الحكم العطائية | من 91 - 100 | أ.د علي جمعة
- •الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، نسأل الله الإعزاز بالإسلام وتنوير القلوب بالإيمان والهداية للحق.
- •العامل يكفيه جزاءً ما يفتحه الله على قلبه من طاعته ومؤانسته، فالقليل من الله كثير.
- •من توجه قلبه إلى الله استوحش الكون واستأنس بالله وحده، كما كان النبي ﷺ يتعبد في غار حراء.
- •من عبد الله لشيء يرجوه أو ليدفع العقوبة فلم يقم بحق أوصافه، فالله يستحق العبادة لذاته.
- •متى أعطاك الله شيئاً أشهدك كرمه، ومتى منعك أشهدك قهره، فهو في كل الأحوال متعرف إليك.
- •قد يفتح الله باب الطاعة ولا يفتح باب القبول، وقد يكون الذنب سبباً للوصول بالتوبة.
- •معصية أورثت ذلاً وافتقاراً خير من طاعة أورثت عزاً واستكباراً.
- •الإنسان محتاج إلى نعمتي الإيجاد والإمداد، وافتقاره إلى الله ذاتي لا ترفعه العوارض.
- •خير أوقات المرء وقت يشهد فيه فاقته لله، فيتذلل له ويعرف حاجته إليه.
افتتاح الدرس بالبسملة والصلاة على النبي والدعاء الجامع
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
اللهم أعزنا بالإسلام ونوّر قلوبنا بالإيمان، وأرنا الحق حقًّا واهدنا لاتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وجنّبنا اتباعه، وانصرنا بالحق وانصر الحق بنا، وأقمنا على الحق وأقم الحق بنا.
اللهم علّمنا ما ينفعنا واسلك بنا الطريق إليك، واهدنا فيمن هديت، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأنزل على قلوبنا السكينة وعلى قلوب أمهات الشهداء.
اللهم ارزقنا رزقًا واسعًا وقلبًا خاشعًا وعلمًا نافعًا وعينًا دامعة ونفسًا قانعة وشفاءً من كل داء. اللهم يا رب العالمين خلِّ قلوبنا من الحقد والحسد ومن البطر والكبر.
الدعاء بتحبيب الإيمان والصلاة على النبي وتوحيد الأمة
اللهم يا رب العالمين حبّب في قلوبنا الإيمان وزيّنه لنا، وكرّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين ومع القوم الصادقين، وانصرنا على القوم الكافرين.
اللهم صلِّ على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، وعلى أصحاب سيدنا محمد، وعلى أنصار سيدنا محمد، وعلى أزواج سيدنا محمد، وعلى ذرية سيدنا محمد وسلّم تسليمًا يا أرحم الراحمين.
وحّد قلوب أمة سيدنا محمد على الخير، وارفع أيدي الأمم عنّا. اللهم ارفع أيدي الأمم عنّا، اللهم يا أرحم الراحمين ارحمنا، ويا غياث المستغيثين أغثنا، عجّل النصر يا أرحم الراحمين، وسدّد رمي المجاهدين وثبّت أقدامهم وقلوبهم في سبيلك يا أرحم الراحمين.
جزاء العاملين وما يفتحه الله على قلوبهم من أنوار الطاعة
قال [ابن عطاء الله السكندري] رضي الله تعالى عنه ونفعنا الله بعلمه في الدارين، آمين:
كفى العاملين جزاءً ما هو فاتحُه على قلوبهم في طاعته، وما هو مورده عليهم من وجود مؤانسته.
الإنسان إذا توجّه قلبه إلى الله فإنه يستوحش الكون كله ويستوحش الناس ويميل إلى العزلة. والنبي صلى الله عليه وسلم في بداية أمره لمّا تعلّق قلبه بكماله بربه تهيئةً للنبوة والوحي، حُبّب إليه الخلاء في غار حراء، فكان يذهب يتعبّد الليالي ذوات العدد ويتحنّث هناك.
فالإنسان إذا بدأ قلبه في التعلّق بالله فإنه يستوحش الخلق كله، ولا تكون مؤانسته إلا بالله، ويسعد ويحظى من كان الله مؤنسه؛ فإنه لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، فلا يؤنس في قلب المؤمن سواه.
فيض النور الإلهي على قلب العامل وبداية الجزاء الرباني
فالعامل عندما يبدأ العمل يتفرّغ قلبه من الكائنات والرسوم، فلا يبقى في القلب إلا النور، ويبدأ الجزاء.
