الضار النافع | من أسماء الله تعالى الحسنى | أ.د علي جمعة - اسماء الله الحسنى, تصوف

الضار النافع | من أسماء الله تعالى الحسنى | أ.د علي جمعة

7 دقائق
  • الضار النافع من الأسماء الحسنى المزدوجة المتقابلة التي تدل على كمال الله سبحانه وتعالى.
  • يذكر هذان الاسمان العبد بأنه لا ملجأ ولا منجى من الله إلا إليه.
  • اعتقاد أن الله هو المقدر للضرر يعلم العبد العفو والصفح وعدم إلقاء المسؤولية على أحد سواه.
  • الإيمان بأن الله هو الضار النافع يعلم الصبر والحكمة وعدم الأسى على ما فات.
  • هذه العقيدة لا تعني إنكار الأسباب أو ترك معاقبة المسيء، بل هي عقيدة قلبية تضبط سلوك المؤمن.
  • من يظن نفسه ضارًا نافعًا فقد وصف نفسه بما وصف الله به نفسه.
  • المسلمون عبر تاريخهم واجهوا قوى عظيمة بإيمانهم بأن الضار النافع هو الله وحده.
  • هذا الإيمان جعل المسلمين يعيشون في سلام ويجعلون الآخرين يعيشون في سلام طوال تاريخهم.
  • المسلمون آووا غيرهم وأكرموهم لإيمانهم بأن الله هو الضار النافع.
محتويات الفيديو(7 أقسام)

مقدمة في اسمي الله الضار النافع من الأسماء الحسنى المزدوجة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع اسم من أسماء الله الحسنى،

﴿وَلِلَّهِ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: 180]

قد ورد في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وهي من الأسماء المزدوجة المتقابلة التي بتمامها تدل على كمال الله سبحانه وتعالى، وتُذكِّر الإنسان في الوقت نفسه أنه لا ملجأ ولا منجى من الله إلا إليه: الضار النافع.

والأولى أن تُذكرهما معًا، وتذكر أن الله هو الضار النافع معًا. لماذا؟ لأنك إذا اعتقدت أن رب العالمين هو الذي يُقدِّر الضرر فلا تُلقي بمسؤولية الضرر على أحد؛ فيُعلِّمك ذلك العفو والصفح.

الإيمان بأن الله هو الضار يعلم الإنسان الصبر والعفو والصفح

فإذا تسلَّط عليك أحد فآذاك، فاعلم أن هذا [الأذى] من عند الله، وأنه هو الذي سلَّطه عليك ليؤذيك. فماذا عنك؟ لا بد من الصبر، لا بد من الحكمة، لا بد من العفو والصفح.

ونرى أن الله قد سلَّط ذلك العبد بذلك الفعل على هذا الإنسان فأضرَّه، لكن الضار الذي خلق هذا [الضرر] هو وحده سبحانه وتعالى. والله حكيم ونحن نحبه وهو يحبنا، ومن أجل ذلك نرضى ولا نأسى على شيء فاتنا.

﴿لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ﴾ [الحديد: 23]

فإذا كانت كلمة الضرر لما اعتقد فيها [الإنسان] ستعلِّمني الصبر، ستعلِّمني ألا أنسب شيئًا لغير الله.

التحذير من ترك العفو والصفح ونسبة الضر والنفع لغير الله

إذن يقول [قائل]: نعم، هذا مؤذٍ ولازم أنتقم منه ولا بد آخذ حقي، فلا عفو ولا صفح ولا صبر ولا حكمة ولا حقيقة [في ذلك التصرف]. فيُعلِّمنا [الله] ويقول لنا دائمًا: أنا الضار وأنا النافع، ولا يكون في هذا الكون شيء إلا ما أراده وقضى به سبحانه وتعالى.

واعلم أن الناس لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لن يضروك بشيء إلا ما كتبه الله عليك، ولو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك بشيء إلا بما قدَّره الله لك. جفَّت الأقلام وطُويت الصحف، والله هو النافع سبحانه وتعالى.

الإيمان بالضار النافع لا يعني إنكار الأسباب أو الرضا بالظلم

هذا [الإيمان بأن الله هو الضار النافع] لا يجرُّنا إلى إنكار الأسباب، إنما هذه عقيدة في القلب تجعلنا نفعل الخير. هذا لا يجرُّنا إلى الرضا بالضرر، وأن فلانًا إذا ضرب فلانًا أو قتله فإن الله هو الذي قتله ونترك هذا القاتل. لا، هذا القاتل يجب أن يُعاقَب ويُضرَب على يده ويُؤخَذ بجريرته.

إنما العقيدة في القلب لا تجعلك متهورًا إلى الحد الذي تنسب فيه هذا الفعل إليه [أي إلى الفاعل] بذاته من غير قدرٍ مُقدَّرٍ سبحانه وتعالى، فتختلُّ تصرفاتك وأفعالك، وتخرج [عن] حد الرضا والتسليم والصبر والأناة والحكمة ورؤية ما في الكون وما وراء هذا.

خطورة نسبة الضر والنفع للنفس وما يترتب عليها من تصرفات عنيفة

تخرج بذلك إلى حد التصرف الشرس العنيف الذي نراه في كثير من الأمم الذين لم يعرفوا أن الله هو الضار وهو النافع، وظنوا أنفسهم أنهم هم الضارون النافعون، فوصفوا أنفسهم بما وصف الله به نفسه.

ونحن نحذِّرهم أجل أن نحجز هؤلاء الناس عن النار، وعن يوم آخر نعود فيه إلى ربنا سبحانه وتعالى، نقف بين يديه للحساب للثواب والعقاب.

نحذِّر أولئك الذين يتخذون القرارات ويحرِّكون الجيوش ويقتلون الأطفال والنساء وينتهكون في كل مكان كرامة الإنسان، نحذِّرهم أنهم يُنزِلون أنفسهم منزلة المحارب لله بالمعصية، ويعتبرون أنفسهم الضار النافع، والضار النافع هو الله [وحده].

ثبات المسلمين عبر التاريخ بإيمانهم أن الله هو الضار النافع

والعالم الإسلامي جاءته التتار وجاءته الحملات الصليبية، وجاءه بعد ذلك الاستعمار، وجاءه بعد ذلك وقبل ذلك الفرس والروم. فكان المسلمون على يقين ووضوح أن الضار النافع هو الله، فلا إله إلا الله، وأن الله إذا سلَّط العباد علينا ندعو الله أن يرفع أيدي الأمم عنا حتى نُنمِّي أنفسنا ونعيش في سلام كما كنا نعيش في سلام، ونجعل الناس تعيش في سلام.

تعيش في سلام كل التاريخ الإسلامي آويناهم فيه؛ لأننا نؤمن بالضار والنافع، وهدَّأناهم وعاشوا في أوساطنا، وإلى يومنا هذا من طنجة إلى جاكرتا ومن غانا إلى فرغانة.

خاتمة والدعاء بأن يعلمنا الله معنى اسمه الضار النافع

فما الذي حدث؟ أننا نعلم [أن الله هو] الضار النافع، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يُعلِّمنا [معنى اسمه] الضار النافع.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.