المجلس الثاني من شرح متن الغاية والتقريب | أ.د علي جمعة - الغاية والتقريب, فقه

المجلس الثاني من شرح متن الغاية والتقريب | أ.د علي جمعة

43 دقيقة
  • الماء على أربعة أقسام: طاهر مطهر غير مكروه الاستعمال وهو الماء المطلق، وطاهر مطهر مكروه الاستعمال وهو المشمس في البلاد الحارة بشروط معينة، وطاهر غير مطهر لغيره كالماء المستعمل، وماء نجس يجب إزالته.
  • جلود الميتة تطهر بالدباغ إلا جلد الكلب والخنزير وما تولد منهما عند الشافعية.
  • اختلف العلماء في نجاسة الكلب، فالشافعي يراه نجساً مستدلاً بحديث الولوغ، بينما يراه مالك طاهراً.
  • يمكن الاستفادة من النجاسات النافعة كالسماد بطريقة "رفع اليد عن الاختصاص" وليس بالبيع.
  • عظم الميتة وشعرها نجس إلا الآدمي فهو طاهر لقوله تعالى: "ولقد كرمنا بني آدم".
  • للتاء في اللغة العربية استخدامات متعددة منها: الطلب كما في "تنجس"، والسلب كما في "تهجد" أي ترك النوم.
  • المصطلحات الفقهية مهمة لفهم النصوص الشرعية، فالباب يندرج تحته فصول، والفصل تندرج تحته مسائل.
محتويات الفيديو(35 أقسام)

مقدمة الدرس وأقسام الماء الأربعة عند الشافعية

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

تعلمنا أن الماء على أربعة أقسام: فهو طاهر مطهر لغيره غير مكروه الاستعمال، وهو الماء المطلق. ومنه طاهر مطهر لغيره مكروه الاستعمال، وهو ما كان مُشمَّسًا في المعدن.

شروط كراهة استعمال الماء المشمس في المعدن عند الشافعية

ويُشترط في ذلك [كراهة الماء المُشمَّس] أن يكون في البلاد الحارة كالسودان والحجاز، وليس في البلاد المعتدلة كمصر والشام، أو البلاد الباردة كأوروبا بما فيها تركيا.

فلو أن في هذه البلاد [المعتدلة أو الباردة] وجدنا الماء دافئًا من أثر الشمس وهو كان في معدن، فلا يُكره عند الشافعية أن نتوضأ به؛ وذلك لفقد الشرط. فشرط ذلك [الكراهة] أن يكون في بلاد الحر، وبلاد الحر تبدأ من أسوان في مصر إلى الجنوب حتى تصل إلى خط الاستواء وهو منتصف الأرض، ثم بعد ذلك يأخذ في التغير إلى أن يشابه النصف الآخر النصفَ الفوقي، على ما هو محرر ومعلوم عند الناس.

شروط كراهة الماء المشمس من حيث مصدر الحرارة ونوع الإناء

فينبغي أن يكون [تسخين الماء] من ضوء الشمس لا من النار، وينبغي أن يكون في معدن؛ فإن كان في خشب أو في غير ذلك من المعادن أو في بناء وكان دافئًا فلا يُكره. وأن يكون في بلاد الحر؛ فإذا كان الإقليم ليس حارًّا فلا كراهية.

والأصل في ذلك قول الإمام الشافعي في [كتاب] الأم: «وأنا لا أكرهه إلا أن يكون من جهة الطب». فهو قد روى بالتمريض عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، قال: وكان عمر يكرهه - يكره الوضوء به - «وأنا لا أكرهه»، يعني لم يأخذ بكلام سيدنا عمر على إطلاقه، بل أخذه من جهة دون جهة. «وأنا لا أكرهه إلا أن يكون من جهة الطب».

فتكلم العلماء أن جهة الطب تتم بهذه الشروط؛ حتى يكون قد علا الماءَ ذُهومةٌ تضر بجلد الإنسان.

القسم الثالث من أقسام الماء: الطاهر غير المطهر لغيره

وهناك طاهر في نفسه ليس مطهرًا لغيره، وهو الماء المستعمل، والذي خالطه شيء من الطاهرات كالنبيذ.

والنبيذ هنا هو الخَشاف، يعني مياه وُضعت فيها تمرًا، ووُضعت فيها تينًا، ووُضعت فيها قراصيا وقليلًا من الزبيب، فيُسمى نبيذًا. لأن بعض الجاهلين عندما رأوا حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ قد شرب النبيذ، ظنوه تلك الخمر - والعياذ بالله تعالى - والجهل لا نهاية له ولا حد له.

