الحكم العطائية | من 191 - 205 | أ.د علي جمعة
- •العارف بالله يستحي من طلب حاجته من الله لاكتفائه بمشيئته، فكيف لا يستحي من طلبها من المخلوقين.
- •العارف يرضى بقضاء الله ويشتغل بذكره وقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بعدم سؤال الناس شيئاً.
- •عند التباس الأمرين المباحين، فاختر أثقلهما على النفس فهو الحق.
- •قيد الله الطاعات بأوقات محددة منعاً للتسويف، ووسع الوقت احتراماً للإنسان وحفظاً لحرية اختياره.
- •فرض الله الطاعات على العباد رحمة بهم، فساقهم إليه بسلاسل الإيجاب.
- •لا تيأس من تغيير حالك، فمن استغرب إخراجه من شهوته وغفلته فقد استعجز القدرة الإلهية.
- •لا يخرج الشهوة من القلب إلا خوف مزعج أو شوق مقلق.
- •الله لا يقبل القلب المشترك بينه وبين الدنيا، فأفرغ قلبك من الأغيار ليملأه بالمعارف والأسرار.
- •نعوذ بالله من الحور بعد الكور، أي نقض العمل بعد إتمامه.
دعاء افتتاحي بطلب شرح الصدور والمغفرة والتوفيق في العبادة
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. اللهم اشرح صدورنا واغفر ذنوبنا واسلك بنا الطريق إليك، وافتح علينا فتوح العارفين بك، واجعل الدنيا في أيدينا ولا تجعلها في قلوبنا، وأعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
وحبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين ومع المتقين ومع القوم الصادقين، وانصرنا على القوم الكافرين.
دعاء بتوحيد قلوب المسلمين والرحمة والاستغفار وحسن الختام
اللهم وحد قلوب المسلمين، اللهم يا ربنا أحينا مسلمين وأمتنا مسلمين غير خزايا ولا مفتونين، ولا تجعل في قلوبنا غلًّا للذين آمنوا. اللهم يا أرحم الراحمين ارحمنا، ويا غياث المستغيثين أغثنا واستجب دعاءنا.
اللهم تقبل منا صالح أعمالنا، نعوذ بك من الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق. اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم، إنك أنت الأعز الأكرم. واجعل جمعنا هذا جمعًا مرحومًا وتفرقنا من بعده تفرقًا معصومًا، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
اللهم يا ربنا اشرح صدورنا لمرادك ومراد نبيك، اللهم أقمنا في الحق وأقم الحق بنا.
حياء العارف بالله من رفع حاجته إلى مولاه واكتفاؤه بمشيئته سبحانه
قال [ابن عطاء الله السكندري] رضي الله تعالى عنه ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين:
ربما يستحي العارف أن يرفع حاجته إلى مولاه لاكتفائه بمشيئته، فكيف لا يستحي أن يرفعها إلى خليقته؟
العارف بالله يعلم أنه لا يكون في كونه سبحانه إلا ما أراد، ولذلك يأتيه حالٌ يستحي أن يدعو الله فيه بشيء، فيشتغل بذكره.
«من شغله بذكري عن مسألته أعطيته أفضل ما أعطي السائلين»
فيشتغل قلبه بالذكر ويتعلق قلبه بالله سبحانه وتعالى، ويرضى بفعل الله فيه، ويستحي من أن يطلب من الله شيئًا قد يعطيه وقد يؤخره سبحانه وتعالى، ويشتغل بالذكر.
الذكر درجة أخرى من العبادة وحياء العارف من سؤال الخلق
وهي درجة أخرى من درجات العبادة؛ فإن الدعاء عبادة، لكن هذا الحال الذي بلغه العارف بالله من الحياء جعله يستحي من الله حتى أن يطلب منه شيئًا.
إذا كان هذا حال العارفين بالله، فهل يمكن لأحدهم أن يطلب من خلق ربه شيئًا؟ هذا [العارف] استحى أن يطلب من رب العالمين، من الكريم الواسع سبحانه وتعالى، رضًا بقضائه وقدره وتسليمًا له وتوكلًا عليه ورضًا بما يفعل فيه.
