الحكم العطائية | من 31 - 35 | أ.د علي جمعة
- •اهتدى الراحلون إلى الله بأنوار التوجه، أما الواصلون فتأتيهم الأنوار دون طلب لأنهم لله وحده لا لشيء سواه.
- •أصل المعصية والغفلة والشهوة هو الرضا عن النفس، وأصل الطاعة واليقظة والعفة هو عدم الرضا عنها.
- •صحبة الجاهل الذي لا يرضى عن نفسه خير من صحبة العالم الراضي عن نفسه.
- •الحق سبحانه ليس بمحجوب عن الناس، بل الناس محجوبون عنه.
- •التطلع للترقي في المقامات نزول، والأولى معالجة النفس أولاً.
- •العبودية الحقة تكون بالخروج من أوصاف البشرية المناقضة للعبودية.
- •طريق التخلص من الحجاب يكون بالذكر والتربية والخلوة.
- •قلة الطعام والمنام والكلام والاختلاط بالناس من أسس التربية الروحية.
- •الصمت والعزلة من أدوات تزكية النفس وتطهيرها من آفاتها.
- •مخالفة النفس وعدم الرضا عنها وإن أطاعت سبيل الوصول إلى الله تعالى.
الراحلون إلى الله يهتدون بأنوار التوجه والواصلون لهم أنوار المواجهة
والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
قال [ابن عطاء الله السكندري] رضي الله تعالى عنه، ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين:
«اهتدى الراحلون إليه بأنوار التوجه، والواصلون لهم أنوار المواجهة، فالأولون للأنوار، وهؤلاء الأنوار لهم؛ لأنهم لله لا لشيء دونه».
﴿قُلِ ٱللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام: 91]
يعني الخلق مرادٌ ومريد؛ فإذا كان الإنسان مريدًا لله سلك طريقه وترك زخارف الدنيا، وخلّى قلبه من القبيح، وحلّى قلبه بالصحيح، وأحسن نيته لله، وأعلى همته في السلوك إليه سبحانه وتعالى.
فارتحل وهاجر من مواطن سخط الله إلى مواطن رحمته ورضاه. هؤلاء رضي الله عنهم، وهؤلاء هم الراحلون إليه، وهؤلاء هم السالكون في طريقه.
تحول السالك من مرتبة الإرادة إلى مرتبة المراد بعد الوصول إلى الله
إلا أنه إذا منَّ الله على السالكين والراحلين والمهاجرين في سبيله، جعلهم في مرتبة [أنهم] رضوا عنه. فإذا رضوا عن الله سبحانه وتعالى، فما ذلك إلا أنهم من قبيل المراد.
فتحوّل السالك من سلوكه وصبره على الطريق، من كونه راحلًا إلى كونه واصلًا. فإذا وصل، فإن الأنوار كانت تهلّ عليه في الطريق إلى الله؛ فكانت للأنوار. النور في الطريق يسير الإنسان فيدخل فيه، فهو للأنوار سائر وللأنوار داخل.
أما إذا وصل، فإن النور هو الذي يسعى إليه، فيتحول من الفاعل إلى مفعول، ومن مريد إلى مراد، ومن سالك إلى واصل.
الفرق بين الراحلين الذين يسعون للأنوار والواصلين الذين تأتيهم الأنوار
فيقول [ابن عطاء الله] على هذه الحقيقة في مرتبة أولئك الصالحين: إن هناك راحلًا وهناك واصلًا.
الراحلون: اهتدى الراحلون إليه بأنوار التوجه؛ النور بعيد وهم يسعون إليه، ومن لذته وحلاوته وضيائه وبركته يرغبون فيه.
وبالرغم من ذلك، إلا أن هذا النور ليس هو الله، بل هي لذة العبادة وحلاوة الطريق وبركة السلوك. حتى هذه يتخلص منها الواصلون؛ فتأتيهم ولا يأتونها، وتتنزل عليهم ولا يطلبونها؛ لأنهم إنما طلبوا الله وحده.
