الحكم العطائية | من 181 - 190 | أ.د علي جمعة - الحكم العطائية, تصوف

الحكم العطائية | من 181 - 190 | أ.د علي جمعة

33 دقيقة
  • يميز النص بين أهل التكليف وأهل التعريف، فأهل التكليف يلتزمون بالتكاليف الشرعية، ولكن إذا وقعوا في ذنب منعهم حياؤهم من الموعظة.
  • أهل التعريف أعلى منزلة لأنهم يعرفون أن الإحسان من الله والإساءة بقدره، فلا تمنعهم الذنوب من الاستمرار في الأمر بالمعروف.
  • تسبق أنوار الحكماء أقوالهم، فكلامهم يصل إلى القلوب قبل أن يصل إلى الآذان.
  • كل كلام يحمل كسوة القلب الذي خرج منه، فالكلام الصادر من قلب منير يخرج منيراً ويؤثر في القلوب.
  • العبارات إما لفيضان وجد أو لقصد هداية مريد، والأول حال السالكين والثاني حال المحققين.
  • لا ينبغي للسالك أن يعبر عن واردات قلبه إلا لشيخه، لأن ذلك يقلل من عملها في قلبه.
  • الطريق كله تعلم الأدب مع الله، وكيف تكون مؤدباً في الطلب والشكر والعبادة.
محتويات الفيديو(37 أقسام)

الفرق بين أهل التكليف وأهل التعريف في العبادة والموعظة

قال المصنف رحمه الله تعالى، ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين:

من عَبَدَ من بساط إحسانه أصمتته الإساءة، ومن عَبَدَ من بساط إحسان الله إليه لم يصمت إذا أساء.

يعني هناك أهل التكليف وأهل التعريف. أهل التكليف يلتزمون بالتكليف الذي كلّفنا الله به، فهم على خير، إنما أعلى منهم أهل التعريف.

إنّ أهل التكليف يعظون الناس، ثم إذا وقعوا في الذنوب استحيوا من الله، فقطعهم الحياء عن الموعظة. إذا وقعوا في الذنوب يقول له [الشيطان أو نفسه]: أنت تأمر الناس وتنسى نفسك، أليس عيبًا؟ ستخرج تقول للناس ماذا؟ ويحصل له حياء من الله أنه يتكلم مع الناس ولكنه لا يفعل؛ لأنه واقع في الذنب، فيستحي فيمنعه الحياء من الموعظة.

من يعظ من بساط إحسانه ينقطع عن الموعظة إذا أذنب

يبقى هذا [الواعظ من أهل التكليف] لمّا كان يتكلم، كان يتكلم من بساط إحسانه. لمّا كان صالحًا مع ربه فيقول للناس كونوا صالحين مثله، وهو مطمئن القلب ومسرور ومحسن، ويدعو الناس إلى الإحسان.

فإذا خرج عن حدّ الإحسان ووقع في الذنب، فإنه حينئذ يُرتَج عليه. وعندما يُرتَج عليه، يعني أن يضطرب، فيأتي منقطعًا عن الموعظة. فيكون ذلك دليلًا لنا على أن ما كان يقوله إنما كان بسبب إحسانه. من أين تأتي قماشته [أي مادة كلامه]؟ من إحسانه.

أهل التعريف لا ينقطعون عن الموعظة لأنهم يرون قدر الله في كل شيء

ولكنه [أي العارف من أهل التعريف] إذا كان ينظر إلى أن الله يجري الأمور في مقاديرها على البشر وعلى الكون، فإنه يعظ الناس؛ لأن الله يريد منهم الإحسان. فإذا كان هو على الإحسان فذلك من فضل الله، فإن أساء وأذنب لا يقطعه ذلك عن الاستمرار في الأمر بالمعروف وفي موعظة الناس؛ لأنه إنما هو مكلّف.

إذ هو ينظر إلى معنى آخر، إلى معنى أنه تحت سلطان الله وقهره. هو يسيء لكنه لا يقطع الموعظة؛ فالموعظة شيء قد كلّفه الله بالتبليغ بها، وإساءته أمر قد قدّره الله عليه، وهذه غير هذه.