﴿لَا يُسْـَٔلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: 23]
وهو يرضى بما فعل [الله فيه]، أيسأل خلقه أبدًا؟ لا يسأل خلقه أبدًا.
وصية النبي بعدم سؤال الناس وتطبيق الصحابة لها بعزة نفس
حتى وصل بعض الصحابة الكرام لما سمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن سؤال الخلق، قال:
قال رسول الله ﷺ: «لا تسأل الناس شيئًا»
انظر كيف العزة! لا تسأل الناس شيئًا. ويقول ﷺ:
قال رسول الله ﷺ: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل»
ويقول صلى الله عليه وآله وسلم وهو يبرئنا من الخلق والاعتماد عليهم.
قصة الشيخ محمد أمين البغدادي وكراهيته للتصوير وعدم ظهور صورته
ماذا تفعل، ماذا تفعل، اجلس هداك الله، اجلس هداك الله، شرح الله صدرك وأحرق فيلمك! ويا رب ألا تخرج [الصورة].
كان الشيخ محمد أمين البغدادي يكره التصوير، كانوا لم يعرفوا التصوير بعد. ماذا؟ فقال له واحد: نريد أن نصورك يا مولانا. قال له: نعم. فصوروه فلم تظهر [الصورة]!
ولكن لأنه قال له: ماذا؟ نعم. والآن يضعون له الهاتف، نعم، لا فائدة، كله يظهر الآن. أمر الله أيضًا، أمر الله، كله يظهر. ولكن إن شاء الله هذه [الأفلام] ستحترق.
قصة صورة الشيخ عثمان طويلة وعدم خروج نسخة منها إلا بإذنه
الشيخ أحمد مرزي كان عنده صورة الشيخ عثمان طويلة، فأخذها أحدهم منه ليأخذ عنها نسخة تبركًا بالشيخ. والشيخ عثمان طويلة من كبار النقشبندية في السليمانية.
من غير رغبة الشيخ، قال له: لا، أتركها. قال له: لا، سآخذها سآخذها. وذهب واضعًا إياها في الجبة ومضى يصور عليها، لا تخرج [الصورة]! هذا أنا رأيتها أنا.
إذن هذه يصور عليها ألا تخرج! فأرجعها إلى الشيخ. قال الرجل: إنها لا ترضى أن تخرج. فقال له أيضًا: هكذا أيضًا هكذا. وذهب وأخذها وطبع منها نسختين. قال له: خذ هذه.
تطبيق الصحابي لوصية النبي بعدم سؤال الناس شيئًا حتى السوط
يكون، أي لا يكون في كونه إلا ما أراد [سبحانه وتعالى].
قال رسول الله ﷺ: «لا تسأل الناس شيئًا»
فلما سمع الصحابي ذلك قال: فلم أسأل أحدًا شيئًا. سقط من فوق فرسه — انتبه، وراكب الفرس إلى أن ينزل فهو عمل مرهق — العصا التي يسوق بها الفرس، السوط، السوط سقط منه.
لا يوجد مانع، يعني يقول لك: يا أخي سلمها لي، ناولني الشيء الذي تحت. هذا بدلًا من أن ينزل ويصعد، جهد! لا يرضى أن ينزل ويأخذها لكي لا يسألك أن تناولني لو سمحت؛ لأن [عهده ألّا] يسأل الخلق شيئًا.
انظر تنزيهه إلى أي مدى!
حياء العارف من رفع حاجته إلى الخلق إذا كان يستحي من ربه
فإذا كان كذلك، فكيف لا يستحي العارف أن يرفعها إلى خالقه؟ يستحي تمامًا. فهؤلاء الخلق يسدون [الباب] تمامًا؛ إذا كان هذا مع ربنا وشأنه كذلك [فكيف بالخلق].
