الحكم العطائية | من 51 - 60 | أ.د علي جمعة - الحكم العطائية, تصوف

الحكم العطائية | من 51 - 60 | أ.د علي جمعة

26 دقيقة
  • لا عمل أرجى للقبول من عمل يخفى عنك شهوده ويستصغر في نظرك، فالعمل بتوفيق الله ومنته.
  • لا تفرح بالطاعة لأنها برزت منك، وافرح بها لأنها من الله إليك، فالعمل الصالح نتاج توفيق الله.
  • إنما أورد الله عليك الوارد لتكون به عليه واردًا، والوارد هو ما يخطر في القلب بعد الذكر.
  • الوارد ليستلمك من يد الأغيار ويحررك من رق الآثار، وهدفه إخراجك من دائرة سخط الله إلى دائرة رضاه.
  • الأنوار مطايا القلوب والأسرار، وهي وسيلة لا غاية، فالنور جند القلب كما أن الظلمة جند النفس.
  • النور له الكشف والبصيرة لها الحكم والقلب له الإقبال والاتباع.
  • قطع الله السائرين إليه والواصلين عن رؤية أعمالهم وشهود أحوالهم، فالسائرون لم يتحققوا الصدق، والواصلون غيبهم بشهوده.
  • ما نبتت أغصان الذل إلا على بذر الطمع، فالذل لمن طمع في الدنيا ورجا غير الله.
محتويات الفيديو(31 أقسام)

العمل الأرجى للقبول هو ما يغيب عنك شهوده ويُحتقر عندك وجوده

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

قال [ابن عطاء الله السكندري] رضي الله تعالى عنه، ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين:

لا عمل أرجى للقبول من عمل يغيب عنك شهوده ويُحتقر عندك وجوده.

يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

«لا يدخل أحدكم الجنة بعمله»

أي إنما [يدخلها] بتوفيق الله وأمر الله ومنّة الله وفضل الله؛ لأن العمل الذي عملته في الدنيا إنما هو بتوفيق الله وبخلق الله، فلا بد أن يستوجب الشكر منك لله.

العمل المقبول هو ما ترى فيه ربك وحده ولا ترى عملك

والعمل إذا صدر منك وأنت لا تراه وترى ربك وحده كان عملًا مقبولًا. لا عمل أرجى -أي أشد رجاءً- من عمل يغيب عنك شهوده؛ يبقى [العبد] صلّى ولكنه لا يرى أنه صلّى، وزكّى ولكنه لا يرى أنه زكّى، وتصدّق وصدّق لكنه لا يرى أنه تصدّق وصدّق.

ويستقلّ عمله ودائمًا هو على رجاء من الله وعلى خوف من الله؛ رجاء باستمرار التوفيق، وخوف من انقطاعه.

احتقار العمل عند صاحبه علامة الإخلاص كما في شعر صاحب البردة

ويُحتقر عندك وجوده؛ أحد يقول لك: يا للعجب! أنت تصلي وتصوم، فيُقال لك: أيّ صوم وأيّ صلاة، الله أعلم أمقبولة أم لا.

صاحب البردة [الإمام البوصيري]، انظر إلى البردة هذه، إنها شيء عظيم جدًا، حبّب الناس في رسول الله صلى الله عليه وسلم عبر العصور، وألقى الله عليها القبول وجعل الناس إلى يومنا هذا يتغنّون بها.

وعارضها الشعراء كبيرهم وصغيرهم، فما اشتهر شيء مما عارضوا به واشتهرت، بالرغم من أن كثيرًا مما عُورضت به أسهل وأحلى وأجزل من ناحية الصناعة اللغوية والشعرية، إلا أن الله قد ألقى عليها القبول بما لم يُلقِ على شيء من بعدها.

إلقاء الله القبول على الأعمال والكتب بناءً على إخلاص أصحابها

وشوقي عمل "نهج البردة" ما نفعت مثل البردة أيضًا. مسكين في البردة، أخبرني ماذا يُطبع أيضًا؟ لماذا لا يُطبع نهج البردة؟ نهج البردة تبحث عنها فلا تجدها إلا على صورة [سور] الأزبكية، وهي جميلة: "ريمٌ على القاع بين البان والعَلَم، أحلّ سفك دمي في الأشهر الحُرُم، رمى القضاء بعينَي جُؤذرٍ أسدًا، يا ساكنَ القاع أدرك ساكنَ الأجَم."

