الحكم العطائية | من 46 - 50 | أ.د علي جمعة
- •حسن الأحوال يأتي من التحقق في مقامات الإنزال، فكل شيء من عند الله وهو الهادي والمضل.
- •المؤمن لا يفتخر بعمله لأنه مخلوق لله، ولا يستطيع عليه إلا بتوفيق الله وهدايته.
- •نعمة الإسلام لا تقدر بشيء، فعلى المسلم أن يحمد الله على هذه النعمة وأن يكون في مراد الله.
- •حسن الأحوال ينتج منه حسن الأعمال، والسلوك مرتبط بما في القلوب.
- •لا ينبغي ترك الذكر لعدم الحضور مع الله فيه، لأن اللسان إذا اشتغل بالذكر لا يشتغل بالغيبة والنميمة.
- •مداومة الذكر تؤثر في القلب وتحول الحال إلى مقام، فيصل العبد من ذكر مع غفلة إلى ذكر مع يقظة ثم حضور.
- •اليقظة هي معرفة الحقيقة وأن يعرف العبد أنه فانٍ وربه باقٍ.
- •من علامات موت القلب عدم الحزن على ما فات من الموافقات وترك الندم على الزلات.
- •النبي صلى الله عليه وسلم هو إمام الحضرة القدسية وإنسان عينها.
- •لا يستعظم المؤمن الذنب عظمة تصده عن حسن الظن بالله تعالى.
افتتاح الدرس بالبسملة والصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
اللهم يا ربنا صلِّ على سيدنا محمد وسلِّم في العالمين، وفي الأولين وفي الآخرين، وجازِهِ عنا خير ما جازيت نبيًّا عن أمته، واجعله لنا شفيعًا يوم القيامة وأسوةً في الدنيا.
اللهم انفعنا به يا أرحم الراحمين في الدنيا والآخرة، واحشرنا تحت لوائه، واسقنا من يده الشريفة شربة ماء لا نظمأ بعدها أبدًا، ثم أدخلنا الجنة من غير حساب ولا سابقة عذاب ولا عتاب، ومتِّعنا بالنظر إلى وجهك الكريم في جنة الخلد يا أرحم الراحمين.
الدعاء بالثبات على الإسلام ونصرة المسلمين والمغفرة والرحمة
وأحيِنا مسلمين وأمِتنا مسلمين غير خزايا ولا مفتونين، ووحِّد قلوبنا أمةَ سيدنا محمد على الخير في الدنيا.
اللهم يا رب العالمين انصر الإسلام والمسلمين، وامحُ يا ربنا بالحسنات السيئات، وتقبَّلنا عندك بقبول حسن، واغفر وارحم وتجاوز عمَّا تعلم، إنك أنت الأعزُّ الأكرم، وهَبْ مسيئنا إلى محسننا واغفر لنا جميعًا.
اللهم يا ربنا استر عيوبنا ونوِّر قلوبنا واغفر ذنوبنا ويسِّر، اغفر لنا ذنوبنا واجعلنا من الراشدين ومع الصادقين، وانصرنا على القوم الكافرين، واهدنا واهدِ بنا يا رب العالمين.
حسن الأعمال ثمرة حسن الأحوال والتحقق في مقامات الإنزال
قال [ابن عطاء الله السكندري] رضي الله تعالى عنه ونفعنا بعلومه في الدارين، آمين: حسن الأعمال نتائج حسن الأحوال، وحسن الأحوال من التحقق في مقامات الإنزال.
إذ كل شيء من عند الله، فهو الهادي وهو المُضِل.
﴿وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَن يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الزمر: 37]
فالكل من الله، والمِنَّة من الله، والتوفيق والهداية من الله. فلا تفتخر أيها المؤمن بعملك؛ فإنما عملك مخلوق لله، وما استطعت عليه إلا بتوفيق الله لك، وأنه قد أذِنَ بهدايتك.
نعمة الإسلام أعظم النعم وهي بتوفيق الله لا بحول العبد ولا قوته
وكان الصحابة يقولون: ما أنعم الله علينا بنعمة بعد نعمة الإسلام؛ أي كانت نعمة الإسلام لا تُقدَّر ولا تُقوَّم بشيء؛ لأنه قد هدانا للإسلام من غير حول منا ولا قوة.
ولو أرادنا [الله] من أولئك الذين قد غضب عليهم أو أضلَّهم لجعلنا من غير حول منا أيضًا ولا قوة. فالحمد لله على نعمة الإسلام، والحمد لله الذي جعلنا مسلمين من غير حول منا ولا قوة.
