المجلس الثامن والأربعون من شرح متن الغاية والتقريب | أ.د علي جمعة - الغاية والتقريب, فقه

المجلس الثامن والأربعون من شرح متن الغاية والتقريب | أ.د علي جمعة

38 دقيقة
  • سنن الحج سبعة، ومنها الإفراد وهو تقديم الحج على العمرة، ويُعد أفضل الأنساك عند الشافعي.
  • الحج ثلاثة أنواع: الإفراد والتمتع والقِران، وفي القِران تقترن العمرة بالحج ويبقى المحرم محرماً حتى رمي الجمرات.
  • سوق الهدي يُلزم صاحبه بالقِران كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، بينما يمكن لمن لم يسق الهدي أن يتحلل ويتمتع.
  • يرى الشافعي أن الإفراد أفضل لأنه لا يحتاج لدم جبران، بينما التمتع والقِران يحتاجان للدم.
  • من سنن الحج أيضاً: التلبية، وطواف القدوم، والمبيت بمزدلفة، وصلاة ركعتي الطواف، والمبيت بمنى، وطواف الوداع.
  • يستحب الاشتراط في الإحرام بقول: "واجعل محلي حيث حبستني" ليتحلل المحرم إذا أصابه ما يمنعه من إتمام النسك.
  • أكثر الناس يختارون التمتع لأنه أرفق بالحجاج وأنسب لبرنامج الرحلات.
محتويات الفيديو(31 أقسام)

افتتاح الدرس وبيان أن سنن الحج سبع وأولها الإفراد

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

قال المصنف رحمه الله تعالى، ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين: وسنن الحج سبع، أولها: الإفراد، وهو تقديم الحج على العمرة.

إذا كان اختيار الأولى من الصيغ الثلاث في الحج عند [الإمام] الشافعي هو الإفراد، فالحج على ثلاثة أنواع:

  1. إما أن يكون قارنًا كهيئة حج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
  2. وإما أن يكون متمتعًا كشأن غالب الصحابة الكرام.
  3. وإما أن يكون مفردًا.

فالإفراد أحد صور ثلاثة [في أنساك الحج].

بيان صورة القران في الحج وأحكام من ساق الهدي ومن لم يسقه

في القِران تقترن العمرة بالحج، يعني يُحرم بالعمرة ثم يظل بعدها محرمًا حتى يأتي وقت الحج. حتى لو أحرم في أول شوال بالعمرة قارنًا، يظل محرمًا إلى رمي الجمرات، يعني كأنه في الإحرام سبعين يومًا.

إذا ساق الهدي معه فإنه لا يستطيع الخروج عن هذه الصورة، صورة الاقتران. أما لو نوى القِران ولم يسق الهدي، فإنه يمكن له أن يخرج عن القِران.

إذن القارن على نوعين: نوع ساق الهدي أمامه ملبيًا لله تعالى، وهذا كان شأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فلما بلغ مكة نصح أصحابه، وكانوا كلهم قارنين، لكنهم لم يسوقوا الهدي. هو ساق أمامه ستة وثلاثين بدنة، يعني هو مسافر وأخذ معه ستة وثلاثين جملًا، ساروا معه إلى الكعبة.

القارن محبوس بسوق الهدي والصحابي يجوز له التحول إلى التمتع

يبقى القارن محبوس نفسه في تلك الصورة؛ لأنه ساق الهدي معه. حسنًا، والصحابي الذي لم يسق الهدي يجوز له أن يحوّل القِران إلى تمتع، فيجوز له أن يعتمر وينوي التحلل متمتعًا إلى وقت الحج.

إذن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ظل في الإحرام، والإحرام صعب؛ لأنه يمنع من أشياء: يمنع من غطاء الرأس، من غطاء القدمين واليدين، ولبس المخيط المحيط. صعب، لا يضع عطرًا، لا يقص شعره ولا ظفره. تكاليف كأنه محبوس داخل هذه الهيئة، لكن كله بثوابه وكله بأجره.

