الحكم العطائية | من 166 - 180 | أ.د علي جمعة - الحكم العطائية, تصوف

الحكم العطائية | من 166 - 180 | أ.د علي جمعة

27 دقيقة
  • لا يكن طلبك من الله سبباً للعطاء، بل إظهاراً للعبودية وقياماً بحق الربوبية.
  • عنايته بك لا لشيء منك، فأنت لم تكن شيئاً حين واجهتك عنايته فأوجدك.
  • دعاؤك عبادة محضة، إن استجاب فلك ثوابها مع الاستجابة، وإن لم يستجب فلك ثوابها وتؤجل الاستجابة.
  • ما يقع في الكون مقدر قبل الخلق، فالدعاء ليس سبباً في تغيير المكتوب.
  • في الأزل لم يكن إخلاص أعمال، بل محض إفضال من الله وعظيم نوال.
  • يختص الله برحمته من يشاء، ورحمته قريبة من المحسنين.
  • المشيئة يستند إليها كل شيء ولا تستند هي إلى شيء.
  • ربما دلّ الأدب على ترك الطلب، فمن شغله الله بذكره عن مسألته أعطاه أفضل ما يعطي السائلين.
  • الفاقات والبلايا أعياد للمريدين لأنها تكفر الذنوب وترفع الدرجات.
  • تحقق بأوصافك من فقر وعجز وضعف يمدك الله بأوصافه من غنى وقدرة وقوة.
محتويات الفيديو(40 أقسام)

افتتاح الدرس بالبسملة والصلاة والسلام على النبي وآله وصحبه

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

اللهم صلِّ وسلِّم على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد، وعلى أصحاب سيدنا محمد، وعلى أنصار سيدنا محمد، وعلى أزواج سيدنا محمد، وعلى ذرية سيدنا محمد وعترة أهل بيته الكرام.

الدعاء بالبركة في الدنيا والاتباع في الآخرة وتحبيب الإيمان

اللهم يا ربنا أحيِنا ببركتهم في الدنيا، واجعله لنا أسوة حسنة، وأمِتنا على ملته، وابعثنا تحت لوائه يوم القيامة.

اللهم يا ربنا حبِّب إلينا الإيمان وزيِّنه في قلوبنا، وكرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين، وانصرنا على القوم الكافرين.

اللهم ثبِّتنا في القول والعمل، وجنِّبنا الزلل والخطأ والخطيئة. اللهم بلِّغنا بدينك، اللهم افتح علينا فتوح العارفين بك.

الدعاء بتثبيت القلوب وحسن الخاتمة وجعل الدنيا زيادة في الخير

اللهم ثبِّت قلوبنا على الإيمان، وأحسِن لنا معيشتنا، وأحسِن لنا خاتمتنا، واجعل أحسن أيامنا يوم لقائك.

واجعل الدنيا زيادة لنا في كل خير، والموت راحة لنا من كل شر، واجمعنا على الحق يا رب العالمين.

حكمة ابن عطاء الله: لا يكن طلبك سببًا إلى العطاء بل لإظهار العبودية

قال [ابن عطاء الله السكندري] رضي الله تعالى عنه ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين:

«لا يكن طلبك سببًا إلى العطاء منه فيقلّ فهمك عنه، وليكن طلبك لإظهار العبودية وقيامًا بحقوق الربوبية.»

يعني لا تكن عبدًا سيئًا تطلب من ربك وأنت غافل عنه، غافل عن صفاته؛ يا رب ارزقني، يا رب أنجحني، يا رب اهدني، يا رب أعطني.

قصة الشيخ محمد أمين البغدادي ورحلته إلى مصر واستقراره فيها

وكان الشيخ محمد أمين البغدادي من كبار أولياء الله الصالحين، مدفون في الظاهر بيبرس هنا خلف سيدنا الحسين. جاء من السليمانية ودخل هناك الخلوة مع سيدنا الشيخ عمر النقشبندي.

فلما مات [شيخه] رحل إلى الحجاز، ثم رحل إلى مصر فدخلها سنة ألف وتسعمائة وأربعة عشر، وجلس ستة وعشرين سنة، ومات سنة ألف وتسعمائة وأربعين.

