الحكم العطائية | من 71 - 80 | أ.د علي جمعة
- •جعل الله الدار الآخرة محلاً لجزاء عباده المؤمنين لأن الدنيا لا تسع ما يريد أن يعطيهم، وأجل أقدارهم عن أن يجازيهم في دار فانية.
- •من نعم الله في الآخرة النظر إلى وجهه الكريم، وهو لا يكون بالأبصار بل بشيء يخلقه الله في العبد كما خلقه في النبي ليلة المعراج.
- •لو أنزل الله النعيم المدخر للآخرة في الدنيا لهلكت، فالأرض والجبال لا تتحمله.
- •من وجد ثمرة عمله عاجلاً فهو دليل على قبوله آجلاً، فالله أكرم من أن يعطي العبد في الدنيا ويحرمه في الآخرة.
- •قدر العبد عند الله يُعرف بما يقيمه فيه، فالمشتغل بالطاعات والذكر والغني عن الدنيا قد أسبغ الله عليه نعمه.
- •الصلاة على النبي ﷺ هي بابنا إلى الله، وهي عبادة يتقنها الجاهل والعالم.
- •أساس المعرفة الرحمة التي يتولد منها الحب والكرم والوفاء، ولذلك قال "بسم الله الرحمن الرحيم".
- •مطلب العارفين من الله الصدق في العبودية والقيام بحقوق الربوبية.
جعل الله الدار الآخرة محلاً لجزاء المؤمنين لعجز الدنيا عن استيعاب النعيم
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
قال رضي الله تعالى عنه وقدس سره: إنما جعل الدار الآخرة محلًا لجزاء عباده المؤمنين؛ لأن هذه الدار [الدنيا] لا تسع ما يريد أن يعطيهم، ولأنه أجلّ أقدارهم عن أن يجازيهم في دار لا بقاء لها.
إذن هذه [العبارة] تؤكد أن الدنيا فانية، وأن الله سبحانه وتعالى سينعم على المؤمنين بالنظر إليه، ولكن النظر إليه سبحانه لا يكون في الدنيا الفانية، إنما يكون في دار البقاء [الآخرة].
في الدنيا الفانية:
﴿لَّا تُدْرِكُهُ ٱلْأَبْصَـٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلْأَبْصَـٰرَ﴾ [الأنعام: 103]
في الدنيا الفانية لا يستطيع الإنسان أن ينظر إلى ربه، ولكن في الآخرة:
﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: 26]
قال العلماء: الزيادة هي النظر إلى وجهه الكريم. فاللهم متعنا بالنظر إلى وجهك الكريم في جنة الخلد يا أرحم الراحمين.
النظر إلى الله لا يكون بالأبصار بل بشيء يخلقه الله في العبد
والنظر إلى وجه الله لا مزيد عليه في التمتع الحسي والمعنوي. والنظر إلى الله لا يكون بالأبصار وبالأحداق، إنما يكون بشيء يخلقه الله سبحانه وتعالى [في العبد].
قال تعالى:
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 22-23]
وجوه يومئذ ناضرة يعني من النَّضرة، نضرة النعيم. إلى ربها ناظرة، فالوجوه تنظر وليس العين؛ لأنه لا يدركه سبحانه وتعالى البصر، إنما الذي يدركه شيء وراء ذلك يخلقه الله سبحانه وتعالى في العبد، كما خلقه في سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم في ليلة المعراج فرآه، كما قال ابن عباس، وكما ورد في سورة النجم على إرجاع الضمير إلى الله سبحانه وتعالى، كما ثبت في البخاري.
الدنيا تضيق عما ادخره الله للمؤمنين من النعيم الأبدي
إنما جعل الدار الآخرة محلًا لجزاء عباده المؤمنين؛ لأن هذه الدار [الدنيا] تضيق عما ادخره ربنا سبحانه وتعالى للمؤمنين، تضيق عنها ولا تتسع لها. ولو أنه أعطانا هنا [في الدنيا] لدكّ الدنيا، يعني لو أنزل علينا النعيم الذي ادخره لنا في الآخرة لهلكت الدنيا.
