الحكم العطائية | من 2 - 5 | أ.د علي جمعة
- •حقيقة الإيمان تتجلى في التسليم التام لله والرضا بقضائه وقدره، معترفاً أنه لا حول ولا قوة إلا بالله.
- •إرادة التجريد مع إقامة الله للعبد في الأسباب من الشهوة الخفية، وإرادة الأسباب مع التجريد انحطاط عن الهمة العالية.
- •على العبد البقاء حيث أقامه الله، فالإقامة علامتها الاستقامة، فإذا استقامت الأسباب فقد أقامك الله فيها.
- •لا ينبغي للعبد محاولة نقل نفسه من كون إلى كون، بل يجعل الله ينقله.
- •الهمم السوابق لا تخترق أسوار الأقدار، فالله غالب على أمره.
- •التدبير نوعان: محمود كتدبير النبي صلى الله عليه وسلم حين كان يخزن طعام سنة، ومذموم وهو حمل الهم والتعلق بالأسباب.
- •اجتهاد العبد فيما ضمنه الله له وتقصيره فيما طلبه منه دليل على انطماس البصيرة.
- •ينبغي الاجتهاد فيما طلبه الله من العبادة وتزكية النفس وترك التعلق بما ضمنه الله.
دعاء افتتاحي بالرحمة والمغفرة والتوفيق لصالح الأعمال
والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. اللهم يا ربنا اجعل هذا الجمع جمعًا مرحومًا، وتفرُّقنا من بعده تفرُّقًا معصومًا، ولا تجعل فينا شقيًّا ولا محرومًا، وهَبْ مسيئنا إلى محسننا، واغفر لنا جملةً واحدةً على ما كان منا من تقصير.
اللهم اغفر وارحم وتجاوز عمّا تعلم، إنك أنت الأعزُّ الأكرم. اللهم يا ربنا اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ووفِّقنا لصالح الأعمال لا يوفِّق لصالحها إلا أنت، وانقلنا من دائرة سخطك إلى دائرة رضاك، وأقمنا حيث ترضى. وصلِّ اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
شرح حكمة ابن عطاء الله في إرادة التجريد مع الإقامة في الأسباب
قال [ابن عطاء الله السكندري] رضي الله تعالى عنه ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين:
«إرادتك التجريد مع إقامة الله إياك في الأسباب من الشهوة الخفية، وإرادتك الأسباب مع إقامة الله إياك في التجريد انحطاط عن الهمة العلية».
أهو وجهٌ آخر من وجوه ذلك الكنز الذي تحت العرش في «لا حول ولا قوة إلا بالله»؟ فإن الأمر بيد الله ولا يكون في كونه إلا ما أراد، وهو سبحانه وتعالى لا يزال خالقًا فعّالًا لما يريد،
﴿لَا يُسْـَٔلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـَٔلُونَ﴾ [الأنبياء: 23]
بيده ملكوت كل شيء، ملكوت السماوات والأرض، بيده الخير سبحانه وتعالى.
وجوب التسليم لله والرضا بقضائه والبقاء حيث أقامك في الأسباب
وعلى ذلك فلا بدّ أيها العبد ما دمت قد علمت حقيقة «لا حول ولا قوة إلا بالله» أن تسلّم أمرك لله وأن ترضى بقضائه وقدره فيك.
إذا أقامك [الله] في الأسباب، والإقامة علامتها الاستقامة، فإذا استقامت لك الأسباب فقد أقامك فيها، فلا تحاول أن تنقل نفسك من كونٍ إلى كون، واجعله هو سبحانه ينقلك.
فإذا أردت أنت أن تنقل نفسك فقد رأيت لنفسك حولًا وقوة، وقد تقرّر أنه لا حول ولا قوة إلا بالله، فبذلك تكون قد خالفت ما اعتقدت، وقلت ما لم تفعل، وفعلت ما لم تقل.
