الحكم العطائية | من 81 - 90 | أ.د علي جمعة
- •العارفون بالله أخوف في حالة البسط منهم في حالة القبض، لأنهم في البسط لا يعلمون إن كان هذا جزاء أم امتحاناً.
- •الله هو المعطي والمانع، القابض والباسط، والقبض قد يكون جزاءً يُثاب عليه، والبسط قد يكون جزاءً أو ابتلاءً.
- •المنع من الله إحسان، وقد يمنع الإنسان ليعطيه في الآخرة، وقد يعطيه في الدنيا ليمنعه في الآخرة.
- •الطي الحقيقي ليس طي الزمان أو المكان بالكرامات، بل أن تطوي مسافة الدنيا عن قلبك حتى ترى الآخرة أقرب إليك.
- •عطاء الخلق حرمان لأنه يُمَنّ به عليك، بينما المنع من الله إحسان.
- •من كرم الله أن توفيقه للطاعة هو جزاء في ذاته، فكفى جزاء أن رضيك لها أهلاً.
- •القلب السليم ينظر إلى باطن الأكوان وعبرتها، بينما النفس الأمارة بالسوء تنظر إلى ظاهرها المغرور.
- •إذا أردت عزاً لا يفنى فلا تستعزن بعز يفنى.
مقدمة الدرس والبسملة والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
قال [ابن عطاء الله السكندري] رضي الله تعالى عنه، ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين:
العارفون إذا بُسِطوا أخوفُ منهم إذا قُبِضوا، ولا يقف على حدود الأدب في البسط إلا قليل.
معنى القبض والبسط وأنواعهما في حياة الإنسان
الله سبحانه وتعالى هو المعطي والمانع، وهو القابض والباسط. والقبض والبسط قد يكون في الحس، في الجسم، في الشعور، في العقل، في الروح.
فقد يجد الإنسان نفسه مسرورًا فيكون في حالة بسط، وقد يجد نفسه حزينًا فيكون في حالة قبض. والله كريم؛ فكل ما كان من قبيل القبض جُزِيتَ عليه، وكل ما كان من قبيل البسط فإما أن يكون جزاءً لك وعطاءً من ربك يستوجب الشكر، وإما أن يكون امتحانًا وابتلاءً.
موقف العارف بالله من حالتي القبض والبسط والخوف فيهما
ولذلك العارف بربه وشأن ربه سبحانه وتعالى إذا حدث له القبض أَمِنَ شيئًا ما؛ لأنه يعلم أنه في حالة شدة، وأن الشدة سيعطيه الله سبحانه وتعالى فيها وبها الثواب الجزيل.
أما الذي هو في حالة البسط وكان من العارفين بالله، فإنه لا يعلم إذا ما كان هذا جزاءً من ربه له أو امتحانًا يمتحنه به ليُثبَت؛ فيكون خائفًا من ربه في هذه الحالة أكثر من حالة القبض.
شكوى الناس من القبض وحقيقة من لا يعرف بالله في حالة الضيق
كثير من الناس يشكون القبض ويقولون: أنا متضايق، أنا متعب، أنا لا أجد نفسي، أنا أبحث عن شيء ولا أجده، أريد أن يذهب [قلبي] إلى شيء لا أعرفه. أو يكون ذلك حال قبض ويكون فيه ثواب لو كان عارفًا.
ما هو [الحال]؟ لا يعرف بالله، فهو يظن أنه في حيرة وتعب ونكد. ولكن لو وصل بقلبه إلى المعرفة بالله لاطمأن شيئًا ما، لا يطمئن كل الاطمئنان؛ لأنه لا يأمن مكر الله.
﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ ٱللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ﴾ [الأعراف: 99]
اغتنام حالة القبض وفهم أنها باب رزق من الله تعالى
ولذلك هذه الحالة [حالة القبض] لا تيأس منها ولا تحزن عليها، واغتنمها فرصة، وافهم عن ربك أن هذا باب رزق لك وإن كان هو حال شدة ولأيٍ — واللأي يعني الضيق من اللأواء.