فارتفع الحجاب حتى حجاب الأنوار، وكُشفت الأسرار في الملك والملكوت، ارتفعت عن قلوبهم. لا يريدون إلا الله، ولا يعرفون إلا الله، ولا يتوصلون إلا إليه.
الواصلون لا يطلبون الأنوار بل تتنزل عليهم لأنهم لله لا لشيء دونه
فعبّر [ابن عطاء الله] عن هذا بذلك القول الجميل: «اهتدى الراحلون إليه بأنوار التوجه، والواصلون لهم أنوار المواجهة». [الواصل] لا يريد إلا الله، فتتنزل عليه الأنوار؛ هو الذي تتنزل عليه الأنوار، لا يطلب الأنوار، حتى الأنوار وحتى لذة العبادة.
فالأولون للأنوار ساروا، وهؤلاء الأنوار لهم. انظروا إلى المقابلة، انظروا إلى الفاعل والمفعول.
«لأنهم لله لا لشيء دونه»؛ يعني حتى العبادات هي أدنى من الله وهي وسيلة توصل إلى الله، وحتى الأنوار هي أدنى من الله وهي وسيلة توصل إلى الله وتجذب الراحلين إليه.
لكن الواصلين لا يريدون لا أنوارًا ولا أسرارًا ولا فوائد ولا دعاءً، إنما هم قد أحبوا الله لله، وخلا قلبهم إلا من الله، فملك عليهم ربهم نفوسهم، وتنزلت على قلوبهم رحماته سبحانه وتعالى وأنواره، حتى خرجوا من الرحلة إلى الوصول.
﴿قُلِ ٱللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام: 91]
النظر إلى عيوب النفس خير من التطلع إلى ما حُجب من الغيوب
قال [ابن عطاء الله] رضي الله تعالى عنه، ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين:
«نظرك إلى ما بطن فيك من العيوب خيرٌ من نظرك إلى ما حُجب عنك من الغيوب».
الإنسان إما أن ينظر إلى الداخل وإما أن ينظر إلى الخارج. فيقول لك: حاسب نفسك قبل أن تُحاسب، والكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت.
ينظر إلى عيوبه ويعظّمها حتى يزيلها، قبل أن ينظر إلى ما ستره الله عنه من أسرار، أو لم يكشف عنه من أحوال. فإن التطلع للترقي نزول.
التطلع للترقي نزول وعلاج النفس أولى من طلب المقامات العالية
انظر إلى هذا الكلام: التطلع للترقي نزول، فلا تتطلع للترقي، بل عالج نفسك أولًا؛ فإن فاقد الشيء لا يعطيه. واملأ قلبك أولًا بعد أن تخلّيه من القبيح الصفات بجميلها، وإلا فإنك تكون قد ضيّعت الأوقات.
والأصل في التصوف هو مراعاة الأوقات؛ الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك.
قال الشافعي رضي الله تعالى عنه: صاحبتُ الصوفية فاستفدت منهم كلمتين:
- الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك.
- ولا تتحسر على ما فاتك.
يعني ماذا؟ يعني لا حول ولا قوة إلا بالله؛ يعني لا يكون في كونه سبحانه إلا ما أراد. يعني التسليم والرضا، يعني التوكل حق التوكل عليه سبحانه، يعني عدم التأثر بالمصائب ولا الفرح بالخيرات، بل موقف المؤمن هو الصبر أو الشكر.
الحق سبحانه ليس بمحجوب وهو أظهر من الظهور ولا يحده حد
قال [ابن عطاء الله] رضي الله تعالى عنه:
«الحق ليس بمحجوب». كيف يكون محجوبًا وهو أظهر من الظهور؟ وهو الذي خلق الظاهر والباطن، وهو الأول والآخر، وهو بكل شيء عليم، وهو بكل شيء محيط.
كيف يكون محجوبًا ومن ذا الذي يحجب ربنا سبحانه وتعالى؟ هذا محال عقلًا ونقلًا.
