الخوف والرجاء | المبشرات | حـ 14 | أ.د علي جمعة

الخوف والرجاء | المبشرات | حـ 14 | أ.د علي جمعة - المبشرات, تصوف
المذيع (الأستاذ محمد مصطفى كامل): بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته. حلقة جديدة من حلقات برنامج المبشرات مع فضيلة الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. أهلاً ومرحباً بك، الشيخ: أهلاً وسهلاً بكم، مرحباً. المذيع: كنا في نهاية الحلقة الماضية مولانا تحدثنا فيها عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعن التمكين في الأرض، وكنا سألنا فضيلتك عن الخشية والرجاء أو الخوف والرجاء كصفة من صفات جيل النصر، وكنا قلنا إننا سنستكمل في حلقة اليوم. الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول وآله وصحبه ومن والاه. هناك صفتان متلازمتان ينبغي للمؤمن أن يتصف بهما وأن يعرض نفسه في قابليته التي خلقها الله له. الإنسان خلقه
الله وهو قابل للخوف وقابل للرجاء، قابل للخشية وقابل للطمع في فضل الله سبحانه وتعالى ورحمته، قابل للترغيب وقابل للترهيب، في قابلية، هذه القابلية ينبغي على المؤمن أن يستعملها وأن يستغلها حتى يعرض نفسه للمبشرات، "إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أقدامكم"﴿محمد: ٧﴾ فلا بد علينا أن نستجلب وأن نطلب وأن نسعى لأخذ نصر الله، وأن نكون من المنصورين إن شاء الله المذيع: إن شاء الله. الشيخ: فكيف هذا؟ هذا أيضاً وهو من المبشرات وهو من وعود الله التي لا تتخلف يأتي عندما يتحقق
الإنسان بالخشية والرجاء. ينبغي على الإنسان أولاً أن يوازن بينهما، وألا تغلبه حالة الخشية بحيث لا يرى رجاءً في رحمة الله، لأن هذا يأس من روح الله، ولا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون. فسيطرة الخشية على الإنسان قد تُدخله في نوع من أنواع التطرف أو المغالاة والمزايدة، وهذا يدفع الإنسان إلى الخروج عن المثال النبوي عندما تغلبه الخشية، والخروج عن المثال النبوي منهي عنه. إنه مثل المنحنى
الذي يسمونه منحنى الجرس، يرتفع هكذا إلى نقطة معينة ثم ينزل مرة أخرى. هذه النقطة العليا هي سيدنا رَسُولِ الله عليه الصلاة "لَّقَدْ كان لَكُمْ فِي رسول اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا"(لأحزاب: ٢١) لو زدنا عليه نكون قد نقصنا. المذيع: لو زدنا عليه صلى الله عليه وسلم نكون قد نقصنا. الشيخ:نعم، هذا يعني أنا أزيد هكذا وهكذا حتى أصبح مثال النبي عليه الصلاة والسلام، زدت أبدأ أنزل وسأكون في حالة نزول حتى أنزل أسفل سافلين كلما زاد هلك المتنطعون عليه الصلاة والسلام نهانا عن التنطع عن التشدد "إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق" "ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه" ومع هذا يقول "إن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى" وفي حديث آخر