النبيذ هو ما نُبذ فيه تلك التمرة الطاهرة؛ قال [العلماء]: ماء طاهر وتمرة طهور، يعني لم يحدث أن النبيذ في لغة العرب هو الخمر أبدًا.

توضيح معنى النبيذ في اللغة العربية والفرق بينه وبين الخمر

هذا كلامٌ ترجمناه من كلمة «وَيْن» - يعني [بالإنجليزية wine] - يقولُ لك: نبيذ، نبيت. حسنًا، لكن سيدنا [رسول الله ﷺ] عندما يأتي [ذكره في الحديث]، وهذا من خلل اللغة.

شَرِبَ النبيذ، يعني ماذا فعل؟ شَرِبَ الخَشاف الذي نسميه باللغة التركية «خَشاف».

القسم الرابع من أقسام الماء: الماء النجس وحكم إزالته

وهناك ماء نجس؛ إذا أصاب البدن وجب إزالته بالماء الطاهر المطهر، وإذا أصاب الثوب يجب علينا أن نطهره أيضًا، شأنه شأن النجاسة.

فهناك طاهر ونجس، والطاهر والنجس بأمر الله؛ فالله وحده هو الذي حكم على هذا بأنه نجس وحكم على ذاك بأنه طاهر. وليس هو استقذارًا من البشر؛ لأن الاستقذار لا يوجب النجاسة. النجاسة شيء جعله الله هكذا.

اختلاف المجتهدين في نجاسة الخارج من مأكول اللحم

وقد يتفق المجتهدون في فهم النصوص فيجعلون شيئًا ما نجسًا، وقد يختلفون فيختلفوا في نجاسة أو طهارة هذا الشيء.

فالخارج من مأكول اللحم نجسٌ عند بعضهم، طاهرٌ عند الآخرين. هذا الخارج يرى من رأى أنه نجس أنه تحول من شيء إلى شيء، من الطعام إلى هذا الخارج فهو نجس. وهذا مذهب الشافعية؛ فالخارج من البقر ومن الغنم ومن الإبل ومن سائر الحيوانات نجسٌ؛ لأنه خارج قد تحول من حال الطهارة التي كانت قائمة بالطعام إلى حال النجاسة التي تكون قائمة بالخارج.

لكن الإمام مالك قال: لا، هذا مأكول اللحم وكله حيٌّ طاهر، لماذا تضيقها؟ فيكون هذا [الخارج من مأكول اللحم] طاهرًا عنده.

الرشادة في الاستهلاك والإنفاق والاستفادة من الخارج كسماد

الإنسان يحاول أن يحافظ على البيئة وأن يكون راشدًا كما أمره الله سبحانه وتعالى في الاستهلاك والإنفاق.

قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَٱشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوٓا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31]

فمن أجل هذا تعلَّم الإنسان الرشادة.

قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾ [الإسراء: 29]

علَّمنا الرشادة. ومن أجل هذا تتبع البشرُ بتعليم الله لهم.

قال تعالى: ﴿وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ﴾ [البقرة: 282]

كيف يستفيدون من ذلك الخارج من الحيوان؟ فجعلوه سمادًا للأرض؛ لما جربوه ووجدوه نافعًا لما فيه من مواد عضوية، ولما فيه من بقايا للطعام، ولما فيه من تركيب. جربوه فوجدوه سمادًا طبيعيًّا يفيد الزرع ويفيد الأرض، يعطي الأرض قوة ويعطي الزرع قوة.

اختلاف الشافعية والمالكية في بيع السماد البلدي النجس

فاختلف فقهاء الشافعية مع المالكية في بيعه [السماد البلدي]؛ لأن من شرط المبيع أن يكون طاهرًا. واتفق الجميع أنه نافع.

ستقول: نجس؟ ستقول: طاهر؟ هو نافع، الواقع هكذا أنه نافع. لا تكن مثل هؤلاء الصبية الذين يستحقون الضرب بالحذاء القديم - يعني انظروا إلى حذاء قديم - هؤلاء يُضربون. يقول لك: أليس حرامًا؟ ويصنع بيده هكذا [إشارة استنكار]. إذن إذا كان نجسًا فهو محرم، حرام أن تستعمله.

