السيرة النبوية - الحلقة السابعة والأربعون

السيرة النبوية - الحلقة السابعة والأربعون - السيرة, سيدنا محمد
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. مع أنوار السيرة النبوية الشريفة نعيش هذه اللحظات مع حياة سيدنا صلى الله عليه وآله وسلم. وصلنا في معية النبي المصطفى والحبيب المجتبى إلى شهر رمضان في السنة الثانية من الهجرة، السابع
عشر من رمضان حدثت وقعة بدر الكبرى وفيها نصر الله المسلمين كما ذكرنا نصراً عزيزاً مؤزراً، مات من المشركين سبعون وأُسِر سبعون، ومات من المسلمين اثنا عشر شهيداً. ذكرنا أن هذا النصر المبين أرجع المشركين وهم في حالة انكسار، ومات أكابر المجرمين أبو جهل وإخوانه الذين معه، السبعة الذين معه ماتوا،
فخفف هذا الحدث على المسلمين، لم يبقَ هناك في مكة إلا صفوان بن أمية وأبو سفيان بن حرب. هؤلاء الناس لا يعرفون كيف يفكرون مثل أبي جهل ومثل عتبة وعتيبة وأميمة وأمية، هذه المصائب كلها التي ماتت، والحمد لله. يهيئ الله لرسوله ويمهد الطريق. أتذكرون ما حدث بين الأوس والخزرج، كان اليهود لا يحبون الوفاق بين الأوس والخزرج، وكانوا يقولون "بنو قيلة لا تبقى إلا على الاختلاف، أي
أن الأوس والخزرج لابد أن يختلفوا، "ولا عيش لنا إلا بذلك." هذه الفرقة معروفة بمنطق (فرق تسد) منذ بدايتها، فكانوا يُحدثون الفتن بينهما فأشعلوا بينهما حرباً. العربي في تكوينه عزيز وعنده شهامة، لكن لديه عناد وطيبة، فيخدعوه. قامت حرب اسمها حرب البسوس، استمرت أربعين سنة حرب عبس وذبيان أربعين سنة، بسبب فرسين، هناك من قتلهم أو سرقهم، أو شيء من
هذا القبيل، فتنشب حرب، فكادت قبيلتا عبس وذبيان، اللتان كانتا عظيمتين تحجبان عين الشمس، ألا يبقى منهما أحد، حتى قال زهير بن أبي سلمى: "تداركتما عبساً وذبيان بعدما تفانَوْا أي كاد كل واحدٌ منهم أن يُفني الآخر، ودُقَّ بينهم عطرُ المنشام. (المنشم) هي امرأةٌ تُعطي العطرَ للذين يذهبون للحرب، بعد أن تأخذ العطر تموت بعدها، أي نذير شؤم، ولكن كل هذا على ماذا؟ على حصانٍ، فرسٍ، داحس والغبراء. ليس لنا تدخُّل، إلا أنه الأوس والخزرج
حاربوا بعضهم وكادوا أن يفني أحدهم الآخر واليهود جالسون يشاهدون وهم مسرورون. هذا القتال الداخلي مصيبة، لكنه كان تهيئة لسيدنا من عندهم هم سيدنا لم يفعل شيئاً، إنما مات كبار مجرميهم من الطرفان. فعندما عرض النبي عليهم الإسلام وجدوا شيئاً جميلاً سيحل المشكلة وهم قادمون لمكة لكي يأخذوا منها حلفاً، فوجدوهاشيئاً طيباً، فدخلوا في دين الله أفواجاً فأصبحوا إخوة. فغاظ هذا اليهود.