والقليل من ربنا كثير؛ فإذا أنزل الله على قلبك شيئًا قليلًا من الأنوار أو كشف الأسرار، فإنه منه سبحانه وتعالى لذيذ في عطائه، حلو في شموله لقلبك، يفيض عليه فترى النور يتلألأ بين جنبيك.
فقال: كفى العاملين جزاءً ما هو فاتحُه على قلوبهم من طاعته. ولو كان قليلًا يتيه المفتوح عليه بما منّ الله عليه من فتح، ولو كان قليلًا؛ فإن نظرة من رب العالمين تساوي الدنيا والآخرة.
الحسنى والزيادة ومعنى النظر إلى وجه الله الكريم في الجنة
وربنا يقول:
﴿لَهُمُ الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [يونس: 26]
الحسنى هي الجنة ونعيمها، والزيادة هي النظر إلى وجهه الكريم. ولا يستطيع أحد من الخلق أن ينظر إلى الله دائمًا وأبدًا.
فالله يُنشئ في الجنة أسواقًا، وفي آخر يوم من هذه الأسواق يذهب المؤمنون لرؤية ربهم ولو ساعة؛ هذه هي الزيادة. أمّا أن يظلّ الإنسان هكذا أمام ربه فلا، من عظمته التي لا تتناهى سبحانه وتعالى.
فرؤية الرب فيها ما فيها، فلو حصل الفتح ولو كان قليلًا، حتى لو كان الباب مفتوحًا قليلًا، فالحمد لله.
القليل من النور الإلهي يكفي لإغراق القلب بالفيض الرباني
ألا ترى أنه عندما تكون هناك أنوار قوية في الخارج وتفتح الباب قليلًا، يدخل النور أم لا؟ نعم، ولكن عندما يكون الذي في الخارج نورًا زائدًا عن الحاجة، فيكفي تمامًا أن تحدث فتحة بسيطة كافية وليس أكثر من ذلك.
فالقليل من ربك كثير، وكفى بذلك جزاءً، يعني القليل سيُغرقك. كان عندنا هنا واحد اسمه الشيخ محمد البيومي وعلي البيومي اسمه، ما اسمه؟ غريق النور. يعني ربنا أفاض عليه شيئًا من النور البسيط هكذا فغرق فيه، غريق النور.
كفى العاملين جزاءً ما هو فاتحٌ على قلوبهم من طاعته، ولذلك هو لو زاد عن ذلك سيغرق.
مؤانسة الله للعاملين ومن حُرم الذكر حُرم الفتح الإلهي
هو [أي الجزاء] مورده عليهم من وجود مؤانسته. ولا يعلم هذا إلا من جرّب الذكر.
فمن اشتغل بالبطالة وقلة الحياء والديانة والبعد عن منهج السلف الصالح، فإنه لا يُفتح عليه، يبقى يظلّ مظلمًا هكذا؛ أغلق على نفسه فأغلق الله عليه.
﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـٰكِن كَانُوٓا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: 57]
من عبد الله لأجل شيء يرجوه فما قام بحق أوصافه سبحانه
قال [ابن عطاء الله] رضي الله تعالى عنه ونفعنا الله بعلمه في الدارين، آمين:
من عبده لشيء يرجوه منه، أو ليدفع بطاعته ورود العقوبة عنه، فما قام بحق أوصافه.
ربنا هكذا يستحق منك هكذا أن تعبده؟ وكل الدعاء الخاص بك في الدنيا: اعمل لي، وهات لي، وأعوذ بك، وهكذا. أم هو أعظم من ذلك وهو يستحق العبادة في ذاته؟ دائمًا، يعني دائمًا، يعني بالليل والنهار هو يستحق العبادة، يستحق العبادة.
ولذلك كان مشايخنا، كان منهم الشيخ محمد أمين البغدادي يقول: لمّا وردتُ مصر -وهو كان من الأكراد، كان في السليمانية- لمّا وردتُ مصر يسألني الناس الدعاء، وإلى يومنا هذا بعد عشرين سنة من بقائي في مصر لم يسألني أحد أن أدعو الله له بالجنة.
انشغال الناس بطلب الدنيا في الدعاء وضرورة سؤال الله الجنة والرضا
كله على دنيا: ادعُ لي ربنا، نريد أن نسدّده، أريد أن ينجح الولد، نريد أن يُشفى المريض، نريد...
