الصبر والشكر | المبشرات | حـ 16 | أ.د علي جمعة
- •الحمد لله بجميع أنواعه هو لله رب العالمين، ويشمل حمد القديم للقديم، وحمد القديم للحادث، وحمد الحادث للقديم، وحمد الحادث للحادث.
- •العبد عاجز عن إحصاء نعم الله وشكرها بالكامل، لذا يقول: "الحمد لله حمداً يوافي نعمك ويكافئ مزيده".
- •الصبر والشكر من صفات المؤمنين الذين وعدهم الله بالبشارة، كما في قوله تعالى: "وبشر الصابرين".
- •الصبر الجميل هو الذي يكون عند الصدمة الأولى، وفيه رضا وتسليم لله، وليس فيه معصية كشق الجيوب ولطم الخدود.
- •قوله تعالى: "إن الله مع الصابرين" بشارة عظيمة لا يمكن لبشر أن يأتي بها، فهي تعظيم لشأن الصابرين.
- •الابتلاءات نوع من التنبيه من الله، وهي محن فيها منح، فمنحتها الرجوع إلى الله وتصحيح المسار.
- •التواصي بالحق والصبر عليه يجعل الإنسان محلاً للبشرى.
مقدمة الحلقة والترحيب بالشيخ علي جمعة للحديث عن الصبر والشكر
[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
حلقة جديدة من حلقات برنامج المبشرات مع فضيلة الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية، أهلًا ومرحبًا بك.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم.
[المذيع]: أهلًا بك يا مولانا، نزلنا معك يا مولانا مع فضيلتكم في حلقات المبشرات، نتحدث عن صفات جيل النصر الإلهي أو جيل النصر المنشود. انتهينا من الكلام، وكنا مع فضيلتكم في الحلقة الماضية عن التقوى، نريد أن نتحدث اليوم إن شاء الله عن الصبر والشكر، تفضل يا مولانا.
الاعتراف بالجميل ومعنى الحمد لله رب العالمين
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أول شيء الاعتراف بالجميل.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:
قال رسول الله ﷺ: «من لم يشكر الناس لا يشكر الله»
جميل عليه الصلاة والسلام. والاعتراف بالجميل، وإذا بحثنا عن حقيقة الجميل وعن من قد صدر عنه الجميل، نجد أن الحمد لله رب العالمين.
الحمد لله، أي ماذا يعني الحمد لله رب العالمين، والتي يبدأ بها المسلم فاتحة الكتاب بعد البسملة؟ الألف واللام يقولون إنها للاستغراق، ومعنى الاستغراق أنك تزيلها وتضع مكانها كلمة "كل".
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: أي كل حمد هو لله رب العالمين.
[المذيع]: ما شاء الله، جميل.
معاني الألف واللام في الحمد لله بين الاستغراق والجنس والتعريف
أو الألف واللام هنا للجنس.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: يعني ما الذي للجنس؟ يعني أزلها وضع كلمة جنس، يعني جنس الحمد، المادة الخاصة بالحمد، القماشة الخاصة بالحمد لله رب العالمين.
[المذيع]: قريبة قليلًا من الاستغراق.
[الشيخ]: لكن غيرها.
[المذيع]: لكن غيرها، نعم.
[الشيخ]: فجميع أنواع الحمد، جميع ذات الحمد، كل الحمد هو لله.
[المذيع]: جميل.
[الشيخ]: كما يقول، قال للتعريف، الألف واللام للتعريف، أما هو عرّفها أما للعهد الذهني أو للعهد الحضوري أو للعهد الذكري أو كذا، الحمد لله رب العالمين. إن هذا الحمد هو كل الحمد، جنس الحمد.
[المذيع]: جميل ما شاء الله.
أشكال الحمد الأربعة بين القديم والحادث
طيب، ما شكل هذا الحمد؟ قال: إن هناك حمدًا هو حمد ربنا لربنا، حمد قديم الذي هو قديم. والحمد الثاني هو حمد قديم لحادث، ربنا يعني يمدح سيدنا محمد، ويمدح سيدنا إبراهيم، ويمدح الأنبياء والمرسلين والصالحين والشهداء.