فيجب عليك بعد أن أنعم الله عليك بهذا أن تقوم حيثما يرضي الله، وأن تطبِّق على نفسك ما أراده الله منك، وأن تكون في مراد الله سبحانه وتعالى الذي بيَّنه لك ووضَّحه لك.
العلاقة بين حسن الحال وحسن العمل وقصة الصحابي الذي بشره النبي بالجنة
فيقول [ابن عطاء الله]: حسن الأعمال نتائج حسن الأحوال؛ هذه حسن الأعمال نتائج حسن الأحوال. إذا حسُن حالك مع الله صحَّ حسنُ عملك.
فالسلوك الذي يسلكه المؤمن مرتبط بما في القلوب. وما سبقكم أبو بكر بكثرة صلاة ولا صيام، وإنما بشيء وقر في قلبه.
وجلس النبي صلى الله عليه وسلم فقال:
«يخرج عليكم من ها هنا رجل من أهل الجنة»
فخرج رجل، فترصَّد له [عبد الله] بن عمر وذهب إليه وبات معه حتى يرصد عمله، فما وجده إلا أنه قد استيقظ قبل الفجر، لم يقم الليل بطوله، وصلى ركعات خفيفات.
سر دخول الصحابي الجنة هو صفاء قلبه من الغل والحقد على الخلق
وظلَّ [ابن عمر] عنده ثلاثة أيام، فكان الأمر هكذا؛ لا يزيد من عمله، ليس بصوَّام النهار ولا بقوَّام الليل. ولكن سأله وقال له: لقد بشَّرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنك من أهل الجنة، فبِمَ وصلت إلى هذا؟ قال: أبيت وليس في قلبي شيء لأحد من الخلق.
فحسن الأحوال ينتج منه حسن الأعمال. ومن أين تأتي بحسن الأحوال؟ قال [ابن عطاء الله]: من التحقق في مقامات الإنزال. إذن فلا بد أن تتحقق بالمقامات.
الفرق بين الحال والمقام وكيفية الترقي من الأحوال إلى المقامات
والفرق بين الحال والمقام أن الحال عارض يأتي ويذهب؛ فالقبض والبسط من الأحوال. أما المقام فثابت؛ فالجود والكرم والحب والعطاء من المقامات.
تأخذ في التحقق بالأحوال حتى تصل إلى المقامات، فإذا وصلت إلى المقام ثبتَ فيه ونتجت منه أحوال أخرى، وهذه الأحوال هي التي تُحسِّن الأعمال.
فاللهم يا ربنا أحسِن سريرتنا وأحسِن مقاماتنا وأحسِن أحوالنا وأحسِن أعمالنا وتقبَّلنا عندك بقبول حسن.
لا تترك الذكر لعدم حضور القلب فإن الذاكر يثاب حتى بلسانه فقط
قال [ابن عطاء الله] رضي الله تعالى عنه ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين: لا تترك الذكر لعدم حضورك مع الله فيه.
الإمام النووي في [كتاب] الأذكار يقول: إن الذاكر يُثاب حتى لو ذكر بلسانه دون قلبه. إياك أن تنقطع، استمر في الذكر. بالُك مشغول؟ لا تهتم ببالك المشغول، استمر في الذكر. طيب وذكرُ أيِّ شيء هذا؟ إذن استمر في الذكر.
إياك أن تنقطع، دائمًا استمر في الذكر. لا تترك الذكر لعدم حضورك مع الله فيه؛ لأن لسانك إذا اشتغل بالذكر لا يشتغل بالغيبة ولا بالنميمة.
المداومة على الذكر تنقل القلب من الغفلة إلى الحضور ثم إلى ذكر الروح
ولأنك إذا أدمتَ الكلام باللسان في ذكر الله أثَّر ذلك في قلبك لا محالة، ولأن الدوام أحبُّ الأعمال إلى الله.
قال [النبي ﷺ]: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلَّ»
لأنه يؤثر في القلب ويحوِّل الحال إلى مقام. فبعد أن كان الذكر يجري على لسانك دون قلبك، يدخل قلبك ولسانك معًا.
فهناك ذكر اللسان، وهناك ذكر القلب، وهناك ذكر اللسان مع القلب، ثم هناك ذكر الروح. وإذا بدأت الروح في الذكر سجد القلب لله، وإذا سجد القلب لله فإنه لا يقوم إلى يوم القيامة.
