السنن الإلهية جـ 2 | حـ 8 | أ.د علي جمعة
- •تناولت الحلقة الثامنة من برنامج "المبشرات" مع الدكتور علي جمعة موضوع السنن الإلهية وأهميتها.
- •السنن الإلهية تنقسم إلى سنن كونية كشروق الشمس، وسنن تاريخية كالتداول، وسنن نفسية، وسنن اجتماعية.
- •من أوائل من كتب في السنن الإلهية الشيخ محمد الصادق عرجون، تبعه الدكتور عبد الكريم زيدان وزينب عطية وغيرهم.
- •تم التركيز على سنة التكامل التي تقوم على أن الاختلاف في الكون هو اختلاف تنوع وليس اختلاف تضاد.
- •سنة التدافع تشمل صوراً متعددة منها القتال والحراك الاجتماعي.
- •النموذج المعرفي الإسلامي يجمع بين الوحي والوجود، مما يجعله متكاملاً.
- •مقارنة رؤية فرويد للنفس البشرية مع النظرة الإسلامية التي تعترف بمستويات النفس السبعة.
- •من المبشرات ضرورة تحويل علم السنن الإلهية إلى علم مستقل وفق منهجية توليد العلوم.
- •توليد العلوم يحتاج إلى استيفاء عشرة مبادئ أساسية تنظم المعرفة وتضبطها.
مقدمة الحلقة الثامنة من برنامج المبشرات واستكمال الحديث عن السنن الإلهية
[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
حلقة جديدة من حلقات البرنامج اليومي المبشرات مع فضيلة الإمام الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. الحلقة الثامنة اليوم إن شاء الله. أهلًا ومرحبًا بك يا مولانا.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا.
[المذيع]: كنا في الحلقة السابقة يا مولانا نتحدث عن ربط سنن الله في الكون، وفضيلتك شرحت لنا أن القرآن كتاب هداية، ووصلنا في النهاية إلى الدكتور محمد الصادق، فنستكمل الحوار، تفضل.
جهود العلماء في التأليف حول السنن الإلهية من رشيد رضا إلى عرجون
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
الشيخ محمد الصادق عرجون كان من أوائل المؤلفين في قضية السنن الإلهية. طبعًا نجد إشارات عن هذا عند الشيخ رشيد رضا في مجلته المنار، ونجد إشارات عند الدكتور الغمراوي، ونجد إشارات عند غيرهم من الكتّاب.
لكن الشيخ محمد الصادق عرجون ألف كتابًا وأسس تأسيسًا حول السنن الإلهية في القرآن الكريم.
المجهودات العلمية والأكاديمية في دراسة السنن الإلهية واستنباطها من القرآن
وجدنا بعد ذلك الدكتور عبد الكريم زيدان له أيضًا [كتاب في] السنن الإلهية، يعني وتكلم فيها. ووجدنا السيدة الفاضلة زينب عطية ألفت مجلدين تستنبط فيهما وتستخرج من القرآن ما رأته أنه سنن، وبمعونة أيضًا الدكتور جمال عطية أخيها، وما فعله من دعوة لإحياء هذا الجانب الذي أشار إليه رشيد رضا في أول القرن.
وجدنا مجهودات بعد ذلك في قضية السنن الإلهية حتى صارت رسائل علمية موجودة في الجامعات. أخذ الدكتور مجدي عاشور رسالته في السنن الإلهية - وهذا أمر جميل - من جامعة عين شمس. مجهودات ضخمة بُذلت ومشاريع علمية أُنشئت تتحدث عن السنن الإلهية.
أنواع السنن الإلهية الكونية والتاريخية وأمثلتها في القرآن الكريم
وجدوا في كلها تقريبًا نحو ستين أو سبعين سنة ما شاء الله، ستين سبعين، ستين سبعين سنة إلهية. أي أن السنن الإلهية قد تكون سننًا كونية؛ مثل شروق الشمس وغروبها، مثل دوران القمر حول الأرض، مثل الليل والنهار، الصيف والشتاء وهكذا. سنة إلهية لكنها كونية.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: وقد تكون سنة تاريخية، أي ما طار طير وارتفع إلا كما طار واقع.
