الحكم العطائية | من 42 - 45 | أ.د علي جمعة - الحكم العطائية, تصوف

الحكم العطائية | من 42 - 45 | أ.د علي جمعة

33 دقيقة
  • على المسلم أن يخلص في طريقه إلى الله فلا يلتفت إلى سواه، فالملتفت لا يصل رغم كثرة الشواغل والمشاغل.
  • ينبغي الحذر من الانشغال بالأنوار والكرامات وخوارق العادات لأنها قد تكون من الشيطان وتقطع الطريق إلى الله.
  • قصة عبد القادر الجيلاني مثال على الثبات على الحق حين تمكن من كشف خداع الشيطان بقوله "علمك نجاك".
  • لا يجوز الالتفات إلى العبادة نفسها والإعجاب بها، فمن عبد العبادة لم يجد لذتها ومن عبد الله وجدها.
  • لا ينبغي أن يكون العلم حجاباً بين العبد وربه بالتفاخر به على الخلق.
  • على المؤمن ألا يدور حول نفسه "كحمار الرحى" بل يتوجه من الأكوان إلى المكون وهو الله سبحانه.
  • صحبة الصالحين ضرورية للوصول، ولا تصحب من لا ينهضك حاله ولا يدلك على الله مقاله.
  • الزهد لا يكون إلا مع التملك، فالزاهد من كانت الدنيا في يده وليست في قلبه.
محتويات الفيديو(31 أقسام)

افتتاح الدرس بالدعاء والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وخاتم النبيين سيدنا محمد.

اللهم يا ربنا جازِهِ عنا خير ما جازيت نبيًا عن أمته، وانفعنا به في الدنيا والآخرة، واجعله قدوة حسنة لمسيرتنا إليك، وشفيعًا لنا يوم القيامة.

اللهم يا أرحم الراحمين حبِّب الإيمان في قلوبنا وزيِّنه فيها، وكرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين، وانصرنا على القوم الكافرين، واغفر وارحم وتجاوز عما تعلم، إنك أنت الأعز الأكرم.

نعوذ اللهم بك من الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق. اللهم أحينا مسلمين وأمتنا مسلمين غير خزايا ولا مفتونين. قال رضي الله تعالى عنه ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين.

الارتحال من الأكوان إلى المكوِّن وعدم الالتفات إلى سواه سبحانه

لا ترحل من كونٍ إلى كون فتكون كحمار الرحى يسير، والمكان الذي ارتحل إليه هو الذي ارتحل منه. ولكن ارتحل من الأكوان إلى المكوِّن.

﴿وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلْمُنتَهَىٰ﴾ [النجم: 42]

وانظر إلى قوله صلى الله عليه وآله وسلم:

«فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه»

فافهم قوله عليه الصلاة والسلام، وتأمل هذا الأمر إن كنت ذا فهم، والسلام.

تحرير المسيرة إلى الله وعدم الالتفات إلى الشواغل واللوافت

فالإنسان يجب عليه أن يحرر مسيرته إلى الله، فلا يلتفت إلى سواه؛ فإن الملتفت لا يصل. وفي الطريق [إلى الله] شواغل ومشاغل ولوافت تريد أن تلفتك عن النظر إلى الله، والله هو مقصود الكل.

في الطريق إلى الله بهرجة عن اليمين وعن اليسار، إذا وقفت عند كل ما يشغلك ويلفتك — ولو كان من ظهور الأنوار وانكشاف الأسرار، بل وظهور الكرامات وخوارق العادات — فإنك لا تصل إلى الله.

والعابد يعبد والذاكر يذكر، فإن كثيرًا من الشواغل والمشاغل واللوافت تنفتح عليه؛ بعضها من قِبَل الشيطان وبعضها من قِبَل الابتلاء والامتحان.