خلاصة الفرق بين أهل التكليف وأهل التعريف في مواجهة الذنب

من عَبَدَ من بساط إحسانه أصمتته الإساءة؛ لأنه من أهل التكليف. ومن عَبَدَ من بساط إحسان الله إليه — عارفٌ أن الإحسان من الله، وعارفٌ أن الإساءة التي فعلها بقدر الله — لم يصمت إذا أساء؛ لأنه من أهل التعريف.

وكلاهما على خير، إلا أن أهل التعريف أعلى من أهل التكليف.

أنوار الحكماء تسبق أقوالهم فتصل إلى القلوب قبل الآذان

تسبق أنوار الحكماء أقوالهم. الحكيم الذي هو العارف بالله،

﴿وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: 269]

فلمّا يتكلم يكون كلامه عليه نور، فيصل إلى القلوب قبل الآذان. يعني إنسان وهو يتكلم ألقى الله عليه القبول، فماذا ستفعل له؟ فيتكلم بمحض [النور].

عندما يتحدث هكذا تجد قلبك يتحرك وأنت لا تعرف ما يقول أصلًا. تشعر هكذا أن الله [جعل] هذا الرجل رجلًا طيبًا، فلماذا لا تتأمل فيما يقوله؟ قال [السامع]: أتأمل، لماذا؟ فإن كلامه جميل. كيف؟ مثل الشيخ الشعراوي هكذا.

تأثير النور في كلام الحكماء على قلوب المستمعين وإن لم يفهموا

كان الناس عندما يجلسون أمامه [الشيخ الشعراوي] يستمعون إليه وهم لا يعرفون ما يقول ولا يتدبرون وهكذا، لكنه كلامه جميل. فماذا قال؟ يقول لك [المستمع]: أنا لا أعرف، أنا سمعت كلامًا جميلًا. فهذا من أين؟ من النور.

فالرجل [المصنف] يقول: تسبق أنوار الحكماء أقوالهم، أي إلى الوصول إلى القلوب. فأنوار الحكماء تصل إلى القلب قبل أن يصل القول إلى الأذن. فعندما يصل القول إلى الأذن وقد سبقه النور إلى القلب، فإن القول يلقى قلبًا منيرًا، فيفهم عن الله ويتأثر ويتّعظ.

خيركم من إذا رُئي ذُكر الله وأثر النور في تحريك القلوب

تصوروا يا إخواننا، حتى من غير أن يفهم كثيرًا، يعني لكن يحسّ أن قلبه هكذا تحرّك لله.

قال النبي ﷺ: «خيركم من إذا رُئي ذُكر الله»

إلا الله! أول ما تشاهدونه هكذا تقولون: لا إله إلا الله. هذا نور آتٍ من هناك، هكذا شيء جميل.

فحيث صار التنوير وصل التعبير. عندما يصل النور إلى القلب تصبح العبارة ستصل أيضًا بعدها، تجد القلب منيرًا ليس ظلمة.

الكلام يخرج بكسوة القلب الذي صدر منه فإن كان منيرًا خرج منيرًا

يعني يقول [أحدهم]: ماذا يعني؟ نحن لا نفهم! يعني والله ما أنا فاهم شيئًا، كلما أسمع الشيخ هذا لا أفهم شيئًا قط. فيبقى هنا لا يوجد نور، الكهرباء لم تصل، لم يحدث اتصال.

كل كلام يبرز وعليه كسوة القلب الذي منه برز. الله يعينك إذن.

لماذا هو كذلك؟ لأن الكلام وهو يخرج، انظر هو خارج من أي قلب. فإذا كان قد خرج من قلب منير خرج منيرًا، غلافته تكون منوّرة. أعطاك الكلام وغلّفه لك في ورقة لحم أو في ورقة سلوفان، حسب القلب. حسب القلب، إما ورقة لحم وإما ورقة سلوفان، وكله خير.

قصة سيدنا عبد القادر الجيلاني وابنه عبد الوهاب في تأثير القلب على الموعظة

لكن المهم الورقة [أي غلاف القلب]. كل كلام يبرز عليه كسوة القلب الذي منه برز.

