المجلس الثالث والسبعون من شرح متن الغاية والتقريب | أ.د علي جمعة

المجلس الثالث والسبعون من شرح متن الغاية والتقريب | أ.د علي جمعة - الغاية والتقريب, فقه
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال المصنف رحمه الله تعالى (متن الغاية والتقريب او متن أبى شجاع أو متن غاية الإختصار، أحد كتب الفقه الشافعي، ألفه أحمد بن الحسين الأصفهاني المشهور بأبى شجاع، أكثر المؤلف في مؤلفه من التقسيمات والخصال)، ونفعنا الله بعلومه في الدارين آمين: والشفعة واجبة بالخلطة دون الجوار. الشفعة، يسمونها حق الشفعة، ومعنى الشفعة أنني من حقي أن أشتري نصيب شريكي في البيت،
حتى لا يأتي أجنبي، يأتي آخر، يأتي غريب، فيشاركني في هذا المنزل، أو في هذه الأرض، أو في هذا الشيء، بعد شريكي الذي كنت قد ارتضيته أو كان الله سبحانه وتعالى قد أقامهم، كالوارث. أنا وأخي ورثنا بيتاً، وعندما ورثنا هذا البيت أصبحنا شركاء فيه، فإذا أراد أن يبيع نصيبه لآخر، كان لي الحق أن أعطيه نفس الثمن الذي جاءه، ما
دام قد قرر التنازل عن هذه الحصة بإزاء هذا الثمن، "لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ" [البقرة: ٢٧٩]، بدلاً من أن يأخذ الثمن من الغريب يأخذه من القريب، من الخليط، من الشريك، فيسمى هذا حق الشفعة. فيحقق المصالح ولا يتسبب عنه أي مفسدة، هو أراد أن يبيع. وأراد أن يبيع بسعر معين، وثمن معين، وله هذا فليس يُضار في شيء. وأنا
معي هذا الثمن، وأريد أن أشتري، وأن أستقل بالبيت. أو أشتري نصيبه حتى لو كان معنا شركاء آخرون، فهذا يسمى بحق الشفعة. الإمام الشافعي ومن وافقه في مدرسته رضي الله تعالى عنهم، يرون أن هذه الشفعة تقوم في حق الشركة، الخُلطة، ولا تقوم في حق الجوار، أى أننى أَمْلُك بيتًا، وبجوارنا بيتًا آخر أراد صاحبه أن يبيعه، فذهبت إليه
وقلت له: أنا أريد أن أشتري هذا البيت من أجل جواري عندك معك، فله أن يقول عند الشافعي: لا أبيعه لك، أنا سأبيعه لرحيمي الذي هو أخو زوجتي. ولا أبيعه لك، بيننا وبينه علاقات اجتماعية، وأريد أن يأخذ هو هذا المكان إرضاءً لزوجتي، وأنا لا أريد أن أبيعك. فالشافعي يقول: له هذا، الإمام أبو حنيفة قال: لا، الشفعة في المخالطة وفي الجوار. فعند الإمام أبي حنيفة، عندما يذهب هذا الرجل يسأله: هل من
حقي أن آخذ بيت جاري وقد أراد أن يبيعه؟ فيقول له نعم، بسبب ماذا؟ بسبب الجوار. ولو ذهب إلى الإمام الشافعي، يقول له ليس لك حق أن تفرض عليه أخذه، فلعله عندما رفضك كان له سبب، مثل السبب الذي ذكرناه. فالشافعي يقول بالخُلطة أى الشركة والمشاركة، وأبو حنيفة يقول بالخُلطة أو الجوار، لأن ما يترتب على جار جديد لا نعرف كيف
تكون العلاقة معه، كما يترتب على شريك جديد. يعني الإمام أبو حنيفة لا يرى فرقاً بينهما ويرى أن العلة هنا هي العلة هناك، ولذلك تمادى من الخُلطة إلى الجوار. وبه أخذ القانون المصري، القانون المصري أخذ بكلام سيدنا أبي حنيفة. أبو حنيفة ثلاثة أرباع الأمة أحناف، الشرق والغرب والجماعة الهنود وغيرهم، والثلث أو الربع الثاني شافعية، ومجموعة قليلة مالكية، ومجموعة لا تُعَدّ على الأصابع حنابلة. فالإمام أبو حنيفة سمّوه الإمام الأعظم، ومصر سارت