أمر النبي أصحابه بالتمتع رأفة بهم وبيان سبب بقائه قارنًا

فقال [النبي صلى الله عليه وسلم] لأصحابه: تمتعوا، يعني رأى الجهد فيهم، غير قادرين هكذا، متعبون من السفر، متعبون من الإحرام نفسه. كُلفة، والكلفة إلزام ما فيه مشقة. فالكلفة معناها فيها مشقة، وفي طلب ما فيه مشقة قولان للأصوليين: إما طلب ما فيه مشقة أو إلزام ما فيه مشقة، والاثنان فيهما مشقة. كلفة تعني مشقة.

فلما رأى المشقة قد أخذت بأصحابه صلى الله عليه وسلم، وهو كان بالمؤمنين رؤوفًا رحيمًا، أمرهم أن يفكوا القِران إلى التمتع. فقالوا: أنت قارن يا رسول الله، نريد أن نفعل مثلك. قال: لقد سُقتُ الهدي. فسبب عدم تمتعه أنه كان يحب التمتع أو يريد التمتع.

﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]

فقال: سُقتُ الهدي. فكأنه صلى الله عليه وسلم عندما دخل في صورة القِران لا يخرج منها، التزم وهو سيد الملتزمين، فظل مقارنًا.

تعليل الإمام الشافعي لتفضيل الإفراد بأن دم التمتع والقران جبران

الشافعي عندما قرأ كل هذه الأمور [وجد أن]: التمتع فيه دم، والقِران فيه دم، أما الإفراد فليس فيه دم. قال: فيكون كأن هذا الدم جبران، فالذبيحة التي تُذبح تجبر شيئًا.

وأما الإفراد فليس فيه جبران، فيكون الإفراد أتم، أي أن الإفراد مائة بالمائة، فليس فيه أنك تُتبع شيئًا. والتمتع تسعون، طيب، والعشرة نكملهم دمًا، نتبرع بالدم لله سبحانه وتعالى ليذهب إلى الفقراء والمساكين، فنأخذ العشرة التي نقصت هذه فتصبح مائة، مائة أيضًا ولكن بعد أن جبرتها.

طيب، والقِران تسعين في المائة، كيف يصل إلى المائة؟ عندما تقدم الجبران، تقدم ما استيسر من الهدي، قدمت ما استيسر من الهدي فتكون قد أكملت العشرة في المائة.

حجة الشافعي في أن الإفراد أكمل لعدم احتياجه إلى جبران

ففكر الشافعي بفهمه أن هذا دم جبران، وما دام دم جبران فإن أهون الأولى ورقم واحد هو أن الإفراد لا كلام فيه.

لماذا؟ لأنه لا يوجد فيه دم، ألّا تجبره. لماذا؟ لأنه مائة بالمائة، لأنه مائة بالمائة. كيف ستأتي بأكثر من مائة بالمائة؟ هي مائة بالمائة.

إذن مذهب الشافعي أن الذبح جبران، وأكثر الصور تمامًا وكمالًا [هي الإفراد] فنجعله المرتبة الأولى.

ترتيب أنساك الحج عند الشافعي: الإفراد ثم التمتع ثم القران

أما المرتبة الثانية فهي التمتع. لماذا؟ لأن النبي [صلى الله عليه وسلم] نصح به وأمر به. وحينما لم يحصل الإفراد وأنت خارج بالعمرة، فإما أن تكون قارنًا أو متمتعًا، فنقول الأفضل هو التمتع؛ لأنه أمر به.

أما ما فعله [النبي صلى الله عليه وسلم من القِران]، فقال: ما فعله لسوقه الهدي، هذا التزام. فرتّب الأمور على هذا الشأن:

  1. الإفراد أولًا، عندما تريد أن تختار، ماذا تختار؟ تختار الإفراد.
  2. أو التمتع ثانيًا.
  3. أو القِران ثالثًا.

فإذا سقت الهدي، فلا بد من القِران. هذه أنواع الحج.

مناقشة الأئمة الآخرين للشافعي في تفضيل التمتع وقولهم إن الدم شكران لا جبران

طيب، تركوه [أي الشافعي] في حاله. الأئمة الآخرون الذين هم العتاولة هؤلاء أيضًا، موتان الآخرون: أبو حنيفة ومالك وأحمد والأوزاعي والحمدان، أناس كبار أيضًا، ناقشوه قائلين: لا يا شافعي، التمتع أفضل.