فانظر كيف! كلام نفيس، كلام شخص قد جرّب الطريق مع الله، وكلام شخص فهم عن الله مراده. يا سبحان الله! لو فهمنا مراد الله!
الفرق بين الفهم المؤقت والوصول إلى مرحلة العارفين بالله
أن تقوموا من الدرس هنا وأنتم فاهمون، وبعد ذلك خلال ساعتين تنسون! لم تصلوا بعد إلى مرحلة العارفين بالله. ستصلون إن شاء الله ما دمنا سائرين معه، ونرى ما آخرتها مع سيدنا ابن عطاء الله السكندري.
والذي يسير مع الصادقين يحصل له ماذا؟ يصل. يا سلام!
قصة من تحول من التشدد إلى فهم النفحات الإلهية
هذا كان وهابيًا، سبحان الله! يتحدث الآن عن النفحات، ما شاء الله! اضحك، لا تفعل هكذا لئلا تكون عملية صعبة جدًا.
خوف العارفين في حالة البسط أشد من خوفهم في حالة القبض
قال [ابن عطاء الله] رضي الله تعالى عنه وأرضاه لحالة القبض: العارفون إذا بُسِطوا أخوف. فإذا هم خائفون في حالة القبض وهم خائفون في حالة البسط، وإنما في حالة البسط أشد خوفًا.
وأفعل التفضيل يفيد المشاركة مع زيادة أحد الطرفين على الآخر. يفيد المشاركة، أي ماذا؟ أي أن الخوف حاصل في القبض والبسط معًا؛ لأنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون.
ولكن في حالة البسط كان ينبغي للإنسان أن يفرح؛ فما دام الله قد أفرحني فهو منعم عليّ.
قلة من يدرك حدود الأدب في حالة البسط ويعرف حكمة القبض والبسط
حالة القبض: ولا يقف على حدود الأدب في البسط إلا قليل. لما يصبح الواحد مسرورًا وتوسعت عليه الأحوال، فكان ينبغي أن يكون أكثر خوفًا.
ما رأيك أن الأخوف هذا هو القليل النادر جدًا؟ من يدرك الحكمة ويعلم أن حالة القبض إنما هي جزاء، وحالة البسط قد تكون اختبارًا.
ميل النفس الطبيعي إلى البسط والفرح وأخذها حظها منه
قال [ابن عطاء الله] رضي الله تعالى عنه ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين: البسط — الفرح والسرور والانفراج — تأخذ النفس منه حظها بوجود الفرح.
أليس كذلك؟ وأنت مسرور تأخذ فرحًا، وهذا الفرح النفس تميل إليه وليس تميل إلى الكآبة والحزن، تميل إلى الفرح.
يعني عندما تأتي بأحد وتقول له: سأخيّرك بين الغنى والفقر، طبيعيًا هكذا يختار ماذا؟ انظر، يقول لك: الغنى أم الفقر؟ الغنى. القوة أم الضعف؟ القوة. الصحة أم المرض؟ الصحة. العلم أم الجهل؟ العلم. وهكذا.
ميل النفس إلى معاني القوة والراحة وأثر البسط في أخذ الجزاء
ميل النفس هكذا؛ لأن هذه المعاني فيها قوة، لأن هذه المعاني فيها راحة، لأن هذه المعاني فيها سعادة، لأن هذه المعاني فيها تمكّن. فميل النفس إلى هذه المعاني.
ولكن وأنت في حالة البسط التي تميل إليها النفس، تأخذ جزاءك أم لا؟ نعم، أنا أحب الفرح فتكون قد أخذت جزاءها.
والقبض لا حظ للنفس فيه. عندما نأتي في القبض فيعني أخذت ماذا؟ صبرت. حسنًا، فيكون الصبر عليه شيء آخر.
