.
قم فترى العرش، ترى قطعة من الجنة هكذا، ترى شيئًا في النار، ترى هكذا. يعني وأنت واقف تصلّي ترى الكعبة. فها هو الله ربما أطلعك على غيب ملكوته.
حجب أسرار العباد رحمة من الله وستر للخلق من بعضهم
وحجب عنك الاستشراف على أسرار العباد. انظر كيف حدث لك حال وانكشف لك شيء من أنوار العرش — هذا أعظم مخلوق لكنه مخلوق أيضًا — وبعد ذلك تقابل صاحبك هكذا وهو يشتمك في عقله ولا تعرف أنه يشتمك.
انظر: أسرار العباد حُجبت سترًا؛ لأنه سبحانه وتعالى سترنا، وإلا كان بعضنا قتل بعضًا. آه، هذا سيفعل بي لا أدري ماذا! كل هذا في عقلك وبعد ذلك تقابله فتقبّل يديه. معروف هذا الكلام.
ستر الله لأسرار العباد رحمة تحفظ المحبة بين الناس
فحسنًا، وبعد ذلك لماذا يفعل هكذا؟ معروف هذا الكلام كله: سترك. ما هي أصلًا هكذا، وبعد ذلك في اليوم الثاني تحبّه.
لو كان كُشف أمرك لكنتَ ستصبح راغبًا في الاعتذار، وبعد أن تعتذر تتقدّم، أي تنظر: هل سيقبل أم لا؟ أو هو ينظر إلى قلبه. ألا يبقى راغبًا في أن نحبّ بعضنا البعض؟
فستر أسراره، وعندما يسترها يكون ذلك رحيمًا بنا وليس ذلك جبّارًا علينا أبدًا، بل رحيمًا بنا.
طائفة من الأولياء يطلعون على أسرار العباد ويجب أن يتخلقوا بالرحمة
بسم الله الرحمن الرحيم. من أُطلع [على] أسرار العباد: آه، هذا في طائفة أخرى من الأولياء يطّلعون على أسرار العباد. ينظر إليك هكذا فيكشفك أنت نفسك ويعرف البلايا كلها من أولها إلى آخرها.
وبعد ذلك هذا يجب أن يتخلّق بأخلاق الرحمة. هذا عندما يكون هكذا يصبح الوليّ هذا مصيبة سوداء.
لماذا؟ لأنه يجب أن يكون صبورًا؛ تشتمه أم لم تشتمه، قابلك يُطبطب عليك ولا همّ له. ولم يتخلّق بالرحمة الإلهية — يعني هو انكشف له أسرار العباد ولم يتخلّق بالرحمة الإلهية — كان اطّلاعه فتنة عليه مصيبة وسببًا لجلب الوبال إليه.
الكشف نعمة أم نقمة وبكاء الأولياء عند انكشاف أسرار العباد لهم
طيب، يبقى الكشف هنا نعمة أم نقمة؟ في هذه الحالة ولم يتخلّق [بالرحمة]: نقمة.
فأولياء الله إذا حدث لهم الكشف بكوا، يجلسون يبكون يقولون: ما لي وما شأني! طيب أنت عرّفتني أن هذا كذا وكذا، لماذا وأنا ما لي؟ أنت تريد أن تفتنني! ويبكي ولا يفرح ويمضي.
وعلى فكرة أنا أعرف أنت تفكّر في ماذا. ها أنا هذا أحمق! هذا الشيخ الذي يفعل هكذا، اتركوه هذا متعب، هذا عقله انفجر. لكن الحقيقة لا، ما يحدث له هكذا يبكي.
تصرف التقي والفاجر عند انكشاف العورات وأدب غض البصر
تعرفون كيف يتصرّفون؟ كيف يتصرّفون؟ هم يقولون — أهل الله يقولون — كيف يتصرّف عندما تُفتح النافذة وترى ابنة الجيران أمامك عورتها مكشوفة؟
ماذا يفعل التقيّ وماذا يفعل الفاجر؟ الفاجر يجلس يُصفّر وينظر هكذا: عين إلى أعلى وعين على الفتاة العارية هذه أو عورتها ظاهرة. والتقيّ ماذا؟ يولّي وجهه إلى الناحية الأخرى ويغلق عينيه ويقول: لا إله إلا الله، يا ربّ استر!