فقال لهم: لكنني شرحت لكم. فردوا: لا بأس، أنت الذي شرحت، أنت الذي قلت. فسألهم: وماذا ستقولون أنتم؟ فأجابوا: هذا دم شُكران وليس جبران، دم شُكران.

وقالوا: شُكران. لماذا لم يقولوا شكرًا؟ لأنه قال جبران، فنرد عليه ونقول له: شُكران، فتكون موزونة مع بعضها، نحفظ.

حجة القائلين بأن الدم شكران وأن التمتع والقران أعلى من الإفراد

قالوا له: الله، لقد فرضت علينا أنه جبران. لماذا؟ قال: إنها واضحة، ما هذا! هذا فيه دم وهذا ليس فيه دم. قال: لا، هذا التمتع أعلى، وبعد ذلك القِران، وبعد ذلك الإفراد الذي تتحدث عنه.

فعندما وفقك الله للتمتع، شكرته بالهدي، أو القِران، شكرته بالهدي. ما معنى ذلك؟ شكرته هكذا وتمدها قليلًا، ها، يعني رقم واحد [التمتع] بالهدي، والثاني [القِران] شكرته بالهدي.

ماذا يعني؟ شيء فقط، هذه خمسة عشر في المائة وهذا عشرة في المائة، والشيء [أي] الإفراد ضعيف جدًا.

رد الإمام الشافعي بأن الدم إلزام لا شكر اختياري فيكون جبرانًا

لن يصلح [هذا القول]. الإمام الشافعي ليس بسيطًا، لا لا، إنه متمكن حقًا. إمامنا الشافعي هنا صاحب مصر متمكن جدًا، أقسم بالله عليكم.

هل هذا كلام؟ هل الدم الذي فيه تكلفة أي إلزام؟ أبدًا، الشكر ليس مفروضًا عليّ، أنا لم أفعله من تلقاء نفسي لكي يكون شكرًا. لا يصح أن يكون شُكرانًا.

أي أنه أيضًا لم يسكت، وهذا أيضًا يُعتبر جُبرانًا؛ لأنه من المفترض أن هذا الكلام لو كان بالإرادة فأنت تفعله من تلقاء نفسك، لكن هذا أنت مُلزم به. الشُكران مُلزم به، شخص متشكر وآخر يقول الحمد لله، هكذا أنت مُلزم به. لا، هذا شيء من عندك أنت.

قياس الشافعي على صلاة الشكر والنافلة في كونها جبرانًا لا شكرانًا

يعني في صلاة الشكر لا تكون في فريضة، بل تكون في فريضة أقرب إلى الجبران، مفهوم هكذا. جبرها يعني إذا أيضًا في النافلة لا تقعد في ماذا؟ ستبحث في المسائل، ستجد أيضًا أن الإمام الشافعي ليس بسيطًا، هو إمام كبير جدًا.

ولذلك نحن اتبعناه. قال لك: أنا شافعي ما حييت، فإن أمت فوصيتي للناس أن يتشفعوا. فهذا أفضل لكي لا تكونوا غير منتبهين.

وهذا ليس تعصبًا. لماذا ليس تعصبًا؟ لأنه شخص يطبق الكتاب والسنة على هيئة كلام العرب، متخذًا من السلف الصالح من الصحابة والتابعين منهجًا وإمامًا له. ولكن نعم، نحن نريد أي كده من هذا القبيل، هو هكذا.

استطراد حول آداب الشرب باليمين واتباع سنة النبي في التيامن

صح، أنت أول مرة تأتي أم ماذا؟ هل تأتي كل مرة وأنت لا تعرف النظام أنه لا توجد أسئلة في هذا الأمر؟ حسنًا، قل من أجل جبر الخواطر، أسعدتكم هذه. حسنًا قل، لا وأنت جالس، جالسًا؛ لأن الأمر هنا ليس فصلًا دراسيًا. اجلس.

فاشرب بيمينك وأنت في درس علم، واجلس تشرب مثل شباب الصالة الرياضية، الشباب الذين يقولون أعطني كذا، لا أعرف ماذا، هكذا بيمينك حسنًا.