سجود القلب لله دائم لا قيام بعده بخلاف سجود الجسد
فسجود القلب لله ليس بعده قيام. القيام يبقى على الجبهة؛ نسجد ونقوم فنتعب، الدم يجري في دماغنا ونتعب،
﴿وَخُلِقَ ٱلْإِنسَـٰنُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 28]
أما القلب إذا سجد لربه فإنه لا يقوم أبدًا.
لا تترك الذكر لعدم حضورك مع الله فيه، استمر دائمًا.
قال [النبي ﷺ]: «لا يزال لسانك رطبًا بذكر الله»
لا يزال. وماذا قال له؟ قلبك؟ قال له: لسانك. هاك، انظر أفصح العرب سيد الكونين [صلى الله عليه وسلم قال لسانك ولم يقل قلبك].
مراتب الذكر من الغفلة إلى اليقظة إلى الحضور إلى الغيبة عما سوى الله
لأن غفلتك عن وجود ذكره [أي عدم الذكر أصلًا] أشد من غفلتك في وجود ذكره [أي الذكر مع شرود القلب]. فعسى أن يرفعك من ذكر مع وجود غفلة إلى ذكر مع وجود يقظة، ومن ذكر مع وجود يقظة إلى ذكر مع وجود حضور، ومن ذكر مع وجود حضور إلى ذكر مع الغيبة عمَّا سوى المذكور.
﴿وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم: 20]
يبقى ينتقل من مرحلة إلى مرحلة، ومن حالة إلى حالة. من أين؟ من الاستمرار، من الدوام، من أنه أطاع رسول الله [صلى الله عليه وسلم].
طريقنا مقيد بالكتاب والسنة والنبي قال لسانك لا قلبك في حديث الذكر
انظر، طريقنا مقيد بالكتاب والسنة. ما هو [ابن عطاء الله] يتكلم عن الذكر، لكنه منتبه من أن «أحب الأعمال إلى الله أدومها»، لكنه منتبه [أن النبي ﷺ قال]: «لا يزال لسانك» ولم يقل «قلبك»، لكنه منتبه من جهد العقل، منتبه لأشياء كثيرة.
كل الدين أشياء كثيرة جدًّا، ولذلك يقول لك النصيحة في الآخر: لا تترك الذكر لعدم حضورك مع الله فيه. اشتغل بالذكر ولا تغفل، ولا تأتيك الشياطين تقول لك: ما الفائدة وأنت غافل طوال اليوم ومنشغل بالدنيا وبلاياها؟ قل له: ليس لك شأن.
لا إله إلا الله خير ما قاله النبيون والبداية الصحيحة بإشغال اللسان بالذكر
لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، لا إله إلا الله.
قال [النبي ﷺ]: «خير ما قلتُ وقال النبيون من قبلي: لا إله إلا الله»
وقال ﷺ: «خير ما اعتقدتُ واعتقد النبيون من قبلي [لا إله إلا الله]»
أبدًا تكلَّم عن الحضور القلبي؟ أبدًا! هذا يقول: خير ما قلتُ؛ لكي ينبِّهك إلى البداية الصحيحة وهي أن تشغل لسانك بذكر الله.
ومن خير الذكر الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فاللهم صلِّ على سيدنا محمد وآله.
الغفلة عن الذكر أشد من الغفلة فيه والذكر قبل الطريق وفيه وبعده
لأن غفلتك عن وجود ذكره حين لا تذكر إطلاقًا أشد من غفلتك في وجود ذكره [أي أن تذكر ولو بلسانك فقط]. فيبقى لسانك يعمل، وهذا أفضل من لا شيء.
فعسى أن يرفعك من ذكر مع وجود غفلة إلى ذكر مع وجود يقظة. وقلنا بداية الطريق ما هي؟ اليقظة. إذن الذكر قبل الطريق أم لا؟ وفي الطريق أم لا؟ وبعد الطريق أم لا؟
﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: 45]
ياااه! ذكر الله أكبر من الصلاة! صلاة خمس مرات وتنهى عن الفحشاء والمنكر، وبعد ذلك ذكر الله أكبر. لو وقفنا عند هذه الآية وحدها لكفى.
اليقظة هي معرفة حقيقة الفناء والبقاء وصفات الله سبحانه وتعالى
ما هو [الأمر]؟ «لا يزال لسانك رطبًا بذكر الله»، اشتغل بالذكر. أما أولئك الذين لا يذكرون الله إلا قليلًا فيبقون ليسوا معنا، يبقون لم يبدؤوا بعد.