هو أنا أعلّمكم لذلك: فاللهم نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار.
«اللهم إنا نعوذ بك منك، وبعفوك من عقوبتك، وبرضاك من سخطك، جلّ وجهك يا ربنا، لا نحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك»
رسم الطريق في الدعاء بين خير الدنيا والآخرة وشهود بر الله وقهره
قال [ابن عطاء الله] رضي الله تعالى عنه: من عبده لشيء يرجوه منه، أو ليدفع بطاعته ورود العقوبة عنه، فما قام بحق أوصافه.
رسم لنا الطريق أبدًا: عوّد نفسك أن تسأل ربك على الأقل من خير الدنيا والآخرة:
﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [البقرة: 201]
ولا تُصمّم على الدنيا كثيرًا، يجب أن تجعلها وسيلة للآخرة.
متى أعطاك أشهدك برّه: كلما رزقك ربنا بشيء، سواء كان مالًا، سواء كان جاهًا، سواء كان علمًا، سواء كان حتى طاعة ووفّقك للطاعة، متى أعطاك أشهدك برّه، فتعرف أنه ربنا سبحانه وتعالى يكرمك، تقول: ربنا أكرمني.
ومتى منعك دعوته وما استجاب لك، تعرف أنه ماذا؟ تقول: يا قهّار، أشهدك قهره.
التعرف على الله في العطاء والمنع والرضا بقضائه سبحانه
يبقى تجلّى عليك بجماله وتجلّى عليك بجلاله، فهو في كل ذلك متعرّف إليك.
افهم: لمّا أعطاك يريدك تعرفه أنه كريم، ولمّا منعك يريدك تعرفه أيضًا أنه قوي وقادر وفعّال لما يريد، ومُقبل بوجود لطفه عليك.
فأول واحد إذا يمنعك عليك أن تضحك وتقول له: حسنًا، عرفت، فهمت. وعندما يعطيك ابتسم أيضًا وقل: فهمت.
لا تتضجّر ولا تقل: لماذا أنا؟ لا أستحق! لماذا يا رب هكذا؟ ما هذا؟ ما هذا الغباء! أبدًا. فكن راضيًا مسلّمًا، ادخل إلى ربك، إلى حظيرة قدسه بالسلام.
اسم الله السلام وعلاقته بالإسلام والجنة وانتهاء الصلاة
فإن الله اسمه السلام، تحية الإسلام [هي السلام]، وجعل الجنة دار السلام، وجعل السلام إيذانًا بانتهاء الصلاة وبدءًا للدنيا.
ألم المنع سببه عدم الفهم عن الله وبداية السعادة في الفهم
قال [ابن عطاء الله] رضي الله تعالى عنه ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين:
إنما يؤلمك المنع لعدم فهمك عن الله فيه.
أنت تتضايق لماذا؟ عندما تُمنع: سقطتَ في الامتحان، أو تداينتَ، أو تدعو بالشفاء ولم تُشفَ. لماذا يحدث؟ لماذا تتضايق هكذا؟ أنت لا تفهم! افهم؛ فإن الفهم بداية السعادة.
ربما فُتح لك باب الطاعة ولم يُفتح لك باب القبول
قال [ابن عطاء الله] رضي الله تعالى عنه: ربما فتح لك باب الطاعة وما فتح لك باب القبول.
صلِّ يا أخي، تظلّ تصلي وتقوم وتقعد وهي غير مقبولة، فتكون القضية ليست بالكمية، انتهى.
تريد أن تصلي وهذا حاصل الآن، والنبي عليه الصلاة والسلام نبّه عليه:
قال النبي ﷺ: «تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وصيامكم إلى صيامهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، طوبى لمن قتلهم وقتلوه، من قتلهم كان أولى بالله منهم»
لا إله إلا الله! يعني صلاته أحسن من صلاتك، يقف الولد من هؤلاء ويرفع يده فوق هكذا ويفعل هكذا ويجلس هكذا، ولا يعرفون ما القضية، ولا يعرفون ما القضية!
التحذير من الكبر في الطاعة والاغترار بالظاهر دون حال القلب
فما هذا؟ إنه طوال النهار جالس يصلي. ربما فتح لك باب طاعته، ليست هذه [العبرة بالظاهر]، الداخل ما يوجد به؟ القلب يا إخوان.