قال [النبي صلى الله عليه وسلم] لعمر بن أبي سلمة ابن أم سلمة، قال له:

«كُلْ بيمينك يا غلام»

كُلْ بيمينك، فكان [النبي صلى الله عليه وسلم] يحب التيامن في كل شيء. وهو يا عيني ماسك القلم باليمين فمشغول، فذهب شاربًا بشيء [أي بشماله]. قال: بسيطة. لا تبسّطها كثيرًا، اتركها هكذا جميلة، لكن دائمًا اتّبع حركات وسكنات سيدنا [النبي] صلى الله عليه وسلم، قم تجد قلبك نورًا.

ترتيب رحلة التمتع بين العمرة والحج مع زيارة المدينة والاستراحة

فنذهب لأداء العمرة، ويمكننا أن نعود إلى المدينة للزيارة ثم نرجع مرة أخرى. ومن الممكن أيضًا أن نذهب إلى المدينة أولًا، ثم نُحرم من هناك للعمرة، وبعد ذلك نأخذ استراحة (بريك) بين العمرة والحج، أي عندما نعود ونلبس ثانية وهكذا، بمعنى استراحة أو التقاط الأنفاس.

وبعد ذلك نُحرِم مرةً ثانيةً للحج، فالناس أغلبهم يسيرون على التمتع.

هل أنا بهذا غاضب من الشافعي؟ لا؛ لأنني انتقلت من الإفراد إلى التمتع لأجل الجدول، ولأمرٍ آخر وهو أن التمتع أصبح شائعًا فأحكامه هي الأكثر معرفةً من الإفراد، حتى عندما تسأل تجد الجواب حاضرًا على الفور.

﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]

لم نُغضبه ولا شيء.

الإفراد سنة عند الشافعي وأغلب الناس يختارون التمتع لملاءمته لبرنامج الرحلات

نعم، تكون سنن الحج الإفراد، فيكون الإفراد هو السنة [عند الشافعي]. ولكن أغلب المصريين وأغلب الرحلات من كل العالم يختارون التمتع؛ لأنه أرفق في ترتيب الجدول.

شيخك ومالك اختار التمتع، أغلب الناس اختاروا التمتع، أغلب الخلق اختاروا التمتع؛ لأن التمتع هو المناسب لبرنامج الرحلات، للبرنامج الخاص بالرحلات.

لأنك لو ذهبت للحج مباشرة، وبعد ذلك وضعك أولًا في المدينة، فستظل محرمًا إذا أحرمت من مصر مثلًا، وستظل محرمًا حتى تذهب لتحج أيضًا، هي عملية طويلة قليلًا.

التلبية من سنن الحج وصيغتها مع اشتراط الإحصار عند النية

والتلبية من السنن، أن تبدأ التلبية مع أول نية للعمرة أو للحج: لبيك اللهم بحج، أو لبيك اللهم بعمرة متمتعًا بها إلى الحج.

واجعل محلّي حيث حبستني: عندما تقول هذا الشرط تخفف على نفسك أشياء كثيرة أثناء ذهابك.

من مطار القاهرة وقالوا له: لا تُحرم من مطار القاهرة. ينفع، ينفع، فهو قبل الميقات صحيح بألفين أو ثلاثة آلاف كيلومتر، لكن لا عليك، هذا ينفع. ينفع من المغرب أو من أمريكا، ينفع ما دام قبل الميقات، ادخل وأنت محرم.

طيب، لبيك اللهم بعمرة متمتعًا بها إلى الحج، واجعل محلي حيث حبستني.

قصة اختطاف الطائرة وفائدة اشتراط الإحصار عند الإحرام

قلت هذه الكلمة، ركبت الطائرة، ثم اختُطفت الطائرة. اختُطفت الطائرة والناس طبعًا يعني همزوا عليك من قبل وقالوا: أنت فقري، أي لا تأتي حتى تُختطف الطائرة عندما تذهب للحج. ها قد حدث.

ماذا أفعل؟ ما شأني إن ذهبت للحج أو ذاهب للعمرة؟ ليس لي علاقة بأنني ركبت الطائرة. والحمد لله، قلت: لبيك اللهم بعمرة متمتعًا بها إلى الحج، واجعل محلي — حلالي — يعني أفك الإطار الذي أدخلت نفسي فيه، هذا هو بإرادتي وبنيتي وكل شيء، حيث حبستني. شرط.