نعم، تأتي للمؤاخذة، تخلع النعل الذي في رجلك وتجري وراءه وتضربه على رأسه حتى يقول: تبنا إلى الله، تبنا. وهكذا، نعم، هو نجس لكنه نافع. يعني حضرتك تستحل النجاسة؟

حكم تبادل السماد النجس عند الشافعية برفع اليد عن الاختصاص

وسنبدأ الآن في أهم شيء هو ما أقوله لك الآن. طيب، فماذا نفعل في الخارج من الحيوان، أنبيعه أم لا بد أن يكون مباحًا متاحًا بلا ثمن؟

النجاسة لا ثمن لها ولا يجوز إيقاع البيع عليها عند الشافعية. وهذا الشيء طاهر عند المالكية، ماذا نفعل؟ هكذا ستصبح [البلاد] مالكية ونحن شافعية! نقل هكذا، يعني أنا شافعي حييت، فإن مُتُّ فوصيتي للناس أن يتشفعوا.

قال علماء الشافعية الأبرار: يتم التبادل ليس تحت عنوان البيع وفي مقابل، ويُسمى برفع اليد عن الاختصاص.

مثال تطبيقي على رفع اليد عن الاختصاص في السماد البلدي

لدي حظيرة فيها حيوانات كثيرة، والخارج منها يُصنع سمادًا، وأنا أعلم أنه نجس. فتأتيني وتقول لي: عندك ربع طن سماد بلدي. فأقول له: نعم عندي.

يقول لي: حسنًا، أحضرهم لأنك شافعي ولا تأخذ مالًا مقابلها. فنظرت إلى الأمر هكذا وأنا غير قادر [على التصرف]. فذهبنا إلى الشيخ وقلنا له: يا مولانا، أليس هناك مخرج من هذه الورطة؟ أنا غير قادر، إنه سيأخذه وسيوفر لنفسه مئتين وخمسين ألف جنيه، يعني هكذا أرى حاجتي وهي تفيده ولا أقول لا لأني شافعي.

قال لي: لا، أنت تريد فيهم كم؟ قال له: أقول لحضرتك مائتين وخمسين ألف جنيه. قال له: اذهب وقل له: أعطِ مائتين وخمسين ألف جنيه حتى أرفع يدي عن الاختصاص بهذه الأشياء. لماذا؟ هذه الأشياء خاصتي، أعطِ مائتين وخمسين وأنا أدير وجهي إلى الناحية الأخرى، فأنت خُذ الشيء وأحضر سيارتك، سياراتك وتأخذها.

الفرق بين البيع ورفع اليد عن الاختصاص في ضمان الهلاك

قلت له: طيب يا مولانا، ما الفرق بين هذه وبين البيع؟ في البيع الأموال أصبحت في جيبي والسماد أصبح عنده، وهنا الأموال أصبحت في جيبي والسماد عنده، ما الفرق؟

قال: الفرق يا بني في الهلاك. قلت له: ماذا تعني بالهلاك؟ هلاك ماذا؟ قال له: هلاك هذه المادة. أنت اتفقت معه يوم الجمعة وعلى الساعة الثانية أُحضرها له. قلت له: حسنًا، إليك مفتاح المخزن، تعال وخذها في أي وقت يوم الجمعة.

نعم، فمرَّ السبت ومرَّ الأحد، وبعد غدٍ يوم الثلاثاء، فجاءني يوم الثلاثاء فوجدها قد احترقت، وجدها قد احترقت. لو كان هذا بيعًا أنا الذي أتحمله يا صاحبها [البائع]. إذا كان هذا رفع يدٍ عن الاختصاص أنت الذي ستتحمله يا مشترٍ، يا آخذ، يا مستفيد.

التسمية الفقهية الصحيحة لعقد رفع اليد عن الاختصاص وأثره

لن نسميه مشتريًا بعد الآن، فهو ليس بيعًا وشراءً. سنسميه مالكًا؟ لن نسميه مالكًا؛ لأن النجاسة لا تُملك. سنسميه مختصًّا ومستفيدًا.

وما الفرق في هذه الصورة؟ لا تُفرِّق في كل شيء، ولكن تُفرِّق في هذه الصورة: إذا كان هذا بيعًا فضمانه على البائع، وإذا كان هذا رفع يدٍ عن الاختصاص فيكون في ضمان المستفيد.

