الرؤوف | من أسماء الله تعالى الحسنى | أ.د علي جمعة - اسماء الله الحسنى, تصوف

الرؤوف | من أسماء الله تعالى الحسنى | أ.د علي جمعة

7 دقائق
  • اسم الرؤوف من أسماء الله الحسنى التي ذكرها أبو هريرة في حديث "إن لله تسعة وتسعين اسماً، مائة إلا واحداً، من أحصاها دخل الجنة".
  • الرأفة في الإنسان هي الشفقة، لكن رأفة الله منزهة عن مماثلة البشر، فهي ليست شعوراً قلبياً كما نعرفه.
  • صفات الله لا تشبه صفات البشر، فالرب رب والعبد عبد، والله غيب الغيوب لا تدركه الأبصار.
  • الله الرحمن الرحيم، رحمن الدنيا يرحم المؤمن وغير المؤمن، ورحيم الآخرة يرحم فيها المؤمنين ويعاقب غير المؤمنين.
  • الرأفة تتجاوز الرحمة، فهي تُعطى لمن لا يستحق الرحمة بالعدل، فهي من فضل الله وكرمه.
  • كما نقول في حياتنا عن الطالب المقصر الذي ننجحه أنه تمتع بدرجات الرأفة.
  • الله رؤوف بمن لا يستحق الرحمة بسبب ضعفهم واضطرابهم، ورحيم بمن يستحقها.
محتويات الفيديو(8 أقسام)

مقدمة الحلقة والتعريف باسم الله الرؤوف من الأسماء الحسنى

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

أيها الإخوة المشاهدون في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. مع اسم من أسماء الله الحسنى التي ذكرها أبو هريرة رضي الله تعالى عنه في حديثه المشهور:

قال رسول الله ﷺ: «إن لله تسعة وتسعين اسمًا، مائة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة»

هكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعدّ منها أبو هريرة اسم الرؤوف.

﴿وَلِلَّهِ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: 180]

فنحن نلجأ إلى الله سبحانه وتعالى لأنه رؤوف.

حقيقة الرأفة وتنزيه الله سبحانه وتعالى عن مماثلة البشر في صفاته

والرأفة في حقيقتها التي هي في الإنسانية شفقة؛ قال تعالى في شأن أولئك العصاة الذين ينشرون الفاحشة ويتباهون بها:

﴿وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِى دِينِ ٱللَّهِ﴾ [النور: 2]

أي شفقة في دين الله. والله سبحانه وتعالى منزّه عن مماثلة البشر؛ فرأفته ليست هي هذا الشعور القلبي الذي نجده في أنفسنا من شفقة وعطف وحنوّ.

بل إنه رؤوف وحنّان ورحمن، لكن بطريقة لا تشبه ما عليه البشر؛ لأن الرب ربٌّ والعبد عبدٌ. وهذا مقرر في لغة العرب أن ما كان موصوفًا به الله فهو ليس كما هو موصوف في حالة البشر؛ لأن الله سبحانه وتعالى هو غيب الغيب لا تدركه الأبصار.

إدراك الإنسان لمعاني الرحمة والرأفة في نفسه وتعالي صفات الله عنها

وهذه الحياة الدنيا نراها ونشعر بها ونخالطها ونتصل بها اتصال المماسّة، نلمسها ونعرف ما في قلوبنا من معنى الرحمة ومن معنى الرأفة، ومعنى الشفقة ومعنى العطف ومعنى الحب والودّ. نعرف كل هذا في أنفسنا وندركه إدراكًا تامًّا، كما نتذوق الطعام ونشعر بالشراب، وكما يُحدث لنا الماء الريّ في أنفسنا، أو يُحدث لنا الطعام الشبع في أنفسنا محسوسًا.

ولكن صفات الله سبحانه وتعالى شيء آخر؛ فهو سبحانه وتعالى متعالٍ، وهو سبحانه وتعالى عنده رأفة.

الفرق بين رحمة الله في الدنيا ورحمته في الآخرة وجزاء المؤمنين والكافرين

الله الرحمن الرحيم؛ رحمن الدنيا يرحم فيها المؤمن وغير المؤمن، المسلم وغير المسلم. ورحيم الآخرة يرحم فيها سبحانه وتعالى في الآخرة المؤمنين، ويعاقب غير المؤمنين بما قدّموا من إفساد في الأرض وطغيان وبغي في هذه الحياة الدنيا.

ومن تكبّر على المؤمنين كلما شاهدوهم وصفوهم بالإجرام وبالمخالفة وبالفساد في الدنيا:

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا ٱنقَلَبُوٓا إِلَىٰٓ أَهْلِهِمُ ٱنقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوٓا إِنَّ هَـٰٓؤُلَآءِ لَضَآلُّونَ * وَمَآ أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَـٰفِظِينَ﴾ [المطففين: 29-33]

رحمة الله في الآخرة للمؤمن الصابر الذي عمّر الأرض وزكّى نفسه

فالله سبحانه وتعالى رحمن الدنيا ورحيم الآخرة؛ يرحم في الآخرة المؤمن الذي صبر، والذي حمل الرسالة، والذي عمّر الأرض، والذي عبد الله، والذي زكّى نفسه، والذي فعل الخير؛ فقد أفلح في الآخرة.

معنى اسم الرؤوف وأن الرأفة تتجاوز الرحمة لمن لا يستحقها بالعدل

ولكن الرؤوف هنا فيه تجاوز فوق الرحمة؛ فالله سبحانه وتعالى بالرغم من أن هذا الإنسان بالعدل لا يستحق الرحمة، فيدخل في نطاق الرأفة.

ولذلك فـالرأفة تُعطى لمن لم يكن مستحقًّا للرحمة؛ لأنه لم تتوافر فيه صفات من أن نرحمه، إنما من فضل الله وكرم الله أن جعل دائرة أخرى للرأفة.

مثال عملي على الفرق بين درجات الرأفة ودرجات الرحمة في حياتنا

ولذلك نستعمل في حياتنا العادية [مثالًا على ذلك]: ذلك التلميذ الراسب الذي نريد أن ننجّحه، فيقول [المعلم]: تمتّع بدرجات الرأفة، ولم نسمّها بدرجات الرحمة.

لأن الرحمة إنما تكون لذلك الذي امتنع أو مُنع من الامتحان مثلًا لأنه قد أُصيب في حادث؛ فالرحمة تقتضي علينا أن نذهب إليه وأن نمتحنه في مكانه، أو أن نؤجّل امتحانه، أو أن نتعامل معه بشيء من الرحمة.

لكن هذا [التلميذ الراسب] دخل وقصّر في الإجابة فاستحق درجات لا تنجّحه، فإذا بنا نعطيه درجات الرأفة. فـالرأفة لمن لا يستحق الرحمة.

رأفة الله بالعباد الضعفاء الذين لا يستحقون الرحمة بالعدل وختام الحلقة

فالله سبحانه وتعالى لم يغلق الباب؛ فقد يكون هؤلاء الناس طائفة من الناس قد لا تستحق الرحمة لأنهم اعتدوا عن نية وقصد وما إلى ذلك، ولكن حالهم هذا يستحق الرأفة؛ لأنهم مع هذا كانوا من الضعف والوهن، وكانوا من الاضطراب وعدم جمع الهمّة في حالة مزرية استحقّت الرأفة والشفقة.

ولذلك فالله سبحانه وتعالى رؤوف رحيم؛ رؤوف بمن لا يستحق [الرحمة بالعدل]، ورحيم بمن يستحق.

إلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.