قال [ابن عطاء الله] رضي الله تعالى عنه ونفعنا الله بعلومه في الدارين:
إذا التبس عليك أمران فانظر أثقلهما على النفس فاتبعه.
قاعدة اتباع الأثقل على النفس عند التباس الأمور المباحة
انظر إلى نفسك: تريد أن تهرب من أين؟ لا تريد ماذا؟ أنت وأمامك طريقان: يمين وشمال، وكلاهما مباح، ليس حرامًا وحلالًا. حرام وحلال انتهى الأمر بالحلال.
لا، بل كلاهما حلال. أأعمل أم لا أعمل؟ نفسي تثقل عليّ أن أعمل، فليعمله؛ فإنه إلا ما كان حقًّا يبقى.
هو [ابن عطاء الله] أعطانا صفة للنفس البشرية ينبغي علينا أن نتبعها وأن نرضى بها.
الفرق بين منهج العارفين ومنهج علم النفس في التعامل مع الشهوات
هذا غير علم النفس؛ علم النفس يقول غير ذلك، يقول: انظر أين شهوتك واعملها، أرح روحك. تأتي لتريح روحك ستخلط الأمور.
[أما منهج العارفين فهو أن] الدنيا وهذا [الطريق] ينور قلبك وتسعد وتصبح إنسانًا. لكن هذا [اتباع الشهوات] كذلك أبدًا! يبقى اتبعت الشهوات وأغلق عليه [القلب]، ويعمل قلبه شيئًا فشيئًا حتى يسود كله.
قال رسول الله ﷺ: «ولا يزال يُنكَت في قلب أحدكم» — يُنكَت يعني يُوضع نقطة هكذا — «حتى يصير أسود مُجَخِّيًا»
أسود كله.
قصة سيدنا عمر مع اليهودي الذي يدرك ما وراء الجدار
وهنا يروون قصة سيدنا عمر [رضي الله عنه] التي ذكرناها من قبل عدة مرات: أنه كان يسمع بيهودي في المدينة يدرك ما وراء الكثيف، يعني يقف خلف الجدار ويعرف ما وراءه.
فقال لهم: كيف هذا وهو يهودي؟ فقالوا له: نعم يفعلها. فابحث لك عن حل إذن. فذهب إليه وقال: هذا شيطان، لعله معه عفريت أو شيء. فذهب معه بالسيف وما إلى ذلك، وقام بدق الباب.
فقال له [اليهودي]: أجئت تقتلني يا عمر؟ يعني الآن أنت جئت تقتلني! وعرف ورأى وهو بسيفه.
حوار سيدنا عمر مع اليهودي حول سر مقامه ومنهج مخالفة النفس
قال له [سيدنا عمر]: حسنًا، افتح ولك الأمان. فتح — اصمت يا شيخ أحمد — فتح هكذا. ستجده يبحث في السند أم شيئًا آخر؟
فتح الباب فوجد سيدنا عمر. قال له: أنت، كيف بلغت هذا المقام؟ قال له: والله لا أرى شيئًا ولم أُخيَّر بين أمرين إلا وأرى نفسي متجهة إلى أين، وأرتكب [عكسها]. لا، يعني لو قالت لي [نفسي] يمينًا أمشي يسارًا، يسارًا أمشي يمينًا.
قال له [سيدنا عمر]: طيب، أنت خسارة هكذا! هذا أنت لو أسلمت ستصبح المقدم فينا. هذا أنت جاهز، ما لا تسلم؟
إسلام اليهودي بعد تطبيق منهج مخالفة النفس على عرض الإسلام عليها
قال له: طيب، ما عليها، أفكر هكذا يومين ثلاثة. يومين ثلاثة وجاء وأسلم.
قال له [سيدنا عمر]: ما الذي حصل؟ اقتنعت؟ قال: والله عرضت الإسلام على نفسي فأبت، فأدركت أنه الحق! قام بتطبيق المنهج [مخالفة النفس]، فربنا نجاه.