فركبت الطائرة، فذهب العيال الثوريون، لا أعرف ماذا، خطفوها وذهبوا بها إلى مكان آخر، الله أعلم أين ذهبوا بها. أين نزلوا بها؟ في روما، يعني بدلًا من أن يذهبوا إلى الكعبة أو جدة، نزلت فوجدت نفسي في بلاد أخرى وهكذا.

التحلل من الإحرام بشرط الإحصار ومن لم يشترط وقع في ورطة

والناس تنظر إليّ قائلة: ما بالك ترتدي هكذا؟ ما الحكاية؟ هل أنتم الذين اختُطفتم؟ وهكذا. دائمًا أذهب لأغير ملابسي وأفتح الحقيبة، لكن الحقيبة في الطائرة، سيوزعونها علينا أيضًا، ما هو سرق الطائرة لم يسرق الأمتعة.

وأجيء لابسًا. حسنًا، أنت هكذا خرجت من الإحرام من غير أن تتمم شأنه وهو الوصول إلى البيت وعمل العمرة وكذا وكذا إلى آخره. قال: نعم، فأنا قلت: واجعل محلي حيث حبستني.

حسنًا، والذي لم يقل؟ كان معنا شخص صاحبنا قال: يا عم، بلا حبستني بلا بتاع. معنا هذا الشخص في الرحلة نفسها؟ قال: ماذا أفعل أنا الآن؟ قلت له: أنا لا أعرف، أنت أوقعت نفسك في ورطة لا يعلم بها إلا الله.

الفرق بين من اشترط الإحصار ومن لم يشترط وعاقبة ترك الشرط

قال: حسنًا، سأفعل مثلما تفعل أنت. قلت له: لكنك لم تشترط. قال: يعني هي وقفت على الشرط، يا أخي. قال لي: ماذا تعني بـ"جاءت على الشرط"؟ قال لي: يعني الحكمان مختلفان. قلت له: نعم، الحكمان مختلفان، هذا يصلح وهذا لا يصلح.

قال لي: كيف يعني؟ حسنًا، ماذا أفعل أنا الآن؟ أنا مضطر، الدنيا باردة، الجو بارد جدًا، في عز ما بين شهر طوبة وأمشير، الهواء والرياح واليوم الطقس بارد جدًا في الدنيا، ماذا أفعل؟

قلت له: هل هناك من يفعل بنفسه هكذا؟ قلت لك: قُلْ كلمة، فرفضتَ. ما هو العند سيئ والغباوة أسوأ منها.

عاقبة الإخلال بالإحرام دون اشتراط وأحكام المُحصَر

فذهب وخلع ملابسه ولبس؛ لأن الجو بارد. هكذا أخلّ بالإحرام وبالحساب الذي وضعه الأئمة، سيصوم ستة أشهر، ستة أشهر متتابعة. هذه مشكلة، مشكلة كبيرة.

وهذا ما نسميه أحكام المُحصَر: حُوصِرَ ومُنِعَ من الوصول إلى البيت. وقع حادث: سقطت الطائرة — ما هو فقري — خطفوها.

هذه سهلة يعني، ها أنا أحضرت لك شيئًا جيدًا، أي ميسرة. فلا بد أن نقول: واجعل محلي حيث حبستني؛ لأنها تدخلنا في أحكام أخرى تفصيلية قد لا تستطيع تحملها، ليس لها حلّ في أشياء هكذا. في الفقه مسألة أو اثنتان أو ثلاث ليس لهم حل، ستظل هكذا معلّق.

أهمية الاهتمام بأحكام الدين في بناء شخصية الخشوع والتسليم لله

فهذا يعني واجبًا ومهمًا: الاهتمام بدين الله على هذه الدرجة يُنشئ شخصية معينة فيها نوع خشوع وخضوع وتسليم لله، وفيها ثواب، وفيها التزام وطاعة، فلا بد من هذا الأمر.

طواف القدوم تحية للبيت الحرام كتحية المسجد بالركعتين

وطواف القدوم هو طواف التحية، نقول للبيت السلام عليكم، مثل تحية المسجد عندما أدخل المسجد. قال: هلّا حييت الله بركعتين، لم يقل: السلام عليكم أيها المسجد.