حسنًا، اليقظة أن تعرف الحقيقة. ما هي الحقيقة؟ أنك فانٍ يعني أن ربك باقٍ، وأنك حادث يعني أن ربك لا أول له، وأنك تحتاج إلى غيرك يعني أن ربك قيوم السماوات والأرض، وأنك متعدد في جهاتك يعني أن الله سبحانه وتعالى واحد أحد فرد صمد لا إله إلا هو.
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾ [الشورى: 11]
اليقظة معرفة الحقيقة.
تيقظ العبد من غفلته بمعرفة صفات الله وعظمته سبحانه وتعالى
تيقَّظتَ من غفلتك فعرفت أنه لا حول ولا قوة إلا بالله، وأنه لا يكون في كونه إلا ما أراد، وأن كل شيء عنده بمقدار، وأنه سبحانه وتعالى فعَّال لما يريد، وأنه لا يُسأل عمَّا يفعل وهم يُسألون، وأن له الصفات العُلا، وأنه صاحب صفات الجمال والجلال والكمال.
ربنا سبحانه وتعالى خالق السماوات والأرض وما بينهما. هذه هي اليقظة.
ولكن نفسك غلَّابة وتنازعك في الطاعة، وتجرجرها خلفك أو تحت قدميك أو أمامك تدفعها دفعًا.
الانتقال من ذكر مع يقظة إلى ذكر مع حضور ودخول الحضرة القدسية
فينقلك [الله] من ذكر مع وجود يقظة إلى ذكر مع وجود حضور. والحضرة القدسية معنى تدخل فيه عالَمًا لا تستطيع أن تنسى فيه الله.
فالله حاضر وليس غائبًا، تستدعيه وتستحضره. وتعيش مرة في الدنيا ومرة في حضرته؟ لا! بل إن الله سبحانه وتعالى لا يغيب عن الحاضر في حضرته طرفة عين.
فيدخل إلى الحضرة القدسية. ليست الحضرة القدسية مكانًا، لا، هذه حالة. فإذا دخلت في الحضرة القدسية، فماذا ترى؟ الخلق أجمعين، كافرهم ومؤمنهم، الأنبياء والأولياء والملائكة المقربين، تجدهم أجمعين يعبدون الله.
كل شيء يسبح بحمد الله حتى الكافر وجسمه وخلاياه تسبح ربنا
بعضهم بعبادة الحال وبعضهم بعبادة الحال والمقال.
﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: 44]
الكافر يسبِّح ربنا رغمًا عنه؛ جسمه يسبِّح ربنا، خلاياه تسبِّح ربنا.
ومَن تجدون في هذه الحضرة؟ تجدون إمامًا لها كإمام الصلاة. نحن في الصلاة نعمل مثل الحضرة؛ يكون واحد واقفًا إمامًا ويكون المصلون خلفه. مَن إمام الحضرة القدسية؟ سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
النبي صلى الله عليه وسلم إنسان عين الحضرة القدسية ومعنى ذلك
ويسمُّونه إنسان عين الحضرة القدسية. ويقول [العارفون]: اللهم صلِّ على إنسان عين الحضرة القدسية، صلى الله عليه وآله وسلم.
ماذا تعني إنسان العين؟ يعني حدقة العين السوداء هذه، عندما تذهب يحدث ماذا؟ لا ترى شيئًا. فعندما لا ترى النبي ﷺ وأنت في الحضرة المقدسة فلا تعود تُبصر.
فماذا تفعل؟ لا تعرف. وأنت في الحضرة المقدسة أتسكت أم تتكلم؟ لا تعرف. ما الأدب؟ أتقوم أم تقعد؟ لا تعرف. متى أعرف؟ متى؟ عندما أرى النبي ﷺ، قم فأراه، أرى ماذا يفعل وأقلِّده.
النبي إمام المرسلين وسيد ولد آدم ولا باب إلى الله سواه
ولذلك سمَّوه ماذا؟ إمام المرسلين، قائد الغُرِّ المحجَّلين، سيد ولد آدم أجمعين. ويقولون عنه: إنسان عين الحضرة القدسية؛ يعني لو غاب عنك فهو دائمًا هناك في الحضرة القدسية هذه.