الحق ليس بمحجوب ولا يمكن أن يكون؛ فإنه سبحانه وتعالى بديع السماوات والأرض، كان قبل هذه الأكوان وهو الآن على ما عليه كان. فما الذي يحجبه؟ إذا كانت الأكوان فيه سبحانه وتعالى عدم، فكيف يحجب العدمُ الوجودَ وهو الوجود الحق سبحانه وتعالى؟
الأكوان صور ورسوم لا تقارن بعظمة خالق العرش سبحانه وتعالى
هذه الأكوان صور ورسوم خلقها وأوجدها وأبرأها وأبدعها، وهي في مقابلة العرش الذي هو سيد المخلوقات عظمًا، لا شيء؛ ذرة في صحراء كبيرة.
فما بالك بخالق العرش الذي لا يحده حد، ولا مكان، ولا زمان، ولا حال، وهو الآن على ما عليه كان؟ الحق ليس محجوبًا.
وقولنا «سيد الكائنات» تعظيمًا، أما سيد الكائنات على الإطلاق وهو أفضل من العرش والكعبة وكل المخلوقات، هو سيد الخلق صلى الله عليه وآله وسلم.
النبي ﷺ عرش استواء الرحمانية وأفضل الخلق أجمعين
ولذلك يقول أهل الله: اللهم صلِّ على عرش استواء رحمانيتك؛ لأنه صلى الله عليه وسلم يفاخر العرش بعظمته عند الله.
وقد يدخل على العرش وقد تجلّى قهر الله عليه فأسكنه وسكّنه. إنه [العرش] أعظم المخلوقات، فيأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا به موصوف بأنه عرش استواء الرحمانية، وليس استواء القاهرية كما كان على العرش المخلوق.
هذا فمن أفضل؟ بسم الله الرحمن الرحيم، وليس بسم الله القهار المنتقم. فالجمال قبل الجلال على الأكوان.
فسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل الخلق أجمعين.
المحجوب هو الإنسان لا الله والنظر بعين البصيرة يكشف الحجاب
قال [ابن عطاء الله]: «وإنما المحجوب أنت». الحجاب لما بينك وبين الله.
فمن المحجوب؟ الله أم أنت؟ أنت الذي محجوب في روحك هكذا. إنما المحجوب أنت عن النظر إليه سبحانه.
لكن لو نظرت إليه لا بعين البصر:
﴿لَّا تُدْرِكُهُ ٱلْأَبْصَـٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلْأَبْصَـٰرَ﴾ [الأنعام: 103]
ولكن بعين البصيرة. وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد.
إذ لو حجبه شيء لستره ما حجب، وهو الساتر لا المستور. فالمستور أنت، ولو كان له ساتر لكان لوجوده حاصر، سبحانه ووجوده لا حاصر له ولا يستطيع. وكل حاصر لشيء فهو له قاهر.
﴿وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: 18]
إذن فالله هو القاهر لا المقهور، وهو الحاصر لا المحصور، وهو القوي لا الضعيف، وهو الخالق لا المخلوق، وهو الذي يأذن بالحجاب أو برفعه لا المحجوب. فإنما كل ذلك أنت.
وجوب الخروج من أوصاف البشرية المناقضة للعبودية والتقرب إلى الله
قال [ابن عطاء الله] رضي الله تعالى عنه: وقد تبيّن لك مقامك في الدنيا، وأنك مخلوق، وأنك محصور، وأنك محجوب، وأنك محتاج إلى رب العالمين:
«اخرج من أوصاف بشريتك عن كل وصف مناقض لعبوديتك، لتكون لنداء الحق مجيبًا، ومن حضرته قريبًا».
لا تضيّع وقتك أيها المحصور المحجوب الضعيف المخلوق، بل حاول أن تتغلب على كل حجاب، وأن ترفع ذلك الحجاب حتى تنظر إلى رب العالمين. اطلب الأنوار راحلًا حتى تطلبك الأنوار واصلًا.
