الخلاف بين الفقهاء والصوفية | أ.د. علي جمعة - فتاوي

الخلاف بين الفقهاء والصوفية | أ.د. علي جمعة

10 دقائق
  • يركز الفقهاء على الأحكام الشرعية للأفعال البشرية من حيث كونها واجبة أو مباحة أو محرمة أو مندوبة أو مكروهة.
  • يهتم الصوفية بمرتبة الإحسان المستمدة من حديث جبريل، فيعملون على تخلية القلب من القبائح وتحليته بالفضائل عبر الذكر والفكر.
  • كان الخلاف في البداية ناتجاً عن عدم فهم الفقهاء لما يقصده الصوفية من أعمال القلوب، لكنهم اتفقوا بعد رؤية الأدلة.
  • بدأ هذا العلم مع سيدنا علي وأبي بكر ثم الحسن البصري والتابعين، وكان يُسمى زهداً في العصور الأولى.
  • من أعلام الزهاد الأئمة مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد، حيث كانت الدنيا في أيديهم وليست في قلوبهم.
  • تطور التصوف مع الإمام الغزالي الذي جمع بين الفقه والتصوف في القرن الخامس الهجري.
  • هناك ثلاثة أنواع للتصوف: سلفي (الزهد)، وسني (الغزالي)، وفلسفي (ابن عربي).
  • ساهم التصوف الفلسفي في انتشار الإسلام عالمياً من خلال مدخل الحب الذي ليس من عمل الفقهاء بل من عمل المحسنين.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

سؤال حول الخلاف بين الفقهاء والصوفية ودور كل منهما

أكتب بحثًا حول الخلاف بين الفقهاء والصوفية، فهل يمكن إطلالة من فضيلتكم حول هذه المسألة؟

الفقهاء يتكلمون عن الحكم الشرعي للفعل البشري: السرقة حرام، والصلاة واجبة، والبيع مباح، والزواج سنة مستحبة لقادرٍ عليه. فإذا تأملنا في السرقة والصلاة والزواج والطلاق والقضاء، وجدناها أفعالًا بشرية؛ بعضها حرام، وبعضها واجب، وبعضها مباح، وبعضها مندوب، وبعضها مكروه.

عندما تقول: أكل البصل النيئ مكروه، فأكل البصل هذا فعلٌ من أفعال البشر، فالحكم صفةٌ لذلك الفعل. الفقهاء هم الذين يُنشئون هذه الأحكام الشرعية المرعية.

أهل التصوف ومرتبة الإحسان وتنقية القلوب بالذكر والفكر

أهل التصوف عندما جاؤوا أخذوا من حديث جبريل الذي تكلم عن مرتبة الإحسان، وكما قال سيدنا [رسول الله ﷺ]:

«أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فهو يراك»

أقاموا لذلك نظامًا لتخلية القلب من كل قبيح، وتحلية القلب بكل صحيح، عن طريق ما أمر الله به ورسوله من الذكر والفكر، ومن السير في درجاتٍ إلى الله سبحانه وتعالى يترقى فيها العبد معه كل يوم، وإلى تطبيق الكتاب والسنة من هذا الجانب.

فهم يتكلمون عن أعمال القلوب وعمّا تُحدثه العبادة من آثار، تكلموا بالتوسع عنها.

موقف الفقهاء من الصوفية أول الأمر ثم اتفاقهم بعد رؤية الأدلة

الفقهاء عندما جاء أولئك [الصوفية] يدعون إلى تنقية القلوب، هم [أي الفقهاء] ليس لهم عملٌ في تنقية القلوب، فظنوهم يتكلمون على موهوم. فلما رأوا أدلتهم، اتفق الفقهاء مع الصوفية.

أول من تكلم عن هذا المعنى وهذه الدائرة من حياة الإنسان والاهتمام بها كان سيدنا علي [بن أبي طالب رضي الله عنه]، ثم سيدنا أبو بكر [الصديق رضي الله عنه]. عليٌّ علّم هذا للحسن البصري؛ علّمه كيف يُنقي قلبه من القبيح، وكيف يُحلّي قلبه بالصحيح، وعلّمه الآداب مع الناس ومع النفس ومع الله.

تلقي الحسن البصري والتابعين لعلم التصوف وتعجب الفقهاء ثم قبولهم

وتلقى الحسن البصري هذا [العلم] عنه [عن سيدنا علي]، وغير واحدٍ من التابعين تلقى هذا عن [سيدنا] أبي بكر. وجاءت الأسانيد وإلى يومنا هذا لتلك الطائفة المباركة التي تهتم بدرجة الإحسان وتصل بالمسلم عن طريق الكتاب والسنة إليه.

ولكن الفقهاء تعجبوا من ذلك أول الأمر، ثم بعد ذلك ركبوا ذلك الطريق، إلا أنه كان في العصور الأولى يُسمى زهدًا. وكان الإمام مالك زاهدًا في الدنيا؛ كانت الدنيا في يده ولم تدخل قلبه.

