الحكم العطائية | من 231 - 248 | أ.د علي جمعة
- •العلم النافع هو الذي ينبسط في الصدر شعاعه ويكشف عن القلب قناعه، فإذا فهم المرء هذا فهو قد علم.
- •العلم في القرآن هو ما يوصل إلى معرفة الله، وما لم يوصل إليه فليس بعلم وإن كان معلومة.
- •قسم العلماء العلم إلى ممدوح ومذموم، والممدوح ما أفاد خشية الله، والمذموم ما كان حجاباً بين العبد وربه.
- •المغضوب عليهم هم الذين عرفوا الحق لكن لم يصلوا به إلى الله.
- •المتواضع الحقيقي ليس من يرى أنه فوق ما صنع، بل من يرى أنه دون ما صنع.
- •التواضع الحق ينشأ من شهود عظمة الله لا من رؤية النفس.
- •المحب الصادق لا يرجو من محبوبه عوضاً، ولا يطلب منه غرضاً.
- •الإنسان يجمع بين عالمي الملك والملكوت، فمن الملك أخذ الجسد، ومن الملكوت أخذت الروح.
- •الله جعل الإنسان في العالم المتوسط بين ملكه وملكوته ليعلمه جلالة قدره بين مخلوقاته.
الدعاء الافتتاحي بالمغفرة وشرح الصدور والاستعاذة من الهموم
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، اللهم اغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار، واشرح صدورنا للإسلام.
اللهم يا أرحم الراحمين استر عيوبنا ونوّر قلوبنا واهدنا إلى أقوم طريق. اللهم نعوذ بك من الهم والحزن، ومن العجز والكسل، ومن غلبة الدين وقهر الرجال، ومن الكفر والفقر، ومن سوء المحيا والممات.
اللهم أحينا مسلمين وأمتنا مسلمين غير خزايا ولا مفتونين، اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم إنك أنت الأعز الأكرم. أقمنا بالحق وأقم الحق بنا واعصمنا من الزلل والخطأ والخطيئة.
الدعاء بجمع الرحمة والصلاة على النبي والانتفاع بالقرآن الكريم
واجمعنا على خير في الدنيا والآخرة، واجعل جمعنا هذا جمعًا مرحومًا وتفرقنا من بعده تفرقًا معصومين، ولا تجعل فينا شقيًا ولا محرومًا، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
aهدنا فيمن هديت وعافنا فيمن عافيت وتولنا فيمن توليت، لا حول ولا قوة إلا بالله. اللهم صلِّ وسلم على سيدنا محمد في الأولين وفي الآخرين وفي الملأ الأعلى إلى يوم الدين، وانفعنا به في الدنيا واجعله إمامنا في الآخرة.
واجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا وجلاء همنا وحزننا، واجعله حجة لنا ولا تجعله حجة علينا. اللهم يا ربنا استجب دعاءنا ولا تردنا خائبين، وأدخلنا الجنة من غير حساب ولا سابقة عذاب ولا عتاب، ومتعنا بالنظر إلى وجهك الكريم في جنة الخلد يا أرحم الراحمين.
تعريف العلم النافع الذي ينبسط في الصدر ويكشف عن القلب قناعه
قال المصنف [ابن عطاء الله السكندري] رحمه الله تعالى ونفعنا الله بعلومه في الدنيا والآخرة: العلم النافع هو الذي ينبسط في الصدر شعاعه، ويكشف به عن القلب قناعه.
إذن فهناك علم، وإذا سُمّي شيء بهذا الاسم في الكتاب العزيز فالمقصود به معرفة الله؛ فكل علم وصل إلى الله [أي أوصل صاحبه إلى معرفة الله]، وما لم يوصل إلى الله فليس بعلم وإن كانت معلومة.
يبقى الواحد عارفًا معلومة عرف بها ربه، وآخر عارف نفس المعلومة فكانت حجابًا بينه وبين ربه بالإلحاد والكبر.
تقسيم العلم إلى ممدوح ومذموم وعلاقته بالوصول إلى الله تعالى
ولذلك قالوا: العلم حجاب. أي علم هذا الذي يحجب؟ الذي لا يوصل إلى الله. وبذلك قسّموا العلم إلى ممدوح ومذموم، ولكن العلم في لغة القرآن هو الممدوح فقط، ولا يُسمّى الآخر علمًا؛ سمّه إدراكًا، سمّه استخفافًا، سمّه حماقة، سمّه ما تشاء أن تسميه.
ولكنها معلومات وقد تكون معلومات صحيحة، لكنها لما وقفت حائلًا بين العبد وربه ولم تزد العبد أدبًا مع الله في الطريق إلى الله كانت وبالًا عليه.
ولذلك يقول [الله تعالى في سورة الفاتحة]:
﴿غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ﴾ [الفاتحة: 7]
المغضوب عليهم الذين عرفوا وعلموا ولكنهم لم يصلوا إلى الله؛ فهم يعرفون الحق لكن لا يصلون به إلى الله فيبقون مغضوبًا عليهم.
خطورة العلم الذي لا يوصل إلى الله وعاقبة من لم ينتفع بعلمه
﴿وَٱعْلَمُوٓا أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: 24]
أي يبقى الواحد منهم في جهنم وليس يعرف كيف يخرج منها؛ لأنه لم يجعل هذا العلم لوجه الله، ولم ينفعه ذلك العلم إلى أن ينطق ويقول: سبحان الله، لا حول ولا قوة إلا بالله.
أما من أفاده العلم بذلك [أي بمعرفة الله والتسليم له] فهو علم محمود.
﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَـٰٓؤُا﴾ [فاطر: 28]
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]
قال [المصنف]: فأطلق فعمّم، يعني: هل يستوي الذين يعلمون ماذا؟ أي شيء يعلمون، أي شيء! ولذلك لم يقيّد ولم يقل يعلمون الشرع ولا يعلمون اللغة ولا يعلمون الطب ولا يعلمون الفلك ولا أي شيء يعلمون، والذين لا يعلمون أبدًا.
الفرق بين العلم الممدوح والمذموم ودور ابن عطاء الله في تربية القلوب
فما الفرق بين العلم الممدوح المحمود والعلم المذموم المردود؟ فالشيخ [ابن عطاء الله] هنا ليس له شأن إلا بما في القلوب؛ لأنه يربي ماذا؟ يربي القلوب. الشيخ ابن عطاء يربي القلوب.
فقال: العلم النافع الذي هو خاص بالقرآن، هذا هو الذي يوصل إلى الله. تعرفه كيف؟ هو الذي ينبسط في الصدر شعاعه؛ ينير، لكن الآخر يُظلم. يجلب راحة، لكن الآخر يجلب كآبة.
ويكشف به عن القلب قناعه؛ فلما يرتفع عن القلب القناع يرى [صاحبه] مَن يرى [أي يرى] الله، ولا يبقى فيه إلا الله، فيعرف الحقيقة انظر أمامه هكذا واضحة.
حقيقة معرفة الله بأسمائه وصفاته والوصول إلى مرتبة التسليم والرضا
حقيقة هي أن الله هو الخالق، أن الله هو المدبر، أنه لا يكون في كونه إلا ما أراد، أنه سبحانه وتعالى فعّال لما يريد، أنه لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون، أنه سبحانه وتعالى هو الخالق هو البارئ هو المصور هو الرزاق، وأنه هو النافع الضار، وأنه لا يكون في هذا الكون شيء إلا بإرادته وبقدرته.
ولذلك يصل [العبد] إلى مرحلة التسليم والرضا؛ يحصل عنده رضا هكذا، رضا بما يكون. يصل إلى مرتبة أنه: إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي. وما معنى ذلك؟ فليكن ما يكون.
الرضا والتسليم قوة وليس ضعفًا مع الأخذ بالأسباب كسنة النبي ﷺ
لا، هو [أي العبد] عرف، هو يقول لي: ليس فرقًا عن القوة؛
قال رسول الله ﷺ: «المؤمن القوي خير وأحب عند الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير»
الرضا والتسليم هذا قوة وليس ضعفًا، قوة! لا يترك نفسه يعني كريشة في مهب الريح، لا، هذا مسلم أمره لله. يقول لك: سلّم أمرك لله؛ لأن التسليم لله سبحانه وتعالى يصل بالإنسان إلى الراحة وإلى الهدوء وإلى قبول المجريات على ما كانت.
ويفعل كما كان يفعل رسول الله ﷺ؛ فرسول الله لم يسكن بل جاهد في سبيل الله باللسان والسنان، ولما خرج إلى أُحد لبس درعين، لم يترك العمل نهائيًا. الله يعصمك من الناس فيما يخص ما يطوله، لكن لا، دخل بين درعين.
التوكل على الله مع العمل والأخذ بالأسباب كما تغدو الطير وتروح
قال رسول الله ﷺ: «لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا وتروح بطانًا»
أي بتغدو وتروح وليس قاعدة في أوكارها، هذه بتغدو وتروح. إذن نعمل ولكن مع الرضا التام والتسليم التام؛ فإن الرضا والتسليم قوة.
قصة الطبيب الملحد في حوض الأمازون وعشرة آلاف كائن حي يتجدد يوميًا
والعلم النافع هو الذي ينبسط في الصدر شعاعه، ينير قلبك، ويكشف به عن القلب قناعه.
مرة واحد أمريكي ملحد يكلمني يقول لي: أنتم يا جماعة أهل الدين أنتم تقولون أشياء غريبة، أن الله حكيم وأن الله خلق حكيم. ماذا؟ نحن ذهبنا في حوض الأمازون — حوض الأمازون هذا في أمريكا الجنوبية — كان هو في قافلة، هو من ملاحدة الأطباء.
ذهبنا في حوض الأمازون ونزلنا بجانب مستنقع، فوجدنا فيه عندما أخذنا المياه وحللناها تحت المجهر عشرة آلاف كائن حي في المياه. قلت له: وبعد ذلك؟ انظر المعلومة، أليست هذه معلومة؟ ألم يذهب وأتعب نفسه ومعه المجهر وهكذا لكي يريه الله عشرة آلاف [كائن حي].
تجدد الخلق كل يوم في المستنقع وإثبات أن الله ما زال خالقًا
عندما جاء المغرب العشرة آلاف هؤلاء اختفوا — كانوا أميبا ودابّت هكذا في المياه — وأُنشئ بدلًا منهم عشرة آلاف آخرون لا علاقة لهم بالعشرة الأولين.
فقلت له: يا سبحان الله! فقال لي: وفي اليوم الثاني كذلك، وفي اليوم الثالث كذلك، وفي اليوم الرابع كذلك. أتسمح أن تقول لي إذن ربكم الذي تتحدثون عنه فعل هذا لماذا؟ هل يوجد أحد يشعر بهم؟ نحتاج هم؟ أضرّوا أحدًا؟ نحتاج عشرة آلاف في عشرة آلاف في عشرة آلاف؟ هذا الذي نحن أيضًا سجلناه ومعنا حاسوب وجالسون نسجل عليه عشرات وكلها مختلفة.
هو يقول لي هكذا وأنا أقول له: سبحان الله، لا إله إلا الله! ويقول لي: ماذا يعني؟ ماذا يعني الفائدة يعني؟
الرد على الملحد بأن تجدد الخلق يثبت أن الله ما زال خالقًا كل يوم
قلت له: كل يوم هو في شأن [كما قال الله تعالى]، هذا يثبت لك أيها الجاهل أنه ما زال خالقًا! هذا أحسن من أن تقول له أن هذا خلق وسكت، هذا يثبت له كل يوم.