على مذهب الإمام أبي حنيفة في هذه المسألة. فعندما تذهب إلى حضرة القاضي لن ينفعك هذا الدرس. ولا تقول له: إن الشيخ سمعناه يقول والله هذا مذهب الشافعي، فيقول لك: فأنا أعرف، إنما القضاء يتم بمذهب أبي حنيفة. السؤال هو: هل القاضي يحكم في مثل هذه الأشياء؟ معناها أن الشفعة واجبة. قال: نعم الشفعة واجبة وتوقف العقود. الرجل الذي بجانبي أخفى عني أنه
يبيع، فلا أعرف، وفجأة وجدتُ الجديد الغريب أصبح جاراً لي، فماذا أفعل؟ أذهب فأشكوهما، البائع والمشتري، أمام حضرة القاضي. وأذهب إلى القاضي وأقول له: نحن في مصر نسير على مذهب سيدنا أبي حنيفة، فلو سمحت مكِّنني من هذا البيت. فإن كان اشترى البيت بخمسة عشر مليوناً، فها هي خمسة عشر مليوناً بالتمام يا حضرة القاضي أمامك. فالقاضي يحكم،
أولاً بإخراج هذا الغريب من البيت، وثانياً بتمليك هذا البيت للجار، وثالثاً دفع هذا المبلغ لمن دفعه منهما. فأحضروا الغريب، عند حضرة القاضي قائلاً له: خذ خمسة عشر مليوناً التي دفعتها وتوكل على الله، توكل على الله، البيت ليس بيتك، لأن هناك حق شفعة. فيقول له المشترى الغريب، ولكن نحن أخذنا في الدرس أن حق الشفعة للمخالطة. قال لك: "والشيخ لم يقل لك أن أبو حنيفة والقانون وكله كذا". قال: "لا". قال: "الحقيقة قال: "حسناً، ولماذا لم تطاوعه؟ أنت حر،
خذ الخمسة عشر مليوناً واذهب. فالرجل بكى بشدة، فالقاضي يقول له: "لماذا تبكي؟ أعطيناك الخمسة عشرة ملايين التي لك وستمضي". قال له: الورطة ليست هكذا يا سيادة القاضي، الورطة أن البائع المالك الأصلي كان عليه خمسة ملايين، وأنا أعطيته الخمسة عشر مليوناً تكملة لثمن البيت. فثمن هذا البيت عشرون مليوناً، فالعقد الذي بيني وبينه كتبناه بخمسة عشر مليوناً لأنني دفعت خمسة عشر، لكنني أسقطت ما في ذمته. من أجل هذا البيت فأنا في الحقيقة اشتريته بعشرين،
فالقاضي هنا يقول: لكن دعنا نُحضر خبيراً، ليرى هل هذا البيت يساوي عشرين، أم يساوي سبعة عشر، أم يساوي خمسة عشر. يُقوّم البيت فأتى الخبير، وقال: لا، هذا البيت بعشرين. فيقول لصاحب الشفعة: ادفع أيها الطيب خمسة أخرى، ويدفعها حينئذٍ لمن؟ للمشتري الجديد. وجده بسبعة عشر، يقول له: ادفع له اثنين، وأنت ارفع قضية على البائع لكي يكمل لك الثلاثة مليون التي كانت في ذمته. وجده
بخمسة عشر، يقول له: هو ثمنه خمسة عشر والرجل لن يدفع زيادة، وأنت ارفع قضية على صاحبك، أو رحيمك، الذي هو أخو امرأته، لكي تستوفى حقك. وانظر هل لك حق أصلاً أم لا؟ أم أنك تتركها له هكذا هدية؟ أو ماذا تفعل؟ لا نعرف، هذه قضية أخرى. ويُحكم بالشفعة. لكن افترض أن الرجل أعلن عن بيع البيت ولم يأتِ إليه أحد، فأين الشفعة؟ قال: بثمن المثل، ما دمت أعلنت عن البيع فيكون بثمن المثل. لكن افترض ذهبت أنا إلى الرجل وقلت له: أنا عيني على هذا
البيت الذي تملكه، بِعْه لي. فقال: لا أريد أن أبيع، فليس هناك حق للشفعة. الشفعة تتحقق عندما يريد المالك أن يبيع، فتمنع من البيع للغير، تمنع من البيع للآخرين، لكن لا ترغم أحداً على التصرف في ملكه. والشفعة واجبة بالخلطة دون الجوار، إذن هو يقول دون الجوار بماذا؟ فعلى ماذا ينبهنا؟ على مذهب أبي حنيفة. انتبهوا، أي أنه شائع عندكم مذهب أبي حنيفة. لا، انتبه الآن، الشافعي يقول غير ذلك، يقول ماذا؟ الجوار. فيما ينقسم دون