وهناك حمد حادث لقديم، كما يقول: الحمد لله رب العالمين، فأنا حادث، أنا موجود الآن، مخلوق، وكنت قبل ذلك غير مخلوق، لم أكن قد وُجدت بعد.
وهناك حمد حادث لحادث أيضًا، يقول للآخر: متشكرين. فإذا كل أنواع الحمد في حقيقتها هي لله رب العالمين: حمد القديم للقديم، وحمد الحادث للقديم، هذه مفهومة، وحمد الحادث للحادث لا يكون إلا بإذن الله، وحمد الحادث للقديم لا يكون إلا بإذن الله، فكلها من الله ونعم بالله.
التوفيق الإلهي في الحمد وعجز العبد عن إيفاء حق الشكر
فإذن أنا وأنا أقول الحمد لله هذا بتوفيق ربنا، والتوفيق هذا معناه ماذا؟ خلق قدرة الطاعة في العبد، بمعنى أنني عملت طاعة، قال: نعم، قال: حسنًا، أليس الذي يعمل طاعة يحمد ربه عليها؟ قال: حسنًا.
وبعد ذلك أريد أن أقول الحمد لله أنه وفقني لأن قلت الحمد لله.
[المذيع]: جميل.
[الشيخ]: الحمد لله على نعمته، الحمد لله.
[المذيع]: نعم، ما شاء الله.
[الشيخ]: حسنًا، وحينها الحمد لله الذي أنا قلته النقطة الثانية هذه أليست توفيقًا أيضًا؟
[المذيع]: صحيح، تستحق الحمد أيضًا.
[الشيخ]: صحيح، ألا تتطلب حمدًا أيضًا؟ قال: تستحق الحمد، حسنًا، وماذا بعد؟ نحن هكذا معناه أننا سنعجز عن أن نحمد حمدًا واحدًا لأجل أن توفي حقه.
[المذيع]: لن تستطيع.
[الشيخ]: صحيحًا، نعم، أنت عاجز في مقابل الله.
معنى أحمدك حمداً يوافي نعمك ويكافئ مزيده وعجز العبد عن الشكر
فربنا سبحانه وتعالى أقول له يعني: أحمدك حمدًا يوافي نعمك ويكافئ مزيده، ويكافئ مزيده. انظر كيف يكون الكلام، كلام نقرأه أحيانًا ربما لا نفهمه صحيحًا.
الحمد لله حمدًا يوافي نعمك، حسنًا، إذن النعم كلها بما فيها النعم المتجددة التي هي حمدٌ حمدٌ حمدٌ، الحمدُ أهو يُكافئ؟ يعني أنا لن أستطيع أن أقولها.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: وإنما أنت من عندك احسبها لي هكذا؛ لأنني عاجزٌ عن شكرك في الحقيقة، وليس لدي قدرة على أن أشكرك بأكثر من ذلك. ماذا أفعل هنا؟ هذا ليس لأنك لا تستحق جلَّ جلالك؛ لأنني عاجز.
فضل الله في قبول الشكر القليل وفتح باب التوبة والمغفرة
ويكافئ مزيده، فكما قال تعالى:
﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: 7]
انظر إلى هذا الفضل، ما هذا يعني! عندما يعصي الإنسان يغضب، لكن الله لا يغضب عليّ، بل يفتح لي باب التوبة ويرحمني، سبحان الله.
وإذا فعلت أي شيء بسيط من الطاعة، فهو يغفر ويشكر. فإذا الحمد لله حمدًا يوافي نعمه ويكافئ مزيده؛ لأن الأمر وجده مفتوحًا ولا يعرف كيف يجمعه، والإنسان عاجز عن أن يوفي نعم الله.
﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ﴾ [إبراهيم: 34]
فالإنسان دائمًا يسلم لربه في هذا، وعليه أن يلهج بالشكر والحمد والثناء.