﴿وَتِلْكَ ٱلْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 140]
فيبقى في سنة تُسمّى سنة التداول.
[المذيع]: جميل، صحيح.
سنة التداول في الملك والعز والذل وسنة التوازن والتدافع بين الناس
[الشيخ]: سبحانه وتعالى يعطي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء، ويُعِزُّ من يشاء ويُذِلُّ من يشاء سبحانه وتعالى. يقلب الأمر، والناس دول وهكذا.
[المذيع]: صحيح، في سنة التوازن في السنة التي حضرتك أشرت إليها، التدافع.
[الشيخ]: تدافع.
﴿وَلَوْلَا دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ ٱلْأَرْضُ﴾ [البقرة: 251]
هذا فسادها في سُنّة التوازن.
سنة التكامل بين المخلوقات واختلاف التنوع لا التضاد بين الذكر والأنثى
في سُنّة التكامل عندما خلق الله الأرض والسماء، وخلق الصيف والشتاء، وخلق الرجل والمرأة؛ فهذا الاختلاف هو اختلاف تنوع وليس اختلاف تضاد، واختلاف التنوع يقتضي التكامل.
[المذيع]: تكامل، جميل، وليس تضادًا.
[الشيخ]: ليس تضادًا. هذا اختلاف.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: لأن هناك فارقًا بين الصيف والشتاء، وبين الليل والنهار، وبين الأرض والسماء، وبين الذكر والأنثى، والرجل والمرأة. فلا يوجد تساوٍ وإنما توجد مساواة.
[المذيع]: جميل.
مفهوم النفس الواحدة في القرآن والعلاقة بين الوحدة والكثرة في الخلق
[الشيخ]: أن يفهم الإنسان عندما يقول الله تعالى:
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً﴾ [النساء: 1]
انظر إلى التعبير الدقيق: نفس واحدة. فتبقى الوحدة وعلاقتها بالكثرة.
[المذيع]: جميل.
[الشيخ]: أن الإنسان قد يكون ذكرًا وقد يكون أنثى، وهذا الإنسان وهو نفس واحدة في صورته الذكرية مع صورته الأنثوية يمثل معًا نفسًا واحدة. ولذلك تجد في اللغة العربية كلمة إنسان ولا تجد إنسانة.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: إنسان تطلق على الذكر والأنثى. هذا إنسان وهذه إنسان أيضًا.
[المذيع]: نعم.
سنة التكامل في الأكوان تقتضي التعاون والثمرة لا الصراع بين الرجل والمرأة
فهذا تكامل، إنه في سنة التكامل التي تحتاج إلى وقفة وتحتاج إلى جمع الآيات التي تبين أن الاختلاف الحادث في الأكوان ليس اختلاف تضاد وإنما هو اختلاف تنوع.
[المذيع]: جميل.
[الشيخ]: واختلاف التنوع يقتضي ويلزم منه التكامل، والتكامل يلزم منه التعاون، والتعاون يلزم منه الثمرة التي سوف تخرج من هذا. ولذلك فالعلاقة بين الرجل والمرأة هي علاقة التكامل لا علاقة الصراع.
فعندما تأتيني حضارة وتقول لي أن هذه الحضارة تعتبر العلاقة بين الرجل والمرأة صراعًا، وأنه يجب على المرأة أن تقف في مواجهة الرجل لكي تأخذ منه حقوقها - حقوقها أمر جميل - وأنه ذلك ويأخذ ما يستطيع هو أيضًا من حقوقه. ما هذا؟
الفرق بين مفهوم الصراع الحضاري ومفهوم الرحمة والمودة في العلاقة الزوجية
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: أصبحت مشاجرة وخصام. هذا مفهوم آخر تمامًا غير مفهوم الرحمة والمودة والحب الذي يُفترض في الجاذبية بين الذكر والأنثى، وفي الجاذبية بين الزوج وزوجته مكوِّنَين الأسرة، وفي هذا التلاقي الجسدي الحميم الذي ينشأ منه فيما بعد التناسل والتكاثر.
