المجلس الثالث والثلاثون من شرح متن الغاية والتقريب | أ د علي جمعة - الغاية والتقريب, فقه

المجلس الثالث والثلاثون من شرح متن الغاية والتقريب | أ د علي جمعة

14 دقيقة
  • صلاة الكسوف والخسوف سنة مؤكدة وليست فريضة، ولا تُقضى إذا فاتت لزوال سببها.
  • تُصلى ركعتان في كل ركعة قيامان وركوعان، مع إطالة القراءة والتسبيح في الركوع.
  • يُسر في صلاة كسوف الشمس ويُجهر في خسوف القمر، ثم تُلقى خطبتان بعد الصلاة.
  • الكسوف والخسوف ظاهرتان طبيعيتان ناتجتان عن حركة الأجرام السماوية في مداراتها.
  • أوضح النبي ﷺ الحقيقة العلمية لهذه الظواهر حين قال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لميلاده".
  • يمكن معرفة موعد الكسوف والخسوف بالحسابات الفلكية الدقيقة.
  • الكسوف عادة للشمس والخسوف للقمر، وقال بعض اللغويين إنهما مترادفان.
  • تستمر ظاهرتا الكسوف والخسوف من دقائق قليلة إلى خمس وعشرين دقيقة.
  • المقصود من هاتين الظاهرتين التذكير بقدرة الله تعالى والالتجاء إليه وشكره على نعمه.
محتويات الفيديو(13 أقسام)

صلاة الكسوف سنة مؤكدة وكيفية أدائها بركعتين وركوعين

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه ومن والاه. قال المصنف رحمه الله ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين.

فصل: صلاة الكسوف سنة مؤكدة، فإن فاتت لم تُقضَ؛ لأن سببها زال. ويُصلّي لكسوف الشمس وخسوف القمر ركعتين، في كل ركعة قيامان يُطيل القراءة فيهما، وركوعان يُطيل التسبيح فيهما دون السجود.

ويخطب بعدهما خطبتين، ويُسِرّ في كسوف الشمس؛ لأن ذلك يكون صباحًا، ويجهر في خسوف القمر.

ظاهرة الكسوف والخسوف من الخلقة الإلهية وقدرة الله على تغيير النظام

إذن فظاهرة الخسوف والكسوف ظاهرة تنتج عن دوران الأرض حول الشمس في محورها، ودوران القمر حول الأرض في محوره. ففي بعض الأحيان يقع القمر في مواجهة الشمس فتحدث ظاهرة الكسوف، وفي أخرى تقع الشمس في مواجهة القمر فتحدث ظاهرة الخسوف.

وهي ظواهر نتجت من الخلقة الإلهية، وأن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يختلّ النظام فنتأثر سلبًا، كما أنه قادر على أن يسير النظام على نظامه فنتأثر إيجابًا.

الكسوف والخسوف يستوجبان شكر الله والالتجاء إليه لعودة النعمة

ولذلك فإن الظاهرتين تستوجبان أولًا شكر الله رب العالمين؛ لأنه إنما فعل ذلك حتى ننتبه إلى ما ألفناه من أوضاع، يقول لنا فيها: دوام الحال من المحال، وأني كما متّعتكم بالنعم أعاقبكم بالنقم.

وثانيًا نوع من الالتجاء إلى الله سبحانه وتعالى أن يعيد الأمر إلى ما كان عليه، فقد جعل الشمس سراجًا وجعل القمر نورًا، وحجبُ هذا السراج وذلك النور منقصة في حق كون الإنسان في كون الله سبحانه وتعالى. وهنا نلجأ إلى الله بتلك الصلاة حتى يُفرِّج عن تلك النعمة وحتى تعود النعمة مرة أخرى.

تصحيح النبي ﷺ لاعتقاد الناس بأن الكسوف حدث لموت إبراهيم ابنه

ولما مات سيدنا إبراهيم بن سيدنا النبي ﷺ من ماريا عليها السلام كسفت الشمس، فقالوا: هذا من أجل موت إبراهيم، يعني الشمس حزنت على سيدنا إبراهيم فحُجبت أو أظلمت.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم لبيان الحقيقة ولعقلية الواقع العلمية:

قال رسول الله ﷺ: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا يُخسفان لموت أحد ولا لميلاده»

فأرجعنا [النبي ﷺ] إلى الحق والحقيقة، وكان عليه الصلاة والسلام لو سكت لصارت هذه عقيدة أو ذلك الكلام عند الناس.