فإذا غاب عنك تتوه. ولذلك ليس هناك باب سوى باب النبي المصطفى والحبيب المجتبى لله رب العالمين. بينك وبينه [سبحانه وتعالى] النبي ﷺ.
﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21]
﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُوا﴾ [الحشر: 7]
النبي لم يترك شيئا يقرب إلى الله إلا أمر به ولا شيئا يبعد عنه إلا نهى عنه
والله ما تركتُ شيئًا يقرِّبكم إلى الله، يقرِّبكم إلى الجنة، يبعِّدكم عن النار إلا أمرتكم به. وما تركتُ شيئًا يبعِّدكم عن الله، يبعِّدكم عن الجنة، يقرِّبكم إلى النار إلا نهيتكم عنه.
فجزاه الله عنا خير ما جازى نبيًّا عن أمته، صلى الله عليه وسلم.
فسيد الخلق أجمعين هو الحبيب المصطفى ﷺ. ففي الحضرة لا تنسى، كيف تنسى وأنت في الحضرة؟ في مشاهدة، في هذه الحضرة التي لا تنسى فيها، تحتاج إلى إمام، وإمامك سيد الخلق أجمعين.
الترقي من الحضور إلى الغيبة عما سوى الله وانطباع وراثة النبي في العارف
ومن ذكر مع وجود حضور إلى ذكر مع غيبة عمَّا سوى المذكور. ثم بعد ذلك تترقَّى إلى أن ينطبع رسول الله ﷺ وراثةً فيك.
قال [النبي ﷺ]: «العلماء ورثة الأنبياء»
إنهم علماء العارفون بالله، وليس العلماء الذين يقولون: آه، هذا الذي نحن جالسون نتحدث فيه! هذه معلومات وليس علمًا. هذا العلم هو المعرفة بالله.
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]
﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَـٰٓؤُا﴾ [فاطر: 28]
العلم الحقيقي هو المعرفة بالله والعلم الذي لا يوصل إلى الله حجاب
ورأينا أميِّين يخشون الله، هل هم علماء أم لا؟ نعم؛ لأنهم عرفوا الله وعرفوا حقيقة الدنيا. فالعلم الذي لا يوصل إلى الله هو جهل ومعلومات وحجاب.
فعندما تصل إلى المعرفة ينطبع فيك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتغيب عن كل شيء حتى عن إنسان عين الحضرة القدسية، فلا يبقى ولا تعبد إلا إياه، ولا ترى سواه سبحانه وتعالى.
الحقيقة الباقية والوجود الحق. حينئذ تتشعشع الأنوار وتتجلَّى المقدَّرات.
﴿وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم: 20]
لأنه فعَّال لما يريد.
الله ينقلك من حال إلى حال فلا تنقل نفسك واجعل غايتك الله لا الوصول
ينقلك سبحانه من حال إلى حال، فلا تنقل نفسك؛ لأن نقلك لنفسك إنما هو شهوة وتشهٍّ أن تصل.
ولا تجعل الوصول غايتك، بل اجعل غايتك الله، واجعل الله هو مقصودك.
قال [ابن عطاء الله] رضي الله تعالى عنه ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين.
من علامات موت القلب عدم الحزن على فوات الطاعات وترك الندم على الزلات
من علامات موت القلب عدم الحزن على ما فاتك من الموافقات، وترك الندم على ما فعلته من الزلات.
ما القلب الصاحي والقلب الميت؟ القلب الصاحي يحزن من فوات الأوقات، يحزن من فرص العبادة الضائعة، يحزن من المواقف التي لم يحضرها وكان قادرًا على حضورها، حاضرًا لها قادرًا حاضرًا.
لا يحزن للدنيا؛ لأن الدنيا قد طلَّقها ثلاثًا وحُرِّمت عليه البتَّة. أخرج الدنيا من قلبه فخلا قلبه، والقلب لا يخلو؛ فإذا خرجت الدنيا امتلأ القلب بالأنوار، وإذا امتلأ القلب بالأنوار انكشفت له الأسرار، وإذا انكشفت له الأسرار فإنه يسجد للواحد القهار.
لو اطلعتم على أسرار الكون لسجدتم لله من شدة العظمة ولما قمتم
لو اطَّلعتم على أسرار ما يحيط بكم من الكون لسجدتم لله لشدة عظمة ما هنالك. ولو عرفتم ماذا خلق الله من الكائنات وعلى أيِّ تدبير هي لخررتم سُجَّدًا ولما استطاع أحد منكم أن يقوم من سجدته حياءً من الله.
