المجلس التاسع عشر من شرح متن الغاية والتقريب | أ.د علي جمعة
- •شروط وجوب الصلاة ثلاثة: الإسلام والبلوغ والعقل، وهي تعني متى تنشغل ذمة المؤمن بالصلاة.
- •غير المسلم ليس مخاطباً بفروع الشريعة، بل يُخاطب بالإسلام أولاً، وبعد إسلامه يُخاطب بالصلاة وسائر العبادات.
- •الإسلام يجبُّ ما قبله، فلا يُطالب من أسلم بقضاء العبادات السابقة لإسلامه.
- •من أسلم على زواج قديم يستمر عليه ولا يلزمه تجديد العقد.
- •الطفل غير البالغ لا تجب عليه الصلاة، لكن صلاته صحيحة وتعتبر نافلة، ولا يؤاخذ بتركها.
- •المجنون والنائم ومن زال عقله لا تجب عليهم الصلاة لفقدان شرط العقل.
- •الحرية والذكورة ليستا من شروط وجوب الصلاة.
- •التكليف هو طلب ما فيه مشقة، والأحكام التكليفية أربعة: الواجب والمندوب والمكروه والحرام.
- •الإباحة ليست من التكليف الحقيقي لانتفاء المشقة فيها، وتُذكر مع الأحكام التكليفية لتمام العدد.
مقدمة الدرس وبيان فصل شرائط وجوب الصلاة الثلاثة
بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، الحمدُ للهِ والصلاةُ والسلامُ على سيدِنا رسولِ اللهِ وآلِهِ وصحبِهِ ومن والاهُ.
قالَ المصنفُ رحمه الله تعالى ونفعنا الله بمعلومه في الدارين: فصلٌ، وشرائطُ وجوبِ الصلاةِ ثلاثةُ أشياء: الإسلامُ...
فهناكَ شرائطُ وجوبٍ وهناكَ شرائطُ صحةٍ. شرائطُ الوجوبِ تعني: متى تنشغلُ ذمةُ المؤمنِ بهذه الصلاةِ؟ ثلاثةُ شروطٍ، أولها: الإسلامُ.
هل غير المسلم مخاطب بفروع الشريعة وخلاف الأصوليين في ذلك
حسنًا، شخصٌ غيرُ مسلمٍ، هل هو مخاطبٌ بفروعِ الشريعةِ؟ أي غيرُ المسلمِ عندما يؤذَّن الفجر، كأنَّ الملائكة قد وجَّهت إليه خطابًا: قم فصلِّ. ولو كان الأمر كذلك، يكون غير المسلم مخاطبًا بفروع الشريعة، وهو أمرٌ فيه خلافٌ بين الأصوليين: هل يُكلَّف غير المسلمين بفروع الشريعة؟
يعني طوال النهار، يا عيني، عليه إثمٌ؛ الملائكة تقول له: خيَّبك الله لم تصلِّ، خيَّبك الله ما توضأت، سيخيبك الله ما صمت. هكذا قاعدون، يعني عليه [إثم] أم ليس مخاطبين لأنه لم يسلم بعد؟
الإسلام شرط الوجوب وغير المسلم يُخاطب بالإسلام لا بالصلاة
فهنا ماذا يتبع عندما يقول [المصنف] أن شرط الوجوب هو الإسلام؟ إذن الصلاة ليست واجبة على غير المسلم، يعني الكافر ليس مخاطبًا بفروع الشريعة.
أي أنَّ غير المسلم لا يتوجه إليه خطاب الصلاة، إنما يتوجه إليه خطاب الإسلام. نقول له: أسلِم، وليس نقول له: صلِّ. نقول له: أسلِم، وبعد إسلامه نقول له: صلِّ؛ لأنك دخلت في دائرة الإسلام.
هل هما أمران أم أمرٌ واحد؟ خلافٌ بين العلماء؛ فمن قال أنه أمرٌ واحد فهو يخاطب الكفار بفروع الشريعة، ومن قال لا، فالإسلام شرط الوجوب أن يكون مخاطبًا، فلا يُخاطب الكفار بفروع الشريعة. شرط الوجوب هو الإسلام.
حكم من أسلم بعد سنوات من الكفر والإسلام يجبّ ما قبله
نعم، لكن الذي خارج الإسلام غير مكلف. وافترض أنه أسلم وهو عمره أربعون سنة، هل نقول له أن يعيد كل هذا؟ أم أنَّ الإسلام يجبُّ ما قبله؟
فالحديث نصه:
قال النبي ﷺ: «الإسلام يجبُّ ما قبله»
أي نبدأ صفحة جديدة؛ عليك أن تصلي من الآن بعدما دخلت الإسلام. فقد وجبت عليك الصلاة والزكاة والحج والصيام، وحُرِّمت عليك السرقة، وحُرِم عليك كذا وكذا إلى آخره.