هذا مفهوم آخر تمامًا، فهذا ليس مفهوم حقي وحقك، بل هو مفهوم كيف نعمر هذا الكون، وكيف نعبد هذا الرب، وكيف نزكي هذه النفس التي تحدثنا عنها في حلقة سابقة، ووجدنا علاقة بينها وبين البشرى وما بين المبشرات.
سنة التدافع في القرآن ومعنى الدفع الشامل الذي يتجاوز مفهوم الحرب
فإذا كانت لدي هذه السنن الإلهية، فلو طبقت سنة الاختلاف مثلًا، أي سنة التدافع: ربنا يتحدث في القرآن عن القتال ويتحدث عن القتال بصورة واضحة، ليست بصورة مواربة ولا بصورة فيها نوع من أنواع المجاز أو ما شابه ذلك أبدًا. إنه يتحدث كلامًا واضحًا عن القتال.
لكن هنا يتحدث عن التدافع:
﴿وَلَوْلَا دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ﴾ [البقرة: 251]
فعندما أجد في التفسير القديم أن الدفع هنا معناه الحرب.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: أقول: لا، رَبُّنا استعمل كلمة حرب في مكانها واستعمل كلمة قتال في مكانها. هنا يقول لي دفع، فلا بد أن لذلك معنى آخر، ولا بد أن هذا الدفع قد يكون هو الشامل لصور كثيرة منها القتال.
[المذيع]: نعم.
صور التدافع المتعددة من الدفع بالأحسن إلى الحراك الاجتماعي وأثره في المجتمع
[الشيخ]: ومنها:
﴿ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت: 34]
ومنها:
﴿ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ [المؤمنون: 96]
ومنها الحراك الاجتماعي. الحراك الاجتماعي هذا معناه انتقال الإنسان من طبقة إلى طبقة، إن صح تعبير الطبقة هذا.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: من مستوى إلى مستوى آخر. يصبح هناك حراك اجتماعي. هذا الحراك الاجتماعي هو الذي يجعله يصنع لي الطبقة الوسطى المثقفة الغنية، لكنها ليست فاحشة الغنى.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: ولا شديدة الفقر ولا معدمة وشديدة الفقر. وكلما اتسعت هذه الطبقة كلما شعر المجتمع بالرفاهية وشعر المجتمع بالراحة وشعر المجتمع بالتكافل وشعر المجتمع بأشياء كثيرة.
تصنيف السنن الإلهية إلى كونية وتاريخية ونفسية واجتماعية وضرورة فهمها
إذن أريد أن أقول إن السنن الإلهية قد تكون كونية، وقد تكون تاريخية، وقد تكون نفسية، وقد تكون اجتماعية.
[المذيع]: جميل.
[الشيخ]: وكل هذا يسمى سننًا إلهية.
﴿فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: 43]
فإذن سنة الله باقية، ولذلك لابد أن نتعامل معها بفهم.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: وإذا فهمناها فسأكون قد أدركت الوعي، وأدركت حقائق في هذا الكون.
إدراك حقائق الكون من خلال السنن الإلهية على المستويات المختلفة وتأسيس علوم اجتماعية إسلامية
حقائق هذا الكون إذا أدركتها على ما هي عليه، وأدركت التوازن والتكامل والتدافع والتداول والتوازن، وأدركت هذا على مستوى الكون طبعًا وطبيعيًا، وعلى مستوى النفس الإنسانية، وعلى مستوى التاريخ وجريانه، وعلى مستوى الاجتماع البشري؛ أستطيع أن أضع حينئذٍ معيارًا لفهم هذا الواقع وقواعد للتعامل معه.