فعليك أن تتخلص من صفات بشريتك التي تعارض عبوديتك. العبودية هي الطاعة والخضوع والتسليم لرب العالمين ظاهرًا وباطنًا.
الأركان والنواهي وطرق التخلص من صفات البشرية بالذكر والتربية والخلوة
فقد أمرنا [الله] بالأركان، ونهانا عن الموبقات والذنوب والطمع والشهوات التي تحرك الإنسان، والعجز والكسل يوقعان به في المخالفة؛ مخالفة الأمر أو مخالفة النهي.
فلا بد عليك أن تخرج من هذا، ويكون ذلك بثلاثة كما قال أهل الله:
- بالذكر.
- وبالتربية.
- وبالخلوة.
أما الذكر فقد قال تعالى:
﴿فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُوا لِى وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152]
وقال:
﴿وَٱلذَّٰكِرِينَ ٱللَّهَ كَثِيرًا وَٱلذَّٰكِرَٰتِ﴾ [الأحزاب: 35]
وقال صلى الله عليه وسلم:
«لا يزال لسانك رطبًا بذكر الله»
التربية بقلة الطعام والمنام والكلام والأنام وأدلتها من السنة النبوية
وأما التربية فقالوا: بقلة الطعام، وقلة المنام، وقلة الكلام، وقلة الأنام. وكل ذلك ورد في السنة.
فأمرنا بالصمت:
قال رسول الله ﷺ: «من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت»
وأمرنا بالتقليل من الناس:
قال ﷺ: «ذهب الناس وبقي النسناس» أخرجه البستي في العزلة عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.
قالوا: ومن النسناس؟ قال: أناسٌ في صورة الناس وليسوا بناس.
وفي العزلة قال [النبي ﷺ]:
«لا يكون أحدكم إمّعة، يقول: أنا مع الناس، إن أحسن الناس أحسنت، وإن أساؤوا أسأت، بل وطّنوا أنفسكم على أنهم إن أحسنوا فأحسنوا، وإن أساؤوا فلا تسيئوا»
أحاديث نبوية في حفظ اللسان والنهي عن الشهوات والغضب واللغو
وأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
«من حفظ بين فكّيه وفخذيه ضمنت له الجنة»
وقال:
«يا معاذ، وهل يكبّ الناس على وجوههم في النار إلا حصائد ألسنتهم»
ونهانا ربنا عن اللغو، ونهانا رسوله صلى الله عليه وسلم عن الشهوات وعن الغضب.
وقال:
«من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحبّ لأخيه ما يحب لنفسه»
وأمرنا صلى الله عليه وسلم بكل ذلك.
الخلوة مأخوذة من تحنث النبي ﷺ في غار حراء ومعنى التحنث
وأخذوا الخلوة من غار حراء، عندما كان يتعبد رسولنا صلى الله عليه وسلم فيها الليالي ذوات العدد، فيتحنّث أي يترك الحنث.
الحنث يقولون من الأفعال السلبية: يتهجّد يعني يترك الهجود، يتحنّث يعني يترك الحنث والكلام الباطل، يتحنّث يعني يترك الاعوجاج. وهكذا.
فكان صلى الله عليه وسلم يتحنّث في غار حراء يعبد ربه، فأخذوا منها الخلوة.
أخرِجْ من أوصاف بشريتك كل وصف مناقض لعبوديتك؛ كل وصف يُعطّلك عن الطاعة، لتكون لنداء الحق مجيبًا أمرًا ونهيًا، ومن حضرته قريبًا نورًا ورفعًا للحجاب.
أصل كل معصية الرضا عن النفس وأصل كل طاعة عدم الرضا عنها
قال [ابن عطاء الله] رضي الله تعالى عنه، ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين:
«أصل كل معصية وغفلة وشهوة: الرضا عن النفس، وأصل كل طاعة ويقظة وعفة: عدم الرضا منك عنها».