تحذير الله من التناقض بين القول والعمل في دعوى التسليم
والله سبحانه وتعالى يحذّرنا من ذلك التناقض بين القول والعمل:
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 2-3]
كَبُرَ مقتًا! إنها لكبيرة أن تقول بلسانك «لا حول ولا قوة إلا بالله» وأنت كاذبٌ بينك وبين نفسك، حيث إنك تريد لنفسك وترى لها حولًا وقوة، ولا تستطيع أن تتخلّص من حولك وقوتك فتسلّم وترضى بأمر الله فيك.
الإقامة في الأسباب علامتها الاستقامة ووجوب الامتثال لأمر الله فيها
فإذا أقامك [الله] في الأسباب، والإقامة علامتها الاستقامة، أي استقامت لك الأسباب، فلا بدّ عليك أن تكون حيثما أمرك الله كونًا أن تكون.
يسّر لك الزواج، إذن فلا بدّ من السعي وراء الأرزاق. لو جلست بعد أن أقامك في الزواج ويسّره لك واستقام حالك فيه، ويزداد ذلك بالولد، فلا يجوز لك أن تترك الأسباب وأن تقول: لا بدّ لهذه الأسرة أن تعيش كما أريد، فتتقشّف وتزهد في الضروري من العيش.
وأنا سأفعل هذا؟ ليس بيدك! حسنًا، انتهى. أقامك الله في الأسباب فكأنه أمرك بها.
حكم ترك الأسباب بعد تيسير الزواج والإنجاب بدعوى التفرغ للعبادة
هو الزواج مباح أم حرام؟ انتهى، أنت فعلت المباح. يسّره لك أو عكّره عليك؟ يسّره لك. يبقى بعد أن نتزوج وننجب، نريد أن نطلّق ونقتل الأولاد الذين جاءوا؟! لأن أصلًا حصل لي وَجْدٌ من القليل من الذكر الذي ذكرته، وأريد أن أتخلّص بالكلية من التكليفات الشرعية المرعية في الأسرة لكي أتفرّغ للتسبيح!
فما هذا؟ فماذا يقول الشيخ [ابن عطاء الله]؟
«إرادتك التجريد مع إقامة الله إياك في الأسباب من الشهوة الخفية». قال له: نعم، أنت منهمٌ من الخارج، الله الله! ومن الداخل يعلمها الله.
من فهم مراد الله عرف أن ترك الأسباب شهوة خفية مذمومة
لأنه لو كنت من الداخل فهمت مراد الله فيك، وعرفت أن استقامة الأسباب عليك علامة إقامتك فيها، وأنه بذلك لا يجوز لك أن تُخرج نفسك من الأسباب، وإلا رأيت لنفسك حولًا وقوة بخلاف حول وقوة الله، والعياذ بالله تعالى.
لعرفت أن هذا إنما هو من الشهوة الخفية المذمومة المُردية، وليست من الأمور المرضية المقبولة.
هذه الأحوال أحوالٌ نفسانية، والأحوال النفسانية تعني أن النفس أمّارة بالسوء. فالنفس الأمّارة بالسوء عندما تُتعبك قليلًا تقول لها: اسكتي، فأنا ربي أقامني في الأسباب، إن أراد التجريد لأراد التجريد. والتجريد صعبٌ مع الأسباب وتمنّيه مؤلم.
التجريد من الأسباب يعني فقدان الأحبة وهو مصيبة لا يتحملها كل أحد
قالوا: هذا من الألم لا من الملاءمة. أنت تتصوّر أنك تعرف أنه يُخرجك من الأسباب، يعني ماذا؟ يعني موت زوجتك وأولادك!
﴿فَأَصَـٰبَتْكُم مُّصِيبَةُ ٱلْمَوْتِ﴾ [المائدة: 106]
هو الموت مصيبة أم فرح؟ ما هو مصيبة! هل ستقدر على تحمّله؟ يعني التجريد الذي أنت تطلبه، أم أنت تطلبه هكذا تفلسفًا وتلاعبًا؟
نعم، فالشيخ [ابن عطاء الله] ينبّهك أنه لا تتلاعب مع الله. نعم، لا تتذاكَ مع ربنا!
مثال المشي في طريق الله خطوة خطوة دون القفز والعصيان الكامن
امشِ في الطريق خطوة خطوة. قال [العبد]: أريد أن أقفز إلى بابك. قال له [الله]: سِرْ في طريقي وإلا كنت عاصيًا. سِرْ في طريقي!