كان سيدنا عبد القادر الجيلاني إذا تكلم أبكى الناس. فكان ابنه عبد الوهاب يجلس للوعظ، وكان عالمًا كبيرًا. من العصر إلى المغرب موعد درسه، والناس مسرورة وتستمع بإنصات وتقول: نعم والله، نعم والله، نعم والله، وانتهى الأمر.

فإذا جاء الشيخ [عبد القادر] وجلس بكى الناس. فقال [ابنه]: لماذا؟ ونحن لم نتكلم بعد فتبكون على ماذا؟ ما أنا جالس أتحدث إليكم، لا فائدة. هذا شيء آخر، أرباب القلوب.

كلمة صائم من قلب سليم تحرك القلوب وتبكي الناس

فبكى الناس. قال [الشيخ عبد القادر]: إنني كنت أمس صائمًا، فضجّ الناس بالبكاء. فهل قال شيئًا؟ إنه يقول: أمس كنت صائمًا.

ولكن كلمة «صائم» هذه تصدر وهو صائم، تصدر هكذا وهو صائم، تصدر منه أنه عابد لله، أنه امتنع عن شهواته أمس. والله كلمة «والله» هذه وهي صاعدة منيرة، والله شعروا بالله وهو يقول لهم: كنت أمس صائمًا.

يا الله! شعروا فيها بأشياء عجيبة جميلة، واردات ترد القلب من الكلام لا تحسن أن تعبّر عنها، لا تعرف تقول ماذا.

بكاء الناس من كلام عبد القادر الجيلاني لأنه خرج من قلب سليم

طيب ماذا؟ ما هو الرجل جالس يعظ، فقال: الله، وقال السلف الصالح والخلف الطالح، لستم راضين أن تتحركوا أبدًا! والرجل يقول: أنا أمس كنت صائمًا، تفعلون هذه الضجة كلها!

لأنها خرجت من قلب سليم.

«وأعددتُ طعامي» فانفجر الناس بالبكاء. والله وأنت محتاج للطعام! نعم؛ لأنه إنسان وأمه صدّيقة،

﴿كَانَا يَأْكُلَانِ ٱلطَّعَامَ﴾ [المائدة: 75]

لا يصح أن يمتنع عن الطعام، لا هو ولا أمه عليها السلام. وهذا روح الله [عيسى عليه السلام]، هذا لا ذنب له، هذا لم يرتكب ذنبًا قط، سيدنا عيسى.

صفحة سيدنا عيسى البيضاء يوم القيامة واصطفاء النبي المصطفى

كل واحد يوم القيامة يقول: نفسي، وهكذا إلى آخره. ويأتون حتى سيدنا عيسى لا يذكر لنفسه ذنبًا، ها صحيفته بيضاء. إبراهيم يقول: كذبت ثلاث كذبات. آدم يقول: أكلت من الشجرة. سيدنا موسى يقول: قتلت واحدًا.

حسنًا، ولكن أنت [يا عيسى] ماذا فعلت؟ لا شيء. إنما تأدبًا مع سيد الخلق النور المصطفى صلى الله عليه وسلم يقول: اذهبوا إلى محمد، ليست قضيتي هذه.

فهذه حكاية وليست مجرد حكاية، بل ليست حكاية. صفحة بيضاء وصفحة خضراء، هذه حكاية اجتباء واصطفاء. فالله سبحانه وتعالى اصطفى النبي المصطفى عليه وسلم من عنده تعالى لشأنه ولمكانته، اختيار اجتباء.

﴿لَا يُسْـَٔلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـَٔلُونَ﴾ [الأنبياء: 23]

كل كلام عادي من أرباب القلوب يذكّر بالله ويحرك القلوب

وجالس [الشيخ عبد القادر] هكذا والقطة أكلت السمكة، فبكوا؛ لأنه جائع وصائم والقطة أكلت السمكة. كل هذا ذكّرهم بالله؛ لأن حلاوة القلوب قد داعبت قلوبهم، وأصبح الكلام العادي له معنى عندهم.

من أُذن له في التعبير فُهمت في مسامع الخلق عبارته. في إذنٍ من الله كذلك في قبول يلقيه الله على الناس. فلمّا يلقي الله على الناس القبول ويتكلم [العارف]، يتكلم هو نفس الكلام، هو ذلك الذي يتكلم كما يتكلم هو، نفس المعنى وربما نفس الكلام.

