المجلس التاسع والخمسون من شرح متن الغاية والتقريب | أ.د علي جمعة - الغاية والتقريب, فقه

المجلس التاسع والخمسون من شرح متن الغاية والتقريب | أ.د علي جمعة

21 دقيقة
  • الصحة في عقد السلم تشترط وصف المبيع بالصفات التي يختلف بها الثمن، وذكر قدره بما ينفي الجهالة.
  • يجب تحديد وقت الاستحقاق وأن تكون السلعة موجودة عند الاستحقاق، وذكر موضع القبض.
  • الثمن يجب أن يكون معلوماً ومحدداً، ويتم القبض قبل التفرق بالأجساد.
  • عقد السلم يكون ناجزاً (فورياً) ولا يدخله خيار الشرط.
  • كل ما جاز بيعه جاز رهنه في الديون، فالرهن وثيقة يُستوفى منها الدين عند تعذر السداد.
  • الشيء المرهون يجب أن يكون طاهراً منتفعاً به، في ملك الراهن، ومقدوراً على تسليمه.
  • يد المرتهن على الرهن يد أمانة لا يضمنها إلا بالتعدي أو التقصير المخزي.
  • للراهن الرجوع في الرهن ما لم يقبضه المرتهن.
  • إذا قُبض بعض الدين، لا يفك شيء من الرهن حتى يُقضى الدين جميعه.
  • يُنهى عن الغرر والجهالة والغش والتدليس والعبارات المطاطة التي تزيد الخلاف.
  • التعامل بالصراحة راحة لأنها تعطي كل ذي حق حقه.
محتويات الفيديو(21 أقسام)

مقدمة الدرس وشروط صحة عقد السلم الثمانية

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

قال المصنف رحمه الله تعالى، ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين: ثم لصحة المُسلَم فيه ثمانية شروط، وهي أن يصفه بعد ذكر جنسه ونوعه بالصفات التي يختلف بها الثمن؛ إذ إزالة الجهالة [هي المقصودة]، فالشرع ينهى عنها [أي عن الجهالة]، وينهى عن الغَرَر.

النهي عن الغمغمة والتجهيل وصياغة العبارات المطاطة في العقود

ولذلك يُنهى عن الغمغمة والتجهيل والتلاعب بالبسطاء، وصياغة العبارات بما تحتمل معانٍ كثيرة؛ لكي نُكثر الخلاف بيننا والتجار.

كما شاهدنا في عصرنا، عندما يجلسون يختارون تلك العبارات المطاطة، فإذا ربح المشروع كان لصالحهم، وإذا لم يربح أصبحت بيننا قضايا وخصام وصدام، وكل واحد يفسر العبارة بما يحصل معه الربح ويدفع عنه الخسارة.

مقصد الفقه الإسلامي في رفع الخصومة والنزاع بين الناس من البداية

الشرع غير ذلك، وعقل الفقه الإسلامي غير ذلك؛ إنه مبني على رفع الخصومة والصدام والنزاع بين الناس من البداية، من أول الطريق.

فدائمًا يبتعد عن الغرر، ويبتعد عن الجهالة، ويبتعد عن الغش، ويبتعد عن التدليس، ويحاول أن ينظر في تلك العبارات لما تُعرض على حضرة القاضي فيما بعد.

عندما نختلف نذهب إلى حضرة القاضي، لكن نريد أن نعين هذا القاضي على الحكم، لا أن نحيّره ولا أن نجعله مترددًا في فهم العبارة أو في الحكم بين المتخاصمين.

اشتراط الصراحة وعدم الجهالة في العقود والمعاملات المالية

ومن هنا اشترطنا هذه الشروط: عدم الجهالة والصراحة، ولذلك الناس يقولون لك -بناءً على ما حضروه عند المشايخ-: الصراحة راحة، الصراحة راحة؛ لأنها ستؤدي إلى إعطاء كل ذي حق حقه.

والأمر بيد الله، خسرت التجارة، يا رب نبدأ تجارة أخرى، ربحت التجارة، الحمد لله. إنما الغمغمة هذه التي تحدث في كثير من الأحيان هو [أي الشرع] لا يريدها هنا.

وجوب ذكر الصفات المؤثرة في الثمن وتحديد القدر ووقت الحلول

أن يصفه بعد ذكر جنسه ونوعه بالصفات التي يختلف بها الثمن، صفات -أي صفات- يختلف بها الثمن يجب أن نذكرها.

وأن يذكر قدره بما ينفي الجهالة عنه، يُفهمنا ويؤكد علينا. وإن كان مؤجلًا ذُكر وقت حلوله، أي يجب تحديد موعد الاستحقاق.