أنت منتبه، ويعاملها معاملة أخته أو أمّه، ويعتبر هذه النظرة نظرة عابرة يسترها.
حفظ الجار وغض البصر من واجبات المسلم في الجيرة
يقولون للنساء: جارك إذا لم يرك من وجهك فسيراك من ظهرك وأنتِ غير منتبهة. هكذا هي الجيرة.
ولكن ما هي مطالب المسلم في الجيرة؟ يحفظ [جاره]. هذا التقيّ يأتي مغلقًا النافذة، موليًا وجهه الناحية الأخرى، ويغضّ بصره، وتبقى مارّة.
أنت فرح، يقول لي: عافانا والله ما أعرفك أنك عافانا. انتبه لقلبك إذن. نعم، المهمّ العين، بعد ذلك القلب. قال: عافانا والله. طيب اتركها.
الكشف ليس نعمة بل مسؤولية عظيمة تستوجب الستر والتخلق بالرحمة
هذا يجب أن تعلّق عليها فرحة. إذن الشيخ سيّد أخذ الله حبيبته وأنار قلبه بحبّ المصطفى صلى الله عليه وسلم، فهو فرح. قال لك: حسنًا، ما أنا الحمد لله. هذا يبدو أنه صنع لهم مشكلة هذه الحكاية. فتح الله عليكم.
حسنًا، يبقى إذن الكشف ليس شيئًا يعني جميلة هذه، [بل هو] مسؤولية. سينكشف لك شيء: ابكِ، قل له: لا، أغلقها وأنا ما شأني. أغلق النافذة.
اعمل مع الناس [بالستر]. لماذا؟ رقم اثنين: قُدّر عليك أنك يجب أن تعمل مع الناس مثل طبيب يجب أن يكشف عورة المريض، ثم أصبح طبيب نساء انتهى، فليتّق الله إذن، فليستر وليس ليملأ [الدنيا فضائح]، ليفجر أبدًا.
وجوب الستر والتخلق بأخلاق الرحمة الإلهية عند الاطلاع على أحوال الناس
حيث أقامك الله اعمل؛ لأنك تخفّف الآلام، لأنك تحافظ على الحياة وتعمر الأرض، ولكن اتّقِ الله.
مثل شخص ربّنا أقامه في تغسيل الموتى، فلا يجلس ثم يخرج ويقول: هذا أنا رأيت كذا وكذا — حرام. فكذلك هنا انكشف لك الحال، فاستر وتخلّق بأخلاق الرحمة.
أخلاق الرحمة منها ماذا؟ أنه صبور سبحانه وتعالى، وأنه واسع سبحانه وتعالى، وأنه عفوّ. ما هي كلها هذه من صفات الرحمة.
حظ النفس في المعصية ظاهر وحظها في الطاعة خفي وعلاجه صعب
قال رضي الله تعالى عنه — ونفعنا الله بعلومه في الدارين آمين —: حظّ النفس في المعصية ظاهر جليّ؛ شهوة وبقضيها، معصية فيها شهوة عملتها شهوة مبسوط. وحظّها في الطاعة باطن خفيّ؛ لكن لمّا صلّيت حصل لي ماذا يعني.
ومداواة ما يخفى صعب علاجه. فواحد عصى، وبعد ما عصى نقول له ماذا؟ عالج المسألة. يعالجها كيف؟ يتوب. لماذا؟ ما أنا أعرف وأنا وهو وأنت وكلنا أن هذا خطأ ومعصية، إذن يجب أن يتوب. طيب.
خطورة الكبر الناتج عن الطاعة وصعوبة علاجه مقارنة بالمعصية
المصيبة التي تحصل من العبادة: واحد صلّى وحصل في قلبه كِبر من هذه الصلاة. أتعرف كيف تعالجه؟ ماذا تقول له؟ لا تصلِّ؟ لن تستطيع أن تقول له لا تصلِّ! تقول له: انتبه. [فيقول:] لك سآخذ بالي من أيّ شيء ما دمت أصلّي هكذا.