تقول: المغرب؟ قال لي: كل يوم المغرب. قلت له: حسنًا. والنعمة! دعنا، والله والنعمة هكذا. قال لي: والنعمة هكذا! هو لا يعرف النعمة، قالها بالإنجليزية.
فقلت له: لا إله إلا الله! أنا آمنت الآن بالله إيمانًا لو كُشف عني الحجاب ما ازددت يقينًا. منك أنت يا كافر أنت! لأن هذا انتهى، هذا كل يوم هو في شأن صحيح وعن علم، ها هو وجاءني من [هذه] المعلومة.
المعلومة الواحدة قد تكون سبب إيمان أو كفر بحسب هداية الله للقلوب
انظر المعلومة: فأصبح لدي المعلومة وله المعلومة، ويمكن أن تكون معلومته أكثر يقينًا؛ لأنني أخذتها عن طريق السمع وهو أخذها عن طريق المشاهدة، إلا أن الله سبحانه وتعالى أغلق بها قلبك وفتح بها قلبي.
فإذن معلومة واحدة يمكن أن تكون سببًا في الكفر وتكون سببًا في الإيمان. فنحن لدينا دعوة: عقولنا البشرية هذه لا بد فيها من شيء يأتي من الخارج [أي من هداية الله].
ولذلك لأن المعلومة الواحدة كان ينبغي أن يكون لها الأثر الواحد، لكن هذه لها الآثار المختلفة. فكيف كان هذا؟ الله هو الهادي المضل.
محاولة إقناع الملحد بوجود الله من خلال ما شاهده بنفسه في الطبيعة
فلما قلت له: أنا انظر، حوّلت كل شيء أيضًا الذي ليس فيه لديك [دليلًا] أن ربنا موجود أيضًا، فيبقى هو أيضًا مصرّ على ماذا؟ على الكفر! لم يأخذ باله أنه عنيد في الكفر، وأنني أنا مع المرسلين مع الأنبياء.
إذن ندعو، إذن الذي نحن ندعوه هذا ويستجيب، من هذا؟ الله.
خير العلم ما كانت الخشية معه وقصة الشاب الغاضب من الله بسبب فقد أخيه
خير العلم ما كانت الخشية معه. العلم الذي من غير خشية بالشكل هذا، والذي يجلس متربصًا وكأنه ضد الله.
قلت له: يا بني وأنت ضد ربنا؟ قال لي: نعم. قلت له: لماذا يا خير؟ ماذا فعل لك؟ قال: أخذ أخي وهو شاب. قلت له: الله! إذن أنت معترف بأنه يوجد ربنا لكن غاضب منه، أي؟ ها، وقع بلسانه! وقع بلسانه! لا يستطيع يا عيني لا يستطيع أن يلحق ويقول [غير ذلك].
قال لي: خذ أخي وهو شاب صغير وكنا نحب بعضنا كثيرًا. [فقلت له:] فلماذا لا تحبه أكثر حتى عندما تلحق بأخيك تجده أنت وهو في الجنة؟ وعلى كل حال هو في نهاية المطاف قال لي: سأفكر. حسنًا.
العلم بلا خشية لا يوصل إلى الله وخطر الاستنساخ والتدمير بلا أدب مع الله
خير العلم ما كانت الخشية معه. أما لا توجد خشية وفي علم المعلومات، أي لا يصل إلى الله ولا يتعلم الأدب معه، فالآن يوجد استنساخ ويريدون أن يعملوا ليقضوا على الموت ويعملوا لنا نسخة أخرى، فخذوا واضربوا في رؤوسكم! هناك هذه معلومات كلها.
فما معنى ذلك؟ ولكن هل هذه المعلومات فيها خشية؟ فنخفف الآلام عن الناس ونعالج المرضى بهذه المعلومات المطلوبة، ولا تؤدي بنا هذه المعلومات إلى حرب النجوم وحرب الكواكب وتدمير الأرض والهيمنة عليها. فما هو إلا أنه لا توجد خشية.
العلم إن قارنته الخشية فلك وإلا فعليك الويل والحساب يوم القيامة
قال [ابن عطاء الله] رضي الله تعالى عنه: العلم إن قارنته الخشية فلك، سيُحسب لك وتُحشر يوم القيامة مع العلماء. وإلا فعليك الويل، يا لك من شخص!
عليك تحاسب: عندما رأيت عشرة آلاف شيء قد قضاها [الله] لك ويصنع لك غيرها، ألا تقول سبحان الله؟ تعال يا ولد، ألا تقول لا إله إلا الله؟ ألا تقول لا حول ولا قوة إلا بالله؟ ألا تقول كل يوم هو في شأن؟ ألا تقول يعني:
﴿يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ﴾ [الشورى: 49]
سبحانه! ألا تصفه بالصفات العليا ولا تجلس هكذا مثل المسمار تتكلم كلامًا فارغًا لا أساس له.
الرجوع إلى علم الله فيك عند أذى الناس وعدم إقبالهم عليك
قال [ابن عطاء الله] رضي الله تعالى عنه: متى ألمك عدم إقبال الناس عليك أو توجههم بالذم إليك، فارجع إلى علم الله فيك. فإن كان لا يقنعك علمه فمصيبتك بعدم قناعتك بعلمه أشد من مصيبتك بوجود الأذى منهم.
لما تجد أذى حولك، أذى ناس آذتك، قم ارجع إلى علم الله [فيك]؛ له حكمة في أنه يسلط هؤلاء عليّ. فماذا أفعل؟ التسليم والرضا. قم تجد أنها تنفك.
