الفقيه .. المفتي .. القاضي | | أ.د علي جمعة
- •يوجد فرق بين الفقيه والمفتي والقاضي، فالفقيه يدرك الحكم الشرعي فقط.
- •المفتي يقوم على ثلاثة أركان: إدراك الحكم، وإدراك الواقع، وكيفية الوصل بينهما مع مراعاة مقاصد الشريعة ومصالح الناس.
- •من يفتي دون إدراك للواقع أو مراعاة المآلات يسمى بالمفتي الماجن الذي يجب الحجر عليه.
- •يوضح الإمام القرافي في كتابه "الأحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام" أن من يقرأ الحكم في الكتب وينزله على الواقع دون إدراك الفروق هو ضال مضل.
- •القاضي يتميز بسلطة تغيير الواقع، فحكمه ينفذ ظاهراً وباطناً، أما المفتي فلا يستطيع تغيير الواقع بنفسه.
- •القاضي له حصانة ومهابة لأن الله وضع في يده سلطة تغيير الواقع.
- •تصدر غير المتخصصين للإفتاء فتنة، ولذلك تمنع هيئة كبار العلماء غير المؤهلين من الإفتاء.
- •وضع الشخص المناسب في المكان المناسب أساس مهم في العلوم الشرعية كما في الطب وغيره.
الفرق بين الفقيه والمفتي في إدراك الحكم والواقع
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
هناك فرق بين الفقيه والمفتي والقاضي، وهذا الفرق ألّف فيه العلماء. فالفقيه يدرك الحكم، ولكن المفتي لا بد أن يدرك مع إدراكه للحكم يدرك الواقع، ويدرك بملكة تُعدّ ركنًا ثالثًا في الإفتاء، وهو كيف يوقع المطلق الذي في الكتاب والسنة، بل المفهوم من كلام الأئمة المجتهدين، على الواقع وهو مركب نسبي متغير شديد التدهور شديد التطور.
فلا بد من هذه الثلاثة للمفتي: أن يدرك حكم الله، ثم يدرك الواقع، ثم يعرف كيف يصل بينهما، فيخرج بالإفتاء مراعيًا مقاصد الشريعة، ومراعيًا مصالح الناس، ومراعيًا إجماع الأمة، ومراعيًا قوانين العربية، ومراعيًا مآلات فتواه إلى ما تؤول.
صفات المفتي الماجن ووجوب الحجر عليه عند العلماء
فإذا لم يراعِ ذلك [المفتي تلك الأركان الثلاثة] وضرب بذلك كله عرض الحائط، فلم يسأل في إدراك واقع ولا فيما تؤول له الفتوى من المصالح والمفاسد، ولا يراعي الإجماع فيقف سقفًا لا يتعداه، ولا يلتزم بقوانين العربية، سُمّي بـالمفتي الماجن.
وأمرنا علماؤنا عبر القرون بالحجر عليه؛ إذ من يهرف بما لا يعرف ويتصدر قبل أن يتعلم فجزاؤه المنع، وليس في المنع إهانة. ليس كل من تعلم الفقه وأدرك معانيه وحفظ أحكامه عرف الواقع.
كلام الإمام القرافي في الفرق بين الفتاوى والأحكام وإدراك الواقع
ويقول الإمام القرافي في كتابه الماتع [الأحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام]: انظر، الفتاوى شيء والأحكام شيء.
ما الفرق بينهما؟ إدراك الواقع. فلو أنني فقيه جلست في غرفتي المغلقة وبرجي العاجي مع كتبي أقرأ وأحفظ وأفهم، ولكنني لا أدرك الواقع ولا أعرف كيف أفتي هذا وأفتي هذا، فعليّ أن أكتب لا أن أفتي.
فهناك فرق بين التأليف في الفقه وبين إفتاء الناس بما ينفعها في حياتها الدنيا.
تحذير القرافي ممن ينزل الحكم القديم على الواقع دون إدراك الفرق بينهما
فإذا خرج [الفقيه] معتقدًا أن ما معه يكفي، فرأت جماعة العلماء أن هذا فيه فتنة. يقول القرافي: ومنهم من يقرأ الحكم في الكتاب — الحكم في الكتاب هذا يعني ماذا؟ يعني الذي قاله [الإمام] مالك منذ ألف ومائتي سنة مضت — يقرأ الحكم في الكتاب فيوقعه على واقعه، ينزله على النازلة دون أن يدرك الفرق بينهما.
فهو ضال مضل. لماذا؟ تكلم بالحق في غير موطن الحق. ضال مضل، هذا الكلام يعني ليس هناك فيه مفاصلة.