«ولأن تصحب جاهلًا لا يرضى عن نفسه خيرٌ لك من أن تصحب عالمًا يرضى عن نفسه».
فأي علم لعالم يرضى عن نفسه؟ وأي جهل لجاهل لا يرضى عن نفسه؟ العلم والجهل ليسا بكثرة المعلومات، وإنما بما يوصلك إلى الله.
وأصل المعاصي الرضا عن النفس، وأصل الطاعات عدم الرضا عن النفس ومحاولة إصلاحها وعدم اليأس منها.
الاستغفار الدائم وعدم الرضا عن النفس طريق رسمه النبي ﷺ لأمته
فكل ابن آدم خطّاء، وخير الخطائين التوابون. حتى لو تبت إلى الله مائة مرة، يعلّمنا سيد الخلق المصطفى الكريم المجتبى الرحيم صلى الله عليه وآله وسلم فيقول:
«إني أستغفر الله في اليوم مائة مرة»
وهو قد غُفر ما تقدّم من ذنبه وما تأخر صلى الله عليه وآله وسلم، وإنما ذلك لرسم الطريق إليه سبحانه.
فيقول [ابن عطاء الله]: أصل كل معصية وغفلة وشهوة الرضا عن النفس. فإذا لم يرضَ الإنسان عن نفسه تخلّص من حجابه وكُشفت له الأسرار.
ولكن يجب عليك أن تستمر في عدم الرضا عن نفسك أبدًا إلى أن تلقى الله، لا أن ترضى عنها بعد أن أبت إلا نقدها.
مثل من نقد نفسه ثم رضي عنها كمن هرب من المطر فوقف تحت الميزاب
فإذا نقدت [النفس] نفسها رضيت عنها، فقد وقعت في المحظور الذي منه فررت.
قال أهل الله: مثل ذلك كمثل من هرب من المطر فوقف تحت الميزاب. هرب من المطر - المطر رذاذ خفيف لطيف - فوقف تحت المزراب الذي هو الميزاب الذي يركّز المياه عليه. وقع في المحظور بعد أن كان قد هرب من خفيف المطر.
أليس هذا أحمق؟ لكل داء دواء يُستطبّ به إلا الحماقة أعيت من يداويها.
التربية بالنظرة عند المشايخ الكبار وميراث النبوة في إصلاح النفوس
كان بعضهم عندما رأى المشايخ الكبار الذين يعلّمون بالنظرة ويربّون بالنظرة قالوا: لكل داء دواء يُستطبّ به، حتى الحماقة وجدت من يداويها. فالحماقة قد تجد من يداويها، ولكن يحتاج ذلك إلى شيخ كبير؛ بمعنى أن يكون قلبه واسعًا بعض الشيء ويتحمّل الحماقة حتى يداويها.
وكان السيد أحمد البدوي يربّي بالنظرة من ميراث النبوة صلى الله عليه وآله وسلم. سيدنا رسول الله كان يربّي بالنظر؛ فمن رآه النبي - وليس من رأى النبي؛ لأنه قد يكون ضريرًا كابن أم مكتوم - من رآه النبي.
يقول ابن حجر [في فتح الباري]: أحدثت النظرة منه صلى الله عليه وسلم ما استوجب تعديله. يعني النبي عندما ينظر إليك هكذا، يحدث فيك شيء يجعلك اسمك صحابي. صحابي يعني عدل، وعدل يعني لا يمكن أن نطعن فيك.
ميراث النبوة في الأولياء كشعاع الشمس يصل إلى أقطار الأمة
قالوا: فمن ميراث النبوة، سيدنا رسول الله ورّث هذا لأمته عن طريق الأولياء وكبار أهل الله. يرثون عنه من بركته شيئًا فشيئًا.
لا يجتمع في وليّ منهم ما اجتمع في رسول الله، إنما هو كالشمس شعاعها يصل إلى الأقطار كلها. فكل شعاع منه صدر منه إلى وليّ من أولياء الأمة ومربّيها ومرشديها ووارثيها المحمديين.