جميلة، ولكن الثانية [البردة الأصلية] يقول ماذا: "أمِن جيرانٍ بذي سَلَمٍ مزجتَ دمعًا جرى من مُقلةٍ بدمِ، أم هبّت الريح من تلقاء كاظمةٍ وأومض البرق في الظلماء من إضَمِ." ما هذا؟ أيفهمون شيئًا؟ ولكنه جميل، سبحان الله!

الله يلقي القبول على الكتب والأعمال بناءً على إخلاص مؤلفيها

مثل ألفية ابن مالك هكذا ألقى الله عليه القبول؛ فابن مُعطي عمل ألفية لا يعرفها أحد، والسيوطي عمل ألفية وقالوا هذه الألفية تفوق ألفية ابن مالك لأنها واضحة المسالك، وما التفت إليها أحد ولا فائدة.

فالله يُلقي القبول على العباد، ويُلقي القبول على الكتب، ويُلقي القبول على الأعمال، بناءً على إخلاص مؤلفهم.

يقول ماذا هذا الرجل -وهو صاحب البردة [الإمام البوصيري]-: "ولم أُصَلِّ سوى فرضٍ ولم أصُمِ." يستقلّ العمل، فكن دائمًا في جانب استقلال عملك، في جانب الله سبحانه وتعالى.

معنى الوارد عند أهل الله وكيفية انتظاره بعد الذكر

قال [ابن عطاء الله] رضي الله تعالى عنه ونفعنا الله به في الدارين، آمين:

إنما أورد عليك الوارد لتكون به عليه واردًا.

إنما أورد عليك الوارد، ما هو [الوارد]؟ المشتغلون بالذكر بعد ما ينتهوا من الذكر، قوم المشايخ قالوا لنا: ماذا بعد ما [تنتهي من] خاصتك؟ اجلس قليلًا هكذا، لا تتعجل ولا تقم لتجري، قليلًا هكذا وأنت مُغمض عينيك وتنتظر الوارد.

والوارد هذا ما هو؟ خاطر يخطر في بالك، يأتيك بعد دقيقة، يأتيك بعد ثلاثين ثانية، يأتيك بعد دقيقتين. والوارد هذا ما هو؟ عبارة جميلة، أو حديث، أو حكمة، أو اسم من أسمائه تعالى تجده في ذهنك هكذا، اسمه الوارد.

عدم شرب الماء بعد الذكر وأصل ذلك من الكتاب والسنة

ويقول لك [الشيخ]: بعد أن تنتهي من الذكر لا تشرب ماءً لمدة ثلاث ساعات حتى يستقر أثر الذكر في القلب.

الشباب المتمسلفة يسمعون هكذا ويحدث [عندهم] مثل الفول في النار، تقول لك: من أين جئت بهذا؟ من أين جئت بهذا؟ أين دليلك؟ أين دليلك؟ والعمل هكذا [يكون من] الكتاب والسنة وليس ما قاله المشايخ، أنحن سنعبد المشايخ؟ أين هذا في الكتاب والسنة؟

فسألنا أهل الله: من أين جاؤوا بحكاية الشرب هذه؟ قال: جاؤوا بها من الكتاب والسنة. هل يوجد في الكتاب "لا تشربوا بعد الذكر"؟ قالوا لنا: لا. طيب هل يوجد في السنة هكذا يا أيها الذين آمنوا؟ من أين جئت بها؟

فهم الإمام الشافعي لحديث خلوف فم الصائم وقياسه على ترك السواك بعد الظهر

قال [أهل الله]: إننا متّبعون للسلف الصالح في فهم الكتاب والسنة. سيدنا رسول الله [صلى الله عليه وسلم] قال:

«لَخُلوف فم الصائم أحبّ عند الله من ريح المسك» أخرجه البخاري

ألم يقل [ذلك]؟ قُل: الإمام الشافعي هذا سلف أم خلف؟ سلف. فما فهم [منه]؟ أنك لا تستعمل السواك بعد صلاة الظهر. لماذا؟

قال: هو ألا يقول لك النبي إن خُلوف فمك الناتج من الصيام أطيب عند الله من ريح المسك؟ فكيف تذهب به عندما تستعمل السواك بعد الظهر فيذهب الخُلوف فتكون قد ضيّعت على نفسك مسك ربنا، أم لا؟

الأخذ بالمفهوم عند السلف الصالح وطريقتهم في فهم النصوص الشرعية

قلنا له: نعم، ولكن النبي [صلى الله عليه وسلم] قال: "لا تتسوّكوا بعد الظهر"؟ قال: لا، لكن المفهوم هكذا. نحن نأخذ الكلام أم نأخذ المفهوم؟ قال: لا، المفهوم. وافهم يا ولد أنت!