فضل الصبر ومعية الله مع الصابرين وتعظيم مقامهم
أن الله مع الصابرين. المعية هذه حاجة عالية جدًا؛ لأنه «مع» تدخل على العظيم، فكان الله قد عظّم الصابرين؛ لأنه جعل فيها [في حالة القبض] هذا المعنى الجليل.
ربما أعطاك فمنعك وربما منعك فأعطاك في الدنيا والآخرة
ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك. يعني أنت لا تعرف الخير فيك [أين يكون]. هو أعطاك في الدنيا ولكنه سيمنعك بهذا العطاء في الآخرة، فتبقى أنت فَرِحٌ اليوم وأنت لا تعلم إن الله يخفي لك شيئًا.
وأحيانًا يمنعك في الدنيا فتتضجر، وأنت لا تعلم أيها المسكين أن هذا المنع عطاء! فلعله أخّرك ليقدّمك؛ أي أخّرك في الدنيا ليقدّمك في الآخرة، أو أخّرك في ترتيب الناس ليقدّمك عنده سبحانه وتعالى.
تأخير النبي صلى الله عليه وسلم في الظهور وتقديمه في المقام
قالوا: ولقد أخّر الله النبي صلى الله عليه وسلم في الظهور الكوني المعنوي عليه الصلاة والسلام. يعني سيدنا محمد آخر الأنبياء، آخر الأنبياء! هذا أول الأنبياء [في المقام].
هذا لما جاء في الإسراء والمعراج ذهب فصلى بهم إمامًا. وانتبه كيف يكون آخر العنقود سُكَّر! ماذا؟ سُكَّر معقود! يكون سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم [شهد مكرر].
عدم الأخذ بالظواهر في التعامل مع الله والوصول إلى الرضا والتسليم
ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك. إذن لا ينبغي للإنسان أن يأخذ بالظواهر وأنت في التعامل مع الله، فافهم عن الله.
وهذا يؤدي بك إلى الرضا والتسليم. وعندما تأتي لتدعو، ادعُ هكذا: اللهم يسّر ولا تعسّر، اختر لي ما فيه الخير، لا تقل يمينًا وشمالًا.
والذي يأتي به الله حسن. انظر إلى الناس [الذين يقولون]: الذي يأتي به ربنا جيد. هذه تكشف عن ماذا؟ عن التسليم والرضا.
فتح باب الفهم في المنع وتحوله إلى عين العطاء والنعمة
متى فُتح لك باب الفهم في المنع؟ عقلك أصبح ذكيًا وأصبحت فاهمًا وعارفًا أنه عندما منعك قد يكون قد أعطاك. عاد المنع عين العطاء، المنع نفسه سيصبح نعمة.
النعمة عندما تصيبك تفرح بها أم تحزن؟ تفرح. فسبحان الله! فتفرح أنت. دعوت وبعد ذلك الدعاء لم يُستجب.
فلماذا تفرح؟ هذا كان يجب أن تبكي وتقول هذا وتتذمر وتضرب برجلك الأرض ولا تكون راضيًا! لو فهمت لعرفت أن هذا المنع لو رضيت به وسلّمت، أصبح الرضا والتسليم هو عين العطاء.
التعامل مع المنع معاملة الأكابر العارفين وتحوله إلى نعمة
متى فُتح لك باب الفهم في المنع وعرفت معناه — أي منع — وتعاملت معه معاملة الأكابر العارفين بالله، حتى ولو لم تكن منهم، حتى ولم تتحقق بأخلاقهم، إذا كنت كذلك تحوّل المنع في ذاته إلى عين العطاء، وكان نعمة لا نقمة.
فاللهم افتح علينا باب الفهم لمرادك من خلقك يا أرحم الراحمين، وافتح علينا فتوح العارفين بك، ولا تجعل نفوسنا حائلًا بيننا وبينك.