التسليم الحقيقي لوجه الله وليس للتخلص من المعاناة فحسب
لكن لو سلّمت ورضيت هكذا في الظاهر وما وجدتها لم تنفك، فقلت: يا الله هذه ما انفكت! تكون لا تقصد بها وجه الله. تقصد وجه الله لما تنسى القصة، ولكن تثقل عليك المعاناة.
حسنًا، وعلم الله فيك: انتبه إلى أن هذا كله لا يكون إلا بإرادة الله فيك. وعلم الله فيك ستأخذه إلى أين؟ تذكره دائمًا.
إن لم تكن مقتنعًا أن الله سبحانه وتعالى هو الذي قدّر عليك هذا، فستكون مصيبتك كبيرة، وستكون مصيبتك هذه أشد من المصيبة التي تخصك في ابتلائك من هؤلاء المؤذين. وربنا يقينا شر المؤذين من الجن والإنس؛ لأنهم يريدون أن يفتنوا الناس.
لا يكون مطمح نظرك إلا إلى مولاك فإنه سترك وغطاك سبحانه
فلا يكون مطمح نظرك إلا إلى مولاك؛ فإنه سترك وغطاك، يعني هو الذي يسترك وهو الذي يغطيك. إذن لا يكون مطمح نظرك إلا إلى مولاك سبحانه وتعالى.
أجرى الأذى على أيديهم كي لا تكون ساكنًا إليهم؛ فلو أجرى الخير على أيديهم لكنت تعلقت بهم من دون الله وأحببتهم، لكنه يريدك ألا تحبوا إلا إياه. لا تحبه هو فحسب، أراد أن يزعجك عن كل شيء.
فيصبح الأمر كذلك أن الإنسان عندما يتلقى الأذية من كل شيء، تصبح الأشياء مؤذية. أحيانًا يمشي فيتعثر في الكرسي، حتى أن الكرسي يصطدم به! فماذا يفعل؟ يتذكر فيضع يده هكذا: لا إله إلا أنت، أنا معك، لا بأس. املأ قلبه ليبقى متعلقًا بالله.
حكمة إجراء الأذى على أيدي الناس حتى لا يشغلك عن الله شيء
متى رأيت عدم إقبال الناس عليك فإنما أجرى الأذى على أيديهم كي لا تكون ساكنًا إليهم. أراد أن يزعجك عن كل شيء حتى لا يشغلك عنه شيء.
هذه تسمى التوابل الخاصة بالحِكَم؛ لأننا اقتربنا من إنهائها. فماذا جلب لك الخلاص؟ ويتحدث [ابن عطاء الله] عن الأذى. تحدث من قبل عن الأذى، لم يتحدث من قبل عن الأذى، إذن لماذا يتحدث اليوم عن الأذى؟
لا بد أن أحدًا حاضرًا فينا هكذا هو متعرض للأذى، ولا بد أن يكون ملّ من الأذى، فربنا ساقه لكي يسمع الكلمتين اللتين لسيدي ابن عطاء الله اليوم.
رسالة خاصة للمبتلين وأن ترتيب الأقدار كله بإذن الله وتدبيره
هما بالنسبة لك تقول: نعم، ما هو نحن نعرف هذا الكلام؛ لأنك لست متعرضًا للأذى. ولكن الشخص المتعرض للأذى الذي ساقه ربنا اليوم يكون هذا الكلام له هو، فيكون الترتيب هكذا.
أليس كله ملك لربنا؟ وسُنّة الخلائق أقلام الحقائق. ما الذي يجعل الشيخ ابن عطاء يتكلم بهذا الكلام في القرن الثامن الهجري أو السابع؟ وما الذي يجعلنا نقرأ ابن عطاء؟ وما الذي يجعل هذا الإنسان المبتلى يأتي إلينا اليوم لكي يسمع هذا الكلام ونقول له: لا إله إلا الله!
أيضًا كل ذلك بإذن الله، فتكون هذه رسالة خاصة للمبتلين. وانتبه يا مولانا الشيخ طه، حسنًا إن الشيخ طه أيضًا مبتلى. تمام، ربنا جميل. حسن، أجل والله، حسنًا.
إذا علمت أن الشيطان لا يغفل عنك فاستعن بمن ناصيتك بيده
إذا علمت أن الشيطان لا يغفل عنك فلا تغفل أنت عمن ناصيتك بيده [أي الله سبحانه وتعالى]. هو مؤذي الجن والإنس، هذا لا يعني أنه يستعين بالشيطان. دعه يستعين بالشيطان الكبير، استعن أنت بمن خلقك مع الذي خلقه، وهذا هو العدل.
جعله [الله] لك عدوًا ليرجعك إليه؛ جعله يقف لك هكذا حتى لا تمضي، فلما لا تمضي تذهب أين؟ ترجع إلى ربنا. ما أنت من الله وتريد أن تهرب إلى الدنيا، فذهب مُظهرًا لك هذا الوحش الشرير ليخيفك، ولا شيء ولا تخف، تذهب إلى ربنا مرة أخرى ليحفظك به إليه. بالشيطان إلى الله! هذا عندما تكون عاقلًا.
تحريك النفس لدوام الإقبال على الله ومن أثبت لنفسه تواضعًا فهو المتكبر
وحرّك عليك النفس ليدوم إقبالك عليه، ويجب أن الإقبال عليه لا يصيبه الفتور بل يكون دائمًا وأبدًا.
من أثبت لنفسه تواضعًا فهو المتكبر حقًا. وطوال النهار يقول: أنا متواضع على فكرة! العظمة لله وحده، يعني فهو المتكبر حقًا. أنت ملتفت إلى أنك متواضع! يسير هكذا طوال النهار يقول: يا إخواننا على فكرة أنا متواضع جدًا، أنا لا أقول أي شيء هكذا، وتجدني داكّ نفسي دائمًا، الحمد لله. فهو المتكبر حقًا!