علامة اتباع الهوى المسارعة في النوافل والتكاسل عن الواجبات
من علامة اتباع الهوى: المسارعة إلى نوافل الخيرات والتكاسل عن القيام بالواجبات، التي هي صفة الإخوة في العصر الذي نحن فيه.
انظر إليه والساعة في يده اليمنى وهو يأكل أموال الناس، ويربي لحيته حتى سرته، ويشمر لك الثوب هكذا حتى منتصف الساق. نعم، وارد كل هذا الكلام وارد، ولكن تجده غيبة ونميمة وحقد وحسد وكبر!
ما هذا؟ لا يصلح يا أولاد، لا يصلح!
المقارنة بين صاحب المظهر الديني وصاحب القلب الأبيض
والآخر، الرجل الآخر: حالق لحيته ولابس الساعة في يده اليسرى سليم، ولابس بنطالًا وقميصًا، لكن قلبه أبيض.
فأي الفريقين أحق بالأمن؟ ذو القلب الطيب أم الذي يقوم بكل هذا العمل؟ كل هذا العمل [الظاهري] لن ينفع.
والله بالتجربة وجدنا أنه [الشيخ] ينظر إليها [إلى هذه الأمور الظاهرية]. أول شيء نقول له ماذا؟ نقول له: اخلع الساعة من يدك اليمنى وضعها في اليسرى، فلا يرضى!
النهي عن ثوب الشهرة والتميز وأهمية تنظيف الباطن قبل الظاهر
والنبي عليه الصلاة والسلام لبس في اليمين ولبس في الشمال، أخرجه البيهقي في الخواتيم. لا يرضى! لماذا؟ في شيء في التميز.
طب النبي ﷺ نهى عن ثوب الشهرة. ما انتبه! لماذا؟ من الداخل لا يزال فيه ما لم يُتَرَّب [يُهذَّب]. انتبه كيف!
فنحن صُنّاع نكتشف هذه الأشياء، نكتشفها. ونصيحة لوجه الله: ابقَ في وسط الناس هكذا، لا تعمل عرضًا منظرًا. يعني إياك يا ولد أن تعمل [ذلك]! ابقَ هكذا مع أحباء رسول الله، هكذا هو سائر هكذا بالتوكل، هكذا جميل، هكذا وجهك ينير.
الفرق بين نور القمر المنعكس ونور الشمس الذاتي وأهمية تنظيف الباطن
أما الآخر، هذا تجده عندما يقطع نفسه من العبادة في أضواء منعكسة، لكن ليس هو الذي ينير. تجده مثل القمر وليس مثل الشمس. فاحسب، احسب!
لأن هذه مسألة بسيطة جدًّا: نظّف ما بداخلك يَنظُف الذي في الخارج. نظّف الذي في الخارج — ها — يمكن وربع، نصف ونصف.
ولذلك الذي في الداخل هذا خطير جدًّا. نعم.
تقييد الطاعات بأوقاتها لمنع التسويف وتوسيع الوقت لحصة الاختيار
قيّد الطاعات بأعيان الأوقات كي لا يمنعك عنها وجود التسويف، ووسّع عليك الوقت كي تبقى لك حصة الاختيار.
لكي يساعدك، فقال لك: تصلي خمس صلوات. تعرف لو — قسمًا عظيمًا — ما أحد منكم كان سيصليها في وقتها! كان الجميع سيصلي السبع عشرة ركعة آخر النهار. ما هي واسعة إذن! ويأتي آخر النهار متعبًا ينام، يريد أن يساعدك.
فتكون المساعدة فيها رحمة. نعم، فرحمة! قال لك: نعم، صحيح أنا سأساعدك.
توزيع أوقات الصلوات بين التضييق رحمةً والتوسيع احترامًا للعبد
يجب أن تصلي الظهر من الثانية عشرة إلى الثالثة، أي يجب أن تصلي العصر من الثالثة إلى الخامسة حسب هذه المواقيت.
