المجلس الثالث والخمسون من شرح متن الغاية والتقريب | أ.د علي جمعة
- •يصح بيع كل طاهر منتفع به، بينما النجس لا يجوز بيعه لانعدام قيمته شرعاً كالبول والقيء والدم.
- •هناك حاجة للانتفاع ببعض النجاسات كالروث للسماد، والدم للأغراض الطبية، مما أوجد إشكالية شرعية.
- •ابتكر الفقهاء حلاً شرعياً لهذه المعضلة أطلقوا عليه "رفع اليد عن الاختصاص"، فهو عقد ليس بيعاً وشراءً.
- •يستخدم هذا العقد في التعامل مع أشياء لا يصح بيعها شرعاً كالدم والكلاب.
- •الفرق بين البيع ورفع اليد عن الاختصاص يظهر في الضمان، ففي البيع يُرد الثمن إذا تلفت السلعة قبل التسليم.
- •في رفع اليد عن الاختصاص، لا يُرد المال لأنه مقابل رفع اليد وليس ثمناً للعين.
- •من شروط البيع أن يكون المبيع طاهراً منتفعاً به مملوكاً إما تحقيقاً أو تقديراً.
- •بيع النجاسات كالخمر باطل شرعاً ولا يثبت المال المدفوع فيه.
افتتاح الدرس وبيان شرط الطهارة في صحة البيع
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
قال المصنف رحمه الله تعالى ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين: ويصح بيع كل طاهر. نعدّ إذن مع بعضنا: طاهر، يبقى فالنجس لا يجوز بيعه؛ لأنه لا قيمة له في ميزان الشرع.
والنجس قد يكون سائلًا وقد يكون جامدًا، لكن كلٌّ من السائل والجامد فَقَدَ الطهارة. فالبول نجس، والقيء نجس، والدم نجس، فلا يصح بيع شيء من هذه [النجاسات].
الحاجة إلى النجاسات في الحياة العملية كالسماد والوقود والدم
وحينئذٍ ما دام يصح بيع كل طاهرة، ستأتينا منافع عجيبة [تتعلق بالنجاسات]. الخارج من الحيوان نجس، ثم يحتاج إليه الفلاحون؛ يحتاجون إليه في السماد البلدي، ويحتاجون إليه عندما يُجفَّف ذلك الخارج ويُستعمل وقودًا حراريًا، فيحتاجون إلى النجس.
والدم نجس، والآن مع تطور العلم أصبحنا في حاجة إلى الدم، وهناك بنوك للدم نذهب إليها حتى ننقذ الإنسان. وأصبح الدم نبحث عنه في فصائله A وB وغيرها، وفي سالب وفي موجب. والله لقد توسعت الأمور، المسألة ولم تعد كل أنواع الدم واحدة، وأذهب إلى بنك الدم لأجد التصنيف موجودًا، كل الأنواع موجودة، فأشتري كيس دم.
خطورة الأخذ بجزء من العلم دون إكمال الدرس الفقهي
وبعد ذلك، هذا الشيخ قال لنا في الدرس أنه لا يجوز [بيع الدم]، فأنت تحاول وتقول للرجل [في بنك الدم]: هذا لا يجوز، أعطني إياه مجانًا. حسنًا، أعطيه لك مجانًا. كيف يا مولانا؟ قل: لا، هذا حرام والله! أأنتم ستكفرون الآن؟ إن الله ربنا قال أن هذا حرام وأنتم ستقبلون على أنفسكم الحرام؟ ألا فليُخرب الله بيتكم! وستدخل معه في حديث سخيف.
لماذا كل هذا؟ لأنك لم تكمل الدرس. نعم، لم تكمل الدرس، أخذت أن الدم لا يجوز بيعه وأسرعت. ما زلنا سنحلها [هذه المسألة] من أجل نحلّ هذه المصالح.
بيان الحاجة الماسة إلى النجاسات وأن الدم نجس بالإجماع
طيب، أنا إذا لم أُسمِّد الأرض، فالأرض لن تُنتج زرعًا جيدًا. وإذا لم أستعمل الوقود، فماذا أفعل؟ أذهب لأشتري خشبًا بخمسة أضعاف سعر الوقود الذي يسمونه الجلّة؟ وإذا لم أشترِ الدم، فسيموت الرجل أو المرأة. والله هذا بلوى! ما هذا؟
مَن يا سيدي الذي قال لك أن الدم نجس؟ إنه إجماع بالإجماع، الدم نجس. فإذا هي ورطة، ورطة كبيرة، يعني ليست ورطة صغيرة.
شرط الانتفاع في البيع وبيان ما لا نفع فيه لا يجوز بيعه
فطبعًا فقهاؤنا يعرفون الديانة بالكامل هكذا، يعني ليسوا يعرفونها معلومة ويقوم يجري. نعم، قالوا في شيء يا إخواننا نستعمله إذا كان هذا نافعًا؛ لأنه أيضًا سيأتي لك هنا ويقول لك ماذا: كل طاهر منتفع به.