التواضع الحقيقي لا يكون إلا عن رفعة وإياك أن تصف نفسك بالتواضع
إذ ليس التواضع إلا عن رفعة. أنا متواضع يعني معناه أنك رفيع الشأن لكنك متهاون في حقك. ما حقك هذا؟ أنت بثلاثة صاغ! حق أي شيء هذا؟ تراب ابن تراب.
فمتى أثبتّ لنفسك تواضعًا؟ فأنت المتكبر! إياك أن تقول عن نفسك أنا متواضع. قل: أنا لست أعرف، أنا ما هذا؟ أنا يبدو متكبرًا، أنا أشعر هكذا أنني متكبر، وعليه أعوذ بالله، ربنا يستر.
لكن تقول: أنا متواضع يا إخواننا، على فكرة أنا أقول لكم هذا وتجدونني هكذا محتقر نفسي دائمًا، الحمد لله، وأترك حقوقي للناس. لا! هذا اطمئن يا مولانا. عندما نأتي نكلم واحدًا منهم، قم يقول هكذا: اطمئن يا مولانا كثيرًا. لا! هذا يعجبك هذا؟ أنا متواضع جدًا، لا تجد مثلي اثنين! طيب، أو ليس هناك كبرًا أكثر من هذا؟
حديث مثقال ذرة من كبر وخطورة الكبر على دخول الجنة
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم:
قال رسول الله ﷺ: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر»
فسلّم سلّم! هذه حبة الخردل: الجرام يحتوي على ستة آلاف حبة خردل، الستة آلاف حبة خردل تساوي جرامًا. إذن فهي ذرة صغيرة جدًا، هكذا ستة آلاف غرام.
وواحدة حبة منها لو كانت في قلبك لعكّرت عليك دخول الجنة بسلاسة هكذا. فهو الذي يغفر لنا وانتهى الأمر، إذ لن تأتي هكذا إلا هكذا.
قال رسول الله ﷺ: «لن يدخل أحدكم الجنة بعمله»
المتواضع الحقيقي يرى أنه دون ما صنع وليس فوقه
ليس المتواضع الذي إذا تواضع رأى أنه فوق ما صنع، ولكن المتواضع الذي إذا تواضع رأى أنه دون ما صنع. يقول من قلبه أنه فعلًا: أنا لست شيئًا.
ثم يقول: لست شيئًا، إنني لست شيئًا، لست شيئًا، لست شيئًا. إنني كان يجب أن أكررها ثلاث مرات، إنني قلتها مرة واحدة وأنا مخطئ. هذا هو المتواضع.
التواضع الحقيقي هو ما كان ناشئًا عن شهود عظمته سبحانه، وأنت تقول له كذلك لأنك تشعر يعني أنك أنت مسلوب أو محروم من شيء يعني في الدنيا.
التواضع الحقيقي ينشأ من شهود عظمة الله وتجلي صفاته على العبد
لا تكن متواضعًا [لأنك محروم من شيء دنيوي]، ولكن عندما ترى عظمته تقف مكانها وتعلم أنك فانٍ وأنك حادث وأنك تحتاج إليه، وأنه سبحانه وتعالى ليس فيه من ذلك شيء، بل هو الأول والآخر والباقي وهو بكل شيء محيط وبكل شيء عليم.
فيحدث لك نوع من أنواع الفناء، الذوبان. ما أنا إلا خيال، أنا ليس لي شأن، رعب كذلك. لو حدث كذلك فقد ابتدأت تفهم وتتجلى صفاته.
أليس هو الخالق فأكون أنا مخلوقًا؟ أليس هو الأول فأكون أنا الحادث؟ أليس هو الآخر لكنني أنا الفاني؟ أليس هو الباقي؟ أليس هو القيوم الحي لكنني أنا الميت؟
من عرف نفسه بالعجز عرف ربه بالقدرة والرب رب والعبد عبد
فتجلت صفاته علينا. فمن عرف نفسه فقد عرف ربه. كيف؟ من عرف نفسه بالعجز عرف ربه بالقدرة، أي بالضد. فالرب ربّ والعبد عبد.
لا يخرجك عن الوصف إلا شهود الوصف؛ لن تخرج عن العظمة [أي عن ادعاء العظمة لنفسك] إلا إذا شهدت عظمته. والكينونة إلا إذا شهدت وجوده سبحانه وتعالى، وعرفت كيف تكون كينونتك وكينونة الله، وهو ليس بكائن إنما هو المكوّن. كيف يكون؟ وهكذا.
المؤمن يشغله الثناء على الله عن أن يكون لنفسه شاكرًا أو لحظوظه ذاكرًا
قال [ابن عطاء الله]: المؤمن يشغله الثناء على الله عن أن يكون لنفسه شاكرًا. لا تقل يا فتى: أنت كريم جدًا، هكذا لا تقل هذا الكلام. انشغل بالثناء على الله رب العالمين: ربي لك الحمد.
وتشغله حقوق الله عن أن يكون لحظوظه ذاكرًا؛ إذن حظوظه منفية.
مداعبة الشيخ عماد ووصفه بسوط الله الذي يخوف به عباده
توقف يا فتى عن هذا الصوت المزعج! نحن معنا الشيخ عماد هنا، الذي هو الوجه الآخر؟ لماذا تضحك؟ أضحك الله، أضحك الله سنّك.
ولذلك عندما كانوا يقولون لسيدنا الرسول ﷺ يقولون له: أضحك الله سنّك يا رسول [الله]، لماذا لا يقولون له؟ لا يعني رب، يا رب يضحك دائمًا.
فنحن الشيخ عماد هذا جعلناه الذي هو سوط الله — سوط الله بالسين — نعم كذلك، يخوف الله به عباده:
﴿يَا عِبَادِي فَاتَّقُونِ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الزمر: 16]
فإذا أراد الله أن يسلطه على أحد فابتعد عنه. فنحن معنا هو الحمد لله، الوجه الآخر للرحمة، تجلى الله عليه بالقهر.