ظاهر الأكوان غرور وباطنها عبرة لمن تأمل وتدبر
قال [ابن عطاء الله] رضي الله تعالى عنه: الأكوان ظاهرها غُرّة — غرور يغترّ بها من يراها من الخارج. رخام ومن الداخل فحم! من الخارج رائعة ومن الداخل يعلم الله! أي من الخارج شيء والحقيقة شيء آخر.
وباطنها عِبرة. لو جلست أنت وتأنّيت وفهمت الكلام على وجهه وما وراءه، تأخذ العبرة من هذا. تفهم كيف يعمل الترتيب الإلهي، ما حكمة ربنا سبحانه وتعالى في هذا. لكنه من الخارج هكذا غُرّة.
الابتلاء بأذى الناس وحكمة الصبر والعفو والتسليم لله
شخص جاء وشتمك، لعنك، افترى عليك الكذب — شيء يغيظ، شيء يغيظ! لكنك لو تأملت هكذا تقول: حسنًا، ولماذا سلّطه الله عليّ؟
﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2]
انتهى! طالما ليبلونا صبرنا:
﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: 18]
قُم فوّض أمرك إلى الله، واعفُ واصفح:
﴿فَٱعْفُوا وَٱصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِٓ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 109]
قُم تلقّى ربنا سبحانه وتعالى فهّمك العبرة.
فهم حكمة الابتلاء وتحويل ألسنة الخلق عنك بالصبر والعمل الحسن
عندما تهدي نفسك هكذا وحوّل [الله] ألسنة الخلق عنك، بعد ما كانت [مسلّطة عليك].
فلماذا إذن فعلها بي أولًا؟ لكي يرى أيكم أحسن عملًا. ذلك لكي يختبرك.
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ [محمد: 31]
أي في امتحان. أتدرك ذلك؟ فأنت ابقَ خارجًا هكذا تتفرج على الدنيا التي خلقها الله، تتأمل هكذا وترى ما هي الحكاية.
قصة الإمام محيي الدين بن العربي مع الأطفال الذين سبوه وحكمته في التعامل
سيدنا محيي الدين بن العربي كان يمشي في الشارع، فأطفال صغار هكذا قالوا: ها هو الكافر! ها هو الكافر! فواحد معه قال له: ألا تضربهم أو تهشّهم بالعصي؟
قال له: لماذا؟ هذا هو التصور الذي في أذهانهم أنني كافر أقول بالحلول والاتحاد والأمور الباطلة. لو ضربتهم فإنني أقول لهم إن التصور الذي في أذهانكم إسلام — يعني وحلاوة وجيد.
دعهم! قال له: لكن أنت لست كذلك. قال له: ما هذا؟ ربنا يعلّمهم الآن وأنا ما شأني؟ هو الولد يتصور في ذهنه صورة معينة فغضب. ما هو لابد أن يغضب! نعم.
نفي النفس والتسليم لله يرفع مقام العبد عند الخلق والخالق
يعني هذا [ابن العربي] نفى نفسه تمامًا، فصاروا يقولون عنه ماذا؟ الإمام الأكبر والكبريت الأحمر.
لماذا؟ ما هو الناس قاعدون متسلطون عليه بالسب ومتسلطون عليه بقول الباطل، كما قالوا عزير ابن الله والمسيح ابن الله، وكل هذا ثواب لسيدنا عزير وسيدنا المسيح؛ فهم يفترون عليهما.
إذا فهم الإنسان في هذا الوضع عن ربه، فعلم الحقيقة فرضي فيسلّم، فيرضى الله عنه.
الفرق بين النفس الأمارة التي تغتر بالظاهر والقلب السليم الذي يرى العبرة
الأكوان ظاهرها غرور، فلا تأخذ بالظاهر هكذا، وباطنها عبرة.
فالنفس تنظر إلى... يبدو أن النفس الأمارة بالسوء قد غرّتها، فهي تأخذ بالظاهر. والقلب ينظر إلى باطن عبرتها.