حكم زواج الكافر إذا أسلم هو وزوجته واستمرار عقد النكاح الأول
وإذا كان هذا الكافر معه زوجته، لكنه متزوجها ليس على سنة الله ورسوله، بل متزوجها على سنة الصنم الذي كان يعبده أو الطوطم الذي كان يتبعه، أسلموا هما الاثنان، لا يجددان عقدهما بل يستمران بالنكاح الأول أو الزواج الأول.
لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم عندما أسلم الناس لم يجدد لهم عقودهم ولا زواجهم. ليست هذه عقودًا باطلة، إنها ليست عقودًا باطلة، ولم يصف من كان كذلك بأنه ابن زنا. لا، بل هو نكاحٌ صحيح، ولكن عندما أسلم يبقى على عقده الأول.
العقد الذي أبرمه في الشهر العقاري هذا، أو لا أعرف في قصر الحكم أو في أي مكان في أي بلد.
حكم من أسلم ثم ارتد ثم عاد إلى الإسلام في إعادة العقد والصلوات
مثال ذلك: من أسلم ثم خرج من الإسلام ثم عاد مرة أخرى، هل يلزمه أن يعيد العقد ثانيةً؟ الصلوات فيها قولان: قالوا يعيدها، وقالوا لا يعيدها؛ لأنَّ عمله باطلٌ ومردود.
فمن شرائط وجوب الصلاة الإسلام، وخارج دائرة الإسلام ليس هناك خطابٌ أصلًا متوجهٌ إليه. فإذا أسلمتَ فالإسلام يجبُّ ما قبله.
البلوغ شرط وجوب الصلاة وصلاة الطفل تكون نافلة لا فريضة
والبلوغ أيضًا [شرطٌ من شروط وجوب الصلاة]، إذ إنَّ الطفل خارج نطاق تكليف الصلاة. فإذا صلَّى طفلٌ في سن السابعة أو العاشرة ولم يبلغ بعد وصلَّى، كانت صلاته نافلة؛ صلاةٌ صحيحة.
وكالمعتاد يذهب ليتوضأ ويستر العورة ويؤدي ما هي شروط الصحة. نحن الآن ما زلنا في شروط الوجوب.
الطفل لا يحاسب على ترك الصلاة قبل البلوغ لعدم التكليف
لكنه [الطفل] تجاهل [الصلاة]. الولد قلت له: يا ولد، هل صليت؟ فقال لك: ممم صليت، ويزوم مثل الذئب هكذا. ممم صليت. والله ما بال شكلك لم تصلِّ؟ ممم صليت ولا أي شيء.
هل سيحاسب عليها عند الله؟ لا؛ لأنَّ البلوغ شرط الوجوب، فإذا لم يكن هناك بلوغ فليس هناك وجوب. إذن إن شاء الله هذا الولد أفعاله لا يؤاخذ عليها حتى البلوغ.
إلباس الصبيان الذهب قبل البلوغ وحكمه بين الإباحة والتنزيه
كان في الماضي الأطفال الصغار، الصبيان، يُلبسونهم حزامًا من ذهب، أتفهم؟ ويُلبسونهم حُليًّا أو يُلبسونهم القفطان يصنعوه بالذهب هكذا. هو قال يريد أن يلحق يلبس الذهب قبل أن يصبح رجلًا ويحرم عليه الذهب.
والله، وهذا الولد قال: لا، لن يحرم عليه؛ لأنه ماذا؟ لم يبلغ بعد.
قصة الشيخ البغدادي مع شيخه في خلع الحزام الذهبي تأديبًا وتدريبًا
سيدنا الشيخ البغدادي كان يلبس القفطان الذهبي هذا وفيه حزامٌ ذهبي، فدخل على شيخه، قبَّل يديه، وبعد ذلك قال له [الشيخ]: قال: هذه المنطقة والجبة، التي هي ما هي؟ منطقة الحزام، منطقة وجبة. قال: من ذهب؟ قال: نعم، من ذهب.
قال: ألست ذكرًا؟ قال: بلى. ألست رجلًا؟ قال: بلى. فقال: إذن لا يليق بك هذا.