القضية ليست في العبارة بل في القبول والتوفيق من الله

والناس يدخل في قلوبهم هذا الكلام، وقد لا يدخل في قلوبهم كلام الآخر. إذا كان الأمر كذلك فإن القضية ليست في العبارة ولا في الإشارة، بل القضية وراء ذلك في القبول، في التيسير، فيما ألقاه الله من خيمة الستر والتبليغ على عباده.

وجلّت إليهم إشارته، تكون واضحة يفهمونها.

الحقائق قد تبرز مكسوفة الأنوار إذا لم يؤذن بإظهارها

ربما برزت الحقائق مكسوفة الأنوار. أحيانًا الشمس تنكسف، أي ضوءها يصبح خافتًا. مكسوفة أي فالحقائق يمكن أن تظهر ولكنها خافتة هكذا وليست واضحة جدًا، إذا لم يُؤذن لك فيها بالإظهار.

أنت قلت حقيقة مهمة جدًا، والذي أمامك ينظر إليك هكذا، ثم ماذا؟ يعني لا، ولا شيء. أنا آسف، أنا مخطئ، الذي قلته لك. لماذا؟ لأن الله لم يأذن بعد؛ لأن كل شيء بإذن الله.

إن الأمر ليس بالبلاغة والفصاحة والشجاعة وإظهار العلم والتعلم والجهد الذي نبذله، لا، بل إن الأمر كله وراءه توفيق.

عبارات العارفين إما لفيضان وجد أو لقصد هداية مريد

فعندما ندعو، فمن ندعو؟ من بيده ملكوت السماوات والأرض. ومن من نطلب؟ لا من أنفسنا ولا من غيرنا، بل منه سبحانه.

عباراتهم إما لفيضان وجد أو لقصد هداية مريد، فالأول حال السالكين والثاني حال أرباب المكنة والمحققين.

ففي نوعين: قلنا السالكون إلى الله الذين يعملون صلاة وصومًا وكذا إلى آخره، وهناك أناس فاهمون القضية كلها وقلبهم مستقر بالإيمان.

سر الشيخ يقصد به تعليم الأدب مع الله وهو مقصد الطريق كله

فالمشايخ وهي تتكلم تقصد هداية المريدين. فيبقى أحيانًا يقول لك: سرّ الشيخ لا يقصد به أن يتعالى عليك، ولا، لا يريد أن يعلّمك حقيقة تساعدك على الأدب مع الله؛ لأنه مقصد الطريق كله أن تتعلم الأدب مع الله.

كيف تكون مؤدبًا؟ كيف تطلب الطلب الجميل، وتشكر الشكر الجميل، وتعبد العبادة الجميلة. الأدب مع الله كل معاني الطريق فيها: كيف تكون مؤدبًا مع الله.

الفرق بين السالك والعارف وأن كليهما على خير لكنها درجات

وبعض الناس يتكلم في الحقائق من أن تكون عارفًا بالله. يعني أن هناك سالكًا وعارفًا، كلاهما على خير، وكل واحد منهما لا بد له من الآخر، ولكنها درجات، هي درجات عند الله.

العبارات والألفاظ التي تخرج من أفواهنا هذه قوت لعائلة المستمعين، تمامًا كما لو أقدّم لك طعامًا تأكله، قوت وغذاء. وليس لك إلا ما أنت له آكل. في طبق بعيد لا تعرف كيف تحصل عليه، ستأكل مما أمامك. ستقوم فتثير ضجيجًا أمام الناس، هو أمامك تراه لكن لن تأخذه.

الكلام الواحد يفهمه كل سامع بحسب قلبه وتوفيق الله له

كذلك الرجل [العارف] يتكلم كلامًا، فهذا يفهمه فهمًا، وذاك يفهمه فهمًا آخر، وذلك يفهمه فهمًا. الشيخ لم يقصده لكنه يحرّك قلبه. انظر التوفيق!