العقلية النبوية التي نشرت الإسلام والفرق بينها وبين العقلية الخرافية

فالحمد لله الذي جعلنا مسلمين، وهذه العقلية التي ربّانا عليها سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم هي التي نشرت الإسلام في العالمين، وعرف الناس الفرق بين العقلية الخرافية التي تتبع الأوهام وبين العقلية التي تدرك الواقع حتى تتعامل معه تعاملًا صحيحًا.

صلاة الكسوف سنة وليست فريضة باتفاق العلماء وحديث الأعرابي

صلاة الكسوف والخسوف سنة مؤكدة، يعني باتفاق [العلماء] هي ليست فريضة. وهذه الفريضة إنما هي تلك الصلوات الخمس التي بعدما تعلّمها الأعرابي قال:

هل عليّ شيء غير هذا؟

قال [النبي ﷺ]: لا. قال: إذن والله لا أزيد عليها ولا أنقص؛ يعني عندما يأتي كسوف لن يصلي صلاة الكسوف، وفي العيدين لن يصلي صلاة العيدين، وهكذا. فإذن هذه سنة فقط وليست فريضة.

جواز تحديد وقت الكسوف بالحساب الفلكي وإنجازات ابن يونس في الدقة

وتُعلم [صلاة الكسوف] بالحساب، يجوز للحاسبين الفلكيين أن يضبطوا ويقولوا متى تكون الشمس والقمر والأرض على خط واحد، في الوقت الفلاني في اليوم الفلاني في الساعة الفلانية.

ووصل ابن يونس في زيّه [أي في حساباته الفلكية] إلى العاشرة. يعني ماذا تعني العاشرة؟ حيث إن الدقيقة ستون ثانية، والثانية ستون ثالثة، والثالثة ستون رابعة، والرابعة ستون خامسة، والخامسة إلى العاشرة.

ولم يستطيعوا حساب ما فوق العاشرة إلى أن جاء أحمد زويل وجعل فيمتو ثانية، لكن جماعتنا الذين في التاريخ وصلوا إلى تحديد الأمر بالعاشرة. فأنت عندما تقرأ العبارة لا تفهمها؛ ماذا تعني بالعاشرة؟ بأصابعك العشرة؟ أم تعني بالعاشرة بالإيمان العاشرة؟ ماذا تعني عاشرة؟ لا، هي كذلك لأنها الثانية والثالثة والرابعة والخامسة وهكذا، العاشرة تصبح جزءًا من ستين من التاسعة، جزء من ستين من الثامنة، وتظل تقول هكذا حتى تصل إلى الدقيقة، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

الفرق اللغوي بين الكسوف والخسوف وترادفهما عند بعض اللغويين

بدأ الكسوف والخسوف، بعضهم قال: الكسوف للشمس والخسوف للقمر. وبعض اللغويين قالوا: هما مترادفان، يعني يجوز أن تقول على الاثنين كسوف، ويجوز أن تقول على الاثنين خسوف، لا يوجد فرق بينهما، كسوف وخسوف واحد.

فعندما يخطئ شخص أمامك ويقول لك: خسوف الشمس، اتركه، فقد وردت. أو كسوف القمر، لا يُحدث شيئًا، ليست قضية. يعني لماذا؟ لأن هناك ترادفًا بين الكسوف والخسوف. لكن ما جرى عليه العمل والاستعمال أن الكسوف للشمس وأن الخسوف للقمر.

غرابة صلاة الكسوف بركوعين في كل ركعة وإطالة القراءة والتسبيح

ثم تقوم بصلاة ركعتين فقط، ركعتين فيهما شيء من الغرابة. ما الغرابة التي فيهما؟ أنهما في كل ركعة ركوعان. نحن معتادون في كل ركعة ركوع واحد، نركع ونقوم فقط وانتهى الأمر.