وهو يصلي هكذا يقول لك: أنا أحسن منهم جميعًا، أنا على سنة رسول الله، هذا أنا سلفي، أنا على سنة رسول [الله]، وهؤلاء مبتدعة! ويتفّ لك وهو يقول: مبتدعة! يتفّ في وجهي.
لماذا هكذا؟ لماذا الكبر هذا؟ أنت لا! هذا أنت تقول: أنا المخطئ وكلهم، كل الناس طيبة إلا أنا. هذا هو الصحيح.
الذنب قد يكون سببًا للوصول إذا أورث ندمًا وتوبة صادقة
فيُفهمك لكي تفهم: ربما فتح لك باب طاعته وما فتح لك باب القبول، وربما قضى عليك بالذنب فكان سببًا في الوصول.
وأحد ارتكب ذنبًا ندم وتاب وبكى، فالله سبحانه وتعالى يرفعه فوقك أنت يا من تجلس طوال الليل تتلو القرآن وتتخشّع هكذا وفرح بنفسك كثيرًا؛ لأنه فتح عليك باب طاعته ولم يفتح عليك باب القبول.
وربما فتح على شخص وكتب عليه الذنب فكان سببًا في الوصول. يبقى إذن الظواهر ليست هي كل شيء:
- •طاعة أورثت كبرًا تبقى مُهلكة.
- •وذنب أورث ندمًا يبقى نعمة.
الطاعة لا تكمل إلا بالإخلاص والذنب لا يضر مع التوبة الصادقة
طبعًا الذنب ذنب والطاعة طاعة. تعرف لو سمع مُغلق القلب هذا يقول ماذا؟ يقول: انظر، تدعو إلى الذنوب وتوقف الطاعات!
يا أخانا لا! هذا نحن نقول: الطاعة لا تكمل إلا بالنية الخالصة وبالخشوع والخبوت والخضوع لله. والذنب لا يضرّ مع التوبة، لا يضرّ مع التوبة.
فنحن ندعو الناس الذين يعملون الذنوب للتوبة؛ باب التوبة مفتوح. وندعو الناس الذين يعملون الطاعة للخضوع والخشوع، وإلا تبقى لا تفهم.
معصية أورثت ذلًّا وافتقارًا خير من طاعة أورثت عزًّا واستكبارًا
قال [ابن عطاء الله] رضي الله تعالى عنه ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين:
معصية أورثت ذلًّا وافتقارًا خير من طاعة أورثت عزًّا واستكبارًا.
انظر كيف الكلام واضح. احفظ إذن ما هو قائله لأجل ماذا؟ لكي تحفظ وأنت تمشي، كلّما تكلّم نفسك وتقول لها هكذا، تقول: يا نفسي، معصية أورثت ذلًّا وافتقارًا خير من طاعة أورثت عزًّا واستكبارًا.
هذا هو البلاء الخاص بنا في العصر الحديث: المساجد ممتلئة ومع ذلك لا توجد بركة، لا يوجد روح.
الاهتمام بالمظاهر دون الجوهر والتشدد في الشكليات على حساب القلب
تدخل فتجد الأولاد مساكين عابسين ومتحفّزين: أنت قدمك ما شكلها؟ ويدك كيف حالها؟ وأنت تحمل سبحة أم لا تحمل سبحة؟ وملتحٍ أم حليق؟ أم مقصّر الجلباب؟ وتكون في مشكلة إذا كنت غير ملتحٍ!
يا سبحان الله!
نعمة الإيجاد ونعمة الإمداد أساس وجود كل مخلوق
قال [ابن عطاء الله] رضي الله تعالى عنه:
نعمتان ما خرج موجود عنهما ولا بدّ لكل مكوّن منهما. يجب أن تكون هاتان النعمتان موجودتين وإلا تصبح أنت معدومًا.
ما هما؟ نعمة الإيجاد ونعمة الإمداد. هذا كل شيء، انتهى.
قلنا كل شيء انتهى إذا عرفت هاتين الكلمتين: الإيجاد والإمداد فقد انتهى الأمر هكذا. عرفت كلمة لا حول ولا قوة إلا بالله هكذا، عرفت الحِكَم كلها من أولها إلى آخرها، هكذا عرفت كل شيء.
معنى الإيجاد والإمداد وكيف يُمدّ الله الإنسان بالوجود كل لحظة
كيف يعني الإيجاد؟ يعني أن الله أوجدك في لحظة ما: أوجدك في صورة جنين في بطن أمك، حسنًا. أم أوجدك طفلًا رضيعًا باكيًا، حسنًا. أم أوجدك رجلًا تسعى يافعًا، أو كهلًا، أو شيخًا فانيًا، حسنًا.