أما القلب السليم:
﴿إِلَّا مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 89]
فما هو القلب السليم؟ هو الذي ينظر إلى عبرة الدنيا ولا ينظر إطلاقًا إلى غُرّتها.
من أراد عزًا لا يفنى فلا يتعلق بعز يفنى بل يتعلق بالباقي سبحانه
قال [ابن عطاء الله] رضي الله تعالى عنه: إن أردت أن يكون لك عزٌّ لا يفنى، فلا تستعزّنّ بعزٍّ يفنى. موجود، أيهما عندكم؟ بعز يفنى.
والله هو الباقي جلّ وجه الله:
﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلَـٰلِ وَٱلْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: 26-27]
إذن إذا أردت عزًّا لا يفنى يبقى، لازمًا أن يتعلق قلبك بمن لا يفنى. أما إذا تعلق بعزٍّ فانٍ أو بعزّ من يفنى، إن كان عزّ من يفنى يُسمّى عزًّا، وإن كان عزّ الفاني يُسمّى عزًّا فإنه سيفنى.
مثال الاختيار بين إناء الذهب الباقي والقلة الفانية وحال الإنسان مع الدنيا
وإن خيّروك بين إناء من الذهب عيار أربعة وعشرين مشغولًا بعمل راقٍ يبقى معك دائمًا في ملكك، وبين قُلّة مكسورة ومطلية بالطين، وإذا أمسكتها خمس دقائق ستذوب في يديك، فماذا تختار؟ القُلّة؟
قال: أختار القُلّة! هذا هو الإنسان الذي خلقه الله على ما هو عليه هكذا. هل تنتبه؟ هذا هو حاله! لا يوجد [عقل]، وليس فيها [قيمة]، هذه قطعة فخار تالفة وهشّة، لن تبقى في يدك ثلاث دقائق وتذوب فتصبح ترابًا.
قُم! العاقل يختار هذا الذهب الأنيق لكي يذهب فيبيعه ويذيبه ويصنع منه حُليًّا يا ناصح!
تشبث الناس بالدنيا الفانية وتركهم لما ينفعهم كمن يمسك العظم ويترك اللحم
ولكن الذي يتحول هكذا — هي الدنيا هكذا! الناس يفعلون: متشبثين في عظم ما فيه قطعة لحم، عظم بدون لحم! وتاركين الهَبْر كلها.
الهَبْر التي تخص ماذا؟ هَبْر يعني ماذا؟ لحم. ألا تأكل اللحوم؟ اكتب: هَبْر يعني لحم، جمع هَبْرة. عندكم هكذا في بولاق هَبْرة — قطعة لحم كبيرة هكذا مسلوقة تأكل فيها، اسمها هَبْرة. انتهى! والأولاد في البلاد يقولون عليها هَبْرة وجمعها هَبْر. نعم.
حال الإنسان الغافل الذي يأكل ويشرب ولا يعرف حقيقة القضية
واحد يقول: اللهم أكرمنا! ترك كل الحلاوة التي نتحدث فيها وتمسّك بهَبْرة اللحم!
هذا يا أخي الإنسان، هذا الإنسان يأكل ويشرب ويلبس وينام وانتهى! لا تعرف ما القضية، لا تعرف!
إن أردت أن يكون لك عزٌّ لا يفنى، فلا تستعزّنّ بعزٍّ يفنى.
الطي الحقيقي هو طي مسافة الدنيا عن القلب لا طي الزمان والمكان
قال [ابن عطاء الله] رضي الله تعالى عنه ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين:
الطيّ الحقيقي أن تطوي مسافة الدنيا عنك حتى ترى الآخرة أقرب إليك منك.
أحيانًا يحدث لأهل الرياضة [الروحية] شيء يُسمّى طيّ الزمان وشيء يُسمّى طيّ المكان.