ما حدث في السابع عشر من رمضان حدثت موقعة بدر، وفي هذه الموقعة نصر الله المسلمين نصراً مؤزراً، وكانت بداية الخير. واستولى المسلمون على عتاد وسلاح كثير من المعركة، وضاع المفكرون الأكابر الذين كانوا ضد الدعوة، على يد المسلمين، عندما عاد النبي صلى الله عليه وسلم من بدر، كان قد ترك في المدينة سيدنا عثمان. وكان سيدنا عثمان متزوجاً من رقية بنت النبي، وكانت
رقية مريضة، فقال له: لتبقى يا عثمان، اجلس بجانب ابنتي لكي تعتني بها في مرضها، فإنها لا تستطيع أن تقف، الله يلطف بها"، فقال سيدنا عثمان حسناً وجلس بجوار رقية، وهم عائدون فقد أقاموا المعركة في السابع عشر، وبدر تقع في جنوب المدينة بمائة وستين كيلومتراً، أي مسافة. في اليوم التالي استراحوا يوم الثامن عشر، ويوم التاسع عشر جمعوا أنفسهم وما إلى ذلك. لم تكن القصة سريعة، عندما وصلوا إلى المدينة، وصلوا في اليوم الذي توفيت فيه السيدة رقية زوجة سيدنا عثمان، ولأن إكرام الميت دفنه،
بادر بتجهيزها؛ فغُسلت وكُفنت وصُلي عليها ودُفنت في المقبرة. وبينما كان عثمان عائداً من المقبرة، وجد الجيش الإسلامي عائداً من بدر ومعه البشرى. فكان سيدنا عثمان يجمع بين الحزن على زوجته والفرح بالنصر. سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام هذا شيء آخر، أمر مختلف. تعال يا عثمان، كيف حال ابنتي؟ قال له: توفيت، عليه الصلاة والسلام فضرب لعثمان بسهم في بدر. كانوا
بعد ذلك يعايرون سيدنا عثمان قائلين: أنت لم تحضر بدراً ولا حضرت الحديبية ولا حضرت كذا. النبي عليه الصلاة والسلام نبي وكشف له الله الكثير من الأمور، فذهب ضرب له في بدر لكي لا يقال أنه من المخلفين، لأنه جلس بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يؤدي واجباً مُكلفاً به، وليس تخلف جبناِ أو بخلاً، بل كان يؤدي واجبا عسكرياً، ويطيع أمر رسول الله. وقد فاز بسهم في بدر في الغنائم الخاصة التي توزع ببدر، لأن في ذلك الوقت كان المرء يقوم بنفسه، فأنا
الذي أشتري الدرع وأشتري الزرادية وأشتري اللأمة التي هي الخوذة وأشتري السيف وأشتري الرمح وأشتري كذا على حساب كل شخص بحسب إمكانياته، وإذا كان هناك خيل أو شيء يكون عندي، أي أنه لم تكن هناك جيوش نظامية تصرف على الجيش وتسلحهم. كما لا يمكن الأن أن أشتري دبابة وأشتري طائرة وهذا يملك دفاعاً جوياً، لا، هذا غير ممكن. لقد تغيرت المنظومة فأصبح هناك جيش نظامي، وسنرى ما الذي تم بعد بدر. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. رمضان من
الشهور الطيبة التي نصر الله فيها المسلمين عبر التاريخ. بعد ذلك في العشرين من رمضان تم فتح مكة، وانتصر المسلمون ودخل الناس في دين الله أفواجاً في يوم عشرين رمضان، ولكن سنة ثمانية، أي بعد بدر بست سنوات. في رمضان نصر الله الناصر صلاح الدين وأدخله القدس، وندعوا الله سبحانه وتعالى أن يرد علينا القدس ويحررها من أيدي الغاصبين المغتصبين. المسجد عندما
دخله الصليبيون حولوه إلى مرابط للخيل، لأنه ليس لديهم اعتقاد بأن هذه أرض مقدسة أو أي شيء. نحن الذين نقول عنها أرض مقدسة "سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ" [الإسراء: ١]. وهذا المسجد الأقصى بنيناه والمكان انطلقت منه البراق بسيدنا النبي الذي هو الصخرة، بنينا عليها قبة. هذه القبة مصنوعة من الألمنيوم الأصفر، والألمنيوم الأصفر هذا يتلألأ في الشمس كأنه ذهب، لكنه في حقيقته ألمنيوم أصفر. وتحته الصخرة مستقرة، وحولها سياج، فهي أماكن مقدسة عندنا.
عندما دخلوا الصليبيين لم يحولوها إلى كنيسة مثلاً، لماذا؟ لم يكن مقدس لديهم. والمسيحيون ورثوا بني إسرائيل، فبنو إسرائيل منهم السيد المسيح، وبعد ذلك من تنصر منهم ودخل في المسيحية أصبح مسيحياً. هم يعرفون هذه القصة ولا شأن لهم بها. يقولون لك: لا، ليس هنا. حتى سنة ثمانية وعشرين وجدناهم يتحججوا، هم يرسمون العودة إلى فلسطين ويبنون الحجج، كل الآثار التي تخصهم تقول إن هيكل سليمان لم يكن هنا، وفجأة أصبح هنا. هناك مثال عندنا في مصر يقال فيه: (شكل للبيع) يريد