كل طاهر منتفع به، يعني لا بد أن يكون نافعًا. قلنا له: ما هي الأشياء التي ليست نافعة؟ قال: بعض الصراصير، ضربنا عددًا من الصراصير وقتلناهم، وبعد ذلك كيف ستعرضهم للبيع؟ حسنًا، إنك قتلته بالنعل، حتى جسمه تلف من النعل الذي ضربته به. يعني هذا ما نفعه؟ ما ليس له نفع لا يجوز بيعه. كل طاهر منتفع بها.
حل الفقهاء لمشكلة بيع النجاسات بعقد رفع اليد عن الاختصاص
طيب، الدم منتفع به، ونجاسة الخارج من الماشية منتفع بها. ماذا نفعل إذن في هذه الورطة؟ قال [الفقهاء]: نصنع شيئًا، عقدًا جديدًا لا يُسمى بيعًا.
إذن ماذا يُسمى؟ أنت ستأخذ أيضًا الكيس من الناس، تجري إلى المستشفى وتلحق بصاحبك وكل شيء، لكن ما يحدث بينك وبين بنك الدم ليس اسمه عقد [بيع] في الشريعة.
قلنا له: حسنًا، هذا جيد جدًا، فما اسم هذا العقد إذن؟ قل لي ما هو نوع العقد؟ قال: رفع اليد عن الاختصاص. فلنحفظ الآن يا طلاب العلم هذا المصطلح: رفع اليد عن الاختصاص.
شرح آلية عقد رفع اليد عن الاختصاص في بنك الدم
قال [الفقهاء] يعني: كان البنك واضعًا يده على الأكياس هذه، على كيس الدم، فذهبت له أنا وقلت: أريد كيس الدم هذا لأنقذ صديقي. قال له: حسنًا، سأرفع يدي عنها.
أليس موضوعًا على الطاولة هنا ويدي عليه لأنني أنا المختص به؟ انظر، الكلام ليس مالكه؛ لأنه النجس لا يدخل تحت المِلك، إنما هذا شيء منتفع به وسينقذ الإنسان.
قال: يدي عليه، أعطني عشرة جنيهات وأنا أرفع يدي، فقم أنت بالتقاطه. قلت له: طيب، أعطني العشرة جنيهات. أخذها بيده الشمال.
الرد على من يتشدد في المسائل الفقهية ويترك المريض يموت
طبعًا السلفية يقولون لك: خذ بيمينك وأعطِ بيمينك، أخرجه مسلم، فهذا مبتدع! إذن نترك الرجل يموت؟
حسنًا، نقول لهم: لا مانع من أن يأخذها حتى يرفع يده اليمنى. أخذ البنك الثمن وأنت أخذت [كيس الدم]، فتكون مبادلة. نعم، ولكن ليست بيعًا وشراءً؛ فالبيع والشراء لا يصلح إلا أن يكون المثمَّن طاهرًا منتفعًا به.
حسنًا، وماذا لو لم يكن [طاهرًا]؟ إذن رفع اليد عن الاختصاص.
تطبيق رفع اليد عن الاختصاص على بيع الكلاب المحرم شرعاً
قال: حسنًا، أنا عندي بعض الكلاب والكلاب تتكاثر، فأقول له:
«نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب»
لا يجوز أن تبيع الكلب ولا تشتريه. قال: حسنًا، سأنشئ مزرعة للكلاب، فالكلاب تتكاثر وأريد أن أوزعها.
قلت له: وزّعها هكذا من تلقاء نفسك. قال: حسنًا، لا أرغب في ذلك، لا أستطيع، نفسي لا تتحمل، ولا أستطيع تحمل هذا القدر من الهدايا للناس. وهذه كلاب من سلالات أصيلة ولها سند ولها كل شيء، أي أنها من سلالة، أي لها كراسة تحتوي على اسمه واسم أبيه واسم أمه واسم لا أعرف ماذا. وصل الأمر إلى هذا الحد! قال إنه واصل ومتدرب.
تطبيق عقد رفع اليد عن الاختصاص عملياً في شراء الكلاب
فماذا أفعل؟ قال: إذن لا يوجد إلا رفع اليد عن الاختصاص. تعال، أنا أريد هذا الكلب. حسنًا، خذ الكلاب.
الآن أصبحت [الكلاب] بستة وعشرين ألفًا وخمسة وثلاثين ألفًا وما إلى ذلك. لقد ذهب أصحاب العقول! فأعطاه الخمسة والثلاثين ألفًا وأخذ الكلب من الحظيرة أو المأوى الذي هو مزرعة الكلاب، وانصرف ماشيًا به.
حسنًا، ليكن. حسنٌ، ما هذا إذن؟ هذا بيع وشراء، فهو أخذ المال والآخر أخذ السلعة التي يريدها والتي هي الكلب. قال: هذا ليس بيعًا وشراءً. إذن ما هذا؟ قال: هذا رفع اليد عن الاختصاص.
الرد على من يتهم الفقهاء بالتحايل على أحكام الله تعالى
فقال أحد النابتة لنا: أأنتم ستتلاعبون على ربنا؟ نعم، هو مُصِرٌّ أن الرجل الذي يريد [إنقاذه] هذا الشخص أن يموت، فهو غير راضٍ [بالحل الفقهي].