وهو [الإمام الشافعي] السلف هكذا يفهمون الدين، هكذا الصحابة هكذا تُفهم الدين هكذا. وهؤلاء [المتشددون] يريدون أن نفهم الدين بطريقة أخرى.

فهذا الإمام الشافعي وقال هذا الكلام في خُلوف فم الصائم؛ تمتنع عن شرب الماء لماذا؟ لمدة ثلث ساعة بعد الذكر.

حديث لا يزال لسانك رطبًا بذكر الله وعلاقته بعدم الشرب بعد الذكر

قال النبي [صلى الله عليه وسلم] ماذا قال؟

«لا يزال لسانك رطبًا بذكر الله»

فماذا يعني؟ قالوا: هو أن الإنسان عندما يشتغل بالذكر يبقى لسانه في لُعاب أم أن ريقه ينشف؟ أنت لا تعرف لأنك لم تذكر، ولو ذكرت لعرفت أن الريق ينشف ويصبح محتاجًا لشرب الماء.

فالنبي [صلى الله عليه وسلم] يقول له: لا تشرب هذا [الماء]؛ إن الجفاف الذي في فمك هو رطوبة عند الله، ورائحة فمك هذه التي قد تشمئز منها في الصيام هي مسك عند الله.

لا تأخذ بالظاهر كثيرًا هكذا، اصبر مع الله، فعندما يجف لسانك ويجف ريقك لا تتعجل؛ لأنك في رطوبة مع الله.

اتباع السلف الصالح وأهل الله في فهم الكتاب والسنة دون التشدد

فلا، الآن فهموا هكذا من الكتاب والسنة فذهبوا فلم يشربوا، فقلبهم نور. قال الله: يبقى نحن في أمان صحيح.

والآخر يا عيني جالس يشرب ويأكل ويعمل ويسمن هكذا، كل قليل تجد الولد بيتخن هكذا، علمًا بأن الله لا يحب المسرف. والآخر ريقه جاف ولا يشرب بعد الذكر فقلبه نور.

ماذا نفعل ومن نتّبع؟ السلف والأحاديث والقرآن والله ورسوله والناس الطيبين وأهل الله، أم نتّبع من لا يُحسن قضاء حاجته في دورة المياه، فضلًا عمّا لا يُحسنه ولا نعرفه؟

الاختيار بين اتباع السلف الصالح واتباع المتشددين الغاضبين

اختاروا أنتم الآن، انظروا من ستتّبعون: أستتّبعون السلف الصالح بفهمهم للكتاب والسنة، أم ستتّبعون الذين يقفزون كالفول في النار؟

والنبي [صلى الله عليه وسلم] يقول:

«لا تغضب ولك الجنة»

والنبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا بحسن الخلق، وربنا يقول:

﴿وَٱلْكَـٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134]

الوارد يأتي بعد الذكر ولا ينبغي أن يأتي من غير ورد

قال [ابن عطاء الله] رضي الله تعالى عنه: إنما أورد عليك الوارد. فنحن فهمنا الوارد الذي هو أن تجلس بعد الذكر قليلًا هكذا.

بعد الذكر، فيجب أن تذكر [الله أولًا]، فيجب أن يبقى -لا ينبغي أن يأتي الوارد من غير ذكر-، ولذلك قال أهل الله:

إذا انقطعت عن الوِرد انقطع الوارد.

الوِرد الذي هو ماذا؟ الذكر. إذا انقطعت عن الوِرد انقطع الوارد. هل يأتي الوارد إلا من غير وِرد؟ لا ينبغي. فإذا لم تشتغل بالوِرد وانقطعت عنه انقطع عنك الوارد.

الذكر يكون لله لا لانتظار الوارد والترقي بانقطاعه

لا ننتظره [الوارد]؛ لأن نحن نذكر الله وليس للوارد. جاء أحد يقول لي: والله أنا ذكرت اليوم وللأسف لم يأتني وارد. قلت له: الحمد لله، إذن ربنا يُرقّيك؛ لأنه لمّا منع عنك الوارد جعل ذكرك له [خالصًا].