التخلي عن اللوافت والإخلاص لله وحده ليسير بك إلى ذاته

فإذا خلَّيت نفسك عنها ولم تلتفت إليها ولم ترغب إلا في الله، أنقذك الله منها وحصَّنك من الوقوع في تلك اللوافت، وسار بك إلى ذاته سبحانه وتعالى. لا تقصد إلا إياه.

الله سبحانه وتعالى جعل لنا ما يُسمى بـالملك وجعل لنا ما يُسمى بـالملكوت. فالملك ما تراه أو تقدر أن تراه، والملكوت ما لا تراه بحواسك أو تقدر أن تراه.

أما الذي هو الملك ففيه أنوار وفيه أسرار، والملكوت فيه أنوار وفيه أسرار، وكل ذلك لافتٌ عن الله سبحانه وتعالى.

أنوار الملك والملكوت وخطر الاغترار بها عن الوصول إلى الله

أنوار الملك كنور الشمس والقمر والنجوم والكهرباء وغيرها مما ينير لك في بصرك وحسك ما حولك. وأنوار الملكوت تتعلق بالقلوب؛ فينشرح القلب وينبسط ويُسَرّ، وقد يصل برؤية البصيرة إلى أن يرى نورًا في خلوته أو حجرته أو نورًا في السماء. كل ذلك من اللوافت.

بعض العابدين الجاهلين يغترون بذلك ويرون أنهم قد وصلوا، فإذا ظنوا أنهم قد وصلوا بهذا فقد ضلوا الطريق. حتى قيل إن العابدين يظهر لهم عرش نوراني في السماء يقول لهم: أنا ربك فاسجد لي. فإن سجد كفر؛ لأنه:

﴿لَّا تُدْرِكُهُ ٱلْأَبْصَـٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلْأَبْصَـٰرَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: 103]

سبحانه وتعالى، ليس كمثله شيء سبحانه وتعالى، رب السماوات والأرض، لا يُرى في الدنيا.

قصة عبد القادر الجيلاني مع الشيطان وكيف نجاه علمه من الفتنة

وعن عبد القادر الجيلاني رضي الله تعالى عنه — وهو من أكابر الصالحين وأولياء الله العاملين — أنه كان يجلس في خلوته يذكر ربه، فأضاءت الخلوة بنور لم يرَ مثله، وشعر بقلبه يخشع لله، وسمع صوتًا قال: ما سمعت أحلى منه من قبل.

قال [الصوت]: يا عبد القادر لقد قربناك. قال: لبيك ربي لبيك. قال: يا عبد القادر أحببناك. قال: فشعرت أنني أذوب كما يذوب الملح في الماء. قال: يا عبد القادر أحللنا لك الحرام. قال: اذهب يا لعين!

فانطفأ النور وسمعت صوتًا لم أسمع أقبح منه من قبل وهو يقول: علمك نجاك يا عبد القادر، أخرجت بها سبعين وليًا من ديوان الولاية. فاللهم سلِّم!

سبب نجاة عبد القادر الجيلاني وأهمية الشيخ المرشد في الطريق إلى الله

لأن عبد القادر [الجيلاني] أراد الله لا سواه، فلم يلتفت إلى هذه المخرقات ودعوى الكرامات، بل قصد الله لا رب سواه. فقال [الشيطان]: علمك نجاك يا عبد القادر.

ومن أجل ذلك نصح المشايخ بأن يكون لك شيخ في الطريق إلى الله يبين لك هذا من ذاك، واللافت من غيره، والبشرى من الشواغل، ويسعى بك إلى ربك على شرط العلم؛ لأن كلامنا وطريقنا مقيد بالكتاب والسنة.

فإن لم يتقيد بالكتاب والسنة فكن يهوديًا أو نصرانيًا أو بوذيًا أو هندوكيًا؛ فإن من راض نفسه من البشر كثير، ولكن لا بد للمسلمين إذا ما راضوا أنفسهم لله أن يكون ذلك على طريق الكتاب والسنة، فإن خرج عن الكتاب والسنة فليس بطريق إلى الله.