شكوى الشيخ البغدادي من انشغال الناس بطلب الدنيا دون الآخرة

فبعد أن أقام له [في مصر] نحو خمس أو ست سنوات يريد أن يفهم المصريون، فقال لهم: يا أولاد، آمنوا بالله، لا إله إلا الله! ما أحد منكم قال لي أن أدعو له بشيء للآخرة.

كلهم [يقولون]: يا مولانا عليّ دَين، الحقني، ادعُ لي لأحسن القضية غدًا، ابني يريد أن ينجح في [الامتحان]، مريض في البيت ادعوا الله أن يُشفى ويقوم.

وحينئذ قال: ما هو [الدعاء الصحيح]؟

﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [البقرة: 201]

حقيقة الدعاء: أن تعرف أنك عبد لله وتطلب الدنيا والآخرة معًا

أي أن تبقى تعرف أنك عبد لله، يظهر عليك جلاله وجماله، فيكون دعاؤك من هذا الجانب، لا من أجل تحصيل الدنيا فحسب، بل تحصل الدنيا والآخرة.

فهو الذي بيده ملكوت السماوات، ليس فقط السماوات والأرض، وعنده ملك الآخرة، ليس [فقط] والآخرة والحياة هذه والحياة تلك، بيده الخير وهو على كل شيء قدير.

إدراك عظمة الربوبية والعبودية عند الدعاء وأن الله لا يُسأل عما يفعل

ولذلك إذا طلبت من ربك شيئًا فلتعلم أنه رب قدير عالٍ، وأنه سبحانه وتعالى فعّال لما يريد، وأنك عبد تجري عليك قدرته سبحانه، يجري عليك ما يريد.

﴿لَا يُسْـَٔلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـَٔلُونَ﴾ [الأنبياء: 23]

أتفهم هذا؟ أتفهم؟ كيف تدعو ربك حين لا تفهم هذا [المعنى]؟ وطوال النهار جالس تدعو أيضًا، وكلما قلت لك ماذا تفعل، تقول: الدعاء هو العبادة! اللهم أعطني خمسين ألف جنيه، وفي إثرها مائة ألف جنيه، وسدِّد ديوني بمليون!

خطورة الانشغال بالدنيا دون فهم مفاهيم الربوبية والعبودية

ما هذا؟ والدنيا فحسب! ولست منتبهًا لمفاهيم الربوبية ولا القيام بحق العبودية، ولا [تفهم] الحكاية كلها كيف تسير.

قُم، فإن لم تفهم عنه [عن الله سبحانه وتعالى] يصبح طلسمًا عليك، فتبقى عائشًا للدنيا وستموت للدنيا.

كيف يكون الطلب اللاحق سببًا في العطاء السابق والدعاء عبادة محضة

قال رضي الله تعالى عنه ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين:

كيف يكون طلبك اللاحق سببًا في عطائه السابق؟ الذي يفهم سيعرف أنه لا يكون في كونه إلا ما أراد. فهذا دعاؤك فعل شيئًا، قدّم آخر، فما دعاؤك هذا عبارة عن ماذا؟ عن عبادة محضة.

عبادة يعني تدعو فحسب؛ إن أراد [الله] أن يستجيب كان بها، فتُحسب لك ثواب هذه العبادة وكذلك نلت الاستجابة. وإن أراد ألّا يستجيب كان بها، فيُحسب لك ثواب العبادة، وتكون الاستجابة قد تأخرت إلى يوم القيامة أو تأجلت في الدنيا. ولذلك قلبك مطمئن على كل حال.

القدر المكتوب لا يتغير بالدعاء والدعاء عبادة لا سبب في نزول الاستجابة

هذا الذي يفهم، فيُفهمك: عندما يكون هذا مكتوبًا ومقدّرًا ومنتهيًا منه، وأنت تأتي تدعي الآن، ستغيّر؟ يعني ستغيّر في الكون؟ ستغيّر في الكتاب المحفوظ شيئًا؟ أبدًا! ولن تغيّر ولن تعمل شيئًا.