ليس المحب الذي يرجو من محبوبه عوضًا بل المحب من يبذل لك
طيب، ليس المحب الذي يرجو من محبوبه عوضًا. تصلي لكي تدخل الجنة، تذكر لكي يرضى الله عنك ويعطيك ويرزقك. وأغلب دعاءنا تجده في الدنيا: يريد أن ينجح الولد، ويريد أن يسدد الشيك، ويريد أن تربح التجارة، يعني كله دنيا.
لكن هناك التعليم ما هو؟
﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [البقرة: 201]
يعني تدعو قليلًا هنا وقليلًا هنا، خير الدنيا والآخرة. وأرقى من ذلك:
«من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أكثر ما أعطي السائلين»
فليس المحب — الحب الحقيقي — يرجو من محبوبه عوضًا أو يطلب منه غرضًا؛ فإن المحب من يبذل لك وليس المحب من تبذل له.
تعلق القلب بالله لا باللسان فقط وعدم الفرح بالموجود ولا الحزن على المفقود
وانتبه! فتمالك لها لله، والتزم بما أمرك الله به، وتوكل على الله. اتركها، ربنا سيعطيك، لكن لا تعلّق قلبك — وليس لسانك فقط.
وما هو أحيانًا اللسان يسكت، يقول: أنا سمعت الشيخ اليوم يتكلم ويصمت، وقلبه منشغل بالدنيا! لا بد للقلب ألا يفرح بالموجود ولا يحزن على المفقود.
لولا ميادين النفوس ما تحقق سير السائرين إذ لا مسافة بينك وبينه
قال [ابن عطاء الله] رضي الله تعالى عنه ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين: لولا ميادين النفوس ما تحقق سير السائرين.
إذ لا مسافة بينك وبينه سبحانه حتى تطويها رحلتك.
﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ﴾ [ق: 16]
ولا قطعة بينك وبينه حتى تمحوها وصلتك. هو الذي بينك وبين الله مقطوع؟ هذا أنت الذي أعطيته ظهرك! فماذا سنفعل لك؟
ولكن المسألة سهلة جدًا؛ هذا ممكن في لحظة أن يفتح عليك فتوح العارفين به. فليس هناك مسافة تحتاج إليها ثلاثين أربعين سنة تقعد تذكر الله وليس فائدة، إنما هو بإذن الله.
الفتح الإلهي قد يأتي في لحظة وتيسير القرآن للذكر وإلقاء الأمر على الله
يقول الشيخ عبد القادر الجيلاني: يفتح الله على الولي في لحظة ما لا يفتح على غيره بعد ثلاثين سنة. فهل هذه الثلاثون سنة حقيقية أم هذا قدر الله فيه؟ هو قدر الله. إذن فهي بسيطة تمامًا لكنها صعبة جدًا.
كيف؟
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ [القمر: 17]
غيّر عقليتك وألقِ كل شيء على الله. والإلقاء على الله معناه ماذا؟ لا يوجد تحقيق بعد الآن، لا يوجد لماذا، لا توجد أسئلة، انتهى الأمر. أنا أصبحت مع الله.
اعمل ما تريده، والذي يحدث، الذي نعيشه هو الذي ما أريده. قم تصبح سعيدًا أكثر سعادة: قدّر عليك رزقك — سعيد، بسط الرزق — مبسوط، أقامك فيما أقامك فيه — مبسوط، سلّط عليك الآخرين — مبسوط، كفّ أيديهم عنك — مبسوط. قم!
الإنسان أعلى من الملائكة بسبب الروح التي نفخها الله فيه وسجود الملائكة له
لما نأتي نقول للناس هكذا، ما هو ليس كل الناس درجة واحدة. يقول لك: لماذا ونحن ملائكة؟ أنت تقول شيئًا خياليًا! أبدًا، هذا أنت أحسن من ملائكة!
انظر الدلال الآن: هذا ربنا سجد لك الملائكة، سجدوا لك أيها الملائكة وأنت طين! أم لم يسجدوا لك الملائكة؟ بعد نفخ الروح فيك، بعد نفخ الروح، بعد نفخ الروح فيك. فيكون من أجل هذه الروح التي هي مكرمة.
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِىٓ ءَادَمَ﴾ [الإسراء: 70]
التي هي محبوبة عند الله، التي من أجلها وُصف إبليس:
﴿إِلَّآ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ [البقرة: 34]
لأنه فقط لم يسجد كما أمر الله. فإذن أنت شيء عظيم جدًا! أسجد الله لك الملائكة من أجل هذه الروح التي معك، التي لو فهمت الحقيقة لعلت على الملائكة وأنت قابل لهذا.
اقتحام العقبة بين الفهم الظاهري والباطني والجمع بين العبادة والتوكل
﴿وَهَدَيْنَـٰهُ ٱلنَّجْدَيْنِ * فَلَا ٱقْتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ﴾ [البلد: 10-11]
التي هي الفهم. هذا أهل الظاهر يقولون: العقبة التكاليف. حسنًا، هذا هو الإناء الخاص بها. وأهل الباطن يقولون: إن العقبة هي الفهم.
حسنًا، ما هي المعرفة التي توصل إلى الله؟ ما هي؟ وهناك تناقض؟ لا يوجد تناقض! هذا كله يكمل بعضه البعض. نعم تصلي وتصوم، وفي الوقت نفسه تلقي بحمولتك على الله سبحانه وتعالى؛ فهو كفيل ووكيل بك.
فاتركها على الله، تستعجل هذا؟ إذ يجب عليك الفهم. فاللهم فهّمنا عنك مرادك.