فما هي هذه الإيجادات؟ هناك إيجاد وهناك إمداد. هو أوجدني الآن وبعد ذلك أمدّني بالوجود، أمدّني بالوجود.
فيصبح مثل شريط السينما، تعرفون شريط السينما كيف شكله؟ صورة وراء صورة وراء صورة وراء صورة ويعمل الفيلم يعمل. فلو أنك أغلقت آلة السينما، ماذا يحدث على الشاشة؟ لا يوجد شيء.
هكذا لو أن الله قطع عنك الإمداد فلا تبقى شيئًا. تموت؟ لا تموت، بل تنعدم.
الإنسان يوجد كل لحظة بإمداد الله ولو انقطع الإمداد لفني
فأنت توجد كل كم؟ كل فيمتو ثانية يوجدك ثم يوجدك ثم يوجدك. فلنفترض أنه في مرة من المرات لم يوجدك، انتهى الأمر، لن تبقى موجودًا، ستفنى، ستكون أمامي هكذا وتختفي.
ها هو الله:
﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ أَن تَزُولَا﴾ [فاطر: 41]
بهذا الشكل. ومن إلفنا نسينا الحقيقة؛ لأننا نعيش في الأكوان نسينا الحقيقة.
وقال لك: لا، هذا العمود هذا موجود منذ ألف سنة. نعم صحيح، ولكنه يوجد منذ ألف سنة، يُخلق منذ ألف سنة. قال: من؟ وسيبقى بعدنا. أنتم تتكلمون خطأ، نحن هذه هي الحقيقة هكذا.
حاجة الإنسان المطلقة إلى ربه وعدم قيامه بذاته لحظة واحدة
فإذا كنت أنت محتاجًا إلى ربنا، ولو أوكلك إلى نفسك طرفة عين لفنيت، فهل أنت لك قيمة إلا بربنا؟
- •فهل أنت قائم بنفسك أم قائم بغيرك؟
- •فهل أنت منتهٍ أم أنت خالق أم مخلوق؟
- •هل أنت لك بداية ونهاية أم ليس لك بداية ونهاية؟
- •هل أنت باقٍ ودائم؟
جلّ وجه الله، هو الدائم وهو الباقي. فما أنت إذن سوى تراب ابن تراب، فناء ابن فناء.
فكيف يكون لك بعد ذلك حق تعصي؟ أي لا أفهم كيف يكون لك حق أن تتكبّر، يكون لك حق أن تخاف من أحد، يكون لك حق حتى في أن تعيش في هذه الحياة الدنيا بطريقة لا يرضى عنها الله.
لا يبقى للإنسان إلا طاعة الله الذي بيده ملكوت كل شيء
ما هذا؟ لا يكون لنا حق في شيء، انتهى. لمّا الحكاية كلها بيد ربنا، فلماذا أتعبنا أنفسنا في أي شيء؟
يبقى لم يبقَ لنا إلا أن نطيع الله الذي بيده ملكوت كل شيء، الذي بيده سبحانه وتعالى ملكوت السماوات والأرض، الذي بيده سبحانه وتعالى مقدّرات كل شيء.
إذا تعلّق قلبك بالإيجاد والإمداد وعرفت أنهما نعمة، وعرفت أنهما من عند الله، عرفت الحقيقة. وإلا فما زلت في غفلتك ولم تستيقظ بعد، وكما قلنا إن اليقظة أول الطريق.
نعمة الإيجاد والإمداد المستمر والفاقة الذاتية التي لا ترفعها العوارض
قال [ابن عطاء الله] رضي الله تعالى عنه ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين:
أنعم عليك أولًا بالإيجاد وثانيًا بتوالي الإمداد؛ لأن الإمداد مستمر.
فاقتك لك ذاتية، فاقتك لك ذاتية، وورود الأسباب مذكّرات لك بما خفي عليك منها. والفاقة الذاتية لا ترفعها العوارض.
فاقتك يعني فقرك ذاتي. أنت مخلوق تبقى فقير. فقير إلى ماذا؟ إلى الله.
