{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} |  أ.د. علي جمعة - فتاوي

{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} | أ.د. علي جمعة

5 دقائق
  • معنى عبارة "لا تدركه الأبصار" أن الله مخالف للكائنات، وهي قاعدة أساسية في معرفة الله تعالى.
  • الارتباك يحدث عند من يتخبط في فهم الآيات المتشابهة مثل "الرحمن على العرش استوى" و"يداه مبسوطتان".
  • المؤمن الحق يفهم أن الله لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، فلا يشغل نفسه بالكيفية لأنها فوق إدراكه.
  • حادثة صفوان بن عسيل مع عمرو بن العاص وعمر بن الخطاب توضح كيفية التعامل مع هذه المسائل في عصر الصحابة.
  • عندما سأل صفوان كيف استوى الله على العرش، ضربه عمر بسعفة نخل حتى زال الإشكال من ذهنه.
  • هذا الموقف يدل على أهمية طلب العلم الصحيح وعدم الخوض في مسائل العقيدة بغير علم.
  • تعلم أساسيات العقيدة مثل "لا تدركه الأبصار" يضع المسلم على بداية الطريق الصحيح في فهم الدين.
محتويات الفيديو(7 أقسام)

معنى لا تدركه الأبصار وأنه سبحانه مخالف للكائنات

﴿لَّا تُدْرِكُهُ ٱلْأَبْصَـٰرُ﴾ [الأنعام: 103]

﴿لَّا تُدْرِكُهُ ٱلْأَبْصَـٰرُ﴾ [الأنعام: 103]

يعني أنه مخالف للكائنات. هذا ما تعلمناه في الأزهر [الشريف].

الذي لم يتعلم هاتين الكلمتين [أنه سبحانه لا تدركه الأبصار وأنه مخالف للكائنات] ماذا يفعل؟ يرتبك ويبدأ يقول: هل ربنا الله هو جسم أم ليس جسمًا؟ نقول إنه جسم، ولكن هذا عيب، لا نقول إنه جسم، ولكن إذا لم نقل أنه جسم! طيب، أليس هو الذي يقول:

﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ﴾ [طه: 5]

ويصبح متخبطًا بأن هذا هو:

﴿يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: 64]

﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِىٓ﴾ [طه: 39]

وهل أنت تعبد وثنًا! أأنت مجنون؟!

التحذير من خلق قضايا وهمية وإشغال الذهن بلا علم

يا جماعة، ليس هكذا [يكون التفكير في صفات الله]، استحوا، استحوا، عيب! عندما تأتي وتخلق قضايا من لا قضايا، وتشغل الذهن البشري بأشياء منتظمة كلها [بلا حاجة].

عندما أصبح لديك هاتين الكلمتين [أنه سبحانه مخالف للكائنات]، ولديك أنه:

﴿لَّا تُدْرِكُهُ ٱلْأَبْصَـٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلْأَبْصَـٰرَ﴾ [الأنعام: 103]

وجئت وسمعت:

﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ﴾ [طه: 5]

فتقول: الله الله الله الله الله الله الله الله، ولا تفكر ولا تتضايق ولا أي شيء؛ لأن هذه عظمة [من عظمة الله تعالى].

فهم العظمة الإلهية في الاستواء على العرش وعدم إدراك الأبصار له

فأنت لم تُدخل نفسك في مآزق، وأنت رجل الآن أصبحت تفهم العظمة. ربنا:

﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ﴾ [طه: 5]

أي العرش الذي هو أكبر من السماوات والأرض، سبحانه وتعالى، ولن يفكر عقلك أبدًا كيف استوى؛ لأنه:

﴿لَّا تُدْرِكُهُ ٱلْأَبْصَـٰرُ﴾ [الأنعام: 103]

أنا خلاص لا أفكر، فقد عرفت أنه علّمني أنه لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار؛ لأن الذي تدركه الأبصار هو الكائنات، والله هو المكوِّن وليس هو في الكائنات، بل هو رب الكائنات. فيبقى خلاص انتهينا [من هذه المسألة].

قصة صفوان بن عسيل وسؤاله عن الاستواء لعمرو بن العاص

ولذلك عندما جاء رجل فتحوا هذا الموضوع من التابعين، كان اسمه صفوان بن عسيل على وزن أمير. يقولون هكذا في الكتب: عسيل على وزن أمير، حتى لا تقول ما هو عسيل أو غيره، حتى لا تخطئ، نقول ما شأنك على وزن أمير.

صفوان بن عسيل هذا جلس يفكر هكذا من غير علم، لم يذهب إلى الأزهر حينها؛ فالأزهر لم يكن قد ظهر بعد، فقد ظهر الأزهر بعد ذلك. كان في أيام سيدنا عمر [بن الخطاب رضي الله عنه]، كان الصحابة لا يزالون حاضرين بوضوح.

فجلس يفكر فجاءته هذه المسألة [مسألة الاستواء] وهو غير منتبه، فقال: يا سيدنا عمرو بن العاص، خطر في بالي سؤال دقيق بعض الشيء. قال له: خير. قال له:

﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ﴾ [طه: 5]

كيف استوى؟ قال له: سأرسلك إلى من يجيبك، سأرسلك إلى من يجيبك.

رد سيدنا عمر بن الخطاب على من سأل عن كيفية الاستواء بضربه بالسعفة

وذهب به [عمرو بن العاص] إلى سيدنا عمر [بن الخطاب رضي الله عنه] هناك في المدينة. فلما دخل على سيدنا عمر قال له: أنا أقول لك، أنا سأخبرك بشيء قريب جدًا. فقال له: ما هو؟

فكان في يده سعفة من سعف النخل، فضربه بها وقال له: إجابتك هي هذه؛ لأنك مشوش أشد التشويش، ويبدو أن المناقشة معك لن تنفع.

فقال له [صفوان]: يا أمير المؤمنين، ذهب ما كان برأسي، والله هذا هو [الجواب الشافي].

بركة سيدنا عمر في تأديب الجاهل وأن الفكر يواجه بالفكر والعلم

نحن لا نستطيع أن نفعل هذه الأشياء الآن؛ لأنه يقول لك: يجب أن تناقشه، والفكر لا يُواجَه إلا بالفكر.

هذه كانت بركة سيدنا عمر [بن الخطاب رضي الله عنه] عندما فعل هكذا؛ كان صادقًا من قلبه وكانت فيه بركة. كان يقول له: أنت لم تتعلم شيئًا، فالأشياء التي أتتك هذه ناتجة من قلة العلم، فسأضربك لأنك لم تتعلم.

فيؤخذ من هذا الأثر أن الذي يهرب من العلم يُعاقب، وأنه لا بد من العلم.

أهمية العلم الأزهري في وضع المسلم على بداية طريق معرفة الله

والعلم الذي نقوله هذا [هو علم العقيدة الذي يُدرَّس في الأزهر، مثل قاعدة] زيد الطويل الأزرق بن مالك الذي حفظناه في الأزهر الشريف.

هذه مسألة عالية جدًا. لماذا؟ لأنها تضعك على بداية الطريق.

جاءت من أين؟ [جاءت من قوله تعالى]:

﴿لَّا تُدْرِكُهُ ٱلْأَبْصَـٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلْأَبْصَـٰرَ﴾ [الأنعام: 103]