إظهار العجز عن الحمد نوع من أنواع الحمد وفهم الأدعية المأثورة
أي لا نحصي ثناءً عليك، لا نحصي ثناءً عليك لعجزنا، لسنا قادرين على حمدك كما ينبغي أن يكون، أي أنت كما أثنيت على نفسك.
[المذيع]: ما شاء الله، ما شاء الله.
[الشيخ]: يصبح هنا إظهار العجز هو نوع من أنواع الحمد. أي ينبغي للإنسان عندما يتكلم ويدعو بهذه الأدعية المأثورة التي وردت عن سلفنا الصالح، وبعضها وارد عن سيد المرسلين، أنه يعيش فيها وأنه يفهم معناها.
يعني ماذا معناها؟ أن النعم متجددة بحيث أنه لا يمكن لك أن تحصرها، وإذا حصرت نعمة واحدة فحمدت الله عليها فإنه لا يمكن أن تكافئ مزيده، وإذا حاولت ذلك بعبارات مجملة فإن ذلك يقتضي منك الاعتراف بالعجز أمام الله سبحانه وتعالى.
صفات المؤمنين المبشرين بالنصر وحديث عجباً لأمر المؤمن
إذن فمن صفات أولئك المؤمنين الذين بشرهم الله بالدفاع عنهم وبنصرهم وبهذه المبشرات الطيبات، أن يكون موفقًا لما يجب عليه أن يكون من حمد.
ولكن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
قال رسول الله ﷺ: «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر فكان ذلك له خيرًا، وإن أصابته ضراء صبر فكان ذلك له خيرًا»
حتى الشوكة يُشاكها المؤمن، يعني شوكة أصابته هكذا، دخلت في رجلي، فإن الصبر عليها والصبر على ألمها واحتساب ذلك عند الله تعالى يجعله في مصاف الصابرين.
معنى الصبر الجميل وأنه يكون عند الصدمة الأولى
الشكر واجب، طيب، والصبر، ربنا سبحانه وتعالى تكلم فقال:
﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: 18]
صبر، وليس أي صبر هكذا وانتهى الأمر، إنه صبر لا بد أن يكون جميلًا. فالصبر الجميل هو الصبر الذي يكون عند أول الصدمة، عند الصدمة الأولى.
فعندما رأى [النبي ﷺ] امرأة وهي تبكي وتولول وتصرخ وما إلى ذلك، نصحها بأن تصبر، فقالت: إليك عني، أي اتركني وشأني. فلما أخبروها أن ذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهي يبدو أنها لم تنظر إليه من شدة الألم أو من مصابها الذي عاشت فيه وأدخلت نفسها في الحزن الشديد من غير رؤية لإمكانية الصبر - ذهبت وراءه وقالت: يا رسول الله اصبر [أي أريد أن أصبر].
قال: إنما الصبر عند الصدمة الأولى.
الصبر خلق إيماني مبني على الرضا بالقضاء والتسليم لله
الصبر يعني ليس بمعنى التصبر هكذا، لا، إنه الصبر هذا خلق من الداخل يؤمن بقضاء الله وقدره ويرضى عنه ويسلم أمره إليه.
وكما قلنا في حلقة من الحلقات: الرضا على أمر واقع والتسليم على أمر قادم. فإذا كان هذا الصبر موجودًا أساسه في النفس البشرية قبل المصاب، فعندما يأتي المصاب يكون الإنسان قد عرف كيف سيتصرف.
فإنما الصبر عند الصدمة الأولى، هذا الصبر يكون جميلًا عندما يكون فيه تسليم ورضا، ويكون التسليم جميلًا أيضًا عندما لا يدخل الإنسان في المحرم.
[المذيع]: هل نستطيع أن نستكمل صفات الصبر الجميل يا مولانا بعد الفاصل إن شاء الله؟ فاصل نعود إليكم فابقوا معنا.
استكمال صفات الصبر الجميل وأنه صبر دائم لا يوقع في المعصية
[المذيع]: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عدنا إليكم من الفاصل، الجزء الثاني من حلقة اليوم من برنامج المبشرات مع فضيلة الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة مفتي الدار المصرية. كنا توقفنا مع مولانا عن الحديث عن الصبر، ومولانا يشرح لنا معنى الصبر الجميل، تفضل يا مولانا.