وأن يكون موجودًا عند الاستحقاق في الغالب، لا يقول له زمنًا تكون هذه السلعة غير متوفرة فيه أصلًا، مثل الفواكه ومثل الثمار ومثل الحبوب [في غير مواسمها].

وجوب ذكر موضع القبض وأن يكون الثمن معلومًا لا مجهولًا

وأن يذكر موضع قبضه، يبقى الزمان والمكان والحال ينفي الجهالة من كل جهة.

وأن يكون الثمن معلومًا، لا يقولون: حسنًا، سأعطيك الثمن -يعني- دروسًا لابنك حتى ينجح إن شاء الله. نعم، يعني كم؟ يعني بكم تأخذ الدرس الواحد؟ أحيانًا تأخذه بمائة جنيه وأحيانًا تأخذها بثلاثمائة جنيه.

نعم، إذن، إذا لن نحدد سعرك، فأنت ستقدم خدمة، والخدمة نجعل ثمنها مهرًا لابنتك التي ستتزوجها. لا يصح ذلك، لا بد أن تحدد، لا بد أن تقول كم هو هذا المبلغ حتى نتحاسب عليه، ولا تأتِ بعد ذلك لتقول لي: والله، انظر كم مهر مثلها، المهر كم لأجل لنرى كم كان، فهذا يعد تشتتًا.

وجوب القبض قبل التفرق بالأبدان في عقد السلم وحكم خيار الشرط

وأن يتم القبض قبل التفرق، لا يقولون فقط: أنا سأذهب إلى آخر الشارع هنا لأحضر النقود وأعود إليك. لا يصح أن ينشئوا سَلَمًا جديدًا [ثم يتفرقا قبل القبض].

تفرقًا بالأجساد، فهل التفرق يكون بالأجساد أم بالألفاظ؟ يعني قبل أن ينتهوا من اللفظ يكون قد سلّمه، أم بالأجساد؟ الراجح أنه بالأجساد، وكان يختار هذا [عبد الله] بن عمر [رضي الله عنهما]، وكان في الخيار إذا أعجبته البضاعة أو السلعة أخذها وجرى؛ لكي يتم التفرق بالأبدان.

وأن يكون عقد السلم ناجزًا، يعني حالًّا. يقولون لك: نحن ندعو إلى العدالة الناجزة. ناجزة تعني ماذا؟ تعني فورية. بلغة العامة يقول لك: أنا أريدك أن تسدد لي فورًا. فورًا تعني ماذا؟ تعني الآن على الفور. طيب، لا يدخله خيار الشرط؛ لأنه هنا الثمن مقدم على المبيع.

قاعدة كل ما جاز بيعه جاز رهنه في الديون وشروط ذلك

فصل: وكل ما جاز بيعه -أي الذي يجوز بيعه: الطاهر والمنتفع به- يعني الطاهر هذا يكون منتفعًا به، لا يكون صراصير ميتة، بماذا تنفعني صراصير ميتة؟ فيجب أن يُنتفع به، ويجب أن يكون طاهرًا، ويجب أن يكون معيّنًا معروفًا.

كل ما جاز بيعه جاز رهنه في الديون، رهنه في الديون يعني بإزاء الديون، يعني مقابل الديون.

طيب، البيت الخاص بي قابل للرهن، لماذا؟ لأنه قابل للبيع.

مثال تطبيقي على الرهن في حالة الاقتراض وبيان حقيقة الرهن كوثيقة

فجئت إليك وقلت لك: والله أنا في ضائقة مالية وأحتاج إلى مليوني جنيه. فقلت لي: آه، آه، ها! يعني أنت غير راضٍ، ماذا؟ ألن تستجيب؟ ولا تقل لي فورًا ولا تفتح الخزينة وتحضرهم. لا، نعم، سيفتح الله علينا إن شاء الله.

كنت أريد أن أستلفهم منك. نعم، ماذا تقول؟ وهكذا، أنتم تعرفون القصة. أريد أن أستلفهم منك، نعم، وبصوت عالٍ أحرجه يعني.

فقال لي: والله نحن لسنا ضامنين الحياة من الموت، أنا أريد رهنًا. قال: وما الرهن هذا؟ ما هو الرهن؟ إنه وثيقة أريد أن أستوثق منك بها، وثيقة يُستوفى منها الدين.

الرهن كوثيقة بديلة عن الشيك والإيصال وآلية استيفاء الدين منه

إذن، الرهن بإزاء الدين، يجوز رهنه في الديون كوثيقة بدلًا من الشيك وبدلًا من الإيصال. عقدٌ بيني وبينك أن البيت هذا الذي عندك، خذ المليوني جنيه وأنا مطمئن.