الإنسان في العالم المتوسط بين الملك والملكوت والروح من عالم الغيب
قال [ابن عطاء الله]: جعلك في العالم المتوسط بين ملكه وملكوته. ما هي الروح؟ من عالم الملكوت، ولذلك لا نراها.
وهم قاعدون يبحثون عنها ويزنونها؛ يأتون بالميت هكذا وهو يموت ويضعونه على الميزان كي يزنوا الروح. يا ترى لما خرجت ماذا؟ الذي لا نعرف حتى الآن.
مرة يقول لك: هذا خمسة غرامات الروح خمسة غرامات. ومرة أخرى، فمن الذي قال لك إن الخمسة غرامات هذه هي التي قالت إنها الروح؟ ربما العرق، ربما شيء حدث في الجسم تشنج. جالسون حتى الآن حائرون ومحيّرون أنفسهم، والحمد لله الأمر يسير هكذا.
الروح شيء عظيم من الملكوت لها خصائص أخرى والنفس الناطقة ترتقي في العبودية
حسنًا، لا يوجد مانع أن أوضح يا أخي: الروح، ولكن ليست هي هذه [أي ليست الخمسة غرامات]. الروح شيء عظيم جدًا من الملكوت؛ لأن لها خصائص أخرى.
يعيش الإنسان إذن بنفس ناطقة تأخذ وتتعبد وترتقي في مراتب العبودية.
حسنًا، وبعد ذلك: الملك المدرك بالحس المعتاد، والملكوت الموجود من الكون غير المدرك. وهذان عالمان: الملك وعالم الملكوت، وبهما تمام العالم، تمام الكون، تمام الخلق.
صفات الله من الجمال والجلال والكمال والعوالم الخمسة ومكانة الإنسان بينها
حسنًا والله، الله هذا شيء آخر. الكون شيء والله شيء آخر. هذا الشيء الآخر ما هو؟ قال: له صفات الجمال والجلال والكمال، الرحموت والرهبوت واللاهوت.
فتكون العوالم كم؟ قال: الكلام نقوله خمسة هكذا، هو ليس عوالم. العالم شيئان: ملك وملكوته.
أين أنا إذن؟ أين أنا؟ أين الإنسان؟ أين الواسطة بين الملك والملكوت؟ لأنك من الملك أخذت الجسد. أخونا يقول: الروح، يعني ليس بفاهم شيء أبدًا! الجسد أخذناه من الملك ولذلك مرئي نراه بالحس المعتاد.
ومن الملكوت أخذت الروح وهي خلق الله لكنها من أمر الله، لكنها غير مدركة. عندما الواحد يموت ولا نرى بخارًا يتصاعد ولا نرى شبحًا كما نمثله في الأفلام، لا نرى ذلك.
الروح من عالم الملكوت نرى آثارها ولا نراها كالجن والملائكة
كان يمكن أن يكون الأمر كذلك وأن أرى الروح وهي تصعد، يمكن أن يكون الله قد خلق الروح من عالم الملائكة فنراها وهي تصعد هكذا ثم نقول لها: مع السلامة، مع السلامة أيتها الروح والقلب.
لم يكن، لم يحدث. ولذلك هي من عالم الملكوت؛ نرى آثارها ولا نراها، كالجن والروحانيات والملائكة. والعوالم كثيرة في الملكوت.
جلالة قدر الإنسان بين الملك والملكوت وأنه جوهر تنطوي عليه أصداف المكونات
فيقول [ابن عطاء الله] أنه جعلك في العالم المتوسط بين ملكه وملكوته، بين عالم الغيب وعالم الشهادة، ليعلمك جلالة قدرك بين مخلوقاته.
تكون أنت أعلى أنواع الملك. طيب والملكوت؟ ما، أنت تكون أعلى أنواع الملكوت. لماذا؟ أنت في عالم الملك تتميز برفعة وجود الملكوت فيك، وفي عالم الملكوت تتميز بوجود الملك فيك.
فتصبح مثل الجبل، أي صاعد هكذا حتى القمة ونازل. أنت في هذه القمة جمعت بين أن تنظر يسارًا إلى الملك وتنظر يمينًا إلى الملكوت. لماذا هذه القدرة؟ أنك في القمة. أن كونك أصبحت في القمة جعلك في العالم المتوسط بين ملكه وملكوته ليعلمك جلالة قدرك بين مخلوقاته.
وأنك جوهر تنطوي عليك أصداف مكوناته. إذن أنت جمعت بين العالمين فأنت المختار المكرم.
لو عرف الأطباء كرامة الإنسان لما أفسدوه وقصة الدكتور محمد قناوي
إذا عرفنا ذلك، أنرحم الإنسان أم لا؟ لو عرف ذلك الأطباء لما أفسدوا الإنسان كما يفسدونه الآن. لو علموا أنهم يتعاملون ليس مع قطعة لحم بل مع من جمع بين ملك الله وملكوته تكريمًا له وتشريفًا.
لو علموا هكذا كان هو يعطيه الحقنة فيعطيها له برفق، وهو يجرحه لكي يجري العملية يجريها له بالحساب تمامًا كما هو مكتوب في الكتاب، ويراعي ربنا.
أنهم قالوا يقولون لك: خمسة وسبعين ثمانين في المائة من الوفيات سببها الأطباء. فقالوا: لا! حتى نحلف! يبقى خمسة وسبعين، خمسة وسبعين في المائة من الوفيات سببها من الأطباء. فهو نقابة كل الأطباء، إذا حلف لا! هذا لا بد أن تعرف أنك مع إنسان مكرم.
قصة الدكتور محمد قناوي الذي ترك الجراحة لأمانته مع الإنسان المكرم
ولكن لو عرف الطبيب هذا في قلبه لا يقول شيئًا ولا يفعل شيئًا ولا يمد يده في عملية إلا إذا كان متأكدًا جدًا مائة في المائة.