ما لا ينقسم، فهذا لا بد فيه من وضوح الفرز، أنا وهو شريكان في بيت ذي دورين، انا لى دور وهو له دور. فهذا ينقسم، الدور العلوي للأخ الأول، والدور السفلي للأخ الثاني. فيكون قابلاً للقسمة، ويسمونه الفرز والتقسيم. فيريد أن يقول أنه لا بد من قبوله للفرز والتقسيم. أحياناً تكون الأمور متداخلة، فأنا يكون
لي غرفتان في الشقة وأخي له غرفتان، لا تنقسم، لأن المدخل واحد، والمخرج واحد والمنافع واحدة، فلا يمكن أن تنقسم، إذن في هذه الحالة، نحتاج فيها إلى ما يسمى بالتقسيم والعدل. وفي كل ما لا يُنقل من الأرض كالعقار وغيره، تصبح الشفعة واجبة، في العقار وفي الأرض ونحوها. بالثمن الذي اتفق عليه البائع،
وقد فصّلناها تفصيلًا. وهي على الفور. جاري أو شريكي، عندما باع، وجاء الجديد، ورحبنا به، مرحباً مرحباً يا أخي، وهكذا، جوار سعيد، ومنزل مبارك إن شاء الله، وعزمنا على شاي بالنعناع أو بالياسمين، نعم حسب المستوى، وذهبنا وشربنا عنده شاي بالياسمين، وبينما نحن جالسون هكذا نشرب شاي بالياسمين، شاي بالياسمين ليس حلواً بالفعل، ليس لطيف، فقلنا إن
هذا الرجل تكبر علينا أم ماذا؟ أحضر لنا شاياً بالياسمين. وهو مذاقه ليس جيدًا، إنه مثل جبنة الروكفور المعفنة، هي جبنة معفنة. هنا شخص منحرف الفطرة، يقول إنها لذيذة جداً، ونحن نتقزز منها. هذا طعام رديء. ماذا يعني "جانك فود"؟ يعني طعام نفايات. فكلمة "جانك" تعني "خردة". أي الأشياء القديمة كالمسامير وما شابه، فقال "جانك فود" يعني شيء مثل القمامة. ما معنى "ريكفورد" هذه؟ قال: إنها غالية الثمن. نعم، بسبب عفونتها. مثل الخمر، فالخمر غالية الثمن وهي عبارة عن نجاسة، نجاسة يدفعون فيها آلاف الدولارات، لكنها نجسة على فكرة.
فليست هذه هي الحجة، وإنما لأنه عندما يراها غالية الثمن، حالة نفسية هكذا جعلته يستسيغ هذه الأشياء السيئة، لكنه في النهاية طعام غير صحي. عندما ذهبت عند الرجل، وشربت الشاي بالياسمين، وانصرفنا. ذهبت وقلت: "أنا أريد هذا البيت". لا يصلح لأن الشفعة على الفور. علمت في الساعة الثانية عشرة ليلاً أن الرجل باع البيت، أو أنه باع نصيبه في الشراكة. في الصباح سأكون موجوداً عند حضرة القاضي لأشكوه. أما إذا انتظرت هكذا لمدة
أسبوعين، أو ثلاثة، أو أربعة، ثم ذهبت إلى القاضي، فقال لي: "أنت جئت متأخراً، كان يجب ان تاتى على الفور وأنت جئت بعدما نقل الناس أمتعتهم، وبعدما استقروا وهكذا. أين كنت؟ إذن الشفعة على الفور. مثل الرد بالعيب في الكتب. مثلما قلت لكم قبل ذلك. على الفور، فإذا تأخر سقط. وليس له هذا. مع القدرة عليها، فإن أخّرها مع القدرة عليها بطلت، فتأخير الشفعة، مع القدرة عليها. ما فائدة مع القدرة عليها؟ الرجل عندما باع، كانوا قد قبضوا على بتهمة، وبعد ذلك