وذلك يفهمه عكس ما يريده الشيخ ويحرّك قلبه أيضًا، وهو كلام واحد يفهم منه كل واحد شيئًا. واحد يفهم منه شيئًا سيئًا، وآخر يفهم منه شيئًا جميلًا. واحد يفهم منه شيئًا حسيًا، وآخر يفهم منه شيئًا معنويًا.

قصة الشاعر الذي قال إذا العشرون من شعبان ولت وفهم أهل القلوب لها

وكان واحد شاعرًا، وكان هؤلاء الشعراء يكتبون كلامًا كهذا، أي مثل أهل الصحافة في أيامنا هذه:

«إذا العشرون من شعبان ولّت»، أي مضت عشرون يومًا من شعبان، «فواصل شرب ليلك بالنهار». الحق الآن، املأ معدتك واشرب؛ لأن هذا سيأتي أول رمضان ستُمنع فيه من ماذا؟ من الشرب والأكل. فالحق لك، الحق به واشرب هكذا، طالما ترى الماء اشربه؛ لأنك ستُحرم منه.

وانتبه ماذا يقول: «إذا العشرون من شعبان ولّت، فواصل شرب ليلك بالنهار، ولا تشرب بأقداح صغار». لا تشرب في كأس صغيرة؛ فإن الوقت ضاق عن الصغار. اشرب بالدلو! الحق قبل أن يأتي رمضان.

فهم أرباب القلوب للشعر على أنه دعوة للعمل الصالح قبل فوات الأوان

تفهم من هذا الكلام ماذا؟ واحد يقول لك: املأ بطنك لأن رمضان اقترب من المجيء. فواحد من أهل [الله]، من أرباب القلوب الذين لهم قلوب رقيقة هكذا، سمع هذا فصرخ وجاور مكة حتى مات.

الله! يكون فهم ماذا؟ فهم شيئًا آخر تمامًا. يقول له: كفى ما مضى من عمرك هذا. الذي مضى من عمرك عشرون [من] شعبان، يكون عشرون، يكون الذي تبقى كم؟ عشرة. يكون الذي تبقى لك في عمرك أكثر أم الذي مضى؟ قد مضى أكثر والذي باقٍ قليل.

استحِ الآن واجمع أوراقك والحق روحك!

معنى الشرب الحقيقي هو الشرب من قدس الله والإسراع في العمل الصالح

اشرب ولا تشرب، من أين؟ من قدس الله. والله ولا تشرب منه بأقداح صغيرة، ليس هناك وقت للأقداح الصغيرة. وإلا سيأتيك الموت وسيجعلك لا تعرف كيف تشرب، لا تعرف كيف تعمل، لا تعرف كيف تفعل.

بالموت الذي هو كرمضان، أي ما هو رمضان يمنعك من الشرب، والموت يمنعك من العبادة والعمل.

قال النبي ﷺ: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث»

فإذا كان الأمر كذلك فأسرع! لم يبقَ لك في العمر قدر الذي مضى. إذا كانت العشرون من شعبان قد ولّت، فإن الذي ولّى الكثير أم القليل؟ الكثير.

المعنى الباطن للشعر ليس الأكل والشرب بل الإسراع إلى الأعمال الصالحة

وهذا [الشاعر] كان فقيهًا؟ أبدًا. ما هو عشرون وكذا إلى آخره، ما ليس لدينا شيء إلا حرمة صيام شعبان في النصف الأخير، يكون من الخامس عشر. لكن هذا يقول عشرين، فيجب أن يقصد شيئًا آخر غير الظاهر.

هذا أن تذهب فتشرب، «فواصل شرب ليلك بالنهار»، هذا معناه ليس الشرب، هذا شرب الماء. هذا معناه: اذهب واعمل الأعمال الصالحة بسرعة؛ لأن ما تبقى لك يا أخانا في الحياة ليس بقدر ما مضى.

فانظر إلى هذا الكلام: هناك من يفهمه بعضهم أن الرجل ينصحه بأن يشرب ويأكل، وهذا كلام فارغ. والآخر فهم أنه لا، بل يرشدنا إلى رب العالمين.