يعني ربنا يقول لك: امشِ من هنا إلى هناك، المشي يحتاج كم خطوة؟ مائة خطوة. فتقول له: لا، أنا سأقفز! يا ولد، أقول لك امشِ يا فتى، ليس الأمر كذلك. لا، أنا سأقفز!
فتكون شهوة خفية لأنها تُخفي وراءها عصيانًا كامنًا. من أين يأتي العصيان؟ من عدم التسليم والرضا.
قصة محمد الذي سلّم أربع سنوات والتنبيه على عدم الاعتراض على أمر الله
هذا محمد يسلّم عليك أربع سنوات. نعم، أنت محمد؟ آه، والله هذا أمرٌ غريب. أسنعترض أيضًا على أمر الله؟ يتبرّك بالشيخ سيّد.
مثال من ترك وظيفته في الطب ليعمل في الفقه دون إقامة الله له فيه
إرادتك التجريد مع إقامة الله إياك في الأسباب من الشهوة الخفية. فهناك من أقامه الله وأدخله كلية الطب وجعله أستاذًا في كلية الطب، ثم جاء يقول إنه يريد ترك الوظيفة والعمل في الفقه!
أرأيت قلة الحياء هذه؟ الظاهر أنه يعمل شيئًا حسنًا وهو يطلب الشرع، والحقيقة أن الله لم يُقمه هنا [في الفقه].
وهناك آخر حفظ القرآن صغيرًا وتفقّه على يد جدّه، ودخل أيضًا كلية الطب، فأصبح من كبار الأطباء ومن كبار الفقهاء. هكذا أقامه الله في هذا. سبحان الله، لا إله إلا الله!
نموذج الشيخ أبو اليسر عابدين الجمع بين الطب والإفتاء بإقامة الله
مثل الشيخ أبو اليسر عابدين، كان من كبار الجراحين والأطباء، يقولون عنه النِّطاسي البارع، وفي الوقت نفسه كان مفتي الشام؛ لأنه أهل علم، ما هو ابن حفيد صاحب الحاشية الشيخ ابن عابدين الكبير.
وَجَد مكتبةً ووجد جدّه يدرّس له، ووجد الجوّ كذلك هو. وبعد ذلك لمّا أخذ الشهادة الثانوية دخل كلية الطب ونجح وتخرّج الأول. فهذا جيد، فقد أقامك الله في هذا.
ولكن أن تظلّ تخلط وتترك التجارات والدنيا وفروض الكفايات من أجل شيء آخر، يكون تركك للأسباب. وترك الأسباب جهل.
مثال من جرّده الله من الأسباب فلم ييسر له الزواج ورزقه بالقليل الكافي
من الذي جرّدك؟ ربنا واحد. ربنا لم ييسّر له الزواج فلا يوجد إنجاب، وأعطى له بُلغةً سمّوها الرزق.
هذا الرزق ما معناه؟ دخلٌ ثابت يستطيع أن ينفق منه على نفسه، يتبلّغ به لهدفه ولمراده في الحياة الدنيا. وإذا دخل تجارة، ما رأيك؟ يفشل ويخسر كل شيء!
حسنًا، وبعد ذلك انتهى الأمر. فقد أقامك الله فيما أقامك فيه.
من أعطاه الله الصوت الحسن وحفظ القرآن لا يتركه ليعمل في الطب
فإذا كان ربنا قد أعطاك الصوت الحسن وحفّظك القرآن ومدائح النبي صلى الله عليه وسلم، فما الذي يجعلك تعمل في الطب؟ أنا لا أعرف!
أنا أقول له، قولوا له، قولوا له ألّا يعمل في الطب. جرّاحٌ يريد أن يكون جرّاحًا ولم يدخل كلية الطب! لا تنشغل بهذه الحكاية.
وإرادتك التجريد مع إقامة الله إياك في الأسباب من الشهوة الخفية. نعم والله.