هذا [الفرق] له أثر، وما دام له أثر فالكلام صحيح وليس احتيالًا لفظيًّا. نحن لا نبتدع الشريعة، نحن نحقق مصالح الناس.

تبادل النجاسة النافعة تحت عنوان رفع اليد عن الاختصاص تحقيقًا للرشادة

هل هذه فيها منفعة أم لا؟ هل هي نجسة أم ليست نجسة؟ هل أريد تبادلها أم لا أريد تبادلها؟ فيتم التبادل تحت عنوان رفع اليد عن الاختصاص، أي أن هذا الشيء يخصني لكنني سأرفع يدي وأتنازل عنها وأتيحه لك حتى تستفيد، فتعمر الأرض ونصل إلى الرشادة.

جاء خاطر في بالي فقلت: طيب يا رب، ما دامت نجسة، لماذا لا أحرقها؟ إنك لست راشدًا؛ لأنك تركت ما يفيد الأرض والزرع وتستفيد أنت منه أيضًا بالمال الذي أعطاك إياه. فإذا كان هذا موطن إفادة، فإن حرقها وإشعالها ورميها في الصحراء أو دفنها يُعدُّ عدم رشادة.

يأمرنا بها الشرع؟ لا، بل الشرع يأمرنا بالرشادة. إذن هذا الذي معي هو نجس فعلًا، ولكن يُتبادل تحت عنوان رفع اليد عن الاختصاص.

ملخص أقسام المياه الأربعة والفرق بين النجس والمتنجس

عرفنا هذا من خلال المياه: أنَّ منها طاهر مطهر غير مكروه، ومنها طاهر مطهر مكروه، ومنها طاهر دون أن يكون مطهرًا لغيره، ومنها ما هو متنجس.

الأدق الآن [أن نقول متنجس]؛ لأنه ليس نجسًا، بل هو أصابته النجاسة فهو متنجس. التاء لها فوائد في لغة العرب، من ضمنها الطلب؛ كأن هذا الماء بعد وقوع النجاسة فيه طلبها لنفسه حتى تكون اسمًا له، فأصبح الكلام: متى [يكون] متنجس؟ في هذا النحو.

معاني التاء في لغة العرب بين المصدر والطلب والسلب

فالتاء في لغة العرب تأتي لأمور كثيرة: تأتي لبيان المصدر، وتأتي للطلب، وتأتي لسلب الفعل.

فيصير لها معنى؛ معنى أن نضع له تاءً ليس أن تطلبه بل تسلبه، أي عكس [معنى] الطلب. الطلب يكون تطلبه أي إدخال، لكن تسلبه يكون إخراجًا. أو أنتم تعرفون الإخراج من الإدخال، فكروا يعني أن هذا يأتي هكذا وهذا يذهب هكذا.

مثال تاء السلب في كلمة تهجد وصلاة التهجد

هذا هو الخاص بالسلب. سأجد فعلًا اسمه «هَجَدَ»، لا أعرف ماذا يعني «هَجَدَ» هذه، فذهبت وفتحت القاموس فوجدت: هَجَدَ يعني نام. هَجَدَ: نام، ونوم الظالم أيضًا عبادة، هو نام.

طيب، تَهَجَّدَ: يصبح طلب النوم؟ أليس قلنا إنه للطلب؟ قال: لا، هنا ليس للطلب. لا، هذه مسألة أخرى، انتبه، هذا للسلب. فإذن تَهَجَّدَ ما معناه؟ ترك، سلب، يعني ترك النوم.

فأصبحت ماذا؟ أصبحت صلاة التهجد - يرحمكم الله - أي لا تنم، قم وافتح عينيك لتصلي ركعتين. فالتاء هنا لماذا؟ للسلب. والتاء في الأولى [تنجَّس] للطلب. تنجَّس للطلب، تهجَّد للسلب.

مثال تاء السلب في كلمة تحنث وتأثم ومعناهما

تحنَّث: والحنث ماذا يعني؟ يعني الإخلاف في يمينه. هل هذا أمر جيد أم سيئ عندما تحلف وتتراجع عن يمينك؟ لا، إنه أمر سلبي، شيء سيئ. وتحنَّث يعني ترك ذلك [الحنث]، فيكون سلبه.

تأثَّم: فأخبر بها معاذٌ تأثُّمًا، يعني معاذ قالها لكي يبتعد عن الإثم حتى لا يحاسبه الله يوم القيامة، وليس قالها لكي يطلب الإثم حتى يحاسبه الله يوم القيامة. فيكون لكي لا يحاسبه الله.