الجبال لا تتحمل، الأرض لا تتحمل. هذه الدنيا مبناها على الذرات واتساق الأجساد واجتماع الجواهر، وهي لا تتحمل ما أعده الله لنا من النعيم.
إذا عرفت ذلك هانت عليك الدنيا بما فيها؛ لأنها ليست أهلًا للبقاء. إذا عرفت ذلك فهي ليست أهلًا للنعيم. إذا عرفت ذلك فلأن الله سبحانه وتعالى أجلّ أقدارهم عن أن يجازيهم في دار لا بقاء لها، فيكون الجزاء مؤقتًا وجزاء ربنا للمؤمنين مؤبدًا.
من وجد ثمرة عمله عاجلاً فهو دليل على القبول آجلاً
من وجد ثمرة عمله عاجلًا فهو دليل على وجود القبول آجلًا. إذن فبعض الناس يرى ثمرة عمله الآن، فالله كريم من أن يعطيه الآن ويحرمه غدًا.
فاللهم نعوذ بك من السلب بعد العطاء، ومن الحَوْر بعد الكَوْر [أي من الرجوع والنقصان بعد الزيادة].
كيف تعرف قدرك عند الله بالنظر فيما يقيمك فيه من طاعة أو غفلة
قال: إذا أردت أن تعرف قدرك عنده [عند الله] فانظر فيما يقيمك. فلو كنت مشتغلًا بالذكر والصلاة والعبادة والتلاوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورأيت أن الله قد وفّق قلبك إلى ألا يتعلق بالدنيا، وأن يحب في الله، وأن يبغض في الله، وأن يكون هكذا، فإن الله راضٍ عنك.
وإذا كان قد أقامك في جمع حطام الدنيا وعلّق قلبك فيها، وجعلك دائم السرحان في الصلاة والتوهان في العبادة، فاعلم أنك تحتاج إلى أمر آخر من ذكر الله والإكثار منه، والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
بابنا إلى الله هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبابنا إلى رسول الله الصلاة عليه؛ يتقنها الجاهل والعالم والعارف والغافل. اللهم صلِّ على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
الإكثار من الصلاة على النبي طريق لقبول الله وترقي القلب والروح
أكثر من الصلاة على رسول الله يتقبلك الله، ويعود لسانك على ذلك، ثم قلبك على ذلك، ثم سرك على ذلك، بعد [ذلك] روحك على ذلك.
متى رزقك [الله] الطاعة والغنى بها عنها [أي الاستغناء عن رؤية الطاعة والإعجاب بها]، فاعلم أنه قد أسبغ عليك نعمه ظاهرة وباطنة. فالله متى رزقك الطاعة ثم رزقك ألا تلتفت إليها، فاعلم أن الله سبحانه وتعالى يحبك وقد أسبغ عليك نعمه ظاهرة وباطنة.
وما إذا أسبغ الله عليك نعمه فماذا تفعل؟ تكثر الشكر والحمد له، ثم تعجز عن الشكر والحمد له سبحانه وتعالى. فإذا عجزت عن ذلك فقد تحققت خير ما تطلبه منه [وهو] ما هو طالبه منك.
خير ما تطلبه من الله الاستقامة وهي ما يطلبه منك سبحانه
يعني خير شيء تطلبه من الله الاستقامة، والاستقامة نقول:
﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: 6]
يعني نطلب من الله: اهدنا الصراط المستقيم. فنحن نطلب من الله الصراط المستقيم، وهو طلب منك أن:
﴿فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ﴾ [هود: 112]
فيكون خير ما تطلبه منه هو ما يطلبه منك. فيكون: اللهم وفقنا لحسن عبادتك وذكرك وشكرك، ونوّر قلوبنا بذكرك، وحبب إلينا الإيمان وزيّنه في قلوبنا، وكرّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين، واجعلنا مع الصادقين.
