الرحمن الرحيم  | من أسماء الله تعالى الحسنى | أ.د علي جمعة - اسماء الله الحسنى, تصوف

الرحمن الرحيم | من أسماء الله تعالى الحسنى | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • لله الأسماء الحسنى والصفات العلى، وأمرنا أن ندعوه بها، والدعاء يستوجب التخلق بجمالها والتعلق بجلالها.
  • من أراد مغفرة الله ورحمته، فعليه أن يرحم ويعفو ويغفر، كما ورد في الحديث: "الراحمون يرحمهم الرحمن".
  • اسما الرحمن والرحيم مشتقان من الرحمة، وهما صيغتا مبالغة تدلان على كمال رحمته سبحانه، فقد سبقت رحمته غضبه.
  • الرحمن هو رحمن الدنيا يرحم الخلق جميعاً، والرحيم هو رحيم الآخرة.
  • ربط الله الحياة الدنيا بالآخرة للتحكم في سلوك البشر وحثهم على الإصلاح.
  • الرحمة أساس المحبة والكرم والعطاء، فمن أحب شخصاً أعطاه من قلبه ووقته وخبرته وحنانه.
  • تكرار صفتي الرحمن الرحيم في البسملة يشير إلى أن الإنسان بين صفتين من صفات الجمال الإلهي.
  • لو عرف الإنسان قيمة هذه الرحمة لرحم إخوانه ولم يغش في عمله ولعظّم بنيان الرب.
محتويات الفيديو(8 أقسام)

افتتاح الدرس بالحمد والصلاة والدعاء بأسماء الله الحسنى

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

﴿وَلِلَّهِ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: 180]

فالله سبحانه وتعالى له الأسماء الحسنى وله الصفات العلى، وأمرنا أن ندعوه سبحانه وتعالى بها. والدعاء يستوجب التخلق بجمالها والتعلق بجلالها.

وجوب التخلق بالرحمة والعفو والمغفرة طلبًا لرحمة الله تعالى

ألا يريد أحدنا أن يغفر الله له؟ كلنا يريد أن يغفر الله لنا، بل يريد أحدنا أن يرحمه الله، كلنا يريد ذلك. ولذلك فلا بد أن نرحم وأن نعفو وأن نغفر.

﴿فَٱعْفُوا وَٱصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِٓ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 109]

وفي حديث الأولية يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»

معنى اسمي الله الرحمن والرحيم واشتقاقهما من الرحمة

ومن أسمائه وصفاته سبحانه وتعالى الرحمن الرحيم. والرحمن الرحيم مشتق من الرحمة؛ رحمن ورحيم يسميها أهل النحو بصيغ المبالغة؛ لأنها تبالغ في الصفة من اسم الفاعل.

واسم الفاعل [من الرحمة] هو "راحم"، لا، هو ليس راحمًا فقط؛ لأن اسم الفاعل يتحقق ولو بشيء من الرحمة.

ولكن:

﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: 54]

ربنا سبحانه وتعالى قد سبقت رحمته غضبه؛ فيغضب ممن يفسد ولا يحب المفسدين والظالمين والكاذبين، لكنه أيضًا غلّف هذا [الغضب] برحمة عجيبة غريبة نراها في الدنيا وستكون في الآخرة.

الرحمن رحمن الدنيا والرحيم رحيم الآخرة في سورة الفاتحة

أول كلمة نواجهها في القرآن الكريم وأول آية من سورة الفاتحة التي هي أول سورة في القرآن: بسم الله الرحمن الرحيم.

الرحمن هو رحمن الدنيا؛ لأنه يرحم المؤمن والكافر، ويرحم الملتزم والمفرط، ويرحم الخلق جميعًا.

والرحيم فهو رحيم الآخرة. ربط الله هذه الحياة الدنيا بحياة آخرة فيها الحساب والعقاب والثواب.

﴿ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَـٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ﴾ [الزمر: 16]

الغرض من التخويف بالنار هو ضبط سلوك البشر وإصلاح حياتهم

فغرض هذا التخويف بالنار ليس هو إظهار جلال الله وحده، بل إن الغرض منه هو التحكم في سلوك البشر؛ في ألا يضل البشر، وألا يعلو بعضهم على بعض، وألا يمارسوا الطغيان والبغي في هذه الحياة الدنيا.

وأن يقوموا بواجبهم تجاه ربهم وتجاه أنفسهم وتجاه الآخرين، وأن يكونوا محل سلام وأمان ودعوة صالحة تعمر الأرض.

ولكن شهوة البشر غالبة، ولذلك خوّف الله عباده بهذا [العقاب الأخروي]، إلا أنه بدأ هذا التخويف بـالرحمن الرحيم؛ أي لا بد أن نفهمه من خلال أن ذلك من رحمة الله الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار.

الرحمة أساس المحبة والكرم والعطاء بين الخلق

الرحمة هي أساس المحبة وهي أساس الكرم. المحبة عطاء، ولذلك يتولد منها الكرم؛ لأن من أحب شخصًا فإنه يعطيه من قلبه، يعطيه من وقته، يعطيه من خبرته، يعطيه من حنانه.

هذا الحب إنما يصدر من قلب قد عرف شيئًا من الرحمة. لا يمكن أن نتصور أن المحب يكون قاسيًا على حبيبه؛ إذا دخل الحب في قلب أحدهم فإننا نرى الرحمة أساسًا لهذا الحب.

لماذا جمع الله بين الرحمن والرحيم ولم يكتفِ بواحدة منهما

ولذلك قال الله: بسم الله الرحمن الرحيم، الرحمن الرحيم هي أصل المحبة وأصل العطاء والكرم والجود، وهذا في الحقيقة هو أساس الخلق الحسن.

الرحمن الرحيم كررهما مرتين، فلماذا لم يقل بسم الله الرحمن أو بسم الله الرحيم؟ لأن الله له صفات الجمال والجلال؛ فكان من الممكن أن يقول بسم الله المنتقم الجبار، أو يقول بسم الله الرحمن المنتقم، واحدة من الجمال والثانية من الجلال.

إلا أن البشر لا تطيق التجلي بجلال الله عليها، بل تحتاج إلى جماله ورحمته وعفوه سبحانه وتعالى. ولذلك قال بسم الله الرحمن ولم يسكت على هذا فقال الرحيم.

الإنسان بين صفتي الجمال الإلهي وأثر معرفة ذلك على سلوكه

معنى هذا أن الإنسان في جمال صفات الله وفي جمال صفات الله هو بين الجمال والجلال. لو اقتصر على واحدة لما ظهر هذا المعنى، ولكن لما قال الرحمن وثنّى بـالرحيم فكأنه قد جعل الإنسان بين صفتين من صفات الجمال، إشارة إلى علو هذا المقام الجليل وإلى علاقته بالإنسان الذي هو من صنع الله.

لو عرف الطبيب هذا لرحم المريض، لو عرف الإنسان هذا لما قتل أخاه الإنسان، لو عرف المهندس هذا لما غش في البناء حتى ينهار على بني الإنسان؛ كان يعظّم بنيان الرب وكان يعرف قيمة الإنسان عند من جعله بين الرحمة والرحمة.

إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.