مثل العبدين عند الملك أحدهما أُمر بالعمل والآخر أُمر بالخدمة والقرب
وإرادتك الأسباب [مع إقامة الله إياك في التجريد انحطاط عن الهمة العلية]. ربنا قد خلّاك من الأسباب، مثل الملك عنده عبدان:
عبدٌ قال له: انتبه، اذهب اعمل واكسب وأنفق على نفسك، سامحٌ لك أنا بذلك. قال له: حاضر يا سيدي.
والآخر قال له: اجلس هنا تحت قدمي، أريد أن أقول لك: هات كوب ماء، هات كوب شاي، ها أنت تبقى معي. حسنًا، وآكل من أين؟ ما سأُطعمك أنا! إذن أنت لا شأنك، أنت ستأكل معي من طعامي وتشرب من شرابي. أتدرك كيف؟
غباوة من رفض أمر الملك فترك العمل وجلس في الإسطبل بلا رزق
فجلسوا. ما رأيك في غباوة أخينا الذي رفض أن يذهب ليعمل وجلس هناك في الإسطبل وقال: لماذا الآخر لا يعمل؟ فلا عمل ولا رزق ولا أكل ولا شراب، شيئًا!
وما رأيك في غباوة هذا صاحبنا الآخر لو حدثت له غباوة؟ الذي قال له الملك: اجلس هنا حتى يأتي الغداء. أيضًا، من جاور السعيد يسعد! هياكل شيئًا من الملك، وطعام الملوك كما تعلمون مريح، هكذا جميل. نعم، إلا الله!
جرّبته كم على ذلك؟ إلا كم على هذا؟ فإذا الطمع الذي حصل لأخينا الآخر لم يوصله في طريق، تركه في الإسطبل مع البهائم؛ لأنه بهيمة. نعم.
غباء من أقامه الملك عنده فأراد الخروج للعمل وتحقيق الذات
أما غباء الثاني هذا، لو أخذ نفسه وغاب: كلما جاء الطعام يغيب، كلما جاءت النعمة يغيب، كلما أراد الملك أن يقوم يغيب. ما هذا؟ ماذا تفعل؟ لماذا هكذا؟
قال: لا، وما شأني أنا، أريد أن أعمل وأن أحقّق ذاتي! مثل النساء في هذين اليومين المعاصرات: أريد أن أحقّق ذاتي!
إذن ربنا أكرمك وأراحك وجعلك مكرّمة وسمّاكِ ستّ.
أصل كلمة ست في اللغة العربية ومعناها ست جهاتي أي ملكت عليه كل الجهات
ستّ هذه من أين جاءت؟ لا، هذا من «ستّ جهاتي». الرجل يقول لها: يا ستّ جهاتي، يعني يا من ملكتِ عليّ ستّ جهاتي.
قال: يعني وهو ماشٍ، قال: انظر الفعل وهو ماشٍ في الطريق يراها أمامه، قام يلتفت عن يمينه فوجدها عن يمينه، لا يستطيع مغادرتها. أي ينظر عن شماله فيجدها شماله. قال: يا ربّ! فوجدها فوق، ينظر تحت فوجدها موجودة تحت، فأحاطت به من ستّ جهاته.
أي هذا في الأول كان العرب يقولون لها ماذا؟ يا ستّ جهاتي. وبعدين «جهاتي» لم يعودوا يقولونها لكثرة الاستعمال، فأصبحت فيها: يا ستّ.
إرادة الأسباب مع إقامة الله في التجريد انحطاط عن الهمة العلية
قال: انظر كل هذا الإكرام، وبعد ذلك تقول: أريد أحقّق ذاتي! عندما يقولون لها يا ستّ تغضب! انحطاطٌ من الهمة العلية.
يستّها [أي جعلها سيدة] في البيت ولكنها تريد أن تشعر بذاتها. تشعر بذاتها؟ لا مانع من ذلك.
وإرادتك الأسباب مع إقامة الله إياك في التجريد انحطاطٌ عن الهمة العلية؛ لأن صاحب الملك هذا عندما يريد أن يذهب إلى الأسواق ويعمل، أمجنون هذا أم ماذا؟ هذا ربنا كفل له العيش والراحة!
معنى سوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار وبيان إضافة الصفة للموصوف
قال رضي الله تعالى عنه: «سوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار».