لكن لا، هذا ليس صحيحًا [في صلاة الكسوف]، في كل ركعة ركوعان: ركوع أول ثم تقوم وتقرأ، لا تقرأ الفاتحة الآن، بل تكمل القراءة وتطيل فيها حتى يزول الكسوف عن صاحبنا القمر أو صاحبتنا الشمس.

هل تفهم كيف؟ نحن ننتظرها أن تعود إلى حالتها الطبيعية؛ لأن هذا الأمر قد يستمر إلى خمسة وعشرين دقيقة، أي أن الكسوف والخسوف يصل إلى هذا؛ ففي أمور بسيطة تستمر سبع أو ثماني دقائق، وفي أمور أخرى تستمر لك خمسًا وعشرين دقيقة.

إطالة القراءة والركوع في صلاة الكسوف وكيفية التسبيح فيها

فهذه الخمس والعشرون دقيقة تحتاج يعني أن تقرأ بالبقرة إذن لكي تنتهي. بعد القراءة الطويلة وبعد ذلك تنحنحت أو بدأت تأتي راكعًا.

قال [المصنف]: تأخذ استراحة، يعني استراحة، ماذا تعني؟ استراحة يعني على ماذا؟ على الركوع. تأتي في الركوع بثلاث تسبيحات؟ لا، هنا يمكنك أن تأتي مثلًا بإحدى وعشرين أو ثلاث وأربعين، يعني تطيل في الركوع تطويلًا.

ليس ذلك الذي يعني أن الإمام عادةً ما بين ثلاثة إلى خمسة، وعندما يصل إلى سبعة يبدأ بعض الناس بالتذمر خلفه ويزمجرون مثل الذئب: مولانا، آه مولانا، طوّلت يا مولانا، وهكذا.

كيفية الركوع الثاني في صلاة الكسوف وإكمال القراءة بعد القيام

لا، المرة هذه ستجلس مدة في الركوع الأول، وبعدها تقوم لتكمل القراءة، وتقرأ لك نحو جزء أو اثنين، وتركع ثانية، وتطيل ثانية في الركوع.

إذن هي غريبة بعض الشيء، حكاية صلاة الكسوف هذه إنها تحتاج استعدادًا.

موقف بعض المشايخ من صلاة الكسوف والتوازن بين السنة والتيسير

ولذلك كان بعض مشايخنا عندما يأتي كسوف واحد يدخل هكذا عليه وهو في الدرس: مولانا، الشمس كسفت يا مولانا! هو من النابتة يريد أن يقوم، يعني يصلي الآن. يقول له [الشيخ]: إن شاء الله ستنتهي، إن شاء الله ستنتهي. وهو يعلم أنها سنة، وذاك يظنها فريضة يا مولانا.

يعني لن تصلي يا مولانا بهذا الشكل؟ نعم، هذا عمل، أي تضجين لا نحبه. نحن هذا التضجين ستنفكّ إن شاء الله. وفعلًا تفكّ، يعني نحن بعد الدرس خرجنا فوجدناها فاكّة [أي انتهى الكسوف]، وكل شيء في أمان الله.

تطبيق السنة مع التيسير والتوازن وعدم التشدد في الدين ثم الخطبة بعد الصلاة

فإذا كانت القضية هكذا، يعني لن تطبق سنة سيدنا رسول الله؟ هذا جزاءه بالحذاء وتأتي إلى خلفه. لا، سنطبق ولكن مع التهيؤ ومع يعني التوازن، مع لا تجعل الناس تعبد ربنا كرهًا، دعهم يعبدونه بحب.

ليس بإثبات الحالة، ليست مثل هذه الطريقة: نحن هكذا فعلنا كذا. ما هذا كله؟ هذا كله عبارة عن تشدد في الدين.

وبعد ذلك [بعد صلاة الكسوف] يقوم مثل قصة العيد، يلقي خطبتين يحمد فيهما ربه ويلتجئ إليه أن يسترها معنا، ويعني يشكره على نعمه ونعمائه سبحانه وتعالى. والله تعالى أعلى وأعلم.