"ألا أني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، ومن رغب عن سنتي فليس مني" (المذيع: عليه الصلاة والسلام) يقولها لعثمان بن مظعون وإخوانه عندما يعلم أنهم - أحدهم قال: "أصوم ولا أفطر"، وآخر قال: "أقوم ولا أنام"، وآخر قال: "لا أتزوج ولا أقرب النساء". ما هذا؟ هذه زيادات لماذا يفعلونها؟ عبادة نعم، تقرب. لأنهم سألوا عن حال رسول الله فتقالوه هو فقط هكذا؟ نعم. هذا الاستقلال، إن هذا الإستقلال هو عملية فيها شيء من الفتوة والاعتزاز بالقوة الآن. ولذلك سيدنا عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما عندما قال لرسول الله: "أنا أصوم الدهر، قال له: لا،
ما صام من صام الدهر" وفضل معه، فلتجعلها يوماً في الشهر، أو إجعلها يومين، أو ثلاثة، حتى وصل إلى صوم يوم وإفطار يوم، (المذيع: صيام النبي داود عليه السلام) وهذا صيام نبي الله داود، وليس هناك أفضل من ذلك، ولعل الله أنظر إلى الكلام، ولعل الله أن يطيل في عمرك صحيح، فلا تكن مثل فلان يقوم الليل ثم تركه، فأطال الله في عمر عبد الله بن عمرو بن العاص، وكان في يوم القيظ والحر الشديد، أيضا ما زال صائماً، وهو يبكي ويقول: "يا ليتني سمعت نصيحة رسول الله صلى الله عليه وسلم". نعم، أنت اليوم قال، لكن الله يحب منك دائماً الزيادة والاستمرار؛ "أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل" لكن أن تقطع في الطريق
بهذا الشكل وترجع مرة ثانية، انظر إلى سيدنا عبد الله حين تربى في مدرسة النبوة، لم يترك، لكن كان عنده (المذيع: يا ليتني أخذت بالأمر الأيسر، ياليتني كنت أخذت به، لأنه كان يعاني من مشقة بليغة وبالغة أتعبته، فقد كبر في السن والجو حار وهو طبعًا غير قادر على ترك ما بدأه لأنه تربية النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا المعنى وهو الأسوة الحسنة في رسول الله تجعلنا نوازن بين الخشية وبين الرجاء، بين الترغيب وبين الترهيب، بين الخوف وما بين الطمع في رحمة الله سبحانه وتعالى. لا بد من التوازن.
فما حقيقة الخشية إذن؟ الخشية حقيقتها أنني خائف من ربنا، نعم، فيها رهبة، وهذه الرهبة تحدث بطرق مختلفة مع الناس. فمنهم من يخشى عذاب اللَّهُ على حد قوله: "ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ الله بِهِ عِبَادَهُ ۚ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ" ﴿الزمر: ١٦﴾‏ فمنهم من يخشى عذاب الله في الدنيا، يعني تجده خائفاً أن تضيق عليه الأرزاق، تجده خائف أنه تنزل به الأمراض فتجده خائفاً أن تحل به الكوارث، وتجده خائفاً أن يصاب بمصائب كمصيبة الموت في عزيز لديه، "فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ"،‎ ﴿المائدة: ١٠٦﴾ خائفاً من عذاب
الدنيا، نعم. وفريق آخر تجده خائفاً من عذاب الآخرة، وفريق آخر تراه يستحي من الله، يستحي من الله يعني. لا خوفًا من عذابه ولا طمعًا في جنته وإنما حبًا في ذاته واستحياءً منه، مكسوف يا أخي مكسوف أن يجاهر الله بمعصية، وهذا يكون قد دخل في دور الإحسان الذي أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح في حديث جبريل وهو قد أتى ليعلم الأمة أمر دينهم "وما الإحسان قال: أن تعبد الله كأنك تراه"، فالإنسان لو تخيل هكذا أن الله معه في كل ساعة وأنه يراقبه وأنه هو مقصوده وما إلى ذلك، استحيا