لا تنتظر الوارد؛ لأن الله مقصود الكل. قال: لكن هذا أنا أعطيني سنة الآن لم يأتني وارد. فقلت له: يا هذا أنت تكون من كبار الأولياء، فما بالك لا تنتظر الوارد؟

طيب فما بال الوارد إذن، ما فائدته؟ إذا كان يعني عندما يأتي نقول الحمد لله وعندما ينقطع نقول الحمد لله، فما فائدته إذن؟

هدف الوارد هو الترقية وليس غاية في ذاته والإخلاص في الذكر

لا تنتظر [الوارد] ولا تذكر [الله] لكي [يأتيك الوارد]؛ لا يصبح الوارد مثل العبد يريد أن يأكل ويفعل بخبثه وبعد قليل يقول: هات يا رب! الله أنت ما أتيت لي به، لماذا أنت ستحاسب مع ربنا؟

لتكون به عليه واردًا. هدف الوارد ما هو؟ ترقيتك. فإذا رآك الله قد ترقّيت إلى مرتبة لا تحتاج فيها إلى الوارد انقطع الوارد.

فيبقى إذن انقطاع الوارد ليس [علامة سوء] لمن داوم على هذا الذكر [بل هو] ترقٍّ.

تمام الإخلاص في الذكر لله لأنه يستحق الذكر سبحانه وتعالى

فيكون في الظاهر إذا كنا لا نفهم ومضطربين فسنذكر من أجل الوارد، خطأ! ما لا يوجد إخلاص في هذا الكلام، ونحن نريد تمام الإخلاص؛ أن تذكر الله لله لأنه يستحق الذكر منك سبحانه وتعالى.

وإنما يُورد عليك الوارد لتكون به عليه واردًا، وليس لكي [يكون] قصدًا وهدفًا. فالهدف هو ذكر الله لله، والوارد نعمة ومنّة، إن أتت فإنما من أجل أن توصلك إليه.

وعلى ذلك لو ورد الخاطر القبيح يكون من اللوافت الشواغل وليس من الواردات الصالحات، فنأتي نرميه لأنه لا يوصلنا إلى شيء. يكون نحن -والله- هذا أنت مؤمن قوي جدًا وتُميّز هكذا بين الصالح والطالح، رضي الله عنك أو رضي عليك.

هدف الوارد تحرير القلب من الأغيار والدخول في الحضرة القدسية

الوارد ليستلمك من يد الأغيار ويحرّرك من رقّ الآثار. هذا هدف الوارد: أن يرفعك من الدنيا، أن يجعل قلبك غير متعلق بما حولك من الكائنات، أن يُدخلك في الحضرة القدسية.

ما هي الحضرة القدسية؟ هي حالة تذكر فيها ربك فلا تنساه، فاعرض [عليك] الدنيا وشهوات النفس يُخرجك منها إخراجًا، ويجعلك تشعر دائمًا أنك في المعيّة [معيّة الله].

أي ينقلك من دائرة سخطه إلى دائرة رضاه، ومن شهوة نفسك إلى طمأنينتها.

الوارد يخرج الإنسان من سجن شهواته إلى فضاء شهود ربه

قال [ابن عطاء الله] رضي الله تعالى عنه:

يُورد عليك الوارد ليُخرجك من سجن وجودك إلى فضاء شهودك.

إن الإنسان في شهواته محبوس، ويشعر بأنه مسجون، وقد ضاقت عليه الأرض بما رحبت. فإذا خرج من ذلك أحسّ أنه في فضاء فسيح هو لرب العالمين.

الأنوار الإلهية مطايا القلوب تنقلها من حال إلى حال

قال [ابن عطاء الله] رضي الله تعالى عنه:

الأنوار مطايا القلوب والأسرار.

الأنوار الإلهية التي تتنزّل على القلوب ليست مهمتها أن تصرفك عن ذكر الله، ولا أن تفرح بها، ولا أن تقول عن نفسك أنك وليّ بدأت في مشاهدة الأنوار. إنما هي شأنها شأن السيارة، شأن الحمار، شأن الدابة، مطيّة -يعني مركوبة-.

تفعل ماذا المركوبة؟ توصلك من مكان إلى مكان بالراحة بالسهولة، لا تبذل جهدًا شاقًّا. فالأنوار عندما تأتي لتركبها كي تنتقل من حال إلى حال لله. يُشبّه الأنوار بماذا؟ بالدابة، بالحمار، بالسيارة، بالقطار، بالطائرة.