قلنا له: كيف نتحايل على الله؟ فقال: هذا ما فعله المشركون، قالوا أشياء مثل هذا، قالوا:
﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [البقرة: 275]
فرد الله عليهم وقال:
﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [البقرة: 275]
انظر كيف رد الله عليهم بسهولة، بينما المشرك قال كلامًا مختلطًا بين الصورتين.
بيان الفرق بين البيع والربا بمثال عملي في شراء الثلاجة
أريد أن أفهم ما الفرق بين الربا والبيع؟ كان تجار مكة في الصورة يقولون لا يوجد فرق.
ذهبت إلى بائع الثلاجات، سألته: بكم هذه الثلاجة؟ قال: هذه الثلاجة بعشرة آلاف جنيه. قلت له: خذ العشرة آلاف جنيه وأخذتها. هذا هو البيع.
حسنًا، قلت له: أعطني [الثلاجة]. أعطني، أخذت الثلاجة وذهبت لأستدين من شخص عشرة آلاف جنيه وأعطيتها له، وهو سجل عليّ اثني عشر [ألفًا]. والذي سجل عليّ اثني عشر هو نفس الرجل الذي قال لي: إذا لم يكن معك، أسجل عليك باثني عشر.
توضيح أن الفرق بين البيع والربا يكون في الضمان
قال له: ما الفرق إذن؟ فأنت تسجل عليّ باثني عشر، وهذا أيضًا تسجله عليه باثني عشر، هذه الثلاجة ذهبت إليه وهذه الثلاجة ذهبت إليه. ما هذا؟ عنده عشرة آلاف أصبحت ذهبت هنا عشرة آلاف، يعني المجتمع لم يحدث فيه شيء، إنما البائع مثله الربع [الربا].
فربنا حتى لا يدخل في جدلية مع هؤلاء الذين لا يفهمون؛ لأنها مسألة معقدة قليلًا، ما الفرق بين الصورتين؟ فقال:
﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [البقرة: 275]
لا يوجد فرق بين الصورتين في الضمان. فما الفارق إذن في الضمان؟
مثال عملي على الفرق في الضمان بين البيع ورفع اليد عن الاختصاص
عندما قلت له: حسنًا، هذا الكلب سأكتب عليه اسمك من أجل أن تأتي لتأخذه، فمضى هو وأعطاني النقود. ثم مات الكلب، مات الكلب. مات عند من؟ عند صاحبه [صاحب المزرعة].
فجاء وقال لي: أين الكلب؟ قلت له: ها هو جثة هامدة، تُوفي. قال: حسنًا، أعطني نقودي. قلت له: لا، هذا لم يكن بيعًا وشراءً. لو كان بيعًا وشراءً لكنت ستأخذ نقودك، تفضل نقودك.
هذا ثمن رفع اليد عن الاختصاص، وأنا رفعت يدي بالأمس عندما جاء وقلت له: هذا بعشرة آلاف. أعطاني بعشرة آلاف، فقلت له: الكلب عند سيادتك، ها هو، اسحبه. لكنهم لم يسحبوه في ضمانهم.
الفرق الجوهري بين البيع ورفع اليد عن الاختصاص في مسألة الضمان
لكن لو كان البيع وشراءه، فهذا ثمن، وإذا لم نسلم العين [المبيعة]، فيرجع الثمن. إذن، الفرق بين الصورتين سيكون في الضمان. فلندع هذه المسألة ولنكن واعين.
وهكذا قلت: حسنًا، ليس عليه، اتركه هنا هكذا. وتركت الدم لديه [في بنك الدم] وذهبت ولا أعرف [ماذا حدث بعدها]، أشتري آيس كريم. قام الإرهابيون بتفجير البنك فضاع الكيس.
ماذا أفعل؟ خلاص، ضاعت الأموال. لماذا؟ لأن الأموال كانت في مقابل رفع اليد عن الاختصاص وقد تم، ويكون هذا ليس اسمه عقد بيع ولا شراء.
شروط صحة البيع من طهارة وانتفاع وملكية تحقيقاً أو تقديراً
لأن من شروط البيع أن يكون المثمَّن طاهرًا منتفعًا به مملوكًا. لازم يكون في ملكه إما تحقيقًا أو تقديرًا.
تحقيقًا: عندي في المخزن. وتقديرًا: موجود في ملكي لكنه في السفينة. جئت واشتريت مني سيارة بمواصفاتها موصوفة في الذمة، وهذه السيارة في الطريق في وسط البحر، مملوكة لأنني دفعت ثمنها وأنجزت وانتهيت وأنتظر مجيئها لتصبح مملوكة. فتحقيقًا معي في المخزن، تقديرًا أي أنها لم تصل إلى ميناء.
ولا يصح بيع عين نجسة، أو بالصريح المريح: إذن تكون كل الخمرة التي تحصل هذه باطلة، ولا ما لا منفعة فيه، فلا هذا ينفع ولا ذاك.
ختام الدرس والتوديع
إلى لقاءٍ آخر، نستودعكم الله، والحمد لله رب العالمين.