فماذا فعل [الله سبحانه]؟ وسّعها وضيّقها. ما هو لم يتركك تصلي الظهر في أي وقت ولا العصر في أي وقت. ضيّقها رحمةً بك ووسّعها احترامًا لك.
كيف احترامًا لك؟ كيف؟ ما هو جعلك تختار: تؤديها الساعة الثانية عشرة، الثانية عشرة، واحدة ونصف، لا يوجد مانع. إذا فقد كرّمك أم لم يكرمك؟ الاحترام معناه ماذا؟
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِىٓ ءَادَمَ﴾ [الإسراء: 70]
انتبه!
تقييد الطاعات بالأوقات لمنع التسويف وعلم الله بطبيعة العباد الكسولة
فقيّد الطاعات بأعيان الأوقات كي لا يمنعك عنها وجود التسويف — حسنًا قليلًا هكذا، حسنًا بعد غد — ووسّع عليك الوقت كي تبقى لك حصة الاختيار لكي تبقى محترمًا.
علم [الله] قلة نهوض العباد إلى معاملته؛ مطبوعون، مطبوعين هكذا على الكسل. وكان النبي ﷺ يستعيذ ويقول:
«ونعوذ بك من العجز والكسل»
فأوجب عليهم وجود طاعته: واجب أن تصلي، واجب أن تصوم، واجب أن تحج.
الفرق بين الفرائض والنوافل وحال الأمة في التمسك بالفروض فقط
حسنًا، ما كان سوى نافلة وأنت تخجل ويكون عندك حماس وتصلي وتصوم هكذا من تلقاء نفسك، هكذا حبًّا في الله. وإلا كان سيفعل ذلك [يجعل كل شيء فرضًا].
لو قلنا إن كل النوافل [فرض] واستحِ! بقى الله يستحق منك العبادة، ما كان أحد سيفعل. وحاصل هو تقريبًا تركنا كل النوافل وجالسون متمسكون بالعافية في ماذا؟ في الفروض.
كما سيدنا الشيخ صاحب البردة البوصيري يقول: ولم أصلِّ سوى فرض ولم أصم. هذا فقط بتواضع، هذا ما هو كسل، إنما يقول يعني: أنا ما هو أنا قادر أن أعمل شيئًا [يستحق الذكر].
سوق العباد إلى الله بسلاسل الإيجاب رحمةً بهم ولدخول جنته
فأوجب عليهم وجود طاعته [سبحانه]؛ لما وُجد فُرض عليك بقيت تصلي. فساقهم إليه بسلاسل الإيجاب أيضًا رحمةً بك؛ لأنك بهذا الشكل تحمد ربك، تقول: الحمد لله رب العالمين في الفاتحة، تسجد لربك.
يعني أيضًا ما هو في شيء اسمها سجود الشكر، ولكن هذه الأشياء كلها ماذا؟ واجبة عليك، فكأنها سلاسل ولكنها سلاسل تقودك إلى الله.
قال رسول الله ﷺ: «عجب ربك من قوم يُساقون إلى الجنة بالسلاسل»
سيدنا رسول الله يقول هكذا.
إيجاب الطاعة وسيلة لدخول الجنة لأن صفة أهلها الركوع والسجود
أوجب عليك وجود خدمته وما أوجب عليك إلا دخول جنته. هو لما قال لك: واجب عليك أن تصوم وتصلي، فما هو يريدك أن تدخل الجنة؛ لأن صفة أهل الجنة أنهم ركّع سجود ذاكرون إلى آخره.
من استغرب إنقاذ الله له من شهوته فقد استعجز القدرة الإلهية
ومن استغرب أن ينقذه الله من شهوته وأن يخرجه من وجود غفلته، فقد استعجز القدرة الإلهية.
﴿وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ مُّقْتَدِرًا﴾ [الكهف: 45]
أحدهم يقول لي: أمعقول هذا؟ أنا مغموس في الشهوات هكذا انغماسًا! أمعقول بهذا؟ لست أعرف هذا. أنا غافل، وكلما تذكرت وذُكِّرت أجد نفسي غافلًا مرة أخرى. لقد يئست من نفسي!