خطورة الفتوى بإباحة الخمر وأثرها على الناس
فإذا خرج أحدهم وفهم نصًا بطريقة عوجاء من نصوص كثيرة لأبي حنيفة النعمان رضي الله تعالى عنه، فعرف منها وتوهم أن الخمر حلال وأن الوسكي حلال وأن الشامبانيا حلال، فبادر لإعلان هذا الخبر على الناس: جاء لكم الفرج!
فكم من شخص امتنع عن الشرب عشرين سنة وجاءني يبكي قال: والله من هذه الفتوى رجعت إلى الشرب.
فهل هذا يرضي الله؟ [لا يرضي الله أبدًا].
دور هيئة كبار العلماء في منع غير المتخصصين من الإفتاء
وعندما تمنع هيئة كبار العلماء غير المتخصصين في الإفتاء، الباحثين عن الحق، غير الأكفاء من هذه الفتنة، تكون هي المخطئة؟ وهناك إهانة للأساتذة الأزهر الشريف؟ ما كان هذا أبدًا.
نحن نؤتي كل شيء في مناسبته، نضع الرجل المناسب في المكان المناسب. الطبيب لا يكون طبيبًا إلا بعد أن يشهد له أساتذته في الطب أنه طبيب، فإذا كان طالبًا في السنة الخامسة فإنه لا يجوز له مزاولة الطب أبدًا.
وهذا ليس إهانة لطلبة العلم الشريف الطبي أبدًا، هذا لا يكون أبدًا، ولا يكون الخلط بين التخصصات فيتصدر كل واحد منهم وهو لا يعرف معنى الفقه والإفتاء والقضاء.
أركان الفقه والفتوى والقضاء والفرق بينها
أما الإفتاء فعلى ثلاثة أنحاء. يبقى الفقه على نحو واحد: إدراك الحكم الشرعي. الفتوى على ثلاثة أركان: إدراك الحكم، وإدراك الواقع، وكيفية الوصل بينهما.
القضاء يغير الواقع، المفتي لا يستطيع أن يغير الواقع. حضرة القاضي تُرفع إليه المرأة شكواها وتطلب منه التطليق. الطلاق بيد الزوج، لكن القاضي يسمع شكواها فيحكم بالتطليق، فتُطلَّق رغمًا عن الرجل وعن رغبته وشهوته.
فيقول [الزوج]: أنا لم أطلق، هذا القاضي هو الذي طلق! أحضر زمارة من الشارع واجلس وازمر، فستعتد وستتزوج عند الله وعند الناس.
حكم القاضي ينفذ ظاهرًا وباطنًا ولا ينقض بالاجتهاد
ولذلك قالوا: حُكْمُ القاضي يُنَفَّذُ ظاهرًا وباطنًا؛ ظاهرًا عند الناس، وباطنًا عند الله.
وماذا لو أخطأ القاضي؟ إذا أخطأ فلم يخطئ، حكمه سارٍ، والاجتهاد لا يُنقَض بالاجتهاد، وإلا لن تستقر المعاملات بين الناس.
فهناك فارق بين الفقه وبين الفتوى وبين القضاء.
الفرق بين سلطة المفتي وسلطة القاضي في تغيير الواقع
الإفتاء لا يستطيع أن يفعل هذا [تغيير الواقع]. يذهب [المفتي] ويقول: أنا أرى أنكِ قد طُلِّقتِ. بكلامه هذا وكان ردها: طيب، وبعد ذلك ماذا أفعل؟ فيقول لها: ارفعي أمرك إلى القاضي الذي بيده تغيير الوضع.
فتذهب إليه وتقول: يا حضرة القاضي، أريد أن أُطلَّق من هذا الرجل، لقد فعل كذا وكذا وكذا، وسيدنا المفتي أفتى لي أن الطلاق قد وقع. ولم يرَ القاضي هذا فحكم بزوجيتها، فهي زوجة له ورفع الخلاف عند الناس وعند الله. قدّر هكذا.
سلطة القاضي في تغيير الواقع وحصانته لتحقيق المهابة
سلطة وضعها الله في يد القاضي، ولذلك عملنا له ماذا إذن؟ لكي نجعله هكذا ندلله قليلًا، أعطيناه حصانة حتى تكون هناك مهابة.
لا أحد يستطيع أن يقبض عليه، حضرة القاضي هذا قاضٍ إذن. لماذا؟ لأن الله وضع في يده سلطة تغيير الواقع، وينفذ حكمه ظاهرًا عند الناس وباطنًا عند الله.