العوارض من غنى وصحة وسلطة لا تغيّر حقيقة افتقار الإنسان لله
فحدثت عوارض: كنت فقيرًا فاغتنيت، حدث شيء. ألست ما زلت أيها الإنسان مفتقرًا إلى ربك؟ كنت مريضًا فشُفيت، حدث شيء. كنت في الخارج فأصبحت في الداخل، حدث شيء. كنت في الأسفل وأصبحت في الأعلى. كنت من عامة الناس وأصبحت من أصحاب السلطان.
هل حدث شيء؟ والله ما حدث شيء! هي كما هي يا إخواننا. فاقتك ذاتية، والفاقة الذاتية لا ترفعها العوارض.
ليس الغنى والسلطة والصحة والقوة والعلم وكذلك، هذه عوارض. ماذا فعلت؟ يعني هل جعلتك لست إنسانًا؟ رفعتك ليس مصافّ الملائكة أو حتى الجن. حتى الجن لم ترفعك إلى مصافّهم، ولا تعرف أن تختفي، ولا تعرف أن تتنقّل من هنا إلى هناك، لست من الجن.
فهل ستصبح من الشياطين؟ ما الذي حدث؟ لم يحدث شيء. إذن الفاقة الذاتية: أنت لديك فقر ذاتي، وهذا الفقر الذاتي هل يغيّره شيء؟ والله لا يغيّره شيء.
خير الأوقات وقت شهود الفاقة والافتقار إلى الله تعالى
قال [ابن عطاء الله] رضي الله تعالى عنه ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين:
خير أوقاتك وقت تشهد فيه وجود فاقتك.
خير أوقاتك الوقت الذي نحن فيه الآن، الذي نحن نتكلم فيه؛ لأن الكلام هذا يُنسى. الكلام هذا ينساه الإنسان، وما سُمّي الإنسان إلا لنسيه، ينسى. وما أول ناسٍ إلا أول الناس، أليس سيدنا آدم عاهد ربه فنسي؟ نعم، أول من نسي سيدنا آدم فنسيت ذريته.
خير أوقاتك وقت تشهد فيه وجود فاقتك. لماذا؟ عندما تشهد فاقتك، فما معنى ذلك؟ إنك تذكر ربنا. نعم، فأنت متى ستفهم إنك مفتقر؟ عندما تكون مفتقرًا لمن؟ لله.
شهود الافتقار يمنح العبد العزة والشرف في السجود لله
إذن يكون أحسن وقت الذي أنت تذكر فيه أنك مفتقر، يعني مفتقر لله، فتذكر ربك وترجع إلى إدراك ذلك، وتعرف أنك عبد ذليل لربنا.
وبذلك يمنحك ربنا العزة على المخلوقات. ولذلك وأنت تسجد أنت أشرف وأعزّ إنسان في الدنيا بالنسبة للكون كله. لماذا؟ لأنك قد تذلّلت لربك وفهمت افتقارك إليه وحاجتك إليه سبحانه وتعالى.
ختام الدرس بالدعاء الجامع وطلب المغفرة والرحمة والثبات
فاللهم يا ربنا اشرح صدورنا للإسلام ونوّر قلوبنا بالإيمان، واهدنا واهدِ بنا وأصلح حالنا.
اللهم يا رب العالمين اغفر ذنوبنا واستر عيوبنا ويسّر غيوبنا ووحّد قلوبنا.
﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [البقرة: 201]
وأدخلنا الجنة مع الأبرار. اللهم لا تردّنا خائبين، وهب مسيئنا إلى محسننا، واغفر لهذا الجمع أجمعين، واجعل جمعنا هذا جمعًا مرحومًا وتفرّقنا من بعده تفرّقًا معصومًا، ولا تجعل فينا شقيًّا ولا محرومًا.
اغفر وارحم وتجاوز عمّا تعلم، إنك أنت الأعزّ الأكرم. نعوذ بك من الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق. افتح علينا فتوح العارفين بك، أعنّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، رضّنا برضاك وارحمنا برحمتك، وافتح علينا من خزائن رحمتك ما تثبّت به إيماننا.
أحيِنا مسلمين وأمتنا مسلمين غير خزايا ولا مفتونين. احشرنا تحت لواء سيدنا محمد يوم القيامة، واسقنا من حوضه وبيديه شربة ماء لا نظمأ بعدها أبدًا، ثم أدخلنا الجنة من غير حساب ولا سابقة عذاب ولا عتاب، ومتّعنا بالنظر إلى وجهك الكريم.
اللهم يا رب العالمين اهدنا فيمن هديت وعافنا فيمن عافيت.