أي الهمم السوابق، يعني هذا من باب إضافة الصفة للموصوف. «سوابق الهمم» يعني ماذا؟ يعني الهمم السوابق. فتبقى «السوابق» هذه صفة أضفناها إلى الموصوف الخاص بها، فانعكست بهذا الشكل.
سوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار. الهمم السوابق هذه التي تخصّ كبار أولياء الله الصالحين. أما الهمم التي ليست سابقة فالله أولى بها.
الأقدار لا تُخرق حتى بالهمم العالية لأن الله غالب على أمره وهو القاهر فوق عباده
إذا كانت الهمم القوية العالية التي بينها وبين الله صلة وليس بينها وبين الله حجاب لا تخرق أسوار الأقدار، فالأقدار هذه تصنع سورًا حول نفسها، وهذه الهمم لا تستطيع أن تخرقها.
﴿وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمْرِهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 21]
﴿وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: 18]
سبحانه وتعالى! أبدًا لا يستطيع أحدٌ من الناس أن يفعل شيئًا معه ولا من الأكوان أبدًا، فأمره هو النافذ سبحانه وتعالى. يبقى هذا «لا حول ولا قوة إلا بالله» أم لا؟
حقيقة أهل التصريف وأنهم مرآة لإرادة الله لا يتصرفون بأنفسهم
هناك أناسٌ أطلقوا عليهم أهل التصريف. ما أهل التصريف هؤلاء؟ قيل: إن مراده مراد الله، فكأنه يتصرّف في الكون وهو لا يتصرّف في شيء.
إنه مرآة، هو لا يتصرّف حقيقة ولكن يبدو كذلك، كأن الله يسارع في هواه.
السيدة عائشة [رضي الله عنها] تقول لسيدنا رسول الله ﷺ: أرى الله يسارع في هواك. فكان الله يسارع في هواه. يريد شيئًا معيّنًا ويكلّمك في أمره: والله أنا أريد فلانًا هذا، فتجده داخلًا! الله! مثلًا يعني على الأشياء الخفيفة.
كرامة أهل الله تُقضى حوائجهم قبل أن يرفعوا حواجبهم
تُقضى حوائجهم قبل أن يرفعوا حواجبهم، يا سيدي يا سيدي يا سيدي يا سيدي! هذا إذن كلام أهل مصر في كل عصر.
الحمد لله الذي خلقنا في هذه البقعة المباركة. نعم.
فقُلْ: تُقضى حوائجهم من قبل أن يرفعوا حواجبهم. ما هذا؟ ما هذا الكلام الجميل؟ هذا جئت به من أهل الله. آه، جاء به من أهل الله! قبل أن يلتفت طرفة عين، هكذا تجده قد تحقّق.
فتقول: هذا الرجل غريبٌ جدًّا! هذا لم يدعُ، لم يقل: اللهم ائتني بفلان. إنه يقول: والله أنا أريد أن تبعثوا لتأتوا لنا بفلان، فإذ به داخلًا!
سرّ مسارعة الله في هوى أوليائه هو التسليم التام والرضا التام
يسألون عن واحد: ما رأيك في فلان؟ يقول: لا، ضعيفٌ في العلم، هكذا لا يستحق النجاح. فيرسب! وهكذا كان الله يسارع في هواه.
ما هذه الحكاية؟ قال: أصله هذا وصل إلى مرحلة التسليم التام والرضا التام، فالله سبحانه وتعالى يعطي له من صفاته، يعكس صفاته عليه.
صفات ربنا يقول ماذا؟
﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [يس: 82]
على الفور! فإن ربنا يمنّ عليه بالرضا والتسليم، بحيث أنه يكون ما في الكون كما في النفس، وما في النفس كما في الكون.
سوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار والولي ينظر ما يريد الله فينفذه
فسوابق هممه يعني هممه السوابق لا تخرق أسوار الأقدار. انظر ماذا يريد الله ويفعله الله، يريد شيئًا وينفّذه.