قصة طي المكان لأحد الشيوخ في ترام شارع الأزهر إلى الجيزة
طيّ المكان: مرة أحد شيوخنا وهو في بداية الطلب كان هنا في شارع الأزهر يمشي بالترام. الصغار منكم لا يتذكرونه، الذين فوق السبعين يتذكرونه.
أنه ماشٍ فألقوه [أركبوه] هنا في شارع الأزهر هكذا. فيقول لي إنه ركب فيه كي يذهب إلى الجيزة، والترام يصل للجيزة خلال ساعة إلا ربعًا تقريبًا. ونزل من الناحية الأخرى فوجد نفسه في الجيزة!
هذا ما يسمونه طيّ المكان؛ فالله طوى له المكان. أو طيّ الزمان؛ أي لم يجعله يشعر بالثلاثة أرباع الساعة، أو الأمر الذي يستغرق ثلاثة أرباع ساعة استغرق دقيقة.
خوارق العادات تحدث لغير المسلمين أيضًا وليست مقياسًا للولاية
فما هذا؟ هو أمر خارق من خوارق العادات. فيمَ يفيد؟ لا شيء!
يحدث للهندوس، ويحدث للرهبان النصارى في أديرتهم، ويحدث لأتباع الطريقة عندنا في الطرق الصوفية، ويحدث لأهل التبت. هذه الأشياء! وهناك أناس يطيرون في الهواء، وهناك أناس يمشون على الماء.
وأهل الله يقولون ماذا؟ إذا رأيت الرجل يطير في الهواء أو يمشي على الماء، فاعرض أمره على الشرع؛ فإن وافقه فذاك — تبقى كرامة.
حقيقة الكرامة عند أهل الله وأنها للمبتدئين لا للأكابر
والكرامة تعني ماذا؟ ولا شيء! قال [أحد العارفين]: كنا نستحيي من الكرامة كاستحياء البِكر من دم حيضها. يعني كانوا يستحيون من أن تحدث لهم كرامة.
والكرامة ماذا تعني؟ إن الله يشجّعك. والكرامة تكون للسالكين في بداية الطريق؛ فإذا بلغوا مبلغ الرجال انقطعت الكرامة.
القطب ليس له كرامة، أي الرجل الكبير لا كرامة له. ترك الكرامة لله، خرّ قلبه ساجدًا لله فلم يقم. ليس هناك كرامة! الكرامة تكون لإرضاء الأطفال الصغار.
فمعنى أن لديك كرامة معناه أنك ما زلت صغيرًا، يشجّعك؛ أي لكي تصبر، لكي تسير بالاستقامة، لكي تعمل أشياء كثيرة.
قصة الشيخ الشعراني وطي الزمان في قراءة المدونة لمالك في ليلة واحدة
فطيّ الزمان وطيّ المكان من الكرامة. الشيخ عبد الوهاب الشعراني كان هناك رجل لديه المدوّنة لمالك — المدوّنة كم مجلدًا؟ ثمانية مجلدات كبيرة هكذا.
فالشعراني استعارها منه بعد العشاء. أرسل الولد الذي عنده، قال له: يا سيدي، سيدنا الشيخ الشعراني يريد أن يستعير منك كتاب المدوّنة — ثمانية مجلدات — وأحضرها.
عند الفجر وهم ذاهبون إلى المسجد أعادها له! فالرجل وضعها في مكانها وانتهى الأمر. شهرين يقلّب فيها، فوجد الشيخ كتب حاشية عليها! أي كتب حاشية على ثمانية مجلدات في ثلاث ساعات أو أربع ساعات!
دلالة طي الزمان للشعراني وعرض الكرامة على الشرع الشريف
نعم، هذا كتب وقرأ وعمل، وكل هذا يعني أن الزمان قد طُوي له أم لا؟ طُوي له الزمان.
ما دلالة هذا؟ أم لا شيء؟ رجل طيب. طالما أنه من المسلمين، طالما من المؤمنين، طالما عرضنا أمره على الشرع الشريف فوافقه.