علم عبد القادر الجيلاني بأن الله لا يُرى ولا يُحِلّ الحرام لأحد

علمك نجاك يا عبد القادر؛ لأنه عرف أن الله لا يُرى بعين النظر [في الدنيا]، ولا يُحِلّ الحرام، ولم يُحِلّه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو سيد الكائنات وخاتم المرسلين وحبيب رب العالمين وسيد الخلق أجمعين وأفضل ما خلق الله سبحانه وتعالى على جهة الإطلاق.

بل إنه [صلى الله عليه وسلم] زاد في عبادته كل ما رقّاه ربه في مدارج عبوديته، ويقول:

«يا عائشة، أفلا أكون عبدًا شكورًا»

اللهم صلِّ عليه وسلم في الأولين، وصلِّ عليه وسلم في الآخرين، وصلِّ وسلم عليه في العالمين.

مدارج العبودية المستمرة لرسول الله حتى بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى

رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل الله له مدارج العبودية مستمرة حتى بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى، فجعل الناس تلهج بذكره:

﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰٓئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]

فما زال الناس بالملايين يصلون عليه إلى يوم الدين. ورسول الله صلى الله عليه وسلم فتح الله له بابًا من الثواب لا يُغلق إلى يوم الدين.

فسلَّط عليه سفلة القوم يشتمونه ويسبونه، فترتفع درجته عند ربه كل لحظة بسبِّ السفهاء له، وبكفر الكافرين به، وبسفاهة السفهاء في جنابه الأعظم.

ترقي النبي في مدارج العبودية بفضل الله ليكون رحمة للعالمين

فما زال [النبي صلى الله عليه وسلم] يترقى في مدارج العبودية مع ربه، ولا نهاية لمدارج العبودية، ويزداد شرفًا فوق شرف ورفعة فوق رفعة، من غير حول منه ولا قوة، إنما هو بفضل الله عليه وإسبال نعمته عليه صلى الله عليه وآله وسلم.

ليكون رحمة للعالمين ومثالًا يُحتذى لمن أراد الله سبحانه وتعالى.

عدم الالتفات إلى اللوافت وعدم عبادة الطريق نفسه من دون الله

ونحن في الطريق إلى الله وقد أُمرنا ألا يكون هناك سواه، فلا نلتفت إلى اللوافت. لا ينبغي أن نعبد الطريق نفسه من دون الله.

قالوا لأبي يزيد [البسطامي]: ما لنا نعبد ولا نجد لذة العبادة في قلوبنا؟ قال: عبدتم العبادة فلم تجدوا لذتها في قلوبكم، اعبدوا الله تجدوا لذة العبادة في قلوبكم.

فالإنسان إذا قام الليل وصام النهار تحدثه نفسه أن يفرح لأنه قد قام الليل وصام النهار والحمد لله، فيلتفت إلى العبادة [نفسها]. أما الذي أخلص نيته لله فإنه لا يلتفت إليها، بل إنه يصوم شوقًا إلى الله ويصلي حبًا في الله ويذكر رغبة في الله، فإنه لا يرى إلا الله، حتى عمله لا يراه. فحينئذ يجد لذة العبادة في قلبه.

فتنبه؛ فإنه معنى دقيق لا يلتفت إليه كثير من الناس.

العبادة والعلم قد يصبحان حجابًا إذا لم يكونا خالصين لله

العبادة أمر طيب مأمور به ممدوح عليه، ولكن اجعله لله، لا من أجل أن تترقى حتى في الطريق إلى الله. وهذا هو الذي يقوله لنا الشيخ [ابن عطاء الله] اليوم: لا ترحل من كون إلى كون، ولا تنقل نفسك من درجة إلى درجة، ولا تحاسب نفسك أنك بالأمس لم تكن تقوم واليوم تقوم، وبالأمس لم تكن تصوم واليوم تصوم وهكذا.