ولذلك القلب السليم الصحيح الحي هو الذي يحزن إذا ما مضت الأوقات فضيَّعها. القلب الذي يحزن من ضياع الأوقات، هل يضيِّع الوقت الذي سيأتي أبدًا؟ [لا، لن يضيِّعه].
الندم أول التوبة والتوبة أول الدرجات بعد اليقظة ودرجاتها من الذنوب إلى السوى
وكذلك مثل الحزن الندم. اندم على ما فاتك أو ما ارتكبت من الزلات؛ فإن الندم أول التوبة، والتوبة أول الدرجات بعد اليقظة.
أتذكرون عندما تناولنا منازل السائرين؟ اليقظة ثم التوبة. والتوبة على درجات؛ منها التوبة من الذنوب إلى أن تصل إلى التوبة من السِّوى [أي ما سوى الله]، يعني ما سوى الله فلا ترى في الكون إلا هو، ولا تثق ولا تتوكل إلا عليه.
لا تستعظم الذنب حتى يصدك عن حسن الظن بالله فإن التوبة تمحوه
لا يعظُم الذنب عندك عظمةً تصدُّك عن حسن الظن بالله تعالى. ما دمنا نتحدث عن التوبة، لا تستعظم الذنب. استعظمه في بداية الأمر حين ترتكبه فحسب.
التوبة أن تندم، وأن تُقلع عن الذنب، وأن تستعظمه. ونهاية التوبة أن تنسى الذنب. قال [العارفون]: أنت لم تفعل شيئًا، صفحتك بيضاء؛ لكي تتشجع قليلًا على الاستمرار.
وأحذر أن يتعاظم الذنب عندك حتى يكون حجابًا بينك وبين الله وتقول: هذا ربنا لن يغفر لي! يغفر لك حتى لو كنت مشركًا به ثم جئته تائبًا لغفر لك.
سعة مغفرة الله تعالى ومن عرف ربه استصغر ذنبه في جانب كرمه
قال الله تعالى في الحديث القدسي: «يا ابن آدم لو جئتني بقُراب الأرض ذنوبًا ثم جئتني تائبًا لغفرت لك»
فإن من عرف ربه استصغر في جانب كرمه ذنبه. لا تيأس! اندم، اترك، استعظم في أول الأمر، وبعد قليل تقول: هل أنا عملت ذنبًا؟ أنا ما عملت شيئًا، أنا صفحة بيضاء، الحمد لله.
طيب وهذا ليس ضحكًا على النفس؟ قال: لا، هذه معونة؛ لأنها تأتي بخير. وهذا مبناها ما هو؟ الثقة بالله. تُبنا إلى الله، ومن تاب تاب الله عليه.
من حج ووقف بعرفة ثم اعتقد أن عليه ذنبا فقد كفر والدعاء بالمغفرة
ولذلك في حديث شديد عن سيد الخلق أجمعين ﷺ يقول:
«من حجَّ ووقف بعرفة ثم اعتقد أن عليه ذنبًا فقد كفر»
فاللهم اغفر لنا ذنوبنا كالواقفين بعرفة، وأخرجنا منها كما ولدتنا أمهاتنا، ونقِّنا منها بالماء والثلج والبَرَد، وباعد بيننا وبينها كما باعدت بين المشرق والمغرب، واغسلنا من خطايانا يا ربنا كما يُغسل الثوب الأبيض من الدنس.
لا صغيرة إذا قابلك عدله ولا كبيرة إذا واجهك فضله والخلاف في تصنيف الذنوب
لا صغيرة إذا قابلك عدله، ولا كبيرة إذا واجهك فضله.
بعض الناس يقول لك: في صغائر وكبائر. وبعض الناس الآخرين [من] العلماء الأفضل أن يقول: لا، في لا صغائر ولا كبائر. في المصيبة واحد؛ معصية ومعصية. في التوبة ما هي إلا واحدة؛ ربنا سيتوب على هذه وسيتوب على هذه.
فلماذا تصنِّفها صغائر وكبائر؟ لماذا نفرِّق؟ يقول [الإمام] ابن فورك: يوجد صغائر وكبائر. ما المقياس؟ قال: الشيء الذي فيه لعن، مثل «لعن رسول الله كذا» أو «فعليه لعنة الله»، كذلك والأمر الذي فيه نار والخلود في النار والبقاء في النار ودخول النار، والأمر الذي فيه حدٌّ مثل الزنا والسرقة وشرب الخمر. وكذلك هذه هي الكبائر.