وهو أمرنا فقال:
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَكُونُوا مَعَ ٱلصَّـٰدِقِينَ﴾ [التوبة: 119]
الحزن على فقدان الطاعة دون النهوض إليها من علامات الاغترار
الحزن على فقدان الطاعة مع عدم النهوض إليها من علامات الاغترار. قد نقول: أنا لا أذكر، أنا لا أطيع، أنا أعصي وحزين وأبكي، ولكن ليس هناك نهوض وهمة للعودة إلى الله، فيكون ذلك اغترارًا.
ولذلك لا بد أن نبادر بالرجوع إلى الله بالقيام بالأذكار، وكلما تركناها رجعنا إليها، وكلما نسيناها لا نيأس من أنفسنا فيها، حتى يستقيم الحال ويرى الله منا ذلك، فيمنّ سبحانه وتعالى علينا بكثرة الذكر وبالاستقامة عليه.
قد نذكر بألسنتنا ولا تحضر قلوبنا، ثم نذكر بقلوبنا، ثم نذكر بأرواحنا، ثم نذكر بأسرارنا، وهكذا. فلا نيأس أبدًا؛ لأن:
قال رسول الله ﷺ: «كل ابن آدم خطّاء وخير الخطّائين التوابون»
فاللهم اجعلنا من التوابين واجعلنا من المتطهرين وارضَ عنا برضاك.
العارف بالله من يجد الحق أقرب إليه من إشارته لفنائه في وجوده
ما العارف؟ من إذا أشار وجد الحق أقرب إليه من إشارته. ليس العارف الذي يمد يديه ويقول يا رب فيستجيب له، هذا ليس العارف، هذا رجل صالح أو امرأة صالحة.
بل العارف من لا إشارة له، يعني يرضى بقضاء الله فيه ولا يدعو ولا خلافه [أي لا يعترض]. ذلك ساكت هكذا لفنائه في وجوده سبحانه، يعني راضٍ بكل شيء يأتي. [لا] يدعو على أحد، ويقول [له أحدهم]: ادعُ عليه. [فيقول]: لماذا؟ سأتركه. يأتي ليقرر قرارًا، يقول [له]: إقرار. [فيقول]: لماذا؟ ألا يحسن هكذا؟
فلا يرفض ولا يطلب، فيصبحون كشأن كبار الملوك: لا يطلبون ولا يرفضون. ولكن حال [العارفين]: لا يرفضون ولا يطلبون.
حال العارف بالله الفناء في وجود الله والاستحياء من طلب التغيير
هذا [الحال] من التربية التي يربونهم بها، وهم يربونهم على [ترك] الغرور والاغترار. ولكن هذا [العارف] وصل إلى هذه الحالة من فنائه في وجود الله سبحانه وتعالى، وجوده وانطوائه في شهوده.
يرى ربه في كل شيء فيستحيي أن يقول له: يا رب غيّر. يغيّر ماذا؟ اسكت واخجل!
هذا من هو؟ هذا العارف. بل العارف من لا إشارة له لفنائه في وجوده وانطوائه في شهوده. طوال النهار يرى ربه، فطوال النهار يرى الفيلم الخاص بربه [أي تجليات الله في الكون]. سيعترض ويقول له: لا، أزل هذه من هنا وضع هذه من هنا! ولكن أنا نفسي هكذا [أي لا أعترض].
درجات العارفين بين الدعاء والاستجابة وبين الفناء في الحب الإلهي
فتبقى لا تعرف [حاله]، وتدعو ويُستجاب. وقال [الله تعالى]:
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدْعُونِىٓ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60]
وسيستجيب لك، لا يوجد مانع، ولكن تكون درجة ثانية. فهناك درجة ثانية وهناك درجة أولى.
فالدرجة الثانية: يدعو ويتعبد بالدعاء، ويستجيب الله الدعاء، ويمنّ على عبيده، ويُظهر آياته سبحانه وتعالى في خلقه. ولكن يوجد ما هو أعلى من ذلك وهو الحب.
وهذا الحب أعلى شيء في المعرفة.