بل افعل كل ذلك لله رب العالمين من غير تكلف، ومن غير رغبة في الترقي في درجات العبودية. إنما اجعله هو الذي ينقلك من حال إلى حال، ومن كون إلى كون، ومن خطوة إلى خطوة.

اترك نفسك لله فلا ترى سواه، ولا تجعل العمل حائلًا وحجابًا بينك وبينه.

العلم الشرعي قد يتحول إلى حجاب إذا تفاخر به صاحبه وتعالى على الناس

والعلم كذلك؛ العلم الشرعي قد يكون حجابًا. فمن تفاخر بعلمه واعتز به ونظر إليه وقارن بين نفسه وبين الناس فتعالى عليهم بذلك العلم، فالعلم يومئذ حجاب — والعياذ بالله — وتحوَّل ما هو موصل إلى الله إلى ما هو منقطع بك عن الله.

فلا ترحل من كون إلى كون فتكون كحمار الرحى. ماذا يفعل حمار الرحى؟ يسير في دائرة، مثل الذي نقول عليه في الجيش عندما يأتي ليقول لك: خطوة تنظيم مكانك سِرْ! فتتحرك رجلاك صاعدًا نازلًا وما تتقدم شيئًا.

تشبيه من يدور حول نفسه بحمار الرحى الذي لا يتقدم خطوة

هذا حمار الرحى يمشي طول النهار متعقبًا نفسه وهو في دائرة، لم يتقدم خطوة؛ لأنه دار حول نفسه — ها! — نفسه، ليس ربه، ليس إلى ربه، وإنما لفَّ حول نفسه.

فانظر التشبيه: لا تلفّ حول نفسك، أنكِر نفسك وأنكِر عملك، لا تلتفت إلى عملك ولا إلى نفسك؛ فإنه ما وفقك إلى ذلك العمل إلا هو [الله سبحانه وتعالى]. فتذكر ربك واترك نفسك له يفعل فيك ما يشاء، مع الرضا والتسليم والبعد عن المعاصي والمنكرات وفعل الطاعات بالهمة العالية.

محصلة العمل بلا إخلاص تكون صفرًا كحمار الرحى الذي يدور حول نفسه

فتكون مثل حمار الرحى يسير لكنه لا يتقدم، وأنت تعمل لكنه لا يُقبل. إذن فالمحصلة تكون صفرًا، لا شيء.

والذي ارتحل إليه هو الذي ارتحل منه؛ النقطة التي انطلق منها هي التي يعود إليها لينطلق منها. حمار الرحى يدور حول نفسه مسكينًا.

ولكن ارتحل من الأكوان إلى المكوِّن. المكوِّن هو الله.

﴿وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلْمُنتَهَىٰ﴾ [النجم: 42]

الله أمامك ولا تلقاه إلا إذا انتقلت من الحياة الدنيا.

﴿وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ﴾ [الحجر: 99]

الذي هو الموت.

معنى اليقين في الآية هو الموت وليس سقوط التكاليف الشرعية

بعض القاصرين يفهمون أن اليقين [في الآية] يعني التيقن مائة في المائة. كان سيدنا رسول الله مؤمنًا ألف في المائة، لكن ﴿اعبد ربك حتى يأتيك اليقين﴾ يعني حتى الموت. فليس هناك سقوط للتكاليف ولا إلحاد.

وانظر إلى قوله [صلى الله عليه وسلم]:

«فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله»

والإخوة لا يظنون أن الحديث هذا فيه شرك! ما دام قال: إلى الله ورسوله — عيب! رسول الله هو طريقنا إخواننا إلى الله، والله لا يفتح لنا إلا من قِبَله [صلى الله عليه وسلم].

النبي واسطة بين الحق والخلق وليس في ذلك شرك بالله تعالى

وارتضاه الله سبحانه وتعالى واسطة بين الحق والخلق، وعلَّمنا هو عليه الصلاة والسلام أنه واسطة بين الخلق والحق.

﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدْعُونِىٓ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60]

هكذا مباشرة. إذن فهو [صلى الله عليه وسلم] واسطتنا بينه [سبحانه] وبيننا؛ لأنه صاحب الوحي الشريف.

ولذلك ليس من الشرك أن نهاجر إلى الله ورسوله، وليس من الشرك أن نطيع الله ورسوله، وليس من الشرك أن نحب الله ورسوله. وليس من الشرك إلا أن تدخل الإسلام إلا إذا شهدت أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.

يعني لو شهد أحدهم بأن لا إله إلا الله [وحدها] لا يدخل الإسلام.

إجازة الإمام أحمد الحلف بالنبي لأنه ركن من أركان الشهادة

ولذلك الإمام أحمد [بن حنبل] أجاز الحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم وقال: ينعقد؛ لأنه ركن من أركان الشهادة، ركن من الشهادتين لا تتم الشهادة إلا به.

فلما يقول شخص: "والنبي" انعقد اليمين عند الإمام أحمد. لماذا؟ أليس من حلف بغير الله فقد أشرك؟ ولكن ليس هذا [من ذاك]؛ هو سيد المرسلين، هذا ركن الإسلام.

وهذا الحديث في أول [صحيح] البخاري:

«فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله»

الله هو النية، نُشرِك فيها رسول الله؟! اسكت أيها الجاهل! لا تصح نيتك إلا بحبك لنبيك صلى الله عليه وآله وسلم.

شفاعة النبي يوم القيامة في الخلق أجمعين وهو رحمة للعالمين

فهو [صلى الله عليه وسلم] الذي يأخذ بأيديكم يوم القيامة ويشفع في الخلق أجمعين حتى يصدق عليه أنه رحمة للعالمين. يشفع فينا جميعًا — مؤمننا وكافرنا — فيخفف اليوم من ألف سنة إلى خمسمائة.

والخلق يذهبون إلى آدم فيقول: نفسي! فيذهبون إلى نوح، ثم يذهبون إلى إبراهيم فموسى فعيسى، حتى يأتوا سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم — كما أخرجه البخاري — فيقول: أنا لها، أنا لها!

فيذهب فيسجد عند العرش، فيلهمه الله محامد كثيرة لم يلهمها لأحد من قبله، حتى يقول له: يا محمد ارفع، واسأل تُعطَ، واشفع تُشفَّع. عليه الصلاة والسلام.

شفاعة النبي في الخلق أجمعين وخجل من سبّه واستخف به

فيشفع [صلى الله عليه وسلم] في الخلق أجمعين. فهذا الذي سبَّه واستخف به يحدث له من الخجل ما الله به عليم. لماذا؟ لأنه كان سببًا في رحمة قد أصابته [من شفاعة النبي].

وهكذا يجعله الله سلطانًا على الناس سبحانه وتعالى.

لا تصحب من لا ينهضك حاله ولا يدلك على الله مقاله

قال [ابن عطاء الله] رضي الله تعالى عنه — وهو يتكلم في السير في الطريق إلى الله —: لا تصحب من لا ينهضك حاله ولا يدلك على الله مقاله.

قال رسول الله ﷺ: «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل»

وكم من المتصدرين قد قست قلوبهم عن ذكر الله، يبدِّعون الذاكرين ولا يذكرون الله إلا قليلًا، فأغلق الله عليهم مغاليق الطريق ولم يفتح عليهم فتوح العارفين به.

فإذا صاحبته انتقلت ظلمة قلبه إلى قلبك.