ولذلك يمكن أن أُنشئ علومًا اجتماعية رصينة بنموذج معرفي إسلامي مستنبط وآتٍ من المصدرين معًا: من القرآن وهدايته وما قدَّم لنا من حقائق، ومن الواقع وتجربته.
نقد نظرية فرويد في ضوء النموذج المعرفي الإسلامي ومراتب النفس السبع في القرآن
عندما يأتي فرويد مثلًا ويقول لي إن هذا الإنسان محب للجنس، وهذا الإنسان أسير شهوته، وهذا الإنسان قد رصدته. قلتُ: وماذا فعلت؟ ما رأيك أن كل ما قاله فرويد من أوله إلى آخره صحيح؟
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: ولكن صحيح كيف؟ ما قراءتك له؟ صحيح أنه يصف النفس الأمارة بالسوء.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: وهذا آخذ جانبًا مظلمًا قليلًا من سبعة.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: أنا عندي القرآن يهديني إلى أن هناك نفسًا أمارة بالسوء، ونفسًا لوامة، ونفسًا ملهمة، ونفسًا راضية، ونفسًا مرضية، ونفسًا مطمئنة، ونفسًا كاملة.
[المذيع]: جميل.
الانتقال إلى الفاصل والعودة لاستكمال الحديث عن فرويد والنفس
[المذيع]: حسنًا، لنذهب إلى الفاصل يا مولانا، ثم نعود إلى الأشكال السبعة من أشكال النفس ونرى ماذا يريد فرويد أن يفعل. فاصل ونعود إليكم، فابقوا معنا. فاصل ثم نواصل.
السلام عليكم ورحمة الله. عدنا إليكم من الفاصل، الجزء الثاني من حلقة اليوم، الحلقة الثامنة من برنامج المبشرات اليومي مع فضيلة الإمام الدكتور علي جمعة. كنا قد وصلنا للحديث عن سيجموند فرويد. تفضل يا مولانا.
كيفية قراءة نتائج فرويد التجريبية بنموذج معرفي إسلامي دون تكذيبه
[الشيخ]: فعندما هذا [فرويد] يأتي ليدرك الواقع ويدركه بطريقة تجريبية إحصائية، أنا لا أكذبه، إنما أعرف كيف أقرأه، وهو غير راضٍ أن يقرأ هذا بنفس النموذج المعرفي الذي أقرأ به.
هو يصف النفس الأمارة بالسوء، الأمارة بالسوء، وبعد ذلك يقول: على فكرة، اطمئن وامضِ في هذا الأمر بالسوء واستمر معها حتى نهايته.
أقول: لا! أقول:
«والنفسُ كالطفلِ إن تُهمِلْهُ شبَّ على حبِّ الرضاعِ وإن تَفطِمْهُ يَنفطِمِ»
«وحاذِرِ النفسَ والشيطانَ واعصِهِما وإن هُما مَحَضاكَ النُّصحَ فاتَّهِمْهُما»
«ولا تُطِعْ منهما خصمًا ولا حَكَمًا فأنتَ أعلمُ بكيدِ الخصمِ والحَكَمِ»
مخالفة الهوى وكبح جماح النفس ووضع الشهوة في الحلال
وأظل أقول له هكذا أنه لا، إنه خالف هواها وحاذر أن تطيعهما [النفس والشيطان]. هو لا يعرف ماذا؟ أجلس أتحدث مع نفسي هذه على أساس أنني أكبح جماحها، وأنني أوقفها عند حدها، وأنني أنظم هذا الكبح.
فعندما تأتيني الشهوة يجب أن أضعها في الحلال، والفرق بين الحلال والحرام كلمة: أتزوج ولا أزني.
[المذيع]: نعم، جميل!
[الشيخ]: ألا يقال له: لا، افعل ما تريد؟ حسنًا، وماذا في النهاية؟ افعل ما تريد، ماذا سيحدث؟ سيشعر بشيء من الانفلات ومما يسمونه الحرية.
[المذيع]: نعم.