فأخذوا منه صلى الله عليه وسلم ما تستقيم به الأحوال:
- •منهم من أخذ بعض الكرامات من معجزاته.
- •ومنهم من أخذ التربية من النظرة، من الحال والخواطر والسلوك والجذب إلى الله تعالى.
فكل ذلك كان في رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه الإنسان الكامل.
خصائص النبي ﷺ التي جعلته خاتم المرسلين وسيد النبيين وإمام الغر المحجلين
وهذا هو الذي جعله خاتمًا للمرسلين وسيدًا للنبيين وإمامًا للغرّ المحجّلين، ومصطفى الرحمن سبحانه وتعالى، ومجتبى الرب سبحانه وتعالى، والكلمة الأخيرة إلى البشرية.
وهو الذي أعلى ذكره وأفرد شأنه، وهو الذي حافظ على كتابه من التحريف، وجعل اسمه يُذكر على المآذن كل يوم، وأبرز قبره لزيارته صلى الله عليه وسلم.
حتى يبقى القرآن غضًّا طريًّا غير منسوخ منه شيء:
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوٓا أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُوا ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُوا ٱللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: 64]
سبحانه وتعالى.
بروز قبر النبي ﷺ للتوبة والاستغفار وبقاء أهل بيته عنوانًا على وجوده
فبرز قبره [صلى الله عليه وسلم] للوصول إليه والمثول بين يديه، ثم تقول له: تُبتُ يا رسول الله فاستغفر لي، فيستغفر لك ربك فيغفر لك. ولم يكن ذلك لأحد من الأنبياء قبله.
وأبقى أهل بيته الكرام عنوانًا على وجوده حسًّا، كما أنه كان موجودًا في زمنه، فإنه موجود عبر القرون. وما زال نبيًّا ورسولًا إلى أن يدخل الجنة.
اللهم احشرنا تحت لوائه.
قصة عمر بن الخطاب مع اليهودي الذي يكشف ما وراء الحائط
عمر بن الخطاب [رضي الله عنه] قالوا له: يهودي في المدينة قبل أن يجليهم منها يكشف ما وراء الكثيف؛ يعني يرى من وراء الحائط.
قال: بلى، لا نريد ضجيجًا. فأحضر سيفه ليذهب ويقتله. طرق الباب، فقال له [اليهودي]: يا عمر، أجئتَ لتقتلني متوشحًا سيفك؟ فرأى السيف وهو يخفيه خلف ظهره هكذا معه.
فقال له [عمر]: حسنًا، افتح ولك الأمان. وهؤلاء الناس كانوا عندما يقولون لك الأمان، فهذا يعني أنك في أمان. ليس هناك غدر ولا خيانة. كانوا نبلاء، كانوا أتقياء، كانوا رجالًا، والرجال قليل.
سؤال عمر لليهودي عن سر وصوله لتلك المرتبة ومخالفته لنفسه ثلاثين عامًا
فتح له وقال له [عمر]: أنا أستخسرك في اليهودية. يهودية ماذا التي أنت عليها؟ لماذا لا تُسلم؟
وبعد ذلك، كيف وصلت إلى هذه المرتبة؟ هل لديكم شيء أو سر أو أمر ما؟
قال له: أبدًا، ما عرضت شيئًا منذ ثلاثين عامًا على نفسي فأرشدتني إلى شيء إلا خالفتها ففعلت عكسه.
يعني يقول: أنا أرغب في الذهاب إلى المكان الفلاني، فيقول: حسنًا، ما دمت أرغب فيبقى أنا لن أذهب. أرغب في الأكل الآن، ما دمت أرغب فيبقى لن آكل. أنا أريد هذه، ما دمت أريدها فلأبتعد عنها.
وقد وضع نفسه - يا للأسف - تحت القدم، فوجد نفسه في هذه الحالة.