ولذلك تجد هؤلاء الناس عندما يموت أحدٌ تجده يبكي ولكنه ليس حزينًا، انتبه! وبعضهم تجده يبكي وهو حزين؛ لأن الله أراد منه بموت العزيز أن يبكي، لأن الله أراد منه بموت العزيز أن يبكي.
ربنا خلق الإنسان هكذا: يحزن عندما يفقد عزيزًا لديه، فعينه تدمع هكذا وقلبه يحزن قليلًا، ولكن لله [أي راضٍ بقضاء الله].
الولي يأخذ بالأسباب كالدواء ولا يخرق أسوار الأقدار بل يسلّم لله
وهو يأخذ الدواء، يأخذ الدواء ويذهب يشتريه من الصيدلية وكل شيء؛ لأن الله سبحانه وتعالى عندما أمرضه كأنه أمره أن يذهب للدواء، ويعطي المال للصيدلي رزقه. وإلا كيف يعمل الصيدلي؟ سبب. نعم.
ويأخذ هذا السبب ويتناوله، ولا يخرق أسوار الأقدار.
«سوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار»، يعني هذا من فعل المكلَّف، يعني لا يحاول أن يسبق أن يخرق أسوار الأقدار.
درجات العبودية بين من لا يحاول خرق الأقدار ومن حاول فلم تنخرق
ولذلك فقد صار عبدًا ربّانيًّا ولا فعلًا. إذا حاول أن يخرقها فما انخرقت، الاثنين [الحالتان]، ولكن هذه درجة وهذه درجة.
أنت لديك همّة وتريد أن تخرق أسوار الأقدار، فتكون أنت من أبو ثلاثة! ساغ أسوار أقدار؟ ما الذي ستخرقها؟ ستغيّر كون الله؟ كيف؟!
لا، أنت لا ترضى أن تدعو بشيء مخالف للقدر. انظر كم! لماذا؟ يعني: يا ربي افعل ما شئت فإني راضٍ. هذه الحاجة العالية.
الحكمة ذيل الحكمة السابقة والرضا والتسليم أساسهما لا حول ولا قوة إلا بالله
ولذلك قالوا إن الحكمة هذه ذيل الحكمة الأخرى [السابقة]. يعني ما يجعلك يا أخي ارضَ وسلّم، ترضى وتسلّم بشأن ماذا؟ أصله «لا حول ولا قوة إلا بالله». انتبه!
قال رضي الله تعالى عنه: «أرِحْ نفسك من التدبير، فما قام به غيرك عنك لا تقم به لنفسك».
التدبير المحمود الذي فعله النبي ﷺ بتخزين طعام سنة لأهله
التدبير نوعان: نوعٌ لا يمكن تركه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم دبّر وكان يخزن طعام سنة ولا يزيد على سنة.
قال ﷺ: يجلب لأهله، لأزواجه رضي الله تعالى عنهن، طعام سنة.
خزّنوا هذا يا أولاد هنا لكي نأكل منهم خلال هذه السنة، وانتهينا. الحديث انتهى هكذا.
فتأتي لتبحث إذن في السيرة، يقول لك ماذا؟ فلا يبقى ذلك عنه أيامًا. ما هو خزّن سنة، يخزّن سنة! لماذا؟ لكي يعلّمنا التدبير المحمود.
جود النبي ﷺ وإنفاقه كل ما ادخره حتى يعيش على الطوى ويشد الحجارة على بطنه
التدبير المحمود، والواقع ماذا؟ عليه الصلاة والسلام كان أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان. فلا يأتيه سائلٌ ولا محتاج ولا يرى واحدًا كهذا متعبًا أم ماذا، [إلا قال له]: خذ! فلا يبقى عنده مما ادّخره أيامًا، ويعيش على الطوى بعد ذلك.
«وشدّ من سَغَبٍ أحشاءه وطوى، تحت الحجارة كَشْحًا مُترَف الأَدَم». ما هو أصله ابن ناس، حسيبٌ نسيب، وبطنه رقيقة ليست تتحمّل كدحًا ولا كدًّا، لا هذا حاجة ولا ملوك، لا شيء يقارن به.
هذا سيد الخلق ﷺ، فمن شدة الجوع كان يضع صلى الله عليه وآله وسلم الحجارة على بطنه حتى يصبر على الجوع. ما هو الذي معه أعطاه للغير، ما عاد معه شيء.