اجتناب الذنوب صغيرها وكبيرها هو التقوى ولا تحتقرن صغيرة
الثاني قال له: لا، اجتنب الذنوب صغيرها وكبيرها، ذلك التقوى. واصنع كماشٍ فوق أرض الشوك يحذر ما يرى.
لا تحتقرنَّ صغيرة، إن الجبال من الحصى.
ثمانية أشياء أخفاها الله في ثمانية ومنها ليلة القدر والولي في الناس
قالوا: وأخفى الله ثمانية في ثمانية:
- فأخفى ليلة القدر في رمضان، في الليالي الوترية من رمضان في العشر الأواخر.
- وأخفى الصلاة الوسطى في الصلوات.
- وأخفى ساعة الإجابة في يوم الجمعة.
- وأخفى ساعة الإجابة في ثلث الليل الأخير.
- وأخفى اسمه الأعظم في الأسماء الحسنى.
- وأخفى وليَّ الله في الناس.
لا تعرف إذا كان هذا وليَّ الله أم لا. احسب جميعهم أولياء، كلهم أولياء، ما لي دخل أنا، ما شأني أنا، كلهم أولياء.
إياك أن تحتقر أحدا من خلق الله فلعله يكون وليا لله تعالى
إياك أن تنظر إلى الواحد هكذا باحتقار؛ لعله يكون وليًّا. تقول: لا، أنا أصلي أفضل منه! انتهى، ابتدأنا الضلال. هاهو، أنا أذكر وهو يجلس طوال النهار سارحًا، فلو كان وليًّا لما جعله الله هكذا. احذر!
كان الشيخ الفرغل خارج الأزهر هنا عند الباب في القرن الثامن الهجري والتاسع يبيع الحشيش. فجاء الشيخ ابن حجر العسقلاني شارح البخاري ودخل، وكان قاضي القضاة.
فقال: ما هذا؟ قالوا له: هذا الشيخ الفرغل. فحدَّث نفسه أنه قال: لو كان وليًّا ما أقامه الله في هذا المقام أبدًا.
قصة ابن حجر العسقلاني مع الشيخ الفرغل ونسيان الفاتحة في الصلاة
ودخل [ابن حجر] ليصلي بالناس فنسي الفاتحة. فبعد ذلك قال له الناس: لا، أنت فعلت شيئًا! هذا يعني حافظ الدنيا، قال: الحافظ الكبير، حافظ الدنيا، حافظ أشياء عجيبة وتنسى الفاتحة؟ غير معقول يعني.
من الضروري أنك فعلت شيئًا كهذا أم هكذا. قال: والله ما فعلت شيئًا، ولكن الرجل الذي بالخارج هذا، قال: هو أنا داخل قلبي غير مرتاح له؛ لأنه يرتكب ذنبًا، يبيع الحشيش.
هل هناك أحد يبيع الحشيش؟ قالوا: إذن اذهب استسمحه، انظر ما القضية.
حوار ابن حجر مع الشيخ الفرغل وطلب الاستسماح والتوبة من السخرية بخلق الله
فذهب [ابن حجر] قال له: الفاتحة! قال له [الشيخ الفرغل]: فتِّشني، أنا أخذت منك شيئًا؟ الفاتحة! قال له: لا، هكذا أنا قاضي القضاة أؤمُّ الناس وأنا الحافظ وهكذا.
[فقال الشيخ الفرغل]: ليس هكذا، استحِ ولا تكن هكذا. قال له: تُب إلى الله! من قال لك أن تسخر من خلق الله؟ الدين قال لك هكذا؟ وأنت داخل [المسجد] تسخر من خلق الله!
قال له: أما أنت تبيع الحشيش يا مولانا الشيخ الفرغل؟ ما هو أيضًا شيء محيِّر! قال له: فاجلس وبِعْ معي. فجلس الحافظ ابن حجر بجانبه يبيع معه.
كرامة الشيخ الفرغل في أن كل من يأخذ الحشيش منه لا يعود إليها أبدا
وبعد ذلك أخذ [الشيخ الفرغل] قاضي القضاة [ابن حجر] وقال له: انظر، أيَّ واحد تختاره وانظر إليه، هل يأخذ قطعة الحشيش مني ما الذي يحدث؟
فاختار واحدًا هكذا ومشى خلفه. شرب الحشيش وتقيَّأ وتوقَّف.