إسلام اليهودي بعد مخالفة نفسه التي أبت الإسلام ولطف الله به
وقال له [عمر]: خسارة خسارة، بعد كل هذا والله جعل قلبك رقيقًا، ومع ذلك تدخل النار ولا تُسلم!
قال له: حسنًا، دعني بعض الوقت، يومين أو ثلاثة. ثم جاء وأسلم.
سأله [عمر]: لماذا أسلمت؟ قال: عرضت الإسلام على نفسي فأبت، فأسلمت.
هل تلاحظ؟ انظر إلى لطف الله بالرجل! فالله قدّر له الخير لأنه ختم له بخير، فجعله يأبى الإسلام لكي يبقى على الحال أنه يأبى ويرفض كل ما ترفضه نفسه ويعاكس.
فعندما عرض الإسلام على نفسه، وجد أن هناك شيئًا من الهوى يصدّه عن الإسلام ويقول له: لا. فقال له: كيف لا؟ هذا هو الحق! فنجاه مخالفة النفس.
صحبة الجاهل الذي لا يرضى عن نفسه خير من صحبة العالم الراضي عنها
ويقول [ابن عطاء الله]: إن أصل كل طاعة ويقظة وعفة عدم الرضا منك عنها [عن النفس].
«ولأن تصحب جاهلًا لا يرضى عن نفسه خيرٌ لك من أن تصحب عالمًا يرضى عن نفسه».
عالمٌ في الظاهر لكن ليس في الحقيقة، وجاهل في الظاهر لكنه سابقنا إلى الجنة؛ لأنه لم يرضَ عن نفسه.
وقالوا: رُبّ معصية أورثت ذلًّا خيرٌ من طاعة أورثت كبرًا. تصلي وتصوم وتتكبر على خلق الله فتكون مصيبة!
قال رسول الله ﷺ: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كِبر»
حبة الخردل هذه ما حجمها؟ حبة الشعير تعادل ستة آلاف حبة خردل. حبة الشعير تعادل ستة آلاف حبة خردل! لم يقل حبة شعير بل قال حبة خردل. حتى من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كِبر.
اللهم الطف بنا وتقبّلنا على ما نحن عليه، واعفُ عنا واستر عيبنا واغفر ذنبنا، وشفّع فينا حبيبك يا أرحم الراحمين.
التحذير من الكبر والتواضع لجميع خلق الله حتى الحيوان
وأي جهل لجاهل لا يرضى عن نفسه؟ فإياك أن تتكبر؛ لأن الكبر سيّئ.
ودائمًا لنعلم أن كل الناس - عاصيهم ومؤمنهم - الكلب الذي في الطريق أفضل مني. وحّد الله!
الشيخ يقول: لا يحدث [منه ذنب]، لا يعصي. الكلب لا يعصي، لكنه نجس. أيضًا لا يعصي، يسبّح يا إخواننا:
﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: 44]
وهو [الكلب] ربنا منّ عليه بعدم التكليف. أهو نجا؟ فيصبح تراب أو لا شيء، لا بأس به. لكن المصيبة التي تخصنا أننا مُكلَّفون، ويجب علينا أن نقوم بما كُلِّفنا به.
قصة الشيخ الفرغل المجذوب وتأديب ابنه على سب الكلب والاعتراض على المعصية لا على العاصي
الشيخ الفرغل كان هنا، كان يجلس أمام الأزهر هنا عند جماعة الكتب الذين في الخارج هنا هؤلاء. الشيخ الفرغل كان مجذوبًا.
فوجد ابنه يقول لكلب: يا كلب يا ابن الكلب! فقال له: سببته، فاستغفر ربك! يعني حتى لا يحقّروا الكلاب.
فما بالك بالإنسان؟ الكافر تعترض على كفره، والعاصي تعترض على معصيته، لا عليه هو؛ فربما يُختم له بخير.
قال أبو مدين [الغوث]: وكن مهما قدّموك ورا، في آداب الطريق.
فاللهم يا ربنا اغفر ذنبنا.