منه، يعني يخجل أن يفعل شيئاً (أي يخجل أن يعصي الله)، لأن الإنسان يخجل أن يفعل شيئاً أمام الناس، نعم فتراه يفعلها في الخفاء، حسناً أنت أمام الناس فقط، أنت هكذا نسيت أنك معك الله المطلع عليك؛ عقيدة أن الله مطلع علينا وأنه ينظر إلينا ويعلم ما في سرنا وما في خفايانا، ويعلم السر وأخفى، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ويعلم ذات الصدور. كل هذه الأمور هي عقيدة أساسية لأن فيها أنني أخاف من الله سبحانه وتعالى وأستحي منه خوف إستحياء، وأدعو الله سبحانه وتعالى حينئذٍ أن يقيمني حيث ما يرضى وألا يكتب عليّ أن يقيمني حيث ما يغضب. فهنا
معنى الخشية: الإنسان لو كان كذلك كان قلبه معلقاً بالله، فيكون إذاً هناك خشية، أي مثل خشية العوام، وهي الخشية من حلول النقص في الدنيا، وهناك خشية - يعني كأنها خشية الخواص - وهي الخوف من الحساب والعقاب الأخروي، وهناك خشية خواص الخواص وهي عملية الحياء من الله سبحانه وتعالى والخشية منه لذاته سبحانه وتعالى. فهذه كلها معانٍ طيبة تدعو الناس إلى رقة القلوب، تدعو الناس إلى الذكر القلبي، أن الإنسان لا ينسى الله سبحانه وتعالى ولا يجعله في هامش فكره وتأمله وذكره، بل يجعله "فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ"،﴿البقرة: ١٥٢﴾‏
ويجعله "وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ"،﴿الأحزاب: ٣٥﴾‏ "وَاذْكُرُوا الله كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ"﴿الجمعة: ١٠﴾‏ إذاً من صفات المؤمن الخشية، وهذه الخشية ينبغي ألا تنفصل عن الرغبة وعن الرجاء والطمع في فضل الله سبحانه وتعالى. فإن الله سبحانه وتعالى له صفات جمال وله صفات جلال وله صفات كمال. حسناً، المذيع: لنتعرف يا مولانا على الفارق بين هذه الصفات بعد الفاصل الشيخ: إن شاء الله، المذيع: فاصل ونعود إليكم فابقوا معنا. بسم الله الرحمن الرحيم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. عدنا إليكم من الفاصل، الجزء الثاني من حلقة اليوم من حلقات برنامج المبشرات مع فضيلة الإمام الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. تفضل يا مولانا، كنا توقفنا عند الخشية، وأن هناك خشية العوام
وخشية الخواص وخشية خواص الخواص، وبدأنا نتكلم عن الطمع في كرم الله سبحانه وتعالى. الشيخ: لا بد أن ترتبط هذه الخشية دائماً بمستوياتها بأي مستوى كان، لا بد أن ترتبط ارتباطاً وثيقاً كوجهين لعملة واحدة مع الرجاء، فإن الترغيب والترهيب بهما يتم تقويم الإنسان وليس بأحدهما. ربنا سبحانه وتعالى كما أن له عذاب فإن له ثواب، وثوابه وصفه بتفصيل عجيب غريب وهو يصف الجنة، كما أن عذابه الذي خوّف به عباده من أجل تقواه ومن أجل أن ينتزعوا أنفسهم من الشر ينتزعون أنفسهم من المعصية، ومن القاذورات
ينتزعون أنفسهم من الكسل والعجز إلى الطاعة ونورها، فإنه أيضًا عرض العذاب بطريقة قوية وواضحة، فجعل من العذاب ما هو العذاب المهين، والعذاب الشديد، والعذاب الأليم، وجعل من العذاب ما هو دائم، وجعل من العذاب ما هو خالد، وجعل من العذاب ما هو على أنواع ودركات، فجهنم سبعة لها سبعة أبواب، ولكن في المقابل فإنه وصف الجنة وبشّر بها وصفًا رفضه بعض المغفلين)، (المذيع:رفضه بعض المغفلين. بعض المغفلين ما هذا؟ ما هذه الجنة التي تتحدثون عنها؟ إنها شيء جديد يعني. نعم، فهي ما لا عين رأت ولا