حسنًا، والسلام عليكم الخاص بالكعبة الذي هو الطواف سموه طواف التحية، نسلم عليه.

أنتم تجعلون الحجر كالبشر؟ نعم؛ لأنه يسبح وأنت لا تسبح. نعم، هو أفضل منك على فكرة.

﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: 44]

يعني أنتم تسيرون في هذا الكون وتظنون الكون هذا، يعني آه، تظنون آه.

تسبيح الكون كله لله وبكاء السماء وسجود الشمس والقمر والنجم والشجر

﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلْأَرْضُ﴾ [الدخان: 29]

السماء تبكي، والشمس والقمر يسجدان، والنجم والشجر يسجدان. كل الكون الذي حولنا هذا بقى.

﴿إِنَّا عَرَضْنَا ٱلْأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلْإِنسَـٰنُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: 72]

وأخذ بصدره على طول حتى مع ربنا، فيقول لك: اتأدب. كل الكائنات التي حولك هذه تعاملها برفق: نبات وحيوان وجماد. فعندما تأتي على الإنسان تذبحه يعني! هل ستعامله برفق أيضًا؟ فهو من جملة الأشياء.

التربية الربانية تنشئ شخصية محبوبة منسوبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم

فتخيل هذا العبد الرباني، هذه تربية ربانية، ربّاه ربُّه. فناس تقول لك: ماذا يعني هذه؟ يعني هذه شيء، ها!

لا تحقرنّ صغيرة، إن الجبال من الحصى. لا تستحقر.

قال رسول الله ﷺ: «لا يحقرنّ أحدكم من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق»

اجعل شفتيك هاتين قرب أذنك، ها ها، ابتسم يعني هكذا. لكن التجهُّم الذي يسير الناس فيه هذا يُنشئ شخصيات معوجّة.

وهذه الأحكام متسقة مع الأمر كله. طواف التحية تحيّ مَن؟ هي الكعبة؟ هل تراه أو تسمعه أو تفعل شيئًا ما؟ أنت تتفاعل مع الكون الذي يعبد ربه ويسبحه ويسجد له ويخشاه.

فعندما تشعر بذلك، تستحي قليلًا من المصائب التي ترتكبها، وتصبح بذلك شخصًا يعني حبوب، يحبك الناس كلها، المسلم وغير المسلم عندما يجدونك هكذا، فتكون نبويًا، أي منسوبًا إلى سيدنا النبي [صلى الله عليه وسلم].

المبيت بمزدلفة من سنن الحج وكيفية تحقيقه بمضي جزء من الليل

والمبيت بمزدلفة أيضًا من السنة. حسنًا، والذي يتركه، ماذا يترك؟ كلمة المبيت. ما معنى المبيت؟ هو مضي جزء من الليل يسمى مبيتًا.

حسنًا، أنا ذهبت إلى مزدلفة ونزلت من الحافلة وصليت المغرب والعشاء، وكان معنا هكذا طعام في ساندويتش جبن أكلته، ثم شربت بعض الماء. صعدنا إلى الحافلة مرة أخرى وتحركنا.

نعم هكذا، بهذا أكون قد أديت جزءًا [من المبيت]، الذي [هو صلاة] العشاء، وتوضأت وصليت المغرب والعشاء، وأكلت لقمة أو شيئًا كهذا. بهذا أكون قد اتبعت السنة.

حكم من لم يدخل مزدلفة أصلًا ووجوب الدم عليه

حسنًا، لنفترض أنني لم أفعلها أبدًا من الأساس، أي أنني لم أدخل مزدلفة مطلقًا. الحافلة أخذتني من عرفات وسلكت طرقًا جديدة وأنزلتني في منى، دارت حول مزدلفة ولم تدخلها.

فيجب عليك دماء (هدي): أولها الهدي المقدر للتمتع إذا كنت متمتعًا، ذبحت تمتعًا وحجًا قرانًا. وتركت رمي الجمرات كلها، فيجب عليك ذلك دمٌ. والمبيت بمنى وترك الميقات والمزدلفة [كل منها يوجب دمًا].

صورة من لم يمر بالمزدلفة ومن نزل فيها وأدى كمال المبيت

وقد جاءت، أي ما هي صورتها؟ ركبت الحافلة وذهبت عن طريق الطريق الدائري السادس إلى منى، ولم أمر بالمزدلفة هذه إطلاقًا.