ثبتت براءتي. الحمد لله، فلما رجعتُ إلى البيت، وصاروا فرحين بأنني رجعت إلى البيت، قالوا لي: "لكن ماذا؟ الرجل باع نصيبه". فوَجَب علىّ الذهاب غداً، هكذا تكون الفورية. فالقاضي يقول لي: "أين كنت في هذا الشهر؟" قلت له: "والله كنت مسجونًا"، ثم أن القاضي لا يضايقني ويقول لي: " فيما كنت مسجوناً". لا يسأل هذا السؤال، وإنما يسأل: أنت لماذا تأخرت؟ لأن التأخر سيُبطل الشفعة. فلو قلت له: والله انشغلنا، والدنيا مليئة بالملاهي التي تُلهي، تركوها كما هي. يقول لي: إذن فقد بطُلت الشفعة. ولو
قلت له: إنني كنت محبوساً على ذمة التحقيق، يقول لي: لا، هذا عذر يجعل الشفعة قائمة، لأن الفورية في كل شيء بحَسَبِه. الفورية في كل شيء بحسبه. قالوا عندما نقول: تزوجت المرأة فولدت. ولم نقل بعد تسعة أشهر، قلنا "فولدت" ولا يعني هذا أنها ولدت في اليوم الثاني من الدخلة، بل بعد تسعة أشهر، لأن التعقيب في كل شيء بحسبه، وتسليم المبيع في كل شيء بحسبه. عليك أن تأخذ الأمر بعقلك، لا بد من ذلك. يتضح هكذا أن الفورية، والتسليم، والتعقيب، كلٌ
بحسبه. أي حسب طبيعته، وإذا تزوج امرأة على شِقْصٍ أخذه الشفيع بمهرٍ مثل. قال لها: "أنا لي دَور في هذا البيت وهو مهركِ". فجاء الشفيع وقال: "يا سيادة القاضي، لقد ملّك هذا المكان لزوجته وأنا أريده حتى لا يبيعه للغير". وزوجته من الغير. يقول له لك حق، حسناً،
هو بكم إذاً؟ فالرجل دفعه مقابل المهر الذي في ذمته. حسناً، المهر الذي في ذمته كم؟ لم يَقُله. إذن نذهب إلى مهر المثل، لنرى هذه البنت كم تزوجت أختها؟ وكم تزوجت بنت عمها؟ وكم تزوج الجيران؟ لأن لكلٍ درجات. هناك من تتزوج بمائة ألف، وهناك من تتزوج بخمسمائة ألف، وهناك الآن من تتزوج بعشرين مليون. فلنفترض أنه أعطى هذا المبلغ للزوجة، التي مهرها عشرين مليون، فكم سيكون نصيب الشفيع؟
عشرين مليون؟ "لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ" [البقرة: ٢٧٩] افترض أن مهرها كان مائة، طبقاً لمهر المثل. وماذا يعني مهر المثل؟ أي أمثالها، من بنات عمها وأختها وإخوتها والجيران. فيسترشدون به للمستوى الخاص بها، وإذا تزوج امرأة على شقص (الشقص يعني جزء). أخذه الشفيع بمهر المثل، وإن كان الشفعاء جماعة، استحقوها على قدر الأملاك. شفيع وشفيع وشفيع، كلهم لهم حق في الشفعة، فواحد له ثلاثون في المائة،
والثاني له عشرون، والثالث له عشرة، والذي سيبيع نصيبه له أربعون. إذن يكون هؤلاء لهم ستون، وهو له أربعون، فهم يريدون أن يدخلوا في هذه الأربعين. كيف يدخلون فيها؟ بنسبة ثلاثة إلى اثنين إلى واحد، ثلاثون، عشرون، عشرة. فيكون ثلاثة إلى اثنين إلى واحد. حسنًا، باع جزءه هذا بستين ألفًا، حسنًا، فيكون أحدهم سيدفع عشرة آلاف، ويأخذ عشرة في المائة من البيت كله، والثاني
سيدفع عشرين، ويأخذ عشرين في المائة، والثالث سيدفع ثلاثين، فيكون قد استوفى الستين الخاصة به. والأربعون قُسمت على ثلاثة، اثنين، واحد، واضيفت إلى الأشياء الخاصة بهم، وهكذا. وإن كان الشفعاء جماعةً، استحقوها على قدر الأملاك. التي يمتلكونها. وبهذا ينتهي فصل الشفعة. هذه الشفعة عندما جاؤوا لدراسة القانون الفرنسي، ومقارنته بالمذهب
المالكي، وجدوا أن القانون الفرنسي لا يعرف الشفعة. وليس فيه هذا الباب، فتميز القانون المصري بالشفعة دون القانون الفرنسي، فتنبه لهذا الأمر، فإنه يشكل على كثير من الناس.