قال رسول الله ﷺ: «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل»

مثل الصاحب الصالح والسيء كحامل المسك ونافخ الكير

ومثل الصاحب السيء — صاحب السوء — والخليل الطيب:

قال رسول الله ﷺ: «كمثل حامل المسك ونافخ الكير؛ فحامل المسك إما أن يحذوك بمسك أو تشم منه رائحة طيبة أو يعطيك من مسكه، ونافخ الكير إما أن تصيبك ناره فتحرق ثيابك وإما أن تشم منه الرائحة الكريهة»

فهكذا الصاحب [يؤثر فيك]. والله سبحانه وتعالى يقول:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَكُونُوا مَعَ ٱلصَّـٰدِقِينَ﴾ [التوبة: 119]

وليس [قال: كونوا] من الصادقين؛ فـالمعية تدل على الصحبة، والصحبة تؤثر في القلب، فتنتقل أنوار الذكر إلى قلبك بالبيئة الصالحة.

قصة قاتل المائة نفس ونصيحة العالم بالهجرة إلى أرض صالحة

ودلَّ على ذلك [أهمية البيئة الصالحة] النبي صلى الله عليه وسلم في قصة الرجل التي قصها علينا: قتل تسعة وتسعين نفسًا، فسأل عابدًا: هل لي من توبة؟ قال: لا. فقتله فأكمل به المائة.

وسأل عالمًا: هل لي من توبة؟ قال: ومن الذي يتألى على الله؟! من الذي يمنعك من التوبة؟! ولكن أرى أنك بأرض قوم سوء؛ كيف لم يقبضوا عليك ولم يقتلوك وتركوك تقتل منهم مائة؟! فارحل إلى أرض كذا فإن فيها أقوامًا يعبدون الله.

فتبقى إذن الهجرة والانتقال من أرض المعصية ومن صحبة السوء تُعدّ من الهجرة [المطلوبة شرعًا].

من هاجر شبرًا من الأرض كُتبت له هجرة وأهمية هجر أصحاب الظلمة

فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول:

«من هاجر شبرًا من الأرض كُتبت له هجرة»

شبر يعني حرِّك نفسك في الحافلة هكذا شبرًا حتى لا ترتكب المعصية. شبر يعني ليس هناك خطوة بل شبر، يعني ربع خطوة. الشبر اثنان وعشرون سنتيمترًا والخطوة خمسة وسبعون، يعني تقريبًا ربع خطوة شبر.

من هاجر شبرًا من الأرض كُتبت له هجرة. ما هذا الكلام الجميل! إذن يجب عليك أن تهجر أصحاب الظلمة الذين منعهم وحرمهم ربنا من الذكر، وأن تحيط نفسك بالصحبة الصالحة — الصادقين الذين جعلهم ووفقهم [الله] تلهج ألسنتهم بذكره.

قال رسول الله ﷺ: «لا يزال لسانك رطبًا بذكر الله»

قال رسول الله ﷺ: «خيركم من إذا رُئيَ ذُكر الله»

ولا يدلك على الله مقاله.

خطر صحبة الأسوأ حالًا لأنها تورث التعالي والكبر المهلك

قال [ابن عطاء الله] رضي الله تعالى عنه: ربما كنت مسيئًا فأراك الإحسان منك صحبتُك إلى من هو أسوأ حالًا منك.

فإذن لما صاحبت السيء هذا تقول: أنا أحسن منه. وحالما قلت أنا أحسن منه تكون قد ضللت. هذه مصيبة صحبة الظالمين والمُظلِمين — الظالمين والمُظلِمين — مصيبة صحبتهم أنك ستتعالى عليهم.

ولو تعاليت:

قال رسول الله ﷺ: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من خردل من كِبْر»

حبة الخردل وزنها بسيط جدًا فكيف بمثقال ذرة منها في الكبر

وحبة الخردل هذه كم تزن؟ الثلاثة غرامات بستة آلاف حبة، فيكون الغرام بكم؟ بألفي حبة. فماذا تكون إذن؟ تكون هباءً منثورًا! ذرة حبة الخردل خفيفة يا إخواننا، وزنها مثل قشرة حبة القمح هكذا — القشر الذي يطير، هذا الذي يطير في الهواء.