لذة المعصية تؤدي إلى الاكتئاب ولذة غض البصر لا يعرفها فرويد
[الشيخ]: وبعد ذلك سيشعر بلذة المعصية، ثم يشعر بالاكتئاب، ثم يشعر بأنه غير قادر وبأنه لا يستطيع تحصيل اللذة التي كان يريدها حقًا.
في حين أن الآخر [المؤمن] ما من غض للبصر إلا ويجد الإنسان لذة في قلبه من غض البصر. ما هي هذه اللذة التي نجدها والتي لا يعرفها السيد فرويد؟
هذه اللذة لم يجربها، ونموذجه لم يخبره بها ولم يعلمه أن هناك لذة ليجربها. حسنًا، نحن جربناها. فسلّم لأقوام رأوه بالأبصار؛ إذا كنت أنت لم تر الهلال أو السماء، فهناك أناس رأوها.
فرويد ليس كاذباً بل محدود النظر ورأى وجهاً واحداً من المكعب
فإذا نحن لدينا تجربتنا أيضًا، ولا بد من هذه التجربة أن نصف الأمور بوصفها. يأتي أحدهم ويقول: لا، هذا فرويد كاذب. لا، هو ليس كاذبًا، هو مخطئ ومحدود النظر.
المكعب رأى منه وجهًا واحدًا فقط، أدركه بسقف معلوماته الذي هو بهذا القدر. هذا صحيح، الذي يقتصر على الوجود لأنه لم يأخذ من الوحي ما يفيده ولا ما يزيد جماله.
عندنا القرآن:
﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ﴾ [النازعات: 40]
ونهى النفس عن الهوى، ونهى النفس عن الهوى. فهو يرشدني إلى شيء آخر، إلى أنني لم أتخذ هواي إلهًا لي أطيعه.
التحذير من اتخاذ الهوى إلهاً واتباع الشهوات بلا عودة
﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَىٰهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ﴾ [الجاثية: 23]
﴿أَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَىٰهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان: 43]
إنه لا فائدة فيه، فأنت تسير في الطريق الذي فيه ذهاب ولا يوجد عودة، وهو اتباع الشهوات.
﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ نَمِيلَ مَيْلًا عَظِيمًا
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [النساء: 27]
في هذا المقام، فيكون إذا كان لدي هنا ابتدأت بأن أكون أداة. هذه الأداة تقول إن ما توصل إليه البشر من معلومات عن طريق التجريب وغيره من الوسائل، سوف أدرسه.
منهج التعامل مع العلوم التجريبية بين الرفض والقبول المطلق والدراسة المتأنية
فلا أرفضه رفضًا مطلقًا، ولا أوافق عليه وعلى مستلزماته قبولًا مطلقًا، ولا أنتقي منه انتقاءً عشوائيًا أبدًا، بل سأدرسه دراسة متأنية.
أعرضه على القرآن والسنة وأنا معي معياري ومعي مصادر معرفتي. ومصادر معرفتي هي الوحي والوجود معًا.
ولذلك وأنا أرسم المنهج وأرسم الطريق وأرسم العلاج وأضع القواعد، أضعهم لأجل هذين الاثنين معًا، وليس لأجل واحد فقط.
لا تعارض بين العلم الشرعي والتجريبي والمشكلة في النموذج المعرفي المستخدم
[المذيع]: يعني يا مولانا، لا يوجد تعارض بين العلم الشرعي والعلم التجريبي، لا يوجد تعارض؟
[الشيخ]: لا يوجد تعارض نهائي، ولكنه قراءة العلم التجريبي بنموذج معرفي آخر هو الذي يسبب كل هذه الضوضاء، وهو الذي يعكّر على وصول الخبر الصادق إلى قلب المؤمن فيفرح قلبه.
ما يشوش على المبشرات هو الاقتصار على مصدر واحد للمعرفة دون الآخر
[المذيع]: ماذا يعني الذي يشوش علينا المبشرات؟
[الشيخ]: الذي يشوش علينا المبشرات أننا نأخذ مصدرًا واحدًا ونترك المصدر الثاني الذي أمرنا الله به، فيحصل عندنا تشويش.