إذن تأثَّم تعني ماذا؟ تعني ترك الإثم، ترك الإثم، ترك الإثم. يكون هنا نسميها ماذا؟ تاء السلب.

مثال تاء السلب في كلمة تحنف ومعنى الحنف والاستقامة

فعندما نقول توحيد يكون ذلك للمصدر، وتنجَّس تكون للطلب، وتحنَّث [للسلب].

تحنَّف: ما معنى حَنَف؟ حَنَف يعني مال هكذا، هو شيء مستقيم هكذا، حَنَف يعني مال هكذا. والأحنف رجلاه متقوستان هكذا، لا يستطيع أن يلعب كرة، أو يكون جيدًا جدًّا في لعب الكرة - ولا ماردونا - لأنه في شلل الأطفال خفيف هكذا هو.

طيب، وتحنَّف يعني استقام استقامةً ليس لها حل. تحنَّف تكون هذه سلب مباشرة. وهكذا فعرفنا الأربعة هؤلاء الذين [هم أقسام] للمياه.

تعريف الفصل والباب والمسألة في اصطلاح العلماء

إذن نحن سنذهب الآن - قال - لكي نتوضأ. قبل أن نتوضأ يريد هو أن يقول لك بعض الأشياء: فصل.

وساعات أناس كهؤلاء يتشوشون، فيقول لك: وصل إلى هنا وقال لا أريد! يعني شيء يُفصل من شيء آخر؟ لا، هو هو فصل: جملة مختصة من العلم تحتها مسائل. طيب، والباب: جملة مختصة من العلم تحتها فصول.

عندما نأتي لنختبرك في الاختبار الشفوي نقول لك: عرِّف الباب. فتقول: الباب هو الباب الذي هو... لماذا بابان فقط؟ نحن عندنا في المسجد ثلاثة أبواب! ثم يُسقطونك. وتقول: لقد أجبت، فلماذا سقطوني؟ إنه أمر مُغيظ! لقد سقطوك لأنك جاهل، أنت لا تعرف.

حسنًا، ماذا أفعل لأخرج من هذه الجهالة؟ تحفظ، فاحفظ، فكل حافظ إمام.

تعريف الباب والفصل والمسألة في علم الفقه وأهمية الحفظ

ما هو الباب؟ جملة مختصة من العلم، أي قدر من العلم تندرج تحته فصول. ما هو الفصل؟ هو جملة مختصة من العلم تحته مسائل.

وما هي المسألة؟ مطلوب خبري يُبرهَن عنه في العلم بدليل. مطلوب خبري وليس إنشائي، يُبرهَن عنه في العلم بدليل، أي جملة مفيدة. يعني: الشجرات مورقة، والنار محرقة، والشمس مشرقة، والماء مُغرِق. جملة مفيدة.

يعني الأمر ليس صعبًا، فما الذي استصعبه عقلك؟ عقلك هو الذي استصعب الأمر. أول عائق يعترضك: عقلك مصمم أن الباب هو الباب الذي تعرفه في بيتكم! أنت غير راضٍ أن تتعلم.

قالوا للإمام علي [رضي الله عنه]: ما أصعب شيء عليك يا إمام؟ قال: أن تُفهِم من لا يفهم، أن تُفهِم من لا يفهم. طبعًا ليس أنتم، فأنتم تفهمون بسرعة.

فصل في طهارة جلود الميتة بالدباغ والفرق بين المذكاة والميتة

ها هو فصل: وجلود الميتة تطهر بالدباغ.

ذبح معزة أو خروفًا، وبعد ذلك أصبح لدي الفروة الخاصة به، فأقوم بدباغتها. والدباغ هذا يحولها من كونها نجسة إلى كونها طاهرة. هذا عندما تموت [الحيوان بلا ذبح].

أما المذبوحة المذكاة فالجلد الخاص بها طاهر. يعني أنا جئت في عيد الأضحى وذبحت وقلت: بسم الله، فهذه الفروة طاهرة.

إذن ما هي الفروة التي ليست طاهرة؟ عندما يموت الخروف وتخرج روحه ويموت دون ذبحه. هل يجوز أكل الميتة؟ لا يجوز؛ لأنها نجسة. هل يجوز استعمال هذا الجلد بعد الدباغة؟ [نعم]. قبل الدباغة لا.