[الشيخ]: فقلنا فصبر جميل معناها أنه صبر عند الصدمة الأولى، قلنا أن الصبر الجميل معناه أنه صبر فيه رضا وتسليم، قلنا أن الصبر الجميل معناه أنه صبر دائم وليس صبرًا مؤقتًا، قلنا أن الصبر الجميل معناه أن ذلك الصبر الذي لا يوقعني في المعصية.
النهي عن شق الجيوب ولطم الخدود والفرق بين الصبر الرباني والاجتماعي
ولذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
قال رسول الله ﷺ: «ليس منا من شق الجيوب ولطم الخدود»
وهذه كلمة شديدة بعض الشيء. عندما يصاب الإنسان بمصيبة، سواء من فقد مال أو فقد عزيز لديه أو فقد أي شيء يكون متعلقًا به، ترى بعضهم يشق الجيوب، ألا إن هذا قمة الاعتراض بالوقوع في المعصية.
وهناك أناس لا يفعلون ذلك، ولكن خوفًا من المجتمع وليس صبرًا ربانيًا. الصبر الجميل هو الصبر الرباني الذي يأتي عن عقيدة، الصبر الذي يأتي عن تسليم لله ولأمر الله، الصبر الذي يأتي عن رضا بقضاء الله.
أما الصبر الاجتماعي بأنه يعني عيب أن أفعل هكذا أمام الناس، فهذا يعني ماذا؟ رقم ثلاثة أو أربعة أو خمسة [في مراتب الصبر].
ارتباط الصبر بالاستعانة بالله وأن الشكر والصبر من صفات المؤمن المبشَّر
الصبر الجميل، فصبر جميل والله المستعان، يكون إذن الصبر مرتبط بالاستعانة، أنني أستعين بالله سبحانه وتعالى وأستعين بالإله الذي آمنت به ورجوت منه الخير.
عندما نأتي لنقول إن الشكر والصبر من صفات المؤمن الذي يُهيئ نفسه من أجل أن يعرضها للبشرى.
[المذيع]: جميل.
[الشيخ]: يُهيئ نفسه فيعرضها للبشرى، فيعرضها للبشرى، أي أنه يُهيئ نفسه بالصبر ويُهيئ نفسه بالشكر حتى يكون محلًا للبشرى، حتى يكون موضوعًا للبشرى، حتى تتنزل عليه قضايا البشرى التي بشرنا الله سبحانه وتعالى بها.
بشرى الله للصابرين ومعية الله مع الصابرين في القرآن الكريم
ما هي هذه البشرى؟
﴿وَبَشِّرِ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ [البقرة: 155]
انظر، انظر إلى الكلام: وبشر الصابرين. إذن، الصابر هذا هو الشاكر أيضًا في ذلك:
﴿لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [إبراهيم: 5]
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: لكل صبار شكور، فهنا الصبر والشكر عرّضاه للبشرى، جعلاه هناك بشرى.
[المذيع]: نعم، حسنًا، ما هي هذه البشرى؟ وبم يبشر الله الصابر؟
[الشيخ]: نعم، فيأتي أن الله مع الصابرين.
[المذيع]: جميل.
[الشيخ]: ربنا معنا، يعني نصبر ربنا يكون معنا سبحانه وتعالى، ما رأيك؟ هذا الكلام لا يمكن لبشر أن يقوله.
إن الله مع الصابرين عبارة لا يستطيع بشر أن يقولها وتعظيم النبي لله
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: وإذا كان هذا القرآن كما يقول الكافرون من صناعة محمد، ما استطاع أن يأتي محمد بهذه العبارة.
[المذيع]: ما شاء الله.
[الشيخ]: نعم، أقول ذلك، إن الله مع الصابرين، حسنًا، لماذا؟ لأن محمدًا إنسان يعظم الرب الذي يدعو إليه، ويقول إنه ملك الملوك، وأنه لا ينبغي لأحد أن يُسمى ملك الملوك، وأن أخنع الأسماء عند الله "شاه شاه"؛ لأن معناها ملك الملوك؛ لأن ملك الملوك هو الله.