الفرق بين من استشرف الحقيقة ومن تذوقها كمن رأى البحر في التلفاز ومن نزل إليه

ربما عبّر عن المقام من استشرف عليه. أحيانًا يتحدث الإنسان عن الحقائق وهو لم يمارسها، يقرؤها في كتاب، يفهمها، يسمعها من الشيخ. فيصبح كمن رأى البحر في التلفاز. قلنا له: صف لنا البحر. فقال: هذه مياه كثيرة جدًا، وأخذ يصف البحر تمامًا. رآه في التلفاز، فهل أصبحت إذن من علماء البحار؟ قال: ولا رأيته، ولا رأيته في عمري.

فماذا فعل هذا؟ استشرفه فعرفه. ومعرفته صحيحة أم خاطئة؟ لا، معرفته صحيحة، لكنه لم يتذوق.

فيبقى هناك واحد عرف ولم يتذوق، وهناك واحد تذوق. ومن ذاق عرف، ومن عرف اغترف. ومن — أتنتبه؟ — من تذوق عرف، ومن عرف ما هو [من] لذة فقد وجد لذة، ما يقعد ساكتًا. ومن عرف اغترف.

الفرق بين من وصل إلى البحر حقيقة ومن استشرفه وهذا ملتبس إلا على صاحب بصيرة

وربما عبّر عنه من وصل إليه. ذهب إلى البحر نفسه ونزل إليه، وعرف ما معنى مياه، وما معنى باردة في الشتاء، وما معنى لا أدري ماذا في الصيف، ومياه مالحة ما معناها، وكل شيء عرفه، وكيف يسبح فيه.

وهذا ملتبس إلا على صاحب بصيرة. كيف تعرف الشيخ من هؤلاء؟ إذا كان شيخ رأى في التلفزيون البحر أو ذهب إليه؟ قال لك: لن تعرفه، لن تعرفه. إنما الذي يعرفه صاحب البصيرة. صاحب البصيرة ينظر إلى الشيخ من هؤلاء فيقول: الله!

قصة الشيخ محمد راشد مع الشيخ أحمد مرسي ورؤية الأنوار على التلميذ

كان الشيخ محمد راشد يقول للشيخ أحمد مرسي رحمهما الله: تعال يا ولد. قال له: يا سيدي. قال له: أنت تذهب إلى من المشايخ يا ولد بعد أن تنتهي من الدرس؟ قال له: لا أذهب إلى أحد.

قال له: لا، تكذب! أنت تذهب إلى واحد من أولياء الله الكبار. قال له: من أولياء الله الكبار؟ لا أذهب إلى أحد أنا. قال له: لا تكذب! أنت تأتي كل يوم وعليك خيمة من نور تختلف عن التي كانت بالأمس.

والله وأنت لا تستحق هذا عند الله، إذن لا بد أن يكون هناك أحد يلبسها لك. من هذا الذي يلبسها لك؟

الشيخ محمد أمين البغدادي ولي من الأولياء يبحث عنه الشيخ محمد راشد منذ سبعين سنة

قال له: والله أنا لا أعرف إلا واحدًا اسمه الشيخ محمد أمين البغدادي رضي الله تعالى عنه، مدفون هنا في الظاهر جاشنكير بعد سيدنا الحسين، كان نقشبنديًا عظيمًا. هذا ما أعرفه، ولكن لم يخطر ببالي أحدًا آخر.

قال له: تعال معنا إليه. فقال له: إنه لا يقابل أحدًا. قال له: هيّا بنا، أيقابل أم لا يقابل؟ إنني أبحث عنه منذ سبعين سنة.

الشيخ محمد راشد كان مدرّس التفسير، وكان من هيئة كبار العلماء، كان إمام الخاصة الخديوية رضي الله تعالى عنه.

الشيخ محمد راشد يسأل الشيخ البغدادي عن الأنوار التي يراها على تلميذه

فذهب إلى الشيخ محمد أمين البغدادي وقال له: يا مولانا، لقد كبرت في السن، ورأيت الأنوار على هذا الولد، كل يوم تلبسه نور جديد.

وقلت: يا بني ما أنت بهذا القدر كل يوم، لماذا؟ من كنت عبد القادر الجيلاني؟ كنت الجنيد؟ يعني من يا فتى الذي يلبسك هذا؟ أنكر [الشيخ أحمد]، ما لا يعرف.