وهو طفلٌ لم يبلغ بعد، لكنه [الشيخ] يريد أن يدربه على الأمر الذي سيكون بعد البلوغ، أي لا يجوز؛ لقوله تعالى:
﴿أَوَمَن يُنَشَّؤُا فِى ٱلْحِلْيَةِ وَهُوَ فِى ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: 18]
فهذه الأشياء للبنات وليست للصبيان. فذهب [البغدادي] إلى أمه وبكى وخلعها، فلم يعد إليها، رضي الله تعالى عنه. يعني أنه أيضًا ينزِّه نفسه عما هو مباح؛ لأنهم عندما ألبسوه هذا كان مباحًا.
العقل شرط ثالث من شروط وجوب الصلاة مع بيان الشروط الثلاثة
والبلوغ والعقل [من شروط وجوب الصلاة]؛ لابد أن يكون الإنسان معه عقل. فالنائم ليس معه عقل، والذي تحت تأثير المخدر أثناء العملية ليس لديه عقل، والمجنون والمعتوه ليس لديهما عقل. إذن العقل أيضًا شرطٌ من الشروط.
شروط الوجوب إذن كم واحدة؟ ثلاثة: الإسلام والبلوغ والعقل فقط. ولم تُعَدَّ الحرية شرطًا، نعم هي ليست من شروط الوجوب. ولم تُعَدَّ الذكورة [شرطًا]، نعم؛ فالمرأة مكلفة إذن.
إذا توفرت هذه الشروط الثلاثة في الإنسان فيكون مكلفًا بالصلاة وجوبًا، فإذا لم يفعل ذلك فسيكون حسابه عند الله وحده.
تعريف التكليف بين الإلزام والطلب وخلاف العلماء في ذلك
وهو [أي التكليف] حدُّ التكليف: هو إلزام ما فيه مشقة، أم طلب ما فيه مشقة؟ قولان للعلماء.
بعضهم عرَّف التكليف بأنه إلزام، والثاني قال له: هكذا ستُخرِج المندوب والمكروه؛ لأنَّ الإلزام لا يكون إلا في الواجب والحرام. فبدلًا من أن تقول إلزام، أفضل منها أن تقول ماذا؟ طلب.
فيكون الطلب منه ما هو مُلزِم، ومنه ما هو ليس بمُلزِم، فتشمل الأحكام الأربعة [الوجوب والتحريم والندب والكراهة].
الإباحة ليست من التكليف وإنما ذُكرت معه لأن الشيء بالشيء يُذكر
حسنًا، فماذا عن الإباحة وهو الحكم الخامس؟ ليس فيه تكليف. لمّا أُبيح لك أن تأكل الملوخية، ما نوع التكليف في ذلك؟ يعني ماذا ستفعل من المشقة؟ لأنَّ الكلفة هي المشقة؛ طلب ما فيه مشقة، هذه هي الكلفة. التكليف هكذا: طلب ما فيه مشقة. الكلفة هذه تعني المشقة.
أنه أُبيح لك أن تأكل فاكهة أو أن تأكل مانجا أو أن ترتدي القطن، ليس فيها شيء، ليس فيها مشقة. ولذلك الإباحة ليست من التكليف.
الله! ألم تقولوا إنَّ الأحكام التكليفية خمسة ومنها الإباحة؟ تأتي الآن لتقول لي إنَّ الإباحة ليست من التكليف؟ قلنا: نعم.
ولماذا عددتها من التكليف؟ لأنَّ الشيء بالشيء يُذكر. ليس هذا لتقسيم التكليف؛ الأحكام التكليفية أربعة، التكليف في أربعة، أما الخامس فهذا الخامس لا يجري عليه شيء، بل هو ملحقٌ بها لأنه تمام العدة.
الإباحة ملحقة بالأحكام التكليفية لتعلق الخطاب بها والختام
فإذا كان هناك شيء يسمى الشيء بالشيء يُذكر، فحين تجيب هكذا سيعرفون أنك حضرت عند المشايخ الأزهرية. إن لم تُجِب فأنت حر، نعم أنت موجود، يعني لا يحدث شيء.
ما الذي تعلَّق به الخطاب؟ هم تعلقوا بها [أي الإباحة] الخطاب؛ لأنه تعلَّق بها الخطاب. هذا هو الذي نقول عنه أنَّ الشيء بالشيء يُذكر؛ لأنَّ الخطاب إما أن يكون طلبًا وإما أن يكون إباحة.
حسنًا، والصلوات المسنونات وهذا هو ما سوف نقوله في اللقاء الثاني إن شاء الله. والحمد لله رب العالمين.