وإذا جاء وقت السداد حسنًا ولم تسدد، نبيعه ونستوفي منه ماذا؟ نستوفي منه الدين.

هذا هو الرهن. ما الذي يمكن رهنه؟ يمكن رهن كل ما يجوز لنا بيعه، وهذا يجب أن يكون في ملكنا، ويكون مقدورًا على تسليمه، ويكون طاهرًا، ويكون منتفعًا به.

تطبيق شروط الرهن على البيت وعدم جواز بيع المرتهن للرهن

وكل هذه الشروط تتوفر في بيتنا؛ لأنه في ملكنا، ولأنه يُنتفع به، ولأنه طاهر، ولأنه مقدور على تسليمه.

قلت له: حسنًا، ما باليد حيلة، سنرهن عندك البيت، لكن لا تبعه؛ لئلا تأخذ الرهن من هنا بعقد الرهن وتذهب لتبيعه فيصبح وقعتك سوداء لونها أسود.

نحن نريد أن نعرف كم أنت مستعد للتسامح في هذا المبلغ؟ فقال لي: والله أنا متسامح فيه لمدة سنة، وبعد السنة سأحتاج إليه، يا ابني على وشك الزواج، وابنتي لا أعرف على وشك ماذا، والأمور التي تعرفونها هذه.

تحديد مدة الرهن والفرق بين السنة القمرية والشمسية في العقود

قلتُ له: حسنًا، فلتكن الرهنية التي بيني وبينك لمدة سنة. ماذا يعني ذلك؟ يعني لا تطالبني بالدين حتى تنتهي السنة.

إذا قلنا في عقودنا في الفقه "سنة"، فتكون سنة قمرية. حسنًا، البلاد والعباد اعتادوا على السنة الشمسية، ينبغي أن ننص عليها، فلا يمكن أن نتركها دون ذلك. يمكن ذلك، لكن علينا أن ننص عليها.

أما إذا كتبناها هكذا "سنة" فستكون سنة قمرية التي تُحسب بها الهجرة الشريفة. لكننا إذا أردنا النص على غير ذلك، فنجعلها سنة شمسية، فلا يحدث شيء، ولكن يجب أن ننص عليها.

فإذا أطلقنا الكلام حُمل على السنة القمرية حسب الأصل فيها هكذا؛ لأن الله بنى على القمرية الأحكام، بنى عليها رمضان، وبنى عليها الحج، وبنى [عليها سائر الأحكام]، فلا بد أن تكون قمرية إلا إذا نُصّ على غير ذلك.

عدم جواز انتفاع المرتهن بالرهن لأنه قرض جرّ نفعًا فهو ربا

فقلت لك: حسنًا، سآخذ منك الدين وسأكتب لك الرهنية، وأبقى لمدة سنة لا تستخدمها ولا يصح أن تستخدمها؛ لأننا كاتبين فيها هكذا.

ونذهب إلى البيت، فإما أن نسدد أو أن نبيع. فقط بهذه الطريقة؟ قلتُ له: نعم.

قال: لا، من الذي يسكن في هذا البيت؟ قلتُ له: مستأجر مني. قال: فأنا أريد الإيجار؟ قلتُ له: لا يصح يا حبيبي، هذا يُعتبر ربا، لا يصح.

هذا يكون قرضًا جرَّ نفعًا فهو ربا، حديث الحارث بن أسامة [في] مسند الحارث. يعني لا تنظر إليّ هكذا، هل أنت منتبه؟

قاعدة كل قرض جرّ نفعًا فهو ربا وإجماع العلماء عليها

فقال الباجوري [رحمه الله]: وإن كان في الحديث ضعف، إلا أنها قاعدة متفق عليها. خلاص، إذن يوجد إجماع [على أن كل قرض جرّ نفعًا فهو ربا].

طيب، تحت عنوان القرض: أنا أخذت منه قرضًا يُسدد بعد سنة برهن البيت، وسيترتب عليه دفعة شهرية [من الإيجار]، فيكون هذا الترتيب ربا وهو غير جائز.

لم أكن أعلم، إذن خلاص، لن نرجع في الكلام، دعنا لا نفعل الحرام أبدًا.

ماذا يحدث عند تعذر السداد في نهاية مدة الرهن

وبعد ذلك مرت السنة، وقالوا إننا سنخرج من عنق الزجاجة، وحسبنا حسابنا على ذلك، فلم نخرج. بيتنا في عنق الزجاجة.

ماذا يعني عنق الزجاجة؟ يعني الأزمة، إنه تعبير يعني أننا في عنق الزجاجة، أي في أزمة، فقط ستمر إن شاء الله. وما مرّت.