أن يفتعل مشكلة، شخص قال لأخر أنا متضايق من زوجتي كثيراً. فأجابه: حسناً، ابحث لها عن مشكلة، فسأله: كيف أبحث لها عن عذر وهي جميع أعمالها جيدة، قال له: قل لها السلام عليكم، ستقول لك وعليكم السلام، فتقول: أنت تردين علي! وتضربها. هل هى ترد عليه فعلا؟ نعم هي ترد عليه، لكن ترد عليه في السلام. وهذا ما فعلوه مع المسلمين. فعلوا هكذا مع المسلمين: السلام عليكم، وعليكم السلام، فبدأوا الحرب في ثمانية وعشرين، الحائط هذا لنا وهو
حائط البراق، الحائط الذي رُبط فيه البراق، فسمّوه حائط البراق. حائط يبلغ ثلاثين متراً، والمسجد فوق في المرتفع الذي فوق هذا الخاص بنا. هذا هو حائط المبكى، ويستمرون في خداعنا حتى إعلامنا يسميه حائط المبكى. احذر أيها الإعلامي أن تذكر أنه حائط المبكى هذا، حائط البراق هذا، حائط المبكى هذا وهم، اخترعوه سنة ثمانية وعشرين، وفعلوا بنا ما فعلوا (شكل للبيع)، قبل الاحتلال بعشرين سنة. إنه تدبير من أول القرن، عُرض على السلطان عبد الحميد رضي الله تعالى عنه، فأبى أن يبيع فلسطين. المهم أنه في سنة
ثمانية وعشرين ظلوا يستفزون المسلمون، فالحاج أمين الحسيني رحمه الله مفتي القدس عقد مؤتمرًا عالميًا جمع فيه العلماء وأهل الفكر من المسلمين من كل مكان، من الجزائر ومن مصر ومن الهند ومن تركيا وغيرها، لإثبات ملكية هذا الحائط لنا، ورفعنا قضية دولية قائلين: "يا جماعة، ساعدونا هؤلاء الناس (الصهاينة) يريدون سرقة ممتلكاتنا"، فتكونت لجنة دولية من الإنجليز والفرنسيين وغيرهم لتبحث حقيقة لمن ينتمي هذا الحائط، وأصدروا حكمهم بأنه ملك للمسلمين خالصًا لهم دون غيرهم من الناس. هذه اللجنة لم يكونوا مسلمين، بل كانوا قضاة دوليين
لا يهتمون إلا بالمستندات والحجج وما إلى ذلك والتاريخ. عندما تذهب القدس اليوم تجدهم قد استولوا على هذا المكان في الأسفل وقسّموه نصفين، نصفٌ للنساء ونصفٌ للرجال. فسألتُ قائلاً لهم: "يا جماعة، أريد أن أنزل إلى الأسفل لأرى أيضاً هذا المكان". قال: "لا، هذا مخصص لليهود" هكذا بالقوة. قلت لهم: "كيف لليهود؟ أنا أريد أن أنزل". قال: "إنك تُحرج اليهود جدًا هكذا". لماذا لا تُحرجونهم يا معشر المسلمين؟ لماذا لا تُحرجونهم؟ لأنه لا يوجد أحد يذهب إلى القدس،
تركتمونها، لماذا؟ لأنهم اغتصبوها منا. هل عندما يغتصب شخص ابنتك لن تذهب لزيارتها؟ أتكون هي التي تستحق اللوم أم أنت الذي تستحق اللوم حين تترك ابنتك؟ لا تذهب لزيارة الفتاة عند المغتصب! حسناً، ألا تسلم عليها؟ ألا تأخذ بخاطرها؟ حسناً، انظروا إلى الجريمة التي تُحاك ويتبادلون فيها التلقينات بينهم. أنا أريد أن أدخل هنا، أنا سائح وأريد أن أدخل هنا لأضع خدي على الحائط الذي كان عليه البراق الحقيقي، وليس الوهم.
لماذا تمنعني؟ لأنه لم يطلب أحد، لم يرد أي طلب بعد احتلال القدس الشرقية سنة سبعة وستين حتى اليوم، لم يطلب أحد زيارته، لم يفكر أحد أن يفعل هكذا. لماذا؟ هذا هو السؤال المحير. لماذا؟ لماذا نترك أشياءنا عند المحتل؟ بأي دعوة هذه أو بأي عقلية هذه أمام العالم؟ هل فعلنا شيئاً؟ نحن ذاهبون للسياحة ونريد أن نصلي هنا لماذا تمنعوننا؟ هيا نُحرجهم أمام العالم، حتى هذه لا نفعلها. ولذلك أمر مضحك جداً ما يحدث هذا أمر مضحك جداً لأنه يصب في
النهاية لمصلحة المحتل. سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم ببركته انتصرنا في رمضان في القادسية، وانتصرنا في رمضان في العاشر من رمضان، واستطعنا أن نهزم العدو ونقضي عليه ونسترد أرضنا، في أرض غيرنا لا تزال حتى اليوم محتلة، ما الغريب إذًا؟ جهة أو شيء ما يقول لك: لا، هذه لم تكن نصرًا، لم تكن نصرًا. هل أنت تعمل لصالح اليهود أم ماذا؟ إذن ما هذا الضرب الذي تعرضوا له كله؟ ماذا كان ذلك؟ حررنا أرضنا، كان ماذا؟ إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم
ورحمة الله وبركاته.