قال له [الشيخ الفرغل]: يا أخي، أنا هنا منذ عشرين سنة، لم يأخذ أحد مني حشيشًا إلا ولم يعد إليها مرة أخرى أبدًا.
كيف تتكلم؟ كانوا يعيشون يرون الله يا إخواني! بعض الناس لا تصدِّق هذه الأشياء، يقول لك: هذا هو الشيخ سيقول خرافات الآن.
قصة الشيخ محمد أمين البغدادي ومحمد زهني وكرامة التوبة من الخمر
يرون الله [أي يعاينون عظمته]، يدعوه: يا رب أصلح الحال، خذ قطعة الحشيش التي تعبدها من دون الله هذه، وإن شاء الله تكون آخر حشيشة.
حدث هذا مع سيدنا الشيخ محمد أمين البغدادي. كان يسير، وبعد ذلك أصبح الشيخ محمد زهني شيخًا فيما بعد. يتمايل من السُّكر، وقال له: ألا تعطيني ريالًا؟ فأعطاه ريالًا.
فاعترض التلاميذ: أتعطي رجلًا سكرانًا سيذهب ليشرب الخمر؟ قال: كيف هكذا!
ووجدوا محمد زهني هذا يأتي إليهم بعد ثلاثة أو أربعة أيام يبحث عن الشيخ: أين الشيخ الذي كان هنا الذي أعطاني هذا الريال السيء؟ قالوا له: لماذا؟ قال: كلما أشرب أتقيَّأ حتى تقزَّزت من الخمر وأحوال الخمر.
توبة محمد زهني ولزومه الشيخ وكرامة نطقه بالشهادتين بعد الوفاة
ولازم [محمد زهني] الشيخ هنا في الظاهر جاشنكير حتى توفي رحمه الله تعالى. وحدثت في وفاة محمد زهني هذا كرامة؛ نطق بالشهادتين بعد أن مات.
الرجل هذا قال له: يا سيدنا الشيخ - بعد أن سار معه شهرين ثلاثة أربعة وتاب إلى الله وحسُن حاله وأصبح من المصلين - قال له: يا سيدنا الشيخ، هل الذي يتبعكم يفتقر؟
قال له: لماذا؟ قال له: كان دخلي ستة جنيهات ذهبية وأصبحت ثلاثة حالما أمسكت بطريقكم هذا. فهل هذه عادة الله معكم هكذا؟ أنه يعني ونحن فسقة يعطينا ستة ونحن متقون يعطينا ثلاثة؟
حكمة نقصان الرزق بعد التوبة وأن الثلاثة كانت للخمار لا له
فقال له [الشيخ]: حسنًا ولكن لنحسبها. كم كنت تعطي الخمَّار؟ قال له: ثلاثة. قال له: إذن ليست رزقك! وأنت توقفت عن إعطائهم للخمَّار، فربنا أرسل لك نصيبك الثلاثة التي كان يعطيهم لك ويكتب عليك ذنبًا.
والآن لا يعطيهم لك ولا يكتب عليك شيئًا، ويكتب لك الحسنات كلها.
انظر كيف أن الإنسان قاصر النظر ولا يعرف أين الخير. ولذلك قلنا: طريقنا هذا مقيد بالكتاب والسنة. اتبع الكتاب والسنة وليس لك شأن، تقلّ أو تكثر ليس لك شأن، امضِ.
الرزق الظاهر قد يكون للطبيب والدواء لا للعبد فانتبه للمعاني الحقيقية
هذا ظاهر فقط؛ كان لديه ستة وأصبحوا ثلاثة لمَّا اتقى الله. لا! هذا أنت نُظِّفت، لا تخف، أنت نُظِّفت هكذا؛ لأن الثلاثة لم يكونوا رزقه.
واحد أيضًا ربنا يشفيه فيقلِّل رزقه. أجل، لم تكن الأموال [له]، كانت للطبيب، لم تكن [له]، كانت للطبيب والدواء، لم تكن لك. فانتبه لهذه المعاني.
فلا صغيرة إذا قابلك عدله؛ إذا حاسبك بعدله لا توجد صغيرة، بقي كله خطأ. ولا كبيرة إذا واجهك فضله؛ الله سبحانه وتعالى يغفر لمن يشاء.
الدعاء بالهداية والعافية والتوفيق لحسن الذكر والشكر والعبادة
فاللهم يا ربنا اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولَّنا فيمن تولَّيت، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأعنَّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