والذي لم يمر، فماذا يكون؟ يكون غير قادر على أن أدفع له مليوني جنيه. فجاءني في رأس السنة الرجل وأوفى بوعده وقال لي: ها؟ حاضر. قلت له: لا والله، كنا سنخرج من عنق الزجاجة، لكن بيتنا فيها، في عنق الزجاجة هذه.

حكم بيع الرهن عند تعذر السداد وتقييم البيت وتوزيع الثمن

فقال لي: حسنًا، ماذا نفعل إذن؟ أنبيع؟ أنا أريد أن آخذ البيت، أنت أخذت ثمنه وأنا سآخذ البيت.

قلت له: لا، الشيخ لم يقل هكذا، الشيخ في الدرس لم يقل هكذا. ماذا قال إذن؟ قال إن البيت يتم تقييمه حينئذ ويُباع.

كم يساوي الآن؟ أربعة ملايين. تأخذ أنت اثنين مليون الخاصة بك -حقك- وأنا آخذ الاثنين مليون بقية بيتي.

إذا كان هذا البيت ما زال في ملكية أخينا المالك، هذا هو فقط وثيقة يُستوفى منها عند تعذر السداد.

بقاء ملكية الرهن للراهن وحقه في الإيجار وخيار البيع أو كتابة النصف

أمر الدين يعني سنستوفي منه أمر الدين عند تعذر السداد، لكن البيت في ملكي، سآخذ الإيجار الخاص به.

عندما يأتي وقت بيعه، سنبيعه بما يرضي الله. قال لي: حسنًا، خذ مليونين آخرين، إليك هما، وأنا سأشتري البيت. لا مانع لدي، فالمشتري مثل المشترين، أي لا يوجد مشكلة في أن يفعل هكذا.

أو اكتب لي نصف البيت، لا مانع، اكتب له نصف البيت؛ لأنه بأربعة ودفع اثنين. يعني هذه وثيقة يُستوفى منها الدين عند تعذر السداد، استُوفي منها الدين.

حق الراهن في الرجوع عن الرهن قبل القبض ويد المرتهن يد أمانة

وكل ما جاز بيعه جاز رهنه في الديون إذا استقر ثبوتها في الذمة. وللراهن الرجوع فيه ما لم يقبضه [المرتهن]، يمكن أن يرجع عن هذا العقد.

ولا يضمنه المرتهن إلا بالتعدي. البيت الخاص بي وجعلته رهنًا، وكل شيء يدي عليه، ماذا أصبح [حتى أسلمه بعد ذلك سنة]؟ يد أمانة ليست يد ضمان.

حكم تعدي الراهن على الرهن وإشعال النار فيه يوجب الضمان

إذا احترق [الشيء المرهون]، فلنستدعِ جماعة المباحث الجنائية. ما سبب هذا الحريق؟ قال: والله هذا الرجل المالك أشعل فيه النار.

إذن هو متعدٍّ، يريد أن يضيع الرهينة على صاحبها (صاحب الدين)، فيضمن أن أسدد له. لا بد من الاثنين مليون، هذا أمر الله، قضاء وقدر.

[أما إذا كان] حادث، خلاص، يدي عليه يد أمانة، لا تكون موتًا وخراب ديار. فأنا عندما أقبل الرهن أكون عارفًا أن يد المرتهن عليها يد أمانة وليست يد ضمان.

التقصير الذي يشبه التعدي يوجب الضمان أيضًا على الراهن

وإذا قُبض [الرهن] طبعًا، هذا التعدي يأتي في شيء يسمى التقصير الذي يشبه التعدي، أي أنني مهمل للبيت ولم أعمل له أي تأمينات ولا أي إجراءات وقائية حتى احترق، يكون أيضًا شبه تعدٍّ.

فأنا لست ناويًا، ولم أفعل فعلًا إيجابيًا أشعل فيه، لكنني ارتكبت تقصيرًا مخزيًا وصل بي الحال إلى أن يعدّوا هذا تعديًا.

لا يخرج شيء من الرهن حتى يُقضى جميع الدين ولو سُدد بعضه

وإذا قُبض بعض الحق، لم يخرج شيء من الرهن حتى يُقضى جميعه.

جئت في نهاية السنة، ربنا رزقني وخرجنا من عنق الزجاجة، وذهبتُ لأدفع مليون جنيه، فأصبح في ذمتي كم؟ مليون مثلهم.

هل الرهن سيُفك؟ قال لي: لا، الرهن باقٍ على المليون الثاني الذي لم يُسدد بعد، حتى تنتهي كل المديونية.

والله تعالى أعلى وأعلم.