المجلس التاسع والثلاثون من شرح متن الغاية والتقريب | أ.د علي جمعة
- •شرائط وجوب الزكاة في الأصناف الخمسة (المواشي والأثمان والزروع والثمار وعروض التجارة) هي خمسة أمور.
- •الشرط الأول الإسلام، فالزكاة تجب على المسلمين فقط وليست ضريبة تؤخذ من الجميع.
- •الشرط الثاني الحرية، فالعبد لا تجب عليه الزكاة، وقد سعى الإسلام لتحرير الرقاب.
- •الشرط الثالث الملك التام، وهو أن يكون المال تحت تصرف المالك ويده بحيث يمكنه التصرف فيه بالبيع أو الهبة أو غيرهما.
- •الشرط الرابع بلوغ النصاب، وهو الحد الأدنى للمال الذي تجب فيه الزكاة، كخمسة أوسق (٦٥٠ كيلوغراماً) في الزروع والثمار.
- •نصاب الذهب هو خمسة وثمانون جراماً (عشرون مثقالاً)، والمثقال يساوي أربعة جرامات وربع تقريباً.
- •الشرط الخامس مرور الحول (سنة قمرية) على المال.
- •إذا فُقد أي شرط من هذه الشروط سقطت الزكاة عن المال.
مقدمة الدرس وبيان شرائط وجوب الزكاة في الأصناف الخمسة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
قال المصنف رحمه الله تعالى -ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين-: وشرائط وجوب الزكاة فيها، أي في الأصناف التي عدّدها وهي خمسة: المواشي، والأثمان، والزروع، والثمار، وعروض التجارة.
خمسة أشياء حتى تجب فيها الزكاة، نريد خمسة أشياء:
- الإسلام
- الحرية
- الملك التام
- النصاب
- الحول
الشرط الأول للزكاة: الإسلام والفرق بين الزكاة والضريبة
إذن ليس هناك زكاة على غير المسلم؛ فإذا خرجت الزكاة عن حدّ ما عرّفته النُّظم الحديثة بالضريبة -والضريبة نسبة تُؤخذ على كل أحد من المواطنين مسلمًا كان أو غير مسلم- إذن فالزكاة ليست ضريبة؛ لأنها لو كانت كذلك لأُخِذت من المسلمين ومن غير المسلمين.
لكن الزكاة تُؤخذ من المسلمين فقط، فالشرط الأول: الإسلام.
الشرط الثاني للزكاة: الحرية وموقف الإسلام من الرق والعتق
والحرية [هي الشرط الثاني]، والحمد لله تحرّر الناس. والشرع كما ذكرنا مرارًا يتشوّف إلى الحرية؛ لا يحب الرقّ ولا ديمومة الرقّ، وجعل العتق من موجبات الكفارات، ومن موجبات الخير، ومن موجبات العمل الصالح، فحثّ على الكفارات وعلى العتق.
حتى جاء البشر واتفقوا على أن يدخلوا عصرًا جديدًا لا تمييز فيه وأن يُلغى الرقّ. والرقّ في الإسلام كان لأسرى الحرب الذين يضرب عليهم الإمام -بعد خيارات عنده- يضرب عليهم الرقّ.
الفرق بين الرق في الإسلام وبين القرصنة والاسترقاق الغربي
بعد ذلك قام أناس وقالوا: حسنًا، ما داعي هذا الرقّ؟ كان كل العالم فيه رقّ، وكان الأمريكيون يأتون ويسرقون من السنغال ومن غانا ومن ساحل العاج وهكذا، يسرقون الرجال والنساء ويذهبون بهم إلى ليفربول.
وفي ليفربول إلى الآن الأماكن التي كان يُشحن منها العبيد -في ظنّهم الكاسد الفاسد-؛ لأن هؤلاء ليسوا عبيدًا ولم يُفرض عليهم الرقّ بمجرد الخطف. هذه قرصنة وإجرام وقلة ديانة وقلة أدب عاشها هؤلاء الناس قرونًا عديدة.