يعظمونه كثيرًا لدرجة أنه جعل أتباعه يسجدون لذلك الإله، يعني أربعة وثلاثين سجدة في اليوم في سبعة عشر ركعة.
[المذيع]: سبعة عشر، جميل.
[الشيخ]: يعني محمد من داخله يعظم هذا الإله الذي يدعو إليه.
[المذيع]: نعم.
دلالة كلمة مع في اللغة العربية وأنها تدخل على الأعظم تعظيماً للصابرين
طيب، ماذا تقول الآية: إن الله مع الصابرين؟ "مع" تدخل في اللغة العربية التي محمد أفصح العرب فيها على العظيم، تدخل على الأعظم.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: فكان لما يقول يقول: إنا الصابرين مع الله [أي لو كان من عند محمد لقال: الصابرون مع الله].
[المذيع]: جميل.
[الشيخ]: إنما هو لم يقل [ذلك]، صلى الله عليه وسلم بلّغ عن ربه فأحسن التبليغ، وأدى الرسالة فأتم التبليغ، لم يغير فيها حرفًا أبدًا. أي وما كان يستطيع، هذا شيء من عند ربنا يا إخواننا.
أن الله مع الصابرين، هذا تعظيم لشأن الصابرين لا يكون إلا من رب العالمين الذي أنزل القرآن.
[المذيع]: ما شاء الله، ما شاء الله.
قاعدة مع في اللغة تدخل على الأعظم وبشرى الله للصابرين جائزة عظيمة
صحيح، هكذا هو قاعد [أي هكذا هي القاعدة]، جاء الوزير مع السلطان، عيب أن تقول جاء السلطان مع الوزير.
[المذيع]: نعم، لا يصح.
[الشيخ]: نعم، هذا الوزير يدخل على الأعظم، على الأعظم.
[المذيع]: نعم، الوزير مع السلطان والحاكم، وليس الحاكم يأتي مع الوزير.
[الشيخ]: لا، لا يأتي مع الوزير، الوزير هو التابع وهو الذي يأتي في المعيّة. فعندما الله سبحانه وتعالى يمنُّ على الصابرين ويقول لهم: إن الله مع الصابرين، فهذه جائزة جميلة.
[المذيع]: ما شاء الله.
[الشيخ]: إنها شيء عظيم لا يستطيع أحد من البشر أن يقولها.
[المذيع]: ما شاء الله.
[الشيخ]: هذا يقوله ربنا، فالذي قال هذا الكلام هو ربنا.
[المذيع]: نعم.
البشرى تدعو المؤمن إلى الشكر والصبر ليكون حاله كله خيراً مع الله
أتكون هذه بشرى أم ليست بشرى؟ إنها بشرى جميلة، بشرى بلا شك. وهذه البشرى تدعو المؤمن إلى الشكر والصبر، إلى أن يكون حاله كله مع الله هو حال خير، إن أصابته سراء شكر وإن أصابته ضراء صبر.
وعلى ذلك فيكون على كل حال فيه تلك الصفة التي تدخله في نطاق البشرى وتجعل الله سبحانه وتعالى معه.
[المذيع]: وبشر الصابرين هي الآية القرآنية يا مولانا:
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَىْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلْأَمْوَٰلِ وَٱلْأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِ وَبَشِّرِ ٱلصَّـٰبِرِينَ * ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَـٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوٓا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ﴾ [البقرة: 155-156]
هي مولانا.
الابتلاءات رحمة وتنبيه من الله وتدبر القرآن طريق الهداية
[المذيع]: هذا رد يا مولانا من فضيلتك أو من آيات القرآن الكريم على الابتلاءات التي نتعرض لها في الأمة حاليًا، نقص من الأموال والأنفس والثمرات؟
[الشيخ]: يعني نحن من نعمة الله علينا أنه ينبهنا التنبيه تلو التنبيه، وأول التنبيه أن تتدبر القرآن وأن تطلب منه الهداية.