فأنا عرفت أنك ولي من الأولياء. انظر: عرف وما رآه [من قبل]، عرف من الأنوار التي على التلميذ، التي التلميذ نفسه لا يعرفها. هذه أنوار، هذه أرباب البصائر.

الشيخ محمد راشد يطلب من الشيخ البغدادي ما يحرك قلبه بعد سبعين سنة من البحث

أنا رجل كبرت وعندي سبعون سنة، وأريد شيئًا هكذا يحرّك قلبي. لا يرضى أن يعمل [أي القلب لا يتحرك].

قال له [الشيخ البغدادي]: معقولة حتى الآن؟ قال له: حتى الآن. وأنا أقوم الليل بركعتين منذ أربعين سنة، لا يعرف عن ذلك أحد من الخلق، لا زوجتي ولا أولادي ولا أحد. أقوم هكذا الساعة الثانية، أنسحب، أصلي ركعتين، وأذهب أنام ثانية، يظنونني أنني نائم نومًا عميقًا.

منذ أربعين سنة لم يعرف أحد، ولكن العمل الصالح الوحيد الذي بيني وبين ربي هو هذا.

زيارة الشيخ البغدادي لمكتبة الشيخ محمد راشد وسؤاله أين وجدت قلبك

كان الشيخ محمد راشد من كبار العلماء، وكان بيته ثماني غرف، أربع منها مكتبة، والمكتبة حتى السقف، والسقف بارتفاع هذا الجامع هكذا.

فقال له [الشيخ البغدادي]: طيب أزورك. قال له: تفضل يا مولانا. ذهب إلى المكتبة وكأنها دار الكتب المصرية.

فقال له: أقرأت كل هذا يا شيخ محمد؟ قال: قرأته وجلّدت الكتب بيدي. وكان هو مجلّدًا، تعلّم التجليد في إسطنبول.

قال له: أين وجدت قلبك في كل هذا؟ كل هذا العلم، ولكن أين قلبك؟ قال له: ما وجدته حتى الآن.

صرخة الشيخ محمد راشد في مجلس الذكر وشعوره بيد الشيخ تلعب في قلبه

قال له [الشيخ البغدادي]: إذن تأتي وتذكر معنا. فجاء به وأجلسه أمامه هكذا في الذكر، وذكروا ربنا، فصرخ الشيخ محمد راشد صرخة كبيرة.

فالشيخ أحمد مرسي لم يستحسن هذا الأمر: أنت آتٍ هنا تمثّل؟ لماذا تصرخ يعني؟

خرجوا، قال له [الشيخ محمد راشد]: والله يا بني، شعرت بيده تلعب في قلبي. يعني قلبه تحرّك، فأحسّ أن يدًا [يد] الرجل [الشيخ البغدادي] تلعب في قلبه.

هؤلاء هم أرباب القلوب. والناس لا ترضى أن تصدّق. لا أعرف لماذا، لا يعرف. يعني فما الذي مستحيل في هذا؟ ما الخرافة التي في ذلك؟

الشيخ محمد أمين فعل ذلك مع من صلى ركعتين أربعين سنة لا مع كل أحد

إنه يوجد ناس طيبون لم يجدوا من يفعل معهم ذلك. نعم، لم يجدوا، لم يجدوا من يفعل معهم ذلك.

فهل أنت تظن [الشيخ] محمد أمين فعل ذلك مع كل واحد؟ أم فعل ذلك مع الذي صلى ركعتين أربعين سنة لا أحد يعرف ماذا فعل؟

فانظر إلى الخشبة التي في عينك ولا تنظر إلى القذاة التي في عين أخيك. انظر إلى عيوبك واشتغل بعيوبك عن عيوب الناس.

هذا الكلام يرقق القلوب ويهيئك للتوجه إلى رب العالمين فاتركوا الكبر

ولكن لا، كثير من الناس يقول لك: ما هذا الكلام الفارغ! نحن ما زلنا سنتحدث بهذا الكلام؟ هذا الكلام هو الذي يرقّق القلوب، هذا هو الذي يهيّئك لأن تتوجه إلى رب العالمين.