إكرام المسلمين للأسرى وإطعامهم امتثالاً لأمر الله تعالى
أما المسلمون فلم يضربوا الرقّ إلا على من قاتلهم، وأكرموهم ومنعوا قتلهم:
﴿وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: 8-9]
والتزم المسلمون هذا حتى في الحملة الفرنسية؛ لمّا جاء المعتدون يحتلون البلاد ويقتلون في العباد، كانوا إذا أسروا أحدهم يكرمونه ويطعمونه، حتى دخل الإسلام منهم جملة كبيرة، لدرجة أن ذلك نال قائدهم الذي كان اسمه مينو، فذهب وسمّى نفسه عبد الله مينو.
موافقة المسلمين على إلغاء الرق استجابةً لخطة الرشد النبوية
فسبحان الله، عندما نادى الناس في العالم سنة ألف وثمانمائة واثنين وخمسين بإلغاء الرقّ، وافق المسلمون من العلماء ومن الحكام ومن المفكرين قائلين: لا، هذه فكرة طيبة على حدّ ما كان قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم:
قال رسول الله ﷺ: «والله لا يُعرَضون عليَّ خطة رشد إلا استجبت لهم فيها»
سيدنا [رسول الله ﷺ] قال هكذا على المشركين. نحن لسنا حكاية شرك وما شابه وكفر وبلاء، نحن حكاية: لازم الخطة التي تُعرض علينا ونتفق عليها يكون فيها خير.
منهج المسلمين في قبول خطط الخير والقتال في سبيل الله لا في سبيل الدنيا
خير؟ نحن معكم. ليس خيرًا؟ حسنًا، لسنا معكم. أيعجبكم ذلك؟ إن أعجبكم فهو كذلك، وإن لم يعجبكم فليكن، خلاص نقاتل في سبيل الله.
هذه هي القضية؛ إنهم متضايقون من هذه النقطة الأخيرة، ألا وهي: نقاتل في سبيل الله. وانظر إلى هذا الكلام: في سبيل الله، لا في سبيل مال ولا أرض ولا عِرض ولا ما شابه ذلك، بل في سبيل الله، أي أننا نريد عدلًا في الأرض.
هذا هو ما يميز المسلمين عن غيرهم، فالزكاة تجب على المسلمين، والحرية: العبد لا تجب عليه الزكاة حين كان هناك عبد.
الشرط الثالث: الملك التام ومعناه تمام التصرف بالإرادة والحيازة
والملك التام: أن تملك هذه الثروة ملكًا تامًّا. ما معنى الملك التام؟ هناك ملك تام وملك ناقص. الملك التام هو تمام التصرف، أي يكون لك تمام التصرف: تريد أن تبيعه، الملك الذي معك هذا تريد أن تستعمله، تريد أن تهبه، تريد أن تُهديه، تتبرع به، توقّفه.
التصرف التام يعني أن التصرف التام يقتضي الإرادة والحيازة، بمعنى أن يكون الشيء أمره بيدك.
مثال السيارة المسروقة للتفريق بين الملك التام والملك الناقص
لنفترض أنك تملك سيارة وتريد أن تهبها لمؤسسة خيرية، وقالوا لك: حسنًا، موافقون. قلت: بمجرد أن أجدها إن شاء الله سأهبها. قالوا: لماذا ذلك؟ قالوا: كفانا الله الشر! سُرِقَت، ولهذا أعطيها للمؤسسة؟ نعم، سُرِقَت.
حسنًا، هذه السيارة عندما سُرِقَت، هل خرجت من ملكه؟ لا، وإنما خرجت من ملكه التام، يعني لم تعد تحت تصرفه كي يُسلّمها. فعندما سُرِقَت قال: لقد سُرِقَت، انتهى الأمر. وهل ستعود مرة أخرى؟ حسنًا، أنا وهبتها لمصر الخير.