وأيّ شيء يواجهك هكذا بالكلام، ما لا يرضى أن يقتنع ولا يتحرّك قلبه. لا، كيف يتحرّك قلبه ويبرق لك هكذا؟ هو وما لا يرضى أن يقتنع. يا بنيّ الذي تفعله هذا خطأ. خطأ في أيّ شيء؟ يعني لست أفهم، فهّمني.
إذا فعل المعصية أمرٌ يسير، قال له: أمخطئ أم لا؟ فيقول لي: نعم مخطئ. أليس كذلك؟ إننا نعرفها، فهي معصية سهلة. ولكن الطاعة إذا ولّدت كبرياء فستصبح مسألة ليست سهلة أبدًا.
وجوب التواضع لله وعدم التكبر بالطاعة لأنها من فضل الله
ولذلك يجب على المرء أن ينتبه لنفسه ويشتدّ خشوعًا أي خضوعًا أي تواضعًا لله رب العالمين.
ويعلم أن طاعته وهذا منه [سبحانه]، فلا تتكبّر بها عليه ولا تمتنّ بها لنفسك؛ لأنه ليس أنت الذي عملتها، بل هو من فضله أجراها عليك.
الرياء الخفي في العبادة وخطورة حب اطلاع الناس على خصوصيتك
قال رضي الله تعالى عنه — ونفعنا الله بعلومه في الدارين آمين —: ربما دخل الرياء عليك من حيث لا ينظر الخلق إليك. تقول لي: انظر إذن أنا أصلّي ركعتين في الليل لا أحد معي.
قالوا لأبي يزيد [البسطامي]: ما لنا نعبد ولا نجد لذّة العبادة في قلوبنا؟ قال: عبدتم العبادة، لو عبدتم ربّ العبادة لوجدتم لذّتها.
عبدتم العبادة يعني ماذا؟ يعني الركعتين اللتين صلّيتموهما في الليل جعلتاكم في النهار تمشون وأنتم رافعو رؤوسكم وسط إخوانكم مسرورين جدًّا.
خطورة المقارنة بالآخرين في العبادة والتميز عن الناس بالمظاهر
وأنتم تمشون لماذا؟ لأن أنا صلّيت وهؤلاء لم يصلّوا. آه، عندما بدأت بالمقارنة تصبح أنت تعمل شيئًا خاطئًا وفرحان جدًّا؛ لأنك صلّيت الركعتين، أو لأنك أطلقت لحيتك، أو لأنك قصّرت ثوبك ودلّلت البنطال من تحتها — لا أعرف لماذا — أو لأنك لبست الساعة في يدك اليمين.
هذا الكلام كله لماذا يا أخانا؟ أصل النبي كان يحبّ التيامن في كل شيء، وتهزّ لي رأسك هكذا وقد خالف الناس! لبسها في اليمين وخالف الناس، والنبي لبس الخاتم في اليمين وفي الشمال وفي كله.
انظر الناس كيف يمشون وامشِ هكذا هو في وسطهم هكذا. لا تتميّز؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن ثوب الشهرة.
النهي عن التميز بالمظهر والتصدع بالأنا وعلاج الكبر الناتج عن الطاعة
فلا تريد تتميّز لكي يقولوا ماذا؟ لا، بل لكي يعرفوا أننا نتّبع سنة رسول الله، ولكي أصل أنا آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر. أنا أنا أنا! ما ليس [هو] ملتفت إن يكون مستورًا وأنه لا يريد الأنا.
yقول لك: يا أخي نحن لا نصدع. ويقول: نصدع — يعني نجلب صداعًا — نصدع بالحق.
علاج الطاعة صعب جدًّا عندما تولّد في القلب كِبرًا تصبح مصيبة. كن مثل الناس: يلبسون الساعة في يدهم اليسرى البسها في يدك اليسرى. يعني ليست سنة يا مولانا؟ لا، ليست سنة، ما هي بسنّة. لا، لبس النبي الخاتم في اليمين ولبسه في الشمال كما في «الخواتم» للبيهقي. نعم.