الأنوار وسيلة وليست غاية والمقصود هو الوصول إلى الله

ولكن ماذا ستكون [الأنوار]؟ طيب أنت ذاهب لزيارة أبيك، الأهم عندك أبوك أم السيارة؟ أبوك بالطبع. الأهم عندك صديقك وشيخك أم السيارة؟ صديقك وشيخك بالطبع.

هذا في عالم المخلوقات إن سأل إنسان، فما بالك بين العبد وربه؟ فالقلوب تنتقل إلى الرحمن سبحانه وتعالى بمطايا الأنوار، فالأنوار مطايا القلوب والأسرار.

النور جند القلب والظلمة جند النفس الأمارة بالسوء

قال [ابن عطاء الله] رضي الله تعالى عنه ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين:

النور جند القلب كما أن الظلمة جند النفس.

[النفس] أمّارة بالسوء، جنودها ظلمة تُظلم القلب. لكن القلب له جند، ومن جنده هذا النور.

فيبقى النور إذا لم يكن له غاية فلا تنسَ، إنما غايتك ما هي؟ الله. فإن أراد [الله] أن ينصر عبده أمدّه بجنود الأنوار وقطع عنه مدد الظلم والأغيار؛ يبقى أضعف جنود النفس وقوّى جنود القلب.

النور يكشف للقلب والبصيرة تحكم والقلب يقبل ويتبع

قال [ابن عطاء الله]: النور له الكشف والبصيرة، له الحكم، والقلب له الإقبال والاتباع.

النور لمّا [تكون] الحكاية تنوّر لا نراه [بدونه]، لو أطفأنا النور هذا لا نرى. فلمّا يحدث نور في القلب يعرف ماذا؟ الله. والمعرفة لمن؟ لرب العالمين.

تروا كيف بالأنوار تكون؟ الأنوار هذه أداة أم لا؟ أداة. شبّهها هو بالسراج وبالنور وبالكهرباء.

البصيرة عين القلب التي تحكم على الأشياء وتعرف الحقائق

البصيرة هذه عين القلب. عينك هذه أنت ترى بها، ترى ماذا؟ قل أنت إذن احكم: والله أنا أرى الرجال هكذا وبعدها النساء وراءهم، وأرى بعدهم بابًا، وأرى أن هذا حجر، ويرى أن هذا خشب، ويرى أن... وهكذا.

أليس هذا حكم تحكم به على من أمامك؟ هذا صغير وهذا كبير، هذا رجل وهذه امرأة، هذا خشب وهذا حجر. فمن الذي يحكم؟ البصيرة.

فالبصيرة إذا طُمست -والعياذ بالله تعالى- ستحكم خطأً، وإذا انفتحت ستحكم صوابًا. وكلما حكم الإنسان صوابًا فعل ماذا؟ عرف ربه.

القلب بين الإقبال على الله والإدبار عنه بحسب نوره وبصيرته

والقلب له الإقبال والإدبار؛ فإذا كان فيه نور وفيه بصيرة تجد القلب في إقبال على الله، عرف الحقيقة، شهدها، اقتنع بها، عاشها.

وإذا كان على غير ذلك -والعياذ بالله- فهو في إدبار.

لا تفرحك الطاعة لأنها صدرت منك بل افرح بها لأنها من توفيق الله

لا تفرحك الطاعة لأنها بَرَزت منك. يؤكد [ابن عطاء الله] مرة أخرى. فلماذا يفعل ذلك؟ يقول لنا شيئًا وبعد ذلك يقول لنا شيئًا آخر وبعد ذلك يرجع إلى الشيء الأول؛ لأن الإنسان عادته كذلك.

عندما أقول لك: لا تلاحظ صلاتك، تظل لا تلاحظها يومين ثلاثة، وبعد ذلك تبدأ تلاحظها مرة أخرى. فبينما تلاحظها مرة أخرى يأتي قائلًا لك مرة أخرى: لا تلاحظها للمرة الثانية. وعدم الملاحظة هذه الثانية [أعمق من الأولى].

لا تفرحك الطاعة لأنها صدرت منك، وافرح بها لأنها صدرت من الله إليك. فعندما تصلي، بعد أن تصلي تقول: الحمد لله الذي وفّقني للصلاة، يا لها من مصيبة عظيمة لو كنت فوّتّها!