تتمة مثال السيارة المسروقة وبيان أنها ملك ناقص لا تام
حسنًا، أحضرها لكي نستعملها في الخير. قال: عندما أسترجعها إن شاء الله، عندما أسترجعها سأحضرها لكم. أليس هذا تلاعبًا؟ ويكون هذا ليس ملكًا تامًّا بل ملكًا ناقصًا، أو ليس ملكًا [تامًّا]؛ لأنه ليس تحت تصرفه.
لا، هو ما زال ملكًا له، بدليل أننا عندما نجدها واقفة في أحد الشوارع سوف نسلّمها له لأنه مالكها. نعم، إذن [الشرط] رقم ثلاثة: الملك التام.
مثال القمح المحجوز وبيان سقوط الزكاة عند فقدان الملك التام
أما أن يخرج وهمًا من الأوهام فهذا غير مقبول. لديّ مخزن وفيه أكياس قمح، وعليّ في القمح أن أُخرج زكاة -زكاة الزروع والحبوب- وكل شيء في أمانة الله. الحكومة استولت على المخزن كله، لماذا يا إخواننا؟ قالوا: جاءنا بلاغ أنك سارق.
وحققوا في البلاغ واستمر التحقيق شهرين، وأنا أريد أن أُخرج زكاته ولكنه ليس في الملك التام؛ لأني لا أستطيع أخذ شيء منه لأنه محجوز، البضاعة تمّ التحفظ عليها. ففي هذه الحالة لا زكاة عليّ إلى أن يعود إليّ.
عودة الملك التام بعد ثبوت البراءة ووجوب الزكاة حينئذ
بعد الشهرين اتضح أنني بريء وأن هذه الأشياء ملكي، فأرجعوها لي، ومع الأسف والتحسّر وقالوا لي: ما هذا؟ إنها أشياؤك فعلًا.
الآن أستطيع إخراج الزكاة؛ لأنه أصبح أين؟ في الملك التام. هذا هو الملك التام والملك الناقص.
الشرط الرابع: النصاب وتحديده في الزروع والثمار بخمسة أوسق
والنصاب: سيدنا [رسول الله ﷺ] وضع حدًّا للنصاب. الإسلام والحرية والملك التام والنصاب، فيكون سيدنا [رسول الله ﷺ] قد حدّد حدًّا هكذا في كل شيء.
فقال لنا في الزروع والثمار: عندما يصل إلى خمسة أوسق. حسبنا الخمسة أوسق في المكاييل والموازين فوجدناها ستمائة وخمسين كيلوغرامًا.
فعندما يكون لديّ نتاج القمح أو الذرة أو الماش أو الفول أو العدس أو الأرز أكثر من ستمائة وخمسين كيلوغرامًا، تجب عليّ الزكاة. فالنصاب معناه: الحدّ الذي نصل إليه [لوجوب الزكاة].
نصاب الذهب خمسة وثمانون جراماً وحسابه بالجنيه الذهب الإنجليزي
عندما يكون معي خمسة وثمانون جرامًا من الذهب -أي في الأثمان- تصبح عليَّ زكاة. الجنيه الذهب الإنجليزي الذي عليه صورة إدوارد: ثمانية جرامات، فتكون العشرة منه بثمانين جرامًا، وأنا نصابي خمسة وثمانون، أي أحتاج إلى عشرة جنيهات وبعض الكسور.
كان أهلنا قديمًا حينما كانوا لا يزالون قريبي العهد بالتعامل بالجنيه الذهب يقولون: أحد عشر جنيهًا تقريبًا. لكن هي صحّتها عشرة جنيهات وخمسة على ثمانية -خمسة جرامات على ثمانية من الجنيه-؛ لأن الجنيه فيه ثمانية جرامات، وما زال الجنيه إلى الآن ثمانية جرامات.