إذن كله آتٍ من أين؟ من الجهل.
استشراف اطلاع الخلق على خصوصيتك دليل على عدم صدق العبودية
يقول: استشرافك أن يعلم الخلق بخصوصيتك — يا ربّ يكتشفونني، يا ربّ وأنا أمشي هكذا يأخذون بالهم منّي — يا إخواننا أنا جئت ها هنا انتبهوا! أنا فاعل ماذا في روحي والناس لا تسأل.
انظر الناس الفسقة لا يسألون، هوّن عليك. استشرافك أن يعلم الخلق بخصوصيتك دليل على عدم صدقك في عبوديتك.
رأيت رؤية الرجل — يعني جاء بها من الداخل من قلبك من الداخل — إياك أن تجعل لك خصوصية هكذا أبدًا. ابقَ سائرًا مع الناس.
﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]
غيّب نظر الخلق إليك بنظر الحق إليك واشتغل بإقبال الله عليك
غيّب نظر الخلق إليك بنظر الحقّ إليك. لا تلتفت للناس، التفت لنظر ربّنا إليك، واجعله لا يراك في موضع سخطه ويراك في موضع طاعته.
وغاب عن إقبالهم عليك بشهود إقباله عليك. فالذي يشتغل قلبه بالله لا يرى أحدًا حوله أبدًا. ولو أنّ أناسًا أقبلوا فما هو، ومن أدبروا فما هو.
﴿قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ﴾ [النساء: 78]
ومن عرف الحقّ — الذي هو ربّنا، اسم من أسماء الله الحسنى — شهده في كل شيء. ومن فَنِيَ به غاب عن كل شيء. يجعل ربّنا يشغلك عن كل شيء، لا ترى شيئًا بعد ذلك.
من أحب الله لم يؤثر عليه شيء ولا يحب إلا من خلال حبه سبحانه
ومن أحبّه لم يؤثّر عليه شيء، لم يؤثّر عليه شيء، يعني لا يفضّل عليه شيئًا أبدًا.
إذا لذّة الإيمان دخلت قلبك وحبّ [الله] دخل قلبك فلا تعرف أن تحبّ أحدًا غيره. وكلما جئت لتحبّ أحدًا غيره فليس هو الذي يجب أن يكون [محبوبًا] من خلال حبّه هو، أي تحبّه لأجل الله.
وهو ما لم تكن تعرف أن تحبّه لا يؤثّر عليه شيئًا. يشمل الأشخاص ويشمل الأشياء، أي لا شيء تحبّه ولا شخص ولا شيء إنما من خلال الله.
احتجاب الحق عنك بشدة قربه وخفاؤه عن الأبصار لعظم نوره
إنما حجب الحقّ عنك شدّة قربه منك. يعني الله قريب يجيب دعوة الداعي إذا دعاه. إنما احتجب عنك لشدّة ظهوره، وخفي عن الأبصار لعظم نوره.
الأمر كلما أصبح جليًّا أصبح خفيًّا. روحك تعرفها لأنها فيك، ما أنت تراها؟ أقرب شيء إليك، كل ما قربت قربت قربت كدت ألا تراها بعد ذلك.
الأرض التي نحن فيها هذه، لو صعدت بصاروخ هكذا تجدها كرة هكذا، وأنت فيها لا تراها لأنك فيها.
ختام الدرس بالدعاء والصلاة على النبي وسؤال الله الجنة
فاللهم ارضَ عنه برضاك وانفعنا به في الدنيا والآخرة، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتّبعون أحسنه، ورقّق قلوبنا وألسنتنا لذكرك.
اللهم أقمنا في الصلاة على النبي المصطفى والحبيب المجتبى صلى الله عليه وآله وسلم. اللهم يا ربّنا اغفر وارحم.
اللهم يا ربّنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وأدخلنا الجنة مع الأبرار يا عفوّ يا غفّار. واجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا وجلاء همّنا وحزننا، واجعله حجّة لنا ولا تجعله حجّة علينا، علّمنا منه ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا، واجمعنا على الخير في الدنيا والآخرة.