الرحمة أساس الحب والكرم وسر البسملة في بسم الله الرحمن الرحيم
الرحمة وينبت من الرحمة الحب. فما الأساس: الرحمة أم الحب؟ لا، الأساس الرحمة.
ولذلك أنزل [الله] وقال ماذا؟
﴿بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1]
لم يقل: بسم الله الحبيب المحب أبدًا. لقد جاء بها من أصلها؛ لأن أصل الحب عطاء، والعطاء لا يأتي إلا من رحمة. وأصل الحب الكرم، والكرم لا يتأتى إلا بالرحمة. وأصل الرحمة الرحمة.
ولذلك لا تتأتى الرحمة إلا إذا كان لديك رحمة. ولذلك كرّر فقال: بسم الله الرحمن الرحيم. انتبه! لم يقل: بسم الله الرحمن، وإنما قال: بسم الله الرحمن الرحيم، أي أن الرحمة لا تأتي إلا من الرحمة.
فالرحمة هي الأساس الذي تتولد منه ويتولد منها الحب، ويتولد منها الكرم، ويتولد منها الوفاء، ويتولد منها الشهامة.
قال رسول الله ﷺ: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق»
القرآن مجموع في الفاتحة والفاتحة في البسملة والبسملة في نقطة الباء
قالوا: إنما شرح بسم الله الرحمن الرحيم، يعني النبي ﷺ ماذا فعل في الدين كله؟ يشرح لنا ما معنى بسم الله الرحمن الرحيم.
قالوا: فالقرآن مجموع في الفاتحة، والفاتحة في البسملة، والبسملة في بسم، وبسم في الباء، والباء في نقطتها.
فهي التي كانت عندما قال الله:
﴿كُن فَيَكُونُ﴾ [يس: 82]
قالوا: إن الكون كان نقطة فانفجرت فكان هذا الكون. فأصل الحكاية نقطة، منها البداية، صارت فصارت خطًا، فالتفّ فصارت دائرة، فتكوّنت فصارت مثلثًا فمربعًا، ثم تحيّزت فصارت أكوانًا.
نقطة! والنقطة هذه أهي معدومة أم موجودة؟ لا تعرف. أهي من ناحية معدومة لأنها لا وجود لها، ومن ناحية موجودة لأنها بها كان ما كان بتكوين الله.
الرجاء بلا عمل أمنية ومطلب العارفين الصدق في العبودية
الرجاء ما قارنه عمل وإلا فهو أمنية. ونقول: أُمنية وأَمنيّة، مثل أُضحية وأَضحيّة، وأُثفية وأَثفيّة. فنقول: أماني وأمانيّ، وأثافي وأثافيّ، وأضاحي وأضاحيّ، وليس لها رابع.
مطلب العارفين من الله: الصدق في العبودية والقيام بحقوق الربوبية. يبقى إذن العارف بالله لا بد أن يكون صادقًا في عبوديته.
قالوا: اعرف نفسك تعرف ربك. ولا بد أن تقوم بحقوقه سبحانه وتعالى من إظهار العبودية له والتأدب معه.
فاللهم أدّبنا معك، وعلّمنا الأدب معك، واسلك بنا الطريق إليك.
تقلب الأحوال بين القبض والبسط حتى لا يكون العبد لشيء دون الله
بسطك كي لا يبقيك مع القبض، تجد نفسك فرحًا حتى لا تبقى كئيبًا. واقبضك كي لا يتركك مع البسط، وتجد نفسك حزينًا حتى لا [تنسى] أن الله لا يحب الفرحين الذين هم على هذا الحال دائمًا.
وأخذ في وجهه وأخرجك عنهما [عن القبض والبسط] كي لا تكون لشيء دونه. فأنت لله، ولا يبقى عليك حال، بل يقلبك في كل حال.
إنما الباقي من؟ هو الله. في حال بسطك، وفي حال حزنك، وفي حال قبضك، وفي حال خروجك منهم، إنما أنت لله. فلا إله إلا الله، ولا يبقى إلا الله، ولا يثبت عندك إلا الله.