فاعلم إذن، اعلم أنك إنما تدعو لا من أجل أن يكون الدعاء سببًا في النزول، لا في نزول الاستجابة أبدًا. هذا الدعاء مقترن بالاستجابة إن أراد [الله]، وغير مقترن بها إن أراد جلّ وعلا.

حكم الأزل مكتوب قبل الخلق وتمثيل ذلك بالقصيدة المحفوظة

حكم الأزل أن يُنضاف إلى العلل لما هو قديم. وهذا الكلام كله والسيناريو والفيلم الذي نحن فيه مكتوب قبل الخلق، فكيف يكون كلامنا نحن سببًا؟

في هذا لأن القصة كاتبها أحد من قديم، والقصيدة نظمها امرؤ القيس، وأنت جئت فحفظت القصيدة، فكيف تكون أنت السبب فيها؟ أي كيف ستقول لي أنا حفظتها؟ نعم، ما دمت حافظها نعم، وتقولها نعم، وتُسمعها للناس نعم، لكنها موجودة قبلك، فأنت لست سببًا فيها. هذا غير معقول! كذلك هذه الدنيا فيها [الأمر نفسه].

عناية الله بالعبد لا لشيء منه بل لمحض الفضل الإلهي

اسكت، لأن روحك عنايته بك لا لشيء منك. ربنا هو رب العالمين فيعتني بك ويرعاك. ما هو الرب؟ معناه كذلك.

ولذلك السيدة تعتني في البيت بالولد والبيت وترعاه، قوم يسمونها ماذا؟ ربّة المنزل، من التربية والرعاية والعناية.

عنايته بك لا لشيء منك. أنت تظن أنك على الحجر وحدك في هذا الكون! وأين كنت حين واجهتك عنايته فأوجدك؟ أي وقابلتك رعايته!

العبد كان عدمًا في الأزل والله قدّر له الهداية بمحض الإفضال

لم يكن في أزله [سبحانه] إخلاص أعمال [منك]، هو كان أنت في الأزل وهو يقدّر عليك الهداية؛ كنت أنت لم تُخلص بعد، ولا نافقت، ولا اهتديت، ولا ضللت. أنت كنت عدمًا.

فكان الشيخ الأمين البغدادي يقول ماذا؟ عندما يقول شيخ يقول: أنا تراب ابن تراب. نعم، ما هذا الشيخ!

قصة وصول الشيخ البغدادي إلى مصر وركوبه الحمار وسوء الفهم اللغوي

وعندما نزل [الشيخ البغدادي] في محطة مصر هنا، ونزل بالليل الساعة التاسعة عشرة بالليل، ومعه حقيبة فيها ملابسه. وكان قديمًا لا توجد سيارات أجرة، لم يكونوا قد اخترعوا التاكسي بعد.

فهو أخذ حمارًا واحدًا معه، حمار يحمل الناس وأمتعتهم. وضع [حقيبته]، ركب الرجل على الحمار ومشى خلفه. قال له: أريد أن أذهب إلى المكان الفلاني.

فالحمار يتمايل هكذا وهو يمشي، فقام الرجل يقول له ماذا؟ «امشِ يا شيخ!» فقال له [الشيخ البغدادي]: لا إله إلا الله! هكذا الشيخ عندكم؟!

فهم الشيخ البغدادي للهجة المصرية وإلهام الحمّار لتسلية قلبه

هو يظن أن كلمة «الشيخ» هذه تعني عندنا [المصريين] شيئًا آخر. لا إله إلا الله! هكذا الشيخ عندكم! وأراد أن يمشي ويذهب إلى الحجاز أو يذهب إلى العراق أو يذهب إلى مكان آخر يكون خاليًا من المشاكل. «امشِ يا شيخ!»

فالرجل [الحمّار] ألهمه الله كي يُسلّي قلب الشيخ، وقال له: لا تأخذني يا مولانا! أي لا تؤاخذني يا مولانا. فعرف [الشيخ] أن لهجتهم هكذا؛ «يا شيخ» يبقى ممكنًا هكذا، و «مولانا» يكون هكذا.