التدبير المحمود يجيز الادخار سنة والتوكل الحقيقي لا يعني ترك الأسباب
لكن يعلّمنا نحن أننا يمكن أن ندبّر مدة سنة. لمّا خرج ﷺ إلى أُحُد خالف بين دِرعيه.
قال ﷺ: «لو توكّلتم على الله حقّ توكّله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خِماصًا وتعود بِطانًا»
أي ذاهبة وآيبة. أي التدبير هذا الذي قال لك عنه [الشيخ]: لا تترك الأسباب، لا مانع منه.
فما هو التدبير الذي يُنهى عنه الآن؟ يقول لي: نعم، وأنت تعمل الأسباب لا تعتمد عليها، لا تحمل همًّا.
التدبير المنهي عنه هو حمل الهم والخوف من المستقبل وعدم التسليم لله
فيكون التدبير المنهي عنه ألّا تحمل الهمّ. إذا حملت الهمّ فاعلم أنك ناقصٌ في طريق الله.
لا تحمل الهمّ. ارضَ، نعم. سلّم، نعم. ثِقْ بالله. فلا تحمل الهمّ. لو حملت الهمّ فلا يكون هناك تدبير [حقيقي]. علينا السعي وعليه التدبير إن شاء الله.
أرِحْ نفسك من التدبير الذي هو حمل الهمّ. هذا: أنا خائف غدًا يحدث كذا! فتبقى لا تزال في البداية، لا تزال لم تدخل الطريق، لا تزال لم ينفتح الباب.
أرِحْ نفسك من التدبير، يعني أرِحْ نفسك من التعلّق والهمّ.
ما قام به الله عنك من التدبير لا تقم به لنفسك فذلك جهل
إذا ما دبّرت، فما قام به غيرك عنك — الله كتب عليك ما سيكون — ما تقوم به لنفسك هذا جهل.
ثم قال [ابن عطاء الله]: «اجتهادك فيما ضُمن لك» من الأرزاق، من الصحة، من كل هذا، ليس معناه أن تترك الأسباب، ولكن لا تعتمد عليها.
لا تترك الأسباب ولا التدبير، ولكن إياك أن تعتمد عليها وتتعلّق بها وتفرح وتحزن على الموجود والمفقود.
الاجتهاد فيما ضُمن لك والتقصير فيما طُلب منك دليل انطماس البصيرة
«اجتهادك فيما ضُمن لك وتقصيرك فيما طُلب منك دليلٌ على انطماس البصيرة منك».
فالعين هذه للبصر، وهناك بصيرة في القلب، وبصيرة القلب ترى الحقائق كما ترى العين المحسوسات.
فلا بدّ لك ببصيرة قلبك أن تعلم الحقيقة، وهو أن اجتهادك إنما ينبغي أن يكون فيما طُلب منك: طُلب منك العبادة، طُلب منك العمارة، طُلب منك تزكية النفس، ينبغي عليك بها. ولا يكون اجتهادك فيما ضُمن لك أبدًا.
فهذه حقيقة التوكل: اجتهد فيما طُلب منك، ودَعْ عنك ما ضُمن لك.
التحذير من انطماس البصائر والدعاء بتنوير البصائر والمغفرة والسكينة
اجتهادك فيما ضمن لك الله تعالى وتقصيرك فيما طُلب منك سبحانه دليلٌ على انطماس البصيرة منك. نعوذ بالله من انطماس البصائر.
فاللهم يا ربنا نوّر بصائرنا واغفر ذنوبنا واستر عيوبنا ويسّر غيوبنا.
اللهم يا ربنا أنزل علينا من خزائن فضلك ومن السكينة ما تثبّت به أفئدتنا. اللهم أحينا مسلمين وأمتنا مسلمين غير خزايا ولا مفتونين.
وجازِ عنّا سيدنا محمدًا خير ما جازيت نبيًّا عن أمته. صلِّ عليه في الأولين، وصلِّ عليه في الآخرين، وصلِّ عليه في العالمين، وسلّم تسليمًا كثيرًا.