﴿وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ﴾ [النحل: 112]
ليس كفرت بالله بل بأنعمه، هذه كفرت بالنعمة.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: وكفر النعمة أقل من الكفر بالله؛ لأن كفر النعمة معناه أنه قد خرج عن نطاق الشكر والصبر.
عاقبة كفر النعمة وإذاقة الله لباس الجوع والخوف بسبب ما يصنعون
[المذيع]: على فكرة أيضًا.
[الشيخ]:
﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَٰقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: 112]
لا إله إلا الله، يعني بسبب ما كانوا يصنعون، فالباء هنا يسمونها باء السببية التي تعني بسبب.
لماذا؟ لماذا هكذا يا رب تفعل بنا هذا؟ كما يقولون في الأفلام هكذا: لماذا يا رب تفعل بنا هكذا؟ هذا اعتراض.
[المذيع]: نعم، هذا خطأ، عوّدوا الناس على نطقها يا مولانا للأسف.
[الشيخ]: آه، خطأ، هذا منهي عنه من المناهي. لا، بسبب:
﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـٰكِن كَانُوٓا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: 160]
الابتلاء تنبيه من الله وبشرى الصابرين الذين يقولون إنا لله وإنا إليه راجعون
فهنا:
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [البقرة: 155]
يعني نوع من أنواع التنبيه، أي وأيضًا مع هذا التنبيه بيّن لنا كيف نتعامل معه:
﴿وَبَشِّرِ ٱلصَّـٰبِرِينَ * ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَـٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوٓا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ﴾ [البقرة: 155-156]
ولم يتبرموا ولم يرفضوا هذا. فإذا رفضوا سنجد:
﴿وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ﴾ [النحل: 112]
يعني إذن هنا فقد الشكر وفقد الصبر، فجزاها الله وأصابها الله بنقص من الأموال والأنفس والثمرات.
﴿وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْأَدْنَىٰ دُونَ ٱلْعَذَابِ ٱلْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [السجدة: 21]
وإذا لم يرجعوا، فسيذهبون إلى العذاب الأكبر، احفظنا يا رب.
المصائب محن فيها منح والرجوع إلى الله هو المنحة الحقيقية
فكل هذه المصائب هي رحمة، أي نقول فيها إنها محن فيها منح، محن فيها منح.
[المذيع]: نعم، جميل.
[الشيخ]: محن ومنحة، هي فقط الحاء قبل النون والنون قبل الحاء، فيتغير المعنى.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: إنها محنة لكن فيها منحة.
[المذيع]: جميل!
[الشيخ]: ما هي محنتها؟ الضيق والنقص والجوع. وما هي منحتها؟ الرجوع والأوبة إلى الله سبحانه وتعالى والتصحيح.
[المذيع]: نعم.
عاقبة عدم الرجوع إلى الله والتواصي بالحق والصبر عليه
طيب، وإذا لم يرجع؟
﴿وَٱعْلَمُوٓا أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: 24]
لن ينصره ولن يفتح عليه وسيضيق عليه في الدنيا وفي الآخرة، ويتحول الكفر بنعمة الله إلى الكفر بالله، كما لقد شاع في بعض الناس - والعياذ بالله تعالى -.
لكن مع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مع التواصي بالحق والتواصي بالصبر على الحق، فلكي تصبر لا بدّ من أن تعرف أين الحق.
﴿وَتَوَاصَوْا بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِٱلصَّبْرِ﴾ [العصر: 3]
التواصي بالحق، وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر على ذلك الحق، لكي تعرف كيف تصبر عليه.
ختام الحلقة والشكر للشيخ علي جمعة على حديث الصبر والشكر
[المذيع]: حسنًا، إذن يا مولانا وقت الحلقة يمضي مع فضيلتك سريعًا، سنستكمل الحوار مع فضيلتك في الحلقة القادمة إن شاء الله.
اسمحوا لي باسم حضراتكم أن نشكر مولانا الإمام الدكتور علي جمعة، على أن نلتقي في حلقة قادمة إن شاء الله. إلى ذلك الحين نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