حقيقة الزهد والفرق بين الزاهد والصابر على الحرمان

والزاهد لا يُسمى زاهدًا إلا إذا امتلك الدنيا بيده، أما ذلك الذي هو محرومٌ من الدنيا وصابرٌ على بلاء الحرمان فليس بزاهد؛ إنما هو صابر.

والإمام أبو حنيفة كان من الزهاد؛ كانت حُلّته تُقدّر الآن، الحلة الواحدة بمائة وأربعين ألف جنيه. هل توجد أي ماركة أو علامة تجارية للبدلة بمائة وأربعين ألف جنيه؟ لن تجد، هي غاية المراد من رب العباد، ستة أو سبعة آلاف دولار لا تصل لهذا الرقم. مائة وأربعين ألف جنيه الحلة الواحدة التي يُغيّرها كل يوم. هذا هو الزاهد؛ لأن الدنيا في يده وليست في قلبه.

السفيانان والشافعي وأحمد بن حنبل وعلاقتهم بالتصوف والزهد

أما بعد ذلك، وجاء السفيانان والحمّادان والشافعي، كلهم كانوا من أهل هذا المعنى [معنى الزهد والتصوف]. ويُنسب للشافعي كثيرٌ من هذا الكلام:

شكوتُ إلى وكيعٍ سوءَ حفظي، فأرشدني إلى ترك المعاصي، وأنبأني بأن العلم نورٌ، ونورُ الله لا يُهدى لعاصي.

وكان [الشافعي] من أهل القرآن، فكان يقرأ القرآن كثيرًا ويختمه كثيرًا، وكان القرآن أمام الشافعي كالسطر الواحد يأخذ منه ما يشاء.

الإمام أحمد [بن حنبل] ذهب إلى الحارث المحاسبي يستمع إليه، فأُغمي عليه وهو يستمع إليه من فوق السطح، وقال: هذا كلامٌ خطير.

الإمام الغزالي وبداية اندماج الفقهاء في طريق التصوف علنًا

إلا أنه بعد ذلك وعلى عهد الإمام الغزالي أصبح الفقهاء من الصوفية. فالغزالي أحد أركان المذهب [الشافعي]، الغزالي والجويني ركنا المذهب في القرن الخامس الهجري. الغزالي توفي سنة خمسمائة وخمسة، كان من أهل التصوف وكتب فيه إحياء علوم الدين ومكاشفة القلوب وغيرها من هذا المعنى.

وبدأ الفقهاء الكبار يركبون طريق التصوف علنًا، بعدما فهموا المصطلح الذي كان ملتبسًا عليه بين هذه الطائفة [الفقهاء] وتلك الطائفة [الصوفية]، أو بين هذين العِلمَين.

أبو الحسن الشاذلي وتلاميذه من كبار الفقهاء والعلماء

فظهر عبد الكريم القشيري، إلى أن جاء أبو الحسن الشاذلي. وكان من تلاميذه سلطان العلماء العز بن عبد السلام، وكان من أتباعه المرسي أبو العباس، ومن أتباع المرسي ابن عطاء الله السكندري وكان فقيهًا في الإسكندرية.

وهكذا فالتأم الحال حتى أصبح شيخ الإسلام إبراهيم الباجوري شيخ الجامع الأزهر، خاتمة المحققين، على طريقة النقشبندية. وهكذا اتفق الطرفان من لدن القرن الثاني الهجري وإلى يومنا هذا، لمّا زال ما بينهما من مصطلح وفهم كل واحدٍ منهم مراد الآخر.

أنواع التصوف الثلاثة: السلفي والسني والفلسفي

إذن فهناك تصوف سلفي يمثله [الإمام] مالك ومن معه، وهو كان يُطلق عليه الزهد. وهناك تصوف سني يمثله [الإمام] الغزالي ومن معه، وهو الذي يسير إلى يومنا هذا.

إلا أنه في الطريق ظهر تصوفٌ آخر وهو التصوف الفلسفي، والذي يمثله محيي الدين بن العربي رضي الله تعالى عنه وأرضاه، حتى قال عنه العلماء: الشيخ الأكبر والكبريت الأحمر. وألّف الفتوحات المكية ومال إلى معنى الحب.

دور محيي الدين بن العربي وجلال الدين الرومي في نشر الإسلام بمدخل الحب

وبعده [بعد محيي الدين بن العربي] جلال الدين الرومي، والشمس التبريزي قبل جلال الدين وأستاذه. فانتشر مذهب الحب الذي هو أحد أركان الإحسان عندنا، انتشر في العالم ودخل الناس في دين الله أفواجًا.

aستطاع محيي الدين أن يدرس عقلية الآخر وأن يخاطبه بخطابٍ يصل إلى قلبه، فأظهر له الحال وكشف له الستر وبيّن له الأسرار، فتدفقت الأنوار.

محيي الدين بن العربي كان له دورٌ كبيرٌ في انتشار الإسلام في العالم شرقًا وغربًا، وذلك من مدخل الحب. والحب ليس من عمل الفقهاء، بل هو من عمل المحسنين.