اتركوا الكبر! أين هذا الكبر؟ كل قلبه كتلة من الكبر ويقول لك: أين هذا الكبر! فالجمل لا يرى سنامه. الجمل يقول للناس: ما لكم تنظرون إليّ؟ لماذا؟ أما أنت لك سنام يا جمل! قال: أين هذا؟ ينظر هكذا، لا يرى، مسكين لا يرى السنام الخاص به.

فالمتكبر لا يرى أيضًا أنه متكبر.

لا ينبغي للسالك أن يعبر عن وارداته إلا لشيخه حتى لا يبعثرها

إذن لا ينبغي للسالك أن يعبّر عن وارداته [التي تأتيه بعد الذكر]. تأتي واردات، لا تقعد إذن تتنطّط هنا. وهذا كثير في النساء خاصة، النساء يثرثرن بالكلام. لا تستطيع أن تسكت يا سيدة، الله يحفظك، اسكتي! تسكت في شيء وتقول لي: والله أنت لم تقل لي في هذا الشيء فقط، وتثرثر في الشيء الآخر.

الرجال جيدون في هذا الأمر وسيئون في كل شيء، لكن في هذا الأمر جيدون وسيئون في كل شيء. والنساء جميلات في كل شيء إلا في الثرثرة بالكلام.

لا ينبغي للسالك أن يعبّر عن واردات قلبه إلا لشيخه، ما يقول إلا للشيخ فقط.

إفشاء الواردات يبعثرها ويمنع الصدق مع الله فاطلب الأنوار من ربك لا من الخلق

فإن ذلك [إفشاء الواردات] يقلّل عملها في قلبه، فيبعثرها كأنه يبعثر الهبة التي أعطاها الله له. ربنا أعطى له قرشين، وفي القرشين ذهب مبعثرًا إياهما. ويمنعه وجود الصدق مع ربه.

لا تمدنّ يدك إلى الأخذ من الخلائق. لا تطلب شيئًا من أحد ولا من الشيخ. ما أنت تأخذ ليس أموالًا، هذه أنوار وأسرار، اطلبها من ربنا.

إلا أن ترى أن المعطي فيهم مولاك، الله هو الذي أعطاك. فإذا كنت كذلك فخذ ما وافقك العلم، فخذ الذي تعرفه، ودع ما لا تعلم حتى تكون مقيّدًا بطريق الله.

دعاء ختامي بالمغفرة والهداية والنصر وحسن الخاتمة

فاللهم يا ربنا يا كريم، اغفر لنا ذنوبنا وكفّر عنا سيئاتنا وتوفّنا مع الأبرار. واهدنا إلى أقوم طريق لا يهدينا إليه إلا أنت. افتح علينا فتوح العارفين بك، واسلك بنا الطريق إليك.

واهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولّنا في من تولّيت، وبارك لنا فيما أعطيت، واصرف عنا شر ما قضيت. وانصرنا وانصر الإسلام والمسلمين.

اللهم ردّ عنا كيد الكائدين، واجعل ثأرنا على من ظلمنا. اللهم اهدنا واهدِ بنا وأصلح حالنا وردّ علينا قدسنا. اللهم يا أرحم الراحمين ارحمنا، ارفع أيدي الأمم عنا، احمِ أرضنا واحمِ عرضنا.

تتمة الدعاء بالشرب من يد النبي ودخول الجنة بلا حساب

واحشرنا تحت لواء نبيك يوم القيامة، واسقنا من يده الشريفة شربة ماء لا نظمأ بعدها أبدًا. ثم أدخلنا الجنة من غير حساب ولا سابقة عقاب ولا عتاب.

aاغفر وارحم وتجاوز عمّا تعلم، إنك أنت الأعزّ الأكرم. نعوذ بعفوك من عقوبتك، وبرضاك من سخطك، وبك منك. لا نحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك.

جلّ وجه الله، أن لم يكن بك علينا غضب فلا نبالي. اجعل جمعنا هذا جمعًا مرحومًا، وتفرّقنا من بعده تفرّقًا معصومًا، ولا تجعل فينا شقيًا ولا محرومًا. اللهم يا رب العالمين أجمعنا على الخير في الدنيا والآخرة.