عناية الله بالعبد سابقة لوجوده وكان العبد عدمًا في الأزل

عنايته بك لا لشيء منك. أنت تظن أنك قطعت السمكة وذيلها وأنك السبب! ولست شيئًا. وأين كنت حين واجهتك عنايته وقابلتك رعايته؟ كنت عدمًا.

لم يكن في الأزل إخلاص أعمال. أنت كنت أخلصت الأعمال في يوم الخلق الأول في الأزل أم لا؟ [لا]، ولا وجود أحوال. بل لم يكن هناك إلا محض الإفضال. نعم، متفضّل هو سبحانه وتعالى.

الله وحده يستحق السجود لأنه المتفضل على العباد دون مقابل

ما وصله رب العالمين يستحق السجود. يعني هذه المعاني كلها لو أنك فكّرت فيها وأنت واقف لسقطت هكذا ساجدًا، لا جدال في ذلك. يستحق السجود ولا يستحق السجود إلا هو.

من الذي فعل ذلك بك؟ من كل هذا؟ أبوك؟ أبدًا! جارك؟ الطبيب الذي أنقذك بعملية أو شيء؟ كل هذا فعل أشياء كذلك هو، والذي أخذ أجرًا، والذي أخذ رعاية وعناية، والذي أخذ أنك أنت أنفقت عليه [كـ]ابنك، أو ترعى أباك وتبرّه.

الله لم يناله من العباد شيء بل هو محض الإفضال وعظيم النوال

لكن أنت ماذا فعلت لربنا؟ ماذا بلغه منك؟ ولا شيء! نحن الذين يبلغ لنا، وهو لم يناله منا شيء.

بل لم يكن هناك إلا محض الإفضال وعظيم النوال. يبقى هو سبحانه وتعالى واسع لا شريك له.

تشوق العباد لظهور سر العناية وتفضيل الله بعض الرسل على بعض

علم [الله سبحانه وتعالى] أن العباد يتشوقون إلى ظهور سر العناية. هو لماذا فضّل بعض الرسل على بعض؟ ولماذا جعل أبا بكر صدّيقًا ولم يجعلني أنا صدّيقًا؟

قوم يسأل الواحد كذلك نفسه: أرى هذه الحكاية لكي أفعلها، ظانًّا أنه سيفعل شيئًا، أي سيذهب ليدرس وينال الشهادة هذه. منافسة إذن! فانتظر حتى أفعلها لكي أصبح الصدّيق!

فقال [الله تعالى]:

﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ﴾ [البقرة: 105]

أي لا حول ولا قوة إلا بالله. أي هكذا يا رب، جعلت أبا بكر الصدّيق ولم تجعلني كذلك.

وجوب الاشتغال بالعيوب وعدم الاتكال على الأزل وترك العمل

اجتمع واصمت واشتغل بعيوبك، واعلم أنه لو تركهم وذلك لتركوا العمل اعتمادًا على الكسل. فلو عرفت أن أنت صدّيق ستظل نائمًا في الطريق.

انظر إلى كلام الفلاحين، جميل! نعم، يقول ماذا؟ يقول: سيظل نائمًا. نعم، فالزراعة تفسد في الصباح وهو نائم. ويقولون: زراعة فلان يا أولاد فسدت لأنه نائم، شاهد الفيديو بالليل وأصبح النهار عليه، أضاع الزرع. سيظل راقدًا اعتمادًا على الأزل!

رحمة الله قريبة من المحسنين ووجوب الالتفات إلى الربوبية والعبودية

فقال [الله تعالى]:

﴿إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: 56]

لم يقل «قريبة». رحمة الله شأنها قريب من المحسنين، الشأن الخاص بها كله هكذا هو قريب من المحسنين.

إذن فلا ينبغي عليك أن تلتفت [إلى غير ذلك]، تلتفت إلى ربوبيته وإلى عبوديتك. سيدنا أبو بكر كان يقول: لو أن يميني في الجنة ويساري في النار ما أمنت مكر الله، وهو الصدّيق الأعظم في الأمة.