أذن سمعت ولا خَطَرَ على قلبِ بشر. نعم، هذا فضلُ الله يا أخي. بعضُ الناسِ استعظمَ وصفَ النارِ، والله هذا ربما له سبب. هو في الحقيقة ليس له، لكن ربما يكون له عذرٌا أنه خائفٌ، المذيع: فيحاولُ أن ينكر، نعم، فيحاول أن ينكر، لكن لماذا تنكر خير ربنا؟ وعندما تتأمل في صفات الجنة فإنها شيء عجيب الشكل كما ورد في الكتاب والسنة؛ يُذكر أن أقل شخص له عشرة أمثال ملك الأرض. وكم يبلغ ملك الأرض هذا؟ يعني الكرة الأرضية بأكملها، للكرة الأرضية مساحة، وهذه المساحة تضرب في عشرة، وهذا لأقل شخص في
الجنة، أدنى واحد. فما بال المتوسط، ماذا سيكون له، والأكبر ماذا سيكون له، وما هي القصة إذن. حسنًا، هذه الجنة ترابها من المسك، عجينة من المسك هكذا، إذن كيف تكون رائحة هوائها؟ المذيع: كيف تكون رائحته حقًا؟ الشيخ: إنها فوّاحة يعني. المذيع: نعم، ما شاء الله. الشيخ: سمعت من أحد الملحدين مرة، وما أكثرهم في عصرنا وهو يستمع إلى "لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا" ﴿الانسان: ١٣﴾‏ فقال: أي جنة هذه؟ إذا لم يكن فيها شمس تكون مظلمة، وإذا لم يكن فيها زمهرير المذيع: تكون حارة،
تكون رطبة. لا توجد شمس ولا يوجد زمهرير، فهو فهم الزمهرير كأنه ريح، في حين إن المفسرين يقولون إن الزمهرير اسم من أسماء القمر، فيكون معنى "لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا" ﴿الانسان: ١٣﴾‏ أي لا شمس ولا قمر، وهذا يعني أنه لا يوجد ليل ونهار، وهذا يعني أن الزمن غير معدود، ولذلك نحن باقون لا نتغير، أي أنني في الثالثة والثلاثين من عمري وسأظل هكذا هذا هو معنى الخلود أن لا يوجد زمن، فالزمن قد انتهى تماماً، والموت قد ذُبِح بين الجنة والنار. وصاحبنا المسكين الملحد قال: "لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا" ﴿الانسان: ١٣﴾‏، فكأنها ستكون مظلمة، فقلت له: "لكنك لم تنتبه"،
فقال: "كيف؟"، فقلت له: "وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا" ﴿الزمر: ٦٩﴾‏، يا أخي، هذا أصله نور السماوات والأرض، "مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ" ﴿النور: ٣٥﴾، أنت في الحقيقة لم تنتبه، "أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ" ﴿البقرة: ٨٥﴾‏ تقرأ جزءاً وتترك جزءاً. لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً، فيكون فيها خلود، ولا يكون فيها تغير، ويكون فيها وقاية من أن يأسن الماء مثلاً، أي يتغير رائحته أو لونه أو طعمه أو ما شابه ذلك إلى آخره فتبقى الأشياء كما هي خالدة، لا يوجد شيء اسمه الموز يتعفن وتصيبه البكتيريا، لا يوجد شيء هكذا ، هذا الموز سيظل بمظهره وحلاوته وأنه أُوتي لنا متشابهاً، فعندما نأتي لنتذوقه نجده ليس موزاً، نجد المذيع: شيئاً يشبه الموز هذا لكن طعمه أجمل بكثير الشيخ: نعم، "وَأُتُوا بِهِ متشابها،﴿البقرة: ٢٥﴾‏