وحكيت لكم حكاية الدكتور محمد قناوي رحمه الله: كنا في زيارة له وقال لشيخنا: أنا تركت الطب، تركت الجراحة. قال له: لماذا؟ وهذا كان أكبر جراح في العالم.
قال: لأنه أمسك كوب الشاي فوجد الماء بداخله يهتز، يعني ليس الشاي وليست الكوب هي التي تهتز، يده! لاحظ رعشة في الشاي فترك الجراحة؛ لأن يده يجب أن تكون ثابتة وإلا فلا نعلم الناس ولا نقوم بهذه الجراحة التي تؤذي الناس.
ولكن تجده في غرفة العمليات يضرب الترولي بقدمه هكذا: أصله قد مات، هات الذي بعده! تعال!
الكون يسع الجسمانية لكنه لا يسع الروحانية وللروح مدارج قدسية
قال [ابن عطاء الله]: إنما وسعك الكون من حيث جسمانيتك ولم يسعك من حيث ثبوت روحانيتك. فالروح شيء آخر لها مدارج وآثار قدسية.
قال فيها الشيخ مخلوف: الأنوار القدسية في الروح وآثارها الكونية. إذا كان هذا الكون يسع جسمك — نعم ندخل المسجد، إذا دخلت أنا المسجد فيكون المسجد هو الأكبر — ولكن لم يتسع للروح.
فالروح تتطور عند كل إنسان ولكنهم درجات. كيف عند كل إنسان؟ أليس في المنام تذهب روحك لتتفرج على هذا وذاك وتأتي بالشرق والغرب والماضي والمستقبل؟ أليس هذا تطورًا؟
الكشف الروحاني حجاب إذا قصدته بذكرك والتحذير من طلبه
ولكن لا، هذا في أناس كما أنه يصل من الذكر إلى هذا. وهذا حجاب إذا قصدته بذكرك، ولكنه يأتيك ما عليه شيء، ولكن تطلبه انتهى ستحتجب.
فتفعل ذلك لكي تصبح ساحرًا! تجلس تنظر هكذا تقول: بالمناسبة الله أخذ بوش الآن! عرفت كيف يا مولانا؟ كشف! ها هو الله أخذه.
لا، لا تتدخل في السياسة! أنا أقول أنا، لكن أنت لا. ربنا أخذه وجاء أجله، لكن تقول: إن شاء الله ستصبح عدو الأمريكي، وإذا كان عدو الأمريكي فأنت ماذا ستجلب لنا من مشاكل؟
التحذير من ادعاء الكشف والكرامات والاكتفاء بقدر الله فينا
أنت منتبه! نعم، اتركها لي. أنت ما زلت ذكيًا يا جميل، كذلك يا جميل. هذا كشف شيء واحد حدث: بوش مات، ماذا؟ ليس فيها شيء حتى الآن، ليس فيها شيء.
ولكن تقول: إن شاء الله، أو تقول: يا رب. آه! يقول لك: قبضوا على واحد في أمريكا يدعو: ربنا على المنتقم، ربنا على المنتقم! قالوا: تقصد من؟ قبضوا عليه. تقصد الرئيس بوش؟ إذن آه! يهاجمونه.
فهذا كلام لا يرضي ربنا. اصمت! دعني أنا الذي أتكلم فقط. ولكن ماذا تريدون؟ ماذا؟ فقط قدر الله فيكم هكذا.
الكائن في الكون بلا فتح مسجون والذي لم تفتح له ميادين الغيوب محصور في ذاته
الكائن في الكون ولم تُفتح له ميادين الغيوب مسجون. الناس الذين لا يفهمون الكلام الذي نقوله هم مسجونون يا عيني داخل الدنيا وجزئياتها وأشيائها وأشخاصها وأحداثها، مسجونون فعلًا بمحيطاته، بما يحيط به، ومحصور في هيكل ذاته لا يرى شيئًا آخر.
أما الذي نحن نقوله هذا فنفتح له. ولذلك سموها آية الفتح؛ ربنا يفتح عليك لأنك ستشاهد الكون بنظرة أخرى فسيحة وليست محبوسة.
شهود المكون سبحانه وتعالى والشعور بأن الكون كله يسبح معك
أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكوّن سبحانه وتعالى ستبقى أنت بداخله. وناس ربنا:
﴿نَسُوا ٱللَّهَ فَأَنسَىٰهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾ [الحشر: 19]
فإذا شهدت أن الأكوان كانت معك، تحس أن الكون كله هذا يسير معك يؤيدك. هذه العبارة قامت عليها دراسات صوفية عند المسلمين.
هذه العبارة: كيف تشعر بأن الكون يسبح معك وتعيش في هذا؟ كله يسبح يا إخواننا ويسجد لله، وأنت تسير في ذكرك وتسبيحك وسجودك معه في تياره. أي تشعر أن الكون كله هذا معك.
يا له من شيء! أنت قوي جدًا. انظر إلى بناء الإنسان، انظر إلى تربيته: سيخرج إنسانًا قويًا راضيًا مسلمًا، ليس عاجزًا، ليس ساكتًا، ليس متواكلًا، لا يختبر الله، وإنما راضٍ بأمر الله فيه.
ختام الدرس والإعلان عن الحلقة الأخيرة من شرح الحكم العطائية
قال [ابن عطاء الله]: لا يلزم من ثبوت الخصوصية عدم وصف البشرية، وإنما شمس النهار... ولكن هذا كلام ثقيل جدًا.
فلنتركه للمرة القادمة؛ لأن المرة القادمة هي الختام. سنختتم في المرة القادمة ونحسب حسابًا بأننا نجلس قليلًا لكي نختتم بمديح سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما إلى ذلك.
فليمدح لنا أحد من أجل الختام.