إلى المشيئة يستند كل شيء والله هو القيوم الواحد الأحد

قال [ابن عطاء الله]: إلى المشيئة يستند كل شيء ولا تستند هي إلى شيء. كلنا محتاجون إلى الله.

﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَاىْءٍ إِنِّى فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا﴾ [الكهف: 23]

وهو [سبحانه] محتاج إلى من؟ بعد! ولا أحد. ولا هو [محتاج]، قيّوم السماوات والأرض، لا شريك له، واحد أحد فرد صمد.

ترك الطلب تأدبًا مع الله والاشتغال بالذكر عن المسألة

ربما دلّهم الأدب على ترك الطلب في ساعات. كذلك يحصل لك حال وتقول: ما هو إذ أن ربنا فعّال لما يريد، أنا لست سأدعو، تأدّبًا مع الله وأنا راضٍ بقضائه.

فيا [ربّ]، اعتمادًا على قسمته، واشتغاله بذكره عن مسألتي. طيب، منّا لما أقعد عشر دقائق أقول له: يا رب اعمل لي وسوِّ لي. لا! أنا سأذكره: سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله في العشر دقائق هذه.

ومن انشغاله، من شغله بذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين.

إخلاص التوكل على الله والاعتماد على كرمه سبحانه وتعالى

أصل هو عمل ماذا؟ أخلص التوكل، رماها على الله وقال له: يا رب أنت اعمل بي ما تراه حسنًا. وربنا كريم أم لا؟ كريم!

إنما يُذكَّر من يجوز عليه النسيان. يا رب اعمل لي واعمل لي! أنت تُذكّره؟ يعني تُذكّر رئيسك، تُذكّر أباك، تُذكّر ابنك، تُذكّر جارك، تُذكّر الرجل الذي وعدك أن يُقرضك دينًا، وبعد أسبوعين أو ثلاثة هكذا تقول له: أتذكر أم نسيتنا؟

الله لا يغيب عنه شيء ولا ينسى فلا حاجة لتذكيره سبحانه

تفكر هكذا! لكن ربنا يُذكَّره؟!

﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: 64]

وإنما يُنبَّه من يمكن منه الإهمال. فالله لا يغيب عنه شيء، يعني لا يغيب عنه شيء. فلماذا تفعل هكذا؟ لماذا؟ اخجل!

ورود الفاقات والبلايا أعياد المريدين لأنها تكفر الذنوب وترفع الدرجات

ورود الفاقات أعياد المريدين. البلايا والمحن عندما تنزل على المريد [الذي] يريد وجه الله، فيصبح فرحًا؛ لأنها تكفّر الذنوب، وتستر العيوب، وترفع الدرجات، وتُعلي شأن هذا الإنسان عند الله.

ولذلك يصبح فرحًا في سرّه هكذا، لا يرضى أن يفرح أمام الناس لئلا يقولوا عنه مجنون، نعم. ولكن أحيانًا تفلت منه [هذه الفرحة].

قصة الشبلي وضحكه عند موت ابنه فرحًا بدخوله دائرة البلاء

الشبلي مات ابنه، فجاء قوم وقالوا له: لقد مات ابنك. فماذا؟ هناك شيء نريد أن نقوله لك، ولكن اثبت فؤادك. قالوا له ماذا؟ ولكن ماذا فعل؟ قالوا له: مات.

فأصابته نوبة ضحك! ها! من أين جاء هذا؟ رغمًا عنه لم يستطع أن يكتمها؛ أن الله سبحانه وتعالى وضعه في دائرة البلاء، أي وضعه في دائرة رفع الدرجات، إذن أعطاه الشهادة [على صبره].

ما يجده المريد في الصبر على البلاء قد يفوق ما يجده في الصلاة والصيام

وانتبه واحذر! ربما وجدت من المزيد في الفاقات ما لا تجده في الصوم والصلاة. عندما تصبر على البلايا تجد من الحلاوة في قلبك ما قد لا تجده في الصلاة والصيام، التي هي محض عبادة والتي هي ركن من أركان الدين والإسلام.