الفرح بفضل الله خير مما يجمعون والتوفيق للطاعة نعمة عظيمة

يا له من خبر مبارك هذا! يمكن أن يكون خبر سيء، لا يحدث شيء حسب الحال. قل:

﴿قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: 58]

قطع السائرين والواصلين عن رؤية أعمالهم وشهود أحوالهم

قال [ابن عطاء الله] رضي الله تعالى عنه:

قطع السائرين له والواصلين إليه عن رؤية أعمالهم وشهود أحوالهم.

يبقى في سائر وفي واصل؛ السائر لا يزال يذكر الله وسائر [في طريقه إليه]، الواصل استقر قلبه في معرفة الله. ومن عرف نفسه فقد عرف ربه؛ من عرف نفسه بالحدوث والفناء والاحتياج عرف ربه ذلك بأنه الأول الآخر الظاهر الباطن وأنه بكل شيء عليم وبكل شيء محيط.

الفرق بين السائرين والواصلين في رؤية الأعمال والأحوال

الله قطع السائرين إليه والواصلين إليه عن رؤية أعمالهم وشهود أحوالهم. الأعمال راجعة للسائرين والأحوال راجعة للواصلين.

أما السائرون فلأنهم لم يتحققوا الصدق مع الله فيها لأنهم ما زالوا صغارًا. وأما الواصلون فلأنه غيّبهم بشهوده عنها؛ فهم لا يرون إلا ربنا، فليسوا منتبهين هل صلّوا أم لم يصلّوا أم ما القصة، هو يرى ربنا فقط.

قال [الشاعر]:

يا سائلي عن رسول الله كيف سها ... والسهو من كل قلب غافل لاهي، قد غاب عن كل شيء سرّه فسها ... عمّا سوى الله فالتعظيم لله

سهو النبي في الصلاة كان انشغالًا بالله لا غفلة عن الصلاة

يعني انشغل رسول الله [صلى الله عليه وسلم] بالله حتى غاب عن صلاته فلم يشهدها. ما هو [السهو الذي لدينا]؟ من ضمن السهو الذي لدينا هذا واحد يفكر في الملوخية، وواحد يفكر في السياسة والشيك الذي عليه والبلاء الذي حوله.

لا، هذا يبقى لم يزل [في غفلة]. أما الآخر [النبي صلى الله عليه وسلم] فلا يفكر إلا في الله. فارمِ همّك على الله.

شجرة الذل تنبت من بذر الطمع والعزة لله ولرسوله وللمؤمنين

قال [ابن عطاء الله] رضي الله تعالى عنه ونفعنا الله بعلومه في:

ما نبتت أغصان الذل إلا على بذر الطمع.

نبتت يعني نمت شجرة الذل. متى تذلّ؟ عندما تصبح طمّاعًا، حين تحتاج إلى الخلق وتجري وراء الدنيا والدنيا تجري أمامك. أنت تجري وهي تجري أمامك ولن تلحق بها، لن تلحق بها أبدًا.

أما لو هربت منها تجري وراءك ولا تحاصرك، لن تنالها لأنك تفرّ منها. وكلما عرضوا عليك الدنيا وأنت قاعد تفرّ منها في قلبك. اللهم اجعل الدنيا في أيدينا ولا تجعلها في قلوبنا؛ لأن الزهد الحقيقي من كانت الدنيا في يده ثم زهد فيها.

العزة لله ولرسوله وللمؤمنين والذل لمن طمع في الدنيا ورجا غير الله

فقال [ابن عطاء الله]: ما نبتت أغصان ذلّ إلا على بذر طمع.

﴿وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: 8]

أما الذل فإنه لمن طمع في الدنيا -والعياذ بالله- ورجا غير الله، فأشغله الله بنفسه.

اللهم جازِ عنّا هذا الشيخ [ابن عطاء الله السكندري] كما وفّقته لصياغة هذه الحكم، خير ما جازيت عالمًا عن أمته، وشيخًا عن مريديه، وسابقًا عن لاحق. اللهم أعلِ درجته في العالمين وفي الأولين والآخرين، واحشرنا تحت لواء نبيك يوم القيامة، واسقنا جميعًا من يده شربة ماء لا نظمأ بعدها أبدًا، ثم أدخلنا الجنة من غير حساب ولا سابقة عذاب ولا عتاب.