حسنًا، والذين ذهبوا إلى المزدلفة ونزلوا فيها، منهم من توضأ وصلوا المغرب والعشاء، وتناولوا بعض الطعام، وشربوا بعض المشروبات، وسهروا قليلًا، وجمعوا الحصى وصعدوا إلى منى. أجل، هكذا يكون قد حصل المبيت.

كمال المبيت لا، كمال المبيت أنه جلس في المزدلفة وصلى الفجر حتى اصفرت الدنيا جدًا، يعني اصفرت التي هي الدنيا، الشمس ماذا؟ اصفرت جدًا، هذه التي هي قبل الشروق بعشر دقائق، تجد الدنيا أنارت هكذا لكن الشمس لم تطلع بعد.

الدفع من مزدلفة إلى منى والإسراع في وادي محسر حيث حُبس الفيل

فدفع إلى منى حتى إذا جاء وادي محسّر أسرع الخطا. وادي محسّر هذا الذي حصر الله فيه الفيل القوي، الفيل الذي كان قادمًا ليهدم الكعبة.

كانوا ينادونه ويقولون له: يا محمود، فاسمه هكذا كما ورد في السير. فمحمود هذا جاء عند هذا الوادي وقال: أنا لن ألعب هذه اللعبة. فأصبحوا يدفعونه هكذا، يصدُّ ويردُّ هكذا، هو يدفعونه. قال: حبسه حابسُ الفيل.

ففي شيءٌ حبس الفيل أن يستمر إلى الكعبة لهدمها. إذن، إذا كان وادي محسر هذا شأنه فيه أننا ماذا؟ نمدُّ قليلًا أيضًا تفاعلًا مع الشيء الذي فيه أنه هذا وادٍ حصلت فيه هذه الكرامة أو الخارقة، أنه رُدّ فيه الفيل.

ركعتا الطواف خلف مقام إبراهيم من سنن الحج وحكم تركهما

وأديت ركعتي الطواف بعد انتهائنا من الطواف، حتى طواف الإفاضة.

﴿وَٱتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَٰهِـمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: 125]

فنذهب لنصلي ركعتين تسميان ركعتي الطواف. لقد طفت وذهبت إلى الصفا والمروة، ولكن بسبب الزحام فعلت هكذا، وقلت: دعني أترك الركعتين فهما سنة ولا مشكلة في تركهما.

وركعتا الطواف من السنن.

المبيت بمنى من السنن وحكم تركه كليًا أو جزئيًا وما يترتب عليه

وكذلك المبيت بمنى، فلو تركناه كله ما لم نذهب إلى منى مطلقًا فعليه دم. أما إذا ذهبنا ليلة واحدة فلا دم عليه، والباقي يُعوَّض بالحبوب أو يخرج صدقة.

وكذلك ترك الرمي والمبيت بمنى وترك الميقات والمزدلفة أو عدم الوداع أو أمور أخرى نادرة. فمثلًا شخص نذر أن يذهب للحج ماشيًا ثم لم يستطع، فعليه دم واحد.

طواف الوداع من سنن الحج وحكم من سافر بدونه

هذا لمن حج وأخذ بعضه وسافر من غير وداع، حجه كامل؛ لأنه من سنن الحج أنك تطوف [طواف الوداع] وليس من فرائضه، لكن عليك دم عند الشافعي.

وطواف الوداع يكون [آخر عهد الحاج بالبيت]. إذا هذه هي سنن الحج.

دعاء ختامي بالتوفيق للحج والدعاء لمصر وأهلها برفع البلاء والغلاء

وفقنا الله سبحانه وتعالى للالتزام بأركانه وفروضه، ومتعنا الله سبحانه وتعالى بآثاره من العفو والغفران.

ومن كتب له الحج في هذا العام فليدعُ لنفسه ولأهله، ثم ليدعُ لمصر وأهلها أن يرفع الله البلاء والغلاء، وأن يوفق لأن نتجاوز هذه الأزمات، وأن يفتح علينا ولنا وبنا، وأن يمتعنا بما هو حاصل من نعمة الأمن والأمان وأن يديمها علينا نعمة. اللهم آمين.