الفاقات بساط المواهب والمواهب تستقر في المكان المستحق لها

الفاقات بسط المواهب. الفاقات عبارة عن بساط المواهب. فالمواهب عندما تنزل تجد مكانًا محترمًا تستقر فيه.

ولكن إذا نزلت المواهب وأنت لست مستحقًّا لها، فتكون مثل الذي سرق ثيابًا ولبسها وهي ليست له، فهي واسعة عليه ومتدلية، نعم. وإلا ماذا؟ فالثوب ليس له. فالمواهب نازلة نعم، ولكنها ليست له.

المواهب تنزل على المقاس عندما يكون المحل مهيأً بالفقر والفاقة

ولكن عندما تنزل [المواهب] على المقاس مفصّلة، وتجد كذلك سجادًا جيدًا - ما هو في نوعين: حصير مصير وسجاد جيد - فلما تنزل وتجد السجاد الجيد، يعني شيئًا نظيفًا جميلًا جيدًا مخدومًا، تبقى في وضعها.

ولكن لما تنزل على حصير مصير، وانتبه! نعم، تبقى قهوة سادة. إنما إذا كنت تريد سكرًا زائدًا، إن أردت ورود المواهب عليك أن تصحّح الفقر والفاقة لديك.

الصدقات للفقراء ولا ترفع رأسك مع ربك لأنك محتاج إليه

﴿إِنَّمَا ٱلصَّدَقَـٰتُ لِلْفُقَرَآءِ﴾ [التوبة: 60]

نعم، يبقى ربنا عندما يتصدّق عليك، يتصدّق عليك وأنت مرفوع الرأس أم وأنت فقير أو مسكين؟ لأن الصدقات للفقراء وليس للذين يرفعون رؤوسهم.

لا ترفع رأسك مع ربنا؛ لأنك محتاج إليه، وهو ليس في حاجة إليك ولا لأحد من العالمين.

تحقق بأوصافك يمدك الله بأوصافه المقابلة لها من عزة وقدرة وقوة

تحقّق بأوصافه [سبحانه]: لما تعرف أن أنت فانٍ تعرف أنه باقٍ، لما تعرف أنك لك بداية تعرف أنه أوّل، لما تعرف أنك لك نهاية تعرف أن هو آخر وأنه باقٍ، لما تعرف أن أنت محتاج إليه تعرف أنه هو قيّوم السماوات والأرض.

من عرف نفسه فقد عرف ربه. تحقّق بأوصافك يمدّك بأوصافه التي هي المقابلة، التي هي عكس أوصافك تمامًا. تحقّق بذلّك يمدّك بعزّة، تحقّق بعجزك يمدّك بقدرته، تحقّق بضعفك يمدّك بحوله وقوته.

ملخص الحكم: لا حول ولا قوة إلا بالله والتسليم لمشيئته في كل أمر

هذا هو الأساس لكل شيء، هذا هو ملخص الحكم فيما مضى وفيما سيأتي. يعني لو اكتفى بالحكمة هذه كفاية: أنه لا حول ولا قوة إلا بالله.

إياك أن تقول غدًا سأفعل كذا وسأفعل كذا وأنا ذاهب وآيب. لا! بل قل: ربنا يلطف، ربنا يسلّم. أنا سأفعل كذا فربنا يبارك فيها. فإذا لم يفعل فماذا نفعل؟ أنا ماذا أفعل؟ أنا ماذا؟ الأمر لله من قبل ومن بعد.

ربما رُزق الكرامة من لم تكتمل له الاستقامة فضلًا من الله لجذبه إليه

ربما رُزق الكرامة من لم تكتمل له الاستقامة. من فضل الله يعطيك شيئًا لكي يجذبك إليه ولا ييئسك. فأنت ما زلت تفعل الذنوب، تمام، ولكن مع هذه الذنوب يعطيك أشياء.