لا إله إلا الله! ولذلك قالوا عنه [لفظ الجلالة] أنه الاسم الأعظم: الله.
خلاصة الحكاية لفظ الجلالة الله وتفرد اسمه في جميع اللغات
خلاصة الحكاية هكذا: الله. فلا إله إلا الله.
قالوا: إذا أسقطت الألف من كلمة الله فإن ذلك يدل على الله. فكلمة الله عندما تحذف منها الألف يبقى ماذا؟ لله. وإذا حذفت اللام يصبح له. وإذا حذفت اللام الثانية يصبح هو. فلا إله إلا هو.
وما نحتاج إلى هذا يا أولاد، ففي جميع اللغات: ديو، وجاد، وخداي، وما شابه، ويهوة، وما أدري ما في العبرية والسريانية والفارسية والإنجليزية والفرنسية، ولن تجد شيئًا أبدًا مثل: الله، جلّ جلاله.
دعاء جامع بالهداية والرحمة والسكينة والشفاعة ودخول الجنة
اللهم ارضَ عنا برضاك، واهدنا بهدايتك، وأنقذنا من دائرة سخطك إلى دائرة رضاك، ووفقنا إلى ما تحب وترضى، وأنزل علينا السكينة يا أرحم الراحمين، وقنا الزلل والخطأ والخطيئة، ووفقنا إلى ما تحب وترضى.
اللهم حبب فينا خلقك، اللهم اهدنا بهدايتك، واهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت. نوّر قلوبنا وخفف عنا وارحمنا.
﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [البقرة: 201]
شفّع فينا سيد الخلق يا أرحم الراحمين، واسقنا من يده الشريفة شربة ماء لا نظمأ بعدها أبدًا، ثم أدخلنا الجنة من غير حساب ولا سابقة عقاب ولا عتاب، يا رب يا رب يا رب.
حب النبي ﷺ للصوت الحسن واختياره المؤذنين وسماع المدح والقرآن
نسمع الشيخ سيد في مدح رسول الله، حيث كان [النبي ﷺ] يحب رسول الله أن يسمع المدح. فكان يجلس كعب بن زهير ويضع له عباءته [البردة]، ويسمع من عبد الله بن مسعود ويقول:
قال رسول الله ﷺ: «إذا أردتم أن تسمعوا القرآن كما أُنزل فاسمعوه بقراءة ابن أم عبد»
وعيّن بلالًا مؤذنًا له وقال: هو أندى منك صوتًا. فكان يحب الصوت الحسن، واختار أبا محذورة للأذان بمكة، فاختبره من مجموعة واختاره، هكذا مثل لجنة الاستماع في الإذاعة، ولكن هذه لجنة استماع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
كان أجمل الناس وأحلى الناس صلى الله عليه وآله وسلم، هو واسطتنا بيننا وبين ربنا، تلقى الوحي على قلبه الشريف، هو سيد الخلق أجمعين.
تخفيف العذاب عن أبي لهب بفرحه بمولد النبي وفضل حب المؤمن للنبي
لا يدخل الجنة من لم يحبه صلى الله عليه وسلم، ويخفف عن الكافر بحبه. فلو أحبه الكافر خفف الله عنه.
أخرج البخاري أن أبا لهب يُخفف عنه كل يوم اثنين؛ لأنه فرح بمقدم النبي ومولده فأعتق ثويبة. الكافر الذي فيه قرآن يُتلى إلى يوم الدين في المحاريب وفي الصلاة، خفف الله عنه بحبه للنبي صلى الله عليه وسلم.
وكان أبو لهب يحب النبي، واعلموا:
﴿وَٱعْلَمُوٓا أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: 24]
هو كافر بعقله، لكن قلبه مع النبي. ولذلك زوّج ابنتيه أم كلثوم ورقية من ابنَي أبي لهب.
ولكن فما بالك لو أحبه المؤمن كيف سيكون! فاللهم حببنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم.