فحبة الخردل هذه شيء بسيط جدًا. يا للعجب! فما العمل؟ هذه مصيبة سوداء، نحن في مصيبة هكذا! فليكن الكبر بعيدًا عنا.

حديث التكبر على أهل الكبر موضوع والمطلوب التواضع لله مطلقًا

كنا نقول لمشايخنا: حديث «تكبَّروا على أهل الكبر فإن ذلك عليهم صدقة»، قالوا: موضوع. لا تتكبر على أهل كبر أم على أهل لم يتكبروا، ما لك علاقة بالكبر!

نعم ولكن هذا متكبر فتكبَّر عليه؟ لا! دع هذا. ليس نحن من نفعل ذلك. نحن نتواضع لربنا، وإلا فلماذا نسجد؟ إعلانًا للخضوع له والخبوت له.

إياك وصحبة المتكبرين لئلا تنظر إلى عملك فتضطرب وتهلك

فإياك أن تصاحب هؤلاء [المتكبرين] لئلا تغتر وتقول: أنا أحسن منهم. وأنت أحسن منهم حقًا، ولكن المصيبة أنك عندما قلت ذلك فقد دخلت في نفسك في النظر إلى عملك.

وإذا دخلت بالنظر إلى عملك رغمًا عنك هكذا فستضطرب أم لا؟ ستضطرب!

ما قلَّ عملٌ برز من قلب زاهد، ولا كثُر عملٌ برز من قلب راغب.

معنى الزهد في الدنيا وأنه لا يكون إلا عن تملك لا عن فقر

قال رسول الله ﷺ: «ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس»

ازهد في الدنيا يعني لا تفرح بالموجود ولا تحزن على المفقود ولا تسعى لتحصيلها. وادعُ وقل: اللهم اجعلها في أيدينا ولا تجعلها في قلوبنا. يعني الذي في يده الدنيا لا يتركها وإنما يستعملها الاستعمال الحسن.

فـالزهد لا يكون إلا عن تملك. متى تُسمى زاهدًا؟ عندما تكون الدنيا في يديك لكن لا ترضى أن تدخل قلبك، لا تدعوك إلى معصية ولا إلى تعلق ولا إلى تبرم بقضاء الله.

فلو فقدتها لما تغير قلبك، ولو تكاثرت في يديك لما تغير قلبك، فأنت زاهد. إنما الفقير فلا يكون زاهدًا؛ في أي شيء يزهد؟ عندما لا تجد شيئًا ففيمَ تزهد؟ الذي يزهد هو المالك.

جهد المُقِلّ أحب الأعمال إلى الله وفضل العمل الخارج من قلب زاهد

فاللهم اجعل الدنيا في أيدينا نتقوى بها على عبادتك، ولا تجعلها في قلوبنا فنكون من الراغبين فتحبط أعمالنا.

شخص صلى ركعتين فتجد هاتين الركعتين في ميزان ربنا عظيمتين جدًا؛ لأنهما خرجتا من قلب رجل زاهد مؤمن. أما الراغب في الدنيا والمتعلق قلبه بها فصلى اثنتي عشرة ركعة ضحى فيخرجوا خفيفًا — هكذا هو — على نحو عشرة ثوابات، اثنتا عشرة في عشرة بمائة وعشرين.

والركعتان أخذتا مائة وعشرين ألفًا! ما هذه الحكاية؟! لماذا؟ لأنه:

قال رسول الله ﷺ: «أحب الأعمال إلى الله جهد المُقِلّ»

والمُقِلّ هذا تتكاثر حسناته لأنه جعلها على الله، قلبه ما فيه دنيا.

ختام الدرس بالدعاء بالمغفرة والهداية إلى الصراط المستقيم

فاللهم يا ربنا اغفر ذنوبنا واستر عيوبنا ويسِّر غيوبنا، واجعلنا مع الصادقين ومن الراشدين، واهدنا إلى صراطك المستقيم.