احذر أن تظن أنك كمُلت! هذا هو يعطيها لك لكي لا تيأس، ولكي تتشجّع، ولكي تتقوّى في ترك المعاصي والانخلاع من السخط ومن كل مما يُغضب الله.

التحذير من الاغترار بالكرامات والظن بأن الله راضٍ عن العبد المذنب

فكثير من الناس يختلط عليهم هذان الأمران؛ يجد الكرامة وربنا بدأ يستجيب دعاءه ويسّرها معه، ماشية جميلة هكذا. يبدأ فقلبه يقول: نعم، ما هو راضٍ عني!

لا! هذا يدلّلك مثل الطفل الصغير، لا يزال عامل المصيبة فنعطيه شيئًا هكذا حتى لا يُصاب بعقدة. يقول لك: حتى الولد ماذا؟ حتى لا يُصاب بعقدة. فهو يفعل هكذا حتى إن أنت ماهر، نعم.

علامة إقامة الحق لك في الشيء: حصول النتائج والتوفيق الإلهي

قال رضي الله تعالى عنه ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين:

من علامة إقامة الحق لك في الشيء إقامته إياك فيه مع حصول النتائج. أقامك طبيبًا فقوم يجري الخير على يديك في الطب، أقامك مهندسًا فقوم يعمل كذلك أيضًا، أقامك مفتيًا فقوم يجعلك سديدًا في فتواك.

إذا لم تكن هناك نتائج فانتهى الأمر، فاعلم أن القضية فتنة. كلما جئت لتعالج أحدهم يموت وأنت طبيب، أو يُصاب بالشلل أو غير ذلك. وبعد ذلك لست موفّقًا ولست راضيًا، لا يوجد توفيق.

التوفيق الإلهي لا يرتبط بالشهادات بل بتقوى الله والتضرع إليه

وتجده أستاذًا كبيرًا حاصلًا على أعلى الدرجات، والرجل الذي اكتفى ببكالوريوس الطب فتح عيادة في مكان شعبي، لا يذهب إليه أحد إلا ويخرج وقد شُفي بإذن الله. ما هذه الحكاية أم لا شيء؟

إن وفّق الله أحدًا فذلك رضا منه. فماذا يفعل أخونا الآخر؟ يتقي الله. نحن لم نقل له أن ينسى العلم، ولكن هذا العلم لن يأتي بنتيجة إلا مع شيء من تقوى الله، من التضرع إلى التواضع لله، من أن يكون الإنسان قوّامًا.

سبحان الله! يتحول علمه - هو نفس العلم - إلى بركة. فالعلم من غير بركة هو حركة نشاط فقط هكذا، حركة. والحركة التي لا توجد فيها بركة تبقى وَحْلة، نعم. آه!

الدعاء الختامي بشرح الصدور وتوحيد المسلمين ونصرتهم على أعدائهم

فاللهم يا ربنا اشرح صدورنا للإيمان، ووحّد كلمة المسلمين، وردّ علينا أرضنا، واحمِ عرضنا، ثأرنا على من ظلمنا، وارفع أيدي الأمم عنّا.

اللهم يا ربنا ردّ علينا القدس ردًّا جميلًا، وزلزل الأرض تحت أقدام أعدائنا. نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم. اللهم قد ظلمونا فخذهم أخذ عزيز مقتدر.

الدعاء بأسماء الله الحسنى أن يجعل القرآن ربيع القلوب وينصر الحق

اللهم يا أرحم الراحمين، أنت أعلم بهم منّا، وهذا كونك تتصرف فيه كيف تشاء، فاستجب يا أرحم الراحمين ببركة أسمائك الحسنى وصفاتك العليا.

نسألك بكل اسم هو لك أنزلته في كتابك، أو علّمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا وجلاء همّنا وحزننا، وتجعله حجة لنا ولا تجعله حجة علينا.

علِّمنا منه ما ينفعنا وانفعنا بما علّمنا، وانصرنا بالحق وانصر الحق بنا، وثبّت قلوبنا ووحّد صفوفنا، وارضَ عنّا برضاك وارحمنا برحمتك، وأقِمنا حيث ما ترضى يا أرحم الراحمين.