فأنت لم تنتبه إلى أن الأرض أشرقت بنور ربها، وأن هذه الأرض هي أرض الجنة. هذه الجنة حين تستمر في وصفها تجد أنه ليس فيها جاذبية، وتجد أنك عندما تتخيل شيئاً يحدث أمامك ، وتجد أن الاتصال بينك وبين أي شيء يتم مباشرة، أي بالكلام الحديث "وايرليس" من غير سلك ومن غير شيء، الله يرينا في الدنيا موضوع التلفزيونات وموضوع الهاتف المحمول وموضوع الفضاء وعلومه ومعلوماته وما إلى ذلك، المذيع: تقريباً للمعنى. الشيخ: تقريب لبعض المعنى؛ يعني كل فترة يعطينا شيئاً، طبعاً من ملايين الأشياء التي سنراها في الجنة، وهذا كله موصوف في القرآن بصفات واضحة وبينة
ومتكررة بحيث إنك أنت عندما ترسم صورة من القرآن ومن السنة للجنة فتجدها شيئاً بديعاً وشيئاً جميلاً جداً وشيئاً مبالغاً فيه جداً كل هذا لماذا؟ كل هذا لأجل أن ترجو رحمة الله. كل هذا لأجل أن يتعلق قلبك بالعطاء وبالرجاء إذا وازنت بين الخشية فامتنعت من المعصية ولكن في نفس الوقت لم تصل إلى حد الإحباط وإلى حد الكآبة والاكتئاب وإلى حد أن تسيطر عليك الخشية فتجعلك كئيباً مكتئباً، فلا بد عليك أيضاً من الرجاء في وجه الله حتى تصل إلى هذا التوازن. لكن بعض الناس ينسى الخشية ويأخذ جانب الرجاء
فقط. المذيع: ربك رب قلوب يا أخي، ليس لك شأن بي، فأنا سأدخل الجنة حتى لو لم أصلِّ، كما نرى بعض الناس يفعلون. الشيخ: وهنا قد استُغل الرجاء في غير ما هو له؛ الرجاء موجود ليوازن الخشية، والخشية موجودة لتوازن الرجاء، وذلك حتى تسير وأنت محب لله سبحانه وتعالى، تفعل هذا من قلبك لا خوفاً من ناره ولا طمعاً في جنته وإنما حباً في ذاته المذيع:جل جلاله. الشيخ: فإنك بهذا وإن كان الخوف من النار والطمع في الجنة من الأمور الشرعية، إلا أن عدم الالتفات إليها أو الترقي من هذا إلى مرحلة أكبر أيضاً من الأمور الشرعية، فالخوف من النار وحب الجنة ليس سيئاً، هذا شيء جميل
، لكن هناك التفات وتعلق، وهناك إيمان وتصديق ورغبة. فنحن نريد أن يكون من الإيمان والتصديق والرغبة، وليس من التعلق والالتفات، بحيث لا تكون حتى الجنة والنار حجاباً لنا عن الله سبحانه وتعالى. نحن نحب الله سبحانه وتعالى لأنه يستحق هذا الحب، نحن نخشى الله سبحانه وتعالى لأنه سبحانه وتعالى يستحق هذه الخشية منا ويستحق أكثر من هذه الخشية منا. ولذلك لو عرفنا الحقائق ربما كنا نسجد فلا نقوم، ولذلك قال أهل الله إنه إذا سجد القلب فإنه لا يرفع أبدًا، إذا سجد القلب (المذيع:يظل ساجدًا. الشيخ: يظل ساجدًا أبدا على الدوام. وهنا ملحظ أبي سفيان يقول
له: أصحابه أيزيدون أم ينقصون؟ فقال: بل يزيدون. قال: هكذا الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب، الذي هو سجود القلب لله سبحانه وتعالى؛ إذا سجد القلب لله لا يمكن أن يقوم مرة أخرى، فيبقى ساجداً هكذا هو والإيمان قد دخل، وإذا دخل الإيمان قلب أحدهم فهنيئاً له فإنه لن يخرج أبداً إلى يوم القيامة، وحينئذٍ يكمل إيمانه بالخشية والرجاء معاً، وهو الذي نرجو الله سبحانه وتعالى أن يحشرنا مع أولئك الذين قد منّ الله عليهم بالخشية والرجاء، المذيع: آمين يا رب. ربنا يفتح عليك يا مولانا، ووقت الحلقة انتهى، سننتقل يا مولانا إن شاء الله في الحلقة القادمة من "الخشية والرجاء" إلى تقوى الله سبحانه وتعالى، فإلى ذلك الحين نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فتح الله عليك.