الناس أصبحوا ينبهرون كثيرًا هكذا. فالسيد ابن عطاء [الله] ينبّهك ويقول لك: عندما يحدث لك طيّ الزمان أو طيّ المكان — كأننا سيحدث لنا! هو يظن هكذا يعني — لا، إذا حدث لك فلا تغترّ، ليس هو هذا الدين.
الطي الحقيقي هو إخراج الدنيا من القلب ورؤية الآخرة قريبة
فما هو الدين إذن؟ قال: الطيّ الحقيقي ليس طيّ الزمان وطيّ المكان والكرامات.
تريد أن تعرف ما هو الطيّ الحقيقي؟ قلت له: نعم. أن تطوي مسافة الدنيا عنك، ليس أن تطوي مسافة الأرض — أي وتركب من هنا فتصل إلى الجيزة. فلنصل إلى الجيزة في أيام فلن يحدث شيء!
لكن الطيّ الحقيقي أن تُخرج الدنيا من قلبك. الطيّ الحقيقي أن مسافات الدنيا تنتهي وتطويها — يعني تُنهيها — ليس أنك أنهيت المسافة من هنا إلى الجيزة، لا!
الطيّ الحقيقي أن تطوي وتُنهي المسافة التي للدنيا التي في قلبك؛ فيجب أن تُخرج الدنيا من قلبك.
ثمرة طي مسافة الدنيا من القلب والعيش للآخرة مع الطاعة والذكر
حتى ترى الآخرة — وليس حتى ترى الجيزة — لا! عندما طوينا مسافة الدنيا قرُبنا للآخرة، أقرب إليك منك.
فتصبح على هكذا يعيشها. والذي يعيش للآخرة، هذا ما يحصل له في الدنيا: ألّا يعصي، ولا يتكاسل عن الطاعة تمامًا، يعيش مع ربه لا ينساه.
هذا شيء جميل جدًا وبسيط جدًا، لكن صعب جدًا!
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ [القمر: 17]
هذا في ذاته هكذا، فهل من مدّكر؟ تجد أبدًا الناس اتخذت القرآن ظِهريًّا.
العطاء من الخلق حرمان لأنه يقترن بالمنة والتعيير
قال [ابن عطاء الله] رضي الله تعالى عنه ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين:
العطاء من الخلق حرمان. يمنّ عليك ويعيّرك به وينظر إليك هكذا: لقد أعطيتك!
ربنا سبحانه وتعالى عندما ينظر إليك، ينظر إليك بنظرة الرحمة وليس بنظرة المنّة، وهو أحق بالمنّة. ولكن الأمور مقلوبة، والشرع جاء ليعدّلها.
العطاء من الخلق حرمان والمنع من الله إحسان ومعنى التوكل الحقيقي
العطاء من الخلق حرمان. قال لك ربنا: ما يحوجك لأحد؛ لأنه لو أحوجك إلى أحد فإنه قد حرمك. ويقول لك: إذن أنا لن أعطيك، اذهب فاطلب، اذهب فتسوّل من الناس وتسوّل أمرك منهم.
ما دمت غير راضٍ أن تتوكل حق التوكل على ربك، فاذهب بحولك وقوتك! فمرة يردّونك، ومرة يعطونك، ومرة يهشّوا في وجهك، ومرة يغلقون الأبواب أمامك. والله وكل ذلك بإذن الله أيضًا!
يعني ما أنت تارك ربنا وراءك؟ خُذ إذن!
دعاء الصالحين بعدم التوكيل إلى النفس أو الغير والاستعاذة بالله
ولذلك كان من دعاء الصالحين: اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا أقل من ذلك. فما بالك إذن أن يكلك إلى غيرك!
قال النبي ﷺ: «إلى من تكلني؟ إلى عدوٍّ ملّكته أمري»
صلى الله عليه وسلم. الاستعاذة من الله في هذا الشأن.