احذر! فقد تصبح في لحظة من كبار الأولياء، لحظة واحدة إذا أراد الله وفتح عليك. فاللهم افتح علينا!
الله قادر على تغيير الحال في طرفة عين فلا تيأس من روح الله
احذر لأنك بهذا الشكل تكون قد استعجزت القدرة الإلهية والعياذ بالله تعالى. الله قادر على أن ينقلك من أسوأ حال إلى أحسن حال في لحظة، في طرفة عين أو أقل من ذلك.
فإذا يجب عليك ألا تيأس من روح الله.
ربما وردت عليك الظلمات — ظلمات بعضها فوق بعض — تخرج من معصية لتدخل في معصية، ليعرّفك قدر ما منّ به عليك. تقول: أين كنا وأين أصبحنا!
معرفة قدر النعم بفقدانها والشعور بمنة الله بعد التوبة
أنت تعرف ما أنت [فيه من نعمة]؟ إذا كان ربنا وفقك من البداية للصلاة والصوم والعبادة وهكذا، فستجد أن هذا أمر عادي. فأنا هكذا طوال عمري.
ولكن عندما تقع في المصيبة — والعياذ بالله تعالى — وتكون محنة، وبعد ذلك يمنّ عليك ربك بالتوبة:
﴿تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [التوبة: 118]
ربنا يتوب عليك لكي تتوب. تشعر بمنة الله عليك وتعرف مقدار هذه المنة التي أنزلها عليك.
من لم يعرف قدر النعم بوجودها عرفها بفقدانها.
سلب النعم للتأديب ومعرفة قدرها وحال الذاكرين بعد الفتور
أنت تصلي وتصوم، والله رزقك الصحة ورزقك المال ورزقك كذا إلى آخره، وما أنت بعارف أنت في أي نعمة! طيب، فلتتأدب إذن، سأسلب منك هذه.
عندما يُسلب منك هذه تشعر فتقول: والله هذا أنا كنت شيئًا آخر، الآن لا!
ولذلك تجد بعض الذاكرين يذكر ويشتد ويرتفع، وبعد ذلك يأتي يشكو يقول: ما عدت كما كنت في الأول. نعم، لأن تعلم أن الأول كان شيئًا [عظيمًا]. ستعود ثانية، لا تخف، لا تخف، ستعود ثانية، ولكن ماذا؟ بالهوينى.
التحذير من أن تدهشك واردات النعم فتنسى شكر الله عليها
لا تدهشك واردات النعم بحق شكرك. أحيانًا عندما تكثر النعم على الإنسان يقول: هذا طبيعي، أنا أستحق هذا، وينسى أن يشكر.
يا ربنا، الحمد لله، يا ربنا لا نحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. فإن ذلك مما ينقص من قدرك عند ربك. فانتبه!
عندما تجد النعم قد كثرت تغفل عنها وتقول:
﴿إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ﴾ [القصص: 78]
[فهذا من أخطر ما يكون].
الهوى هو الداء العضال ولا يخرج الشهوة من القلب إلا خوف أو شوق
لا تمكّن حلاوة الهوى من القلب، هو الداء العضال. فالنبي صلى الله عليه وسلم نهانا عن اتباع الهوى وقال:
قال رسول الله ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به»
يقول [ابن عطاء الله]: لا يُخرج الشهوة من القلب إلا خوف مزعج أو شوق مقلق. ترغيب أو ترهيب.
شوق لما يزداد في القلب لرب العالمين فيحصل جذب فينجذب. وليس الجذب يعني أن يجنّ، ولكن:
﴿أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]
حقيقة المجذوب وكونه في الدنيا بجسده ومع ربه بقلبه
وإنما المجذوب هنا هو من اشتاق إلى ربه فانجذب عن دنياه إليه، فيكون في الدنيا بجسده ومع ربه بقلبه.
فيبقى هو في عالم الأرواح والأشباح تسعى مع الأشباح ذاهبًا آيبًا هكذا، وهو روحه ليست معنا، مع ربنا.