أننا نتخذ مناهج ليس فيها تأصيل:
- •إما الرفض المطلق للوجود.
- •وإما الرفض المطلق للوحي.
- •وإما القبول المطلق للوجود وحده كالعلمانية.
- •وإما القبول المطلق للوحي وحده كالنصيين والظاهرية.
- •وإما الانتقاء العشوائي، وهذا الانتقاء العشوائي هو أخطر واحد فيهم، يسمونه خبط لزق هكذا.
[المذيع]: الذي يأتي هكذا.
[الشيخ]: نعم، أي بشكل عشوائي.
ضرورة إدراك السنن الإلهية بأنواعها والدعوة إلى تحويل علم السنن إلى علم مستقل
فأنا لدي تأصيل، لدي سنن إلهية ينبغي علينا أن ندركها سواء كانت كونية أو تاريخية أو نفسية أو اجتماعية.
من الجيد أن من كتب في السنن التاريخية محمد صادر البقر في المدرسة التاريخية، نستفيد ونقرأ. ويجب علينا أن نحول علم السنن في الحقيقة بعد دراسة دقيقة إلى علم مستقل.
[المذيع]: جميل.
الحضارة الإسلامية تميزت بتوليد العلوم وضرورة استمرار ذلك في العصر الحاضر
[الشيخ]: الحضارة الإسلامية تميزت بتوليد العلوم، فلما تركنا توليد العلوم تركنا خيرًا كثيرًا. نحن أحوج إلى توليد العلوم في عصرنا الحاضر حتى تستمر الحضارة، وحتى نستمر في العطاء والقيام بواجب الوقت كما قام به السلف الصالح.
من المبشرات الحديث عن السنن الإلهية للاسترشاد بالقرآن وتجديد الإيمان وفهم الواقع
من المبشرات أن نتحدث في السنن الإلهية، مهمة:
- أولًا لأننا نسترشد بالقرآن الكريم.
- وثانيًا لأننا نجدد إيماننا بنظرة جديدة معتبرة ملتزمة بالقرآن الكريم.
- وثالثًا لأننا نريد أن نعيش واقعنا على المستوى النفسي والاجتماعي والأممي والفردي، وعلى مستوى تفسير التاريخ، وعلى مستوى فهم الكون من خلال القرآن الكريم.
[المذيع]: جميل.
[الشيخ]: كل هذا من المبشرات، أي أنَّ كل هذه من الأخبار السارة، أن نُحَوِّل القرآن الكريم من خلال السنن الإلهية ودراستها إلى كتاب هداية.
المبادئ العشرة لتوليد العلوم وتحديد موضوع علم السنن الإلهية ومصادره
إذا استطعنا أن نُكمل هذه الأبحاث، وأن نعرف كيفية توليد العلوم؛ فالعلوم لها عشرة مبادئ يجب أن نستوفيها، حيث يقال:
«من رامَ فنًّا فليُقدِّمْ أولًا علمًا بحدِّهِ وموضوعٌ تلا»
يجب عليك تحديد موضوع علمك الذي ستدرسه، وما هو هذا العلم، ومن واضعه، وما نسبته بالنسبة للعلوم الأخرى، وما استُمد منه. فمن أي العلوم يستمد معلوماته؟ ما هي العلوم المساعدة والعلوم الروافد التي تمده بالمعلومات؟ ومن أين يأتي بها؟ فمن أين يأتي بها؟
أقول: علم التفسير وأقول علم الأصول وأقول علم اللغة وعلم الاجتماع والعلوم الاجتماعية هي التي ستصنع لي علم السنن الإلهية.
[المذيع]: جميل.
[الشيخ]: كلها مجتمعة مع بعضها.