العطاء من الخلق حرمان، والمنع من الله إحسان. انظر أنت: إذا انعكس الأمر في قلبك، عظّمت المعطي من البشر وقلبك يصبح حاملًا على ربنا — والعياذ بالله تعالى — إذا منعك. وهذا خطأ!
عيش إحسان المنع الإلهي بالحمد والسجود والطاعة لله رب العالمين
هذا أنت عندما يمنعك ربنا فهو إحسان لك؛ فلا بد عليك من أن تعيش هذا الإحسان بالحمد، وتعيش هذا الإحسان بالسجود لله رب العالمين وبالطاعة.
جلال الله أن يعامله العبد نقدًا فيجازيه نسيئة ومعنى المعاملة الفورية
قال [ابن عطاء الله] رضي الله تعالى عنه: جلّ ربنا أن يعامله العبد نقدًا فيجازيه نسيئة. يبقى قال لك: الشكّ ممنوع والزعل مرفوع!
أنت تذهب وتقدّم الحاجة في وقتها لربنا؛ فتصوم الشهر الذي قال لك صُمه، وتصلي الصلاة التي أمرك ربك أن تصليها. فلا يؤخّر لك دعاءً ويكرمك ويعطيك فورًا كما تعطي فورًا.
وكذلك لا تؤخّر قلبك عن التوكل عليه والرضا والتسليم بأمره؛ فإن فعلت أعطاك فورًا.
الرضا بالمنع ورؤيته إحسانًا يفتح أبواب كرامة الفتح والفهم والراحة
فماذا لو فعلت؟ ما دمت راضيًا بكل شيء، راضيًا بكل شيء حتى بالمنع، ورأيته إحسانًا، فسيعطيك فورًا.
ولكن لن يعطيك الدنيا! سيعطيك كرامة الفتح، كرامة الفهم، كرامة الراحة، كرامة حسن المعاملة مع الله سبحانه وتعالى.
كفى من جزاء الطاعة أن الله رضيك لها أهلًا وجعلك من أهل العبادة
قال [ابن عطاء الله] رضي الله تعالى عنه ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين:
كفى من جزائه إياك على الطاعة أن رضيك لها أهلًا. أنت صليت في موعد وصمت في موعد وهكذا، وتقول: لماذا؟ إذن ما الذي جعلك تصوم؟ ما الذي وفّقك لأن تصوم وأنت تظن أن هذا سهل؟!
هو الذي أذن لك بأن تصلي التراويح، هو الذي لم يوفّق غيرك. هناك أناس كثيرون عندما تأتي في التراويح هنا قُم فتجدهم صفّين فقط، حتى الصف طويل، لكن مع ذلك فأين بقية الخلق؟ المنشغل بالكنافة، ومن يعمل بالقطايف، ومن يعمل بأمور الدنيا في شأن كثير.
حمد الله على توفيقه للعبادة والدعاء بالفهم والعون على الذكر والشكر
كل يوم هو في شأن، وأنت ربنا اختارك أن تصلي! فاحمد ربنا على عطائه في أنه قد وفّقك وجعلك أهلًا للعبادة في ذلك، فافهم!
فاللهم يا ربنا فهّمنا مرادك من خلقك، وأعنّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، واهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولّنا فيمن تولّيت، وأحسن خاتمتنا يا أرحم الراحمين.
الدعاء الختامي بالفتح والثبات على الحب والإيمان والنصر والهداية
اللهم يا رب العالمين افتح علينا فتوح العارفين بك. اللهم ثبّت حبك وحب نبيك في قلوبنا، وحبّب إلينا الإيمان وزيّنه في قلوبنا، وكرّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين.
ومع القوم الصادقين، ومن المتقين، وانصرنا على القوم الكافرين، واهدنا واهدِ بنا، وأصلح حالنا وهدّئ بالنا، واجمعنا على الخير في الدنيا والآخرة يا رب العالمين.