والذي روحه مع ربنا فإنه [لن] يؤذي الخلق وسيفسد في العالم. لا يعرف [ذلك].
الله أغنى الأغنياء عن الشرك ولا يقبل القلب المشترك بين الدنيا والآخرة
كما لا يحب [الله] العمل المشترك، كذلك لا يحب القلب المشترك. هو أغنى الأغنياء عن الشرك وعن الشركاء، وسيتركك أنت وشركك.
كذلك القلب: لو وضعت فيه ربنا ووضعت فيه الدنيا فلا ينفع. العمل المشارك لا يقبله؛ إذا كان هذا العمل للدنيا والله لا يقبله.
والقلب المشارك لا يُقبل عليه، فسيتركه خاليًا من الأنوار.
الفرق بين أنوار الوصول وأنوار الدخول وأثرها على القلب
فماذا فعلنا؟ أنوار! انظر، الرجل هذا الرجل منوّر. نحن قلنا يتركه من ماذا؟ من أنوار. لا يُقبل عليه.
قم، الكلمة التي يأتي بها بعد ذلك: أنوار إذن لها في الوصول. لا، هذا الرجل فاهم، هذا الرجل مجرّب، جالس هكذا وقلبه يقول: إن هذا القلب ربنا لن يُقبل عليه.
يعني أنوار إذن لها في الوصول وأنوار إذن لها في الدخول. الأنوار التي تأتي من عند ربنا أحيانًا تأتي وتقف عند الإنسان من الخارج؛ تنظر إليه هكذا تجده منوّرًا. وأحيانًا يدخل [النور]، فيكون الذي يدخل هو الأقل؛ لأنه سيستقر.
فيكون ما وصل حالًا وما دخل مقامًا.
ارتحال الأنوار عن القلب المحشو بصور الدنيا كالملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب
ربما وردت عليك الأنوار فوجدت القلب محشوًّا بصور الآثار فارتحلت من حيث نزلت. آتية فوجدت الصورة والكلب في القلب، وجدت الكلب في القلب.
كلب الذي هو الدنيا، والملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب أو صورة. فجاءت الأنوار مثل الملائكة، وجدت قلبك مشغولًا بصورة الدنيا أو بكلبها الذي ينبح، أخذت بعضها ومضت.
لن تدخل! إذن وصلت لكن لم تدخل. يُرى فيك النور لكن أنت لست منوّرًا من الداخل.
إفراغ القلب من الأغيار ليملأه الله بالمعارف والأسرار فإن القلب لا يبقى فارغًا
أفرغ قلبك من الأغيار — التي هي الدنيا والكائنات — ليملأه [الله] بالمعارف والأسرار؛ فإن القلب لا يبقى فارغًا أبدًا.
عمر القلب ما يبقى فارغًا: تُخرج منه الدنيا فيملؤه [الله] بالمعارف والأسرار، تضع فيه الدنيا [فإن] المعارف والأسرار تأخذ بعضها وتذهب.
فاللهم نعوذ بك من الحَوْر بعد الكَوْر. ما الحَوْر بعد الكَوْر؟ الحَوْر: فكّ العمامة، والكَوْر: لفّ العمامة. يعني نعوذ بك من أن العمامة تنفك بعد أن تُلَف.
الاستعاذة من الحور بعد الكور ومثل المرأة التي تنقض غزلها
لأجل اللفة تستغرق وقتًا يا شيخ عماد، فعمل لف العمامة جهد يستغرق وقتًا.
«نعوذ بك من الحَوْر بعد الكَوْر»
بعد أن كوّرنا العمامة — أي لففناها — انفكت منا مرة أخرى! فيصبح الأمر كأنك تعمل مثل المرأة التي تغزل فتنقض غزلها.
وهناك من يسأل لها التي تفعل هذا: حسنًا وبعد ذلك ماذا فعلت؟ جهد! تعال أعلى وأعلم.