فضل علم السنن الإلهية وحكمه الشرعي كفرض كفاية على الأمة
«وما استُمِدَّ منه وفضلُهُ وحُكمُ مُعتَمَد»
فضله ما هو فضله؟ فضله مهم جدًا. طيب، والحكم الخاص به ما هو؟ الحكم الخاص به أنه فرض كفاية، أصبح فرضًا على الأمة.
«من وَسْمٍ وما أفاد، والمسائلُ»
لابد أن تحدد لي اسمه، ولابد أن تحدد لي فيمَ سيفيدني، ولابد أن تقول لي كيف تبدو المسائل والجمل المفيدة الخاصة به.
حسنًا:
«فتلكَ عشرٌ للمُنى وسائل، وبعضُهم فيها على البعضِ اقتصر، ومن يكن يدري جميعَها انتصر»
حسنًا، من يعرف هذه العشرة يصبح منتصرًا.
الدعوة إلى توليد العلوم بمبادئ منظمة لا بشكل عشوائي وأهمية المبادئ العشرة
ماذا؟ من هذا الكلام الذي يقول إن المسلمين الذين عرفوا كيف يولدون العلوم.
[المذيع]: جميل.
[الشيخ]: فعندما نأتي لندعو إلى توليد العلوم، فهي ليست دعوة مطلقة هكذا، وأن أي شخص يقول ما في ذهنه بدون التزام وتنظيم هكذا وتصبح. إنها دعوة لها مبادئ وبدايات ونهايات.
وهناك ما يسمى بالمبادئ العشرة يجب أن نستوفيها: يجب علينا معرفة الموضوع، ويجب معرفة المسائل، ويجب معرفة من أين يأتي الاستمداد، ويجب معرفة نسبته مع العلوم الأخرى في الخريطة، ويجب معرفة ما فائدته وهكذا.
حتى نستطيع إنشاء علم، وهذا العلم يفيد، ويفيد في ماذا، وكيف يفيد.
من المبشرات أن الأمة لا تيأس من توليد العلوم وتطور علم النفس نموذجاً
فمن المبشرات أن الأمة الإسلامية تبقى إلى اليوم وهي تحاول ولا تيأس، لا تيأس من توليد العلوم.
فعندما نعمل عشرين سنة وثلاثين سنة، فالعلوم عندما ظهر علم النفس ظهر كعلم واحد.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: واليوم أصبح ثلاثين أو أربعين فرعًا.
[المذيع]: صحيح.
[الشيخ]: وثلاثون أو أربعون سنة في عمر الأمة رقم ضئيل جدًا.
[المذيع]: صحيح.
[الشيخ]: أتفهم؟ يعني إلى أن نصنع علمًا مثل علم أصول الفقه؛ الشافعي توفي في أوائل القرن الثالث الهجري، وُلِد سنة مائة وخمسين.
تطور علم أصول الفقه من رسالة الشافعي إلى المستصفى والمحصول عبر القرون
فعندما وُلِد الشافعي، في هذه الخمسين سنة بدأت تتبلور في ذهنه الأسس التي يتم بها الاستنباط والتي يتم بها الفهم وهكذا، فيولد علم.
وعندما كتب الرسالة، كانت رسالة بديعة لكن لا توجد فيها كل عناصر الأصول وكل مسائل الأصول. وعندما نقارنها بما كتبه الإمام الغزالي في المستصفى، أو ما كتبه بعد ذلك الإمام الرازي المتوفى سنة ستمائة وستة في المحصول، نجد فرقًا كبيرًا. لقد حدثت مناقشات وحصلت توليدات وتفريعات.
ختام الحلقة والوعد باستكمال الحديث عن أصول الفقه في الحلقة القادمة
[المذيع]: حسنًا، سنتحدث يا مولانا عن التفريعات والأمور المتعلقة بأصول الفقه، ستكون في الحلقة القادمة إن شاء الله؛ لأن الوقت مع فضيلتكم يمضي سريعًا.
إلى ذلك الحين نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، ونلتقي غدًا إن شاء الله. فإلى ذلك الحين نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