أصل الخمسة والثمانين جراماً من عشرين مثقالاً ووزن الدينار الروماني
إذن إذا كانت خمسة وثمانين جرامًا فهي هذا الكلام الصحيح. من أين يأتي الخمسة والثمانون؟ عشرون مثقالًا.
المثقال وجدناه وفقًا لهرقل ووفقًا للدولة الرومانية؛ عند وزنها وجدنا مئات من هذه العملة، فعندما وزنّاها وجدناها أربعة جرامات وربعًا. فأردنا أن نعرف كم عيارها، أجرينا اختبارًا هكذا وأخذنا العملة وذهبنا بها إلى الآلات التي تُحدّد ذلك، فتبيّن أنها واحد وعشرون [قيراطًا]، وما زال الجنيه إلى الآن يُصنع من عيار واحد وعشرين.
شرح عيارات الذهب المختلفة من أربعة وعشرين إلى تسعة قراريط
الذي هو مقياس واحد وعشرين على أربعة وعشرين. لدينا الذهب إما أن يكون بُندقيًّا فيكون أربعة وعشرين -تسعة تسعة تسعة تسعة تسعة وتسعة-، وعندما نضع عليه ثلاثة في الخليط يصبح سبيكة نحاس وسيليكون وأشياء أخرى، فيصبح واحدًا وعشرين، أي واحد وعشرون سهمًا من أربعة وعشرين سهمًا.
عندما يريدون صناعة حُلي النساء لكي تخرج الحلية مضبوطة هكذا وجميلة وشكلها مُغرٍ، فجعلوها من عيار ثمانية عشر. ثم الشباب في إيطاليا وفي هذه المناطق قالوا: لا، نحن يمكننا أن نطوّر هذه الصناعة، فجعلوها من عيار أربعة عشر.
وكل هذا ماذا يعني؟ أربعة عشر على أربعة وعشرين، وواحد وعشرين على أربعة وعشرين، وثمانية عشر على أربعة وعشرين، وهكذا.
عيار ستة وتسعين وبنك الجمال والفرق بين عيار تسعة وواحد وعشرين
إلى أن وصلنا إلى ستة وتسعين [عيار تسعة]، وكانوا يسمّونه بنك الجمال قديمًا في الأرياف، يعني نشتري الشبكة حجمها كبير جدًّا لكن سعرها رخيص؛ لأنها تسعة وليست مثل الواحد والعشرين.
ممّ يتكون الدينار؟ من الواحد والعشرين [قيراطًا]، أربعة جرامات وربع. بيني وبينك -لكن لا تخبر أحدًا- هي أربعة جرامات وواحد وعشرون من مائة. أربعة وواحد وعشرون [من مائة]. الربع كم؟ خمسة وعشرون، يعني أربعة وشيء بسيط جدًّا، فنحن نقول أربعة وربع هكذا تقريبًا.
حساب نصاب الذهب خمسة وثمانون جراماً من عشرين مثقالاً
لكن عندما تذهب إلى المتاحف وتدرس علم النُّمَيات والعملات وما شابه لتعرف هذا، ستجد أنها أربعة وواحد وعشرون [من مائة]، نقطة دقيقة جدًّا. وعندما نتحدث مع عامة الناس نقول: أربعة وربع تقريبًا.
أربعة في عشرين بثمانين، الربع في عشرين بخمسة، فكم يكون النصاب؟ خمسة وثمانون. النصاب خمسة وثمانون [جرامًا من الذهب]. هذا في الأثمان.
الشرط الخامس: الحول وهو السنة القمرية الهجرية وخلاصة شروط الزكاة
طيب، والحول؟ والحول يعني السنة، ونقصد بالسنة السنة القمرية التي هي الشهور الهجرية.
إذن هذه الخمسة هي شروط وجوب الزكاة:
- الإسلام
- الحرية
- الملك التام
- النصاب
- الحول
إذا فقدنا واحدة منها تصبح الزكاة غير واجبة. هذا، والله أعلى وأعلم.