كيفية دباغ جلود الميتة وتطهيرها بالحريف والملح

كيف ندبغه؟ بكل حريف. نحضر بعض الفلفل الحار ونضعه عليه، فتخرج الرطوبات الخاصة به ويصبح شيئًا جميلًا جدًّا. أو نُودِي في عين الصيرة عند الأولاد الذين يدبغون، وتشم رائحة مؤذية هناك في عين الصيرة، لكن نقلوهم الآن ولا أعرف أين وضعوهم.

تذهب لتُسلِّم الشيء، لكن ما تُسلِّمه هذا مُذكَّى [مذبوح]، هذا أنت من أجل النظافة فقط. لكننا نريد خروفًا ميتًا فيكون نجسًا. أما الخروف الذي سنذبحه في عيد الأضحى هذا طاهر.

يعني لو لم أذهب إلى هناك ولم أدبغها فلا يحدث شيء، لا يحدث شيء، لكن رائحتها سيئة، لكنها طاهرة. فنضع الحريف، بعض الفلفل الحار، بعض الملح، بعض البهارات التي لا أعرفها، فتسحب هذا الشيء [الرطوبات والروائح].

حكم جلود الميتة بالدباغ واستثناء جلد الكلب والخنزير عند الشافعية

إذن جلود الميتة - ليست المذبوحة - جلود الميتة التي ماتت موتة ربنا [حتف أنفها]، هذه تطهر بالدباغ. ومعنى تطهر بالدباغ أنها لم تكن طاهرة وأنها نجسة.

إلا جلد الكلب والخنزير. الشافعي عنده رضي الله تعالى عنه وأرضاه أن الكلب والخنزير أنجاس أولاد أنجاس، أحياءً وأمواتًا.

سيدنا الإمام مالك قال: كل حي طاهر. فالكلب هذا - الكلب «لولو» وغيره مما لا أعرف ماهيته - إذا ابتلاك الله به؛ لأن النساء يحببن الكلب «لولو»، فتقلدي مالكًا على طول! لا شأن لك بالشافعي؛ لأن عند الشافعي الكلب «لولو» والكلب «وولف» والبلدوج كلها نجسة. جنس الكلاب نجس: رأسه وعظمه وجلده ولحمه، كل شيء فيه نجس. هكذا هو، والخنزير كذلك.

دليل الشافعي على نجاسة الكلب من حديث ولوغ الكلب في الإناء

قلنا له: يا سيدنا الإمام الشافعي، من أين أتيت بهذا الكلام إذا كان شيخك الذي هو [الإمام] مالك يقول غير ذلك؟

قال: إنه يستشهد بقول النبي صلى الله عليه وسلم:

قال رسول الله ﷺ: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا، إحداهن بالتراب»

حسنًا، لنفترض أنك غسلته مرة واحدة، فلن تكون قد فعلت ما طُلب منك شرعًا. حسنًا، مرتين؟ كذلك أيضًا. حسنًا، ستة مرات؟ كذلك. لابد من سبع غسلات وليس ست، وواحدة تراب. أو سبعة وواحدة تراب، هذه رواية وهذه رواية.

قال [الشافعي]: فيقول إن سيدنا [رسول الله ﷺ] قال هكذا لأن الكلب هذا يعني أنه نجس جدًّا، ليس نجسًا فحسب بل نجس جدًّا.

رد الإمام مالك على دليل نجاسة الكلب بدليل كلب الصيد

قلنا له: طبعًا سيدنا الإمام الشافعي، يعني سيدنا الإمام مالك هذا شيخك، يعني اخترعها من عقله هكذا؟ قال: اسألوه، روحوا اسألوه. حسنًا، لماذا سأكون أنا؟ أنا هو [أنقل لكم] الحديث، وأرى أن معناه هكذا.

ذهبنا وسألنا الإمام مالك: تعال يا سيدنا الإمام مالك، لماذا تقول هكذا؟ قال: ألا تتذكرون أن هذا الكلب يكون كلب صيد؟ قلنا له: نتذكر. وكلمة «مُكَلَّب» و«مُكَلِّبِين» هي التي في القرآن في [باب] الصيد.

أصيد الحاجة وأُهيج عليها الكلب كي يذهب ويحضرها حتى لا أتعب نفسي، وقد أباح الله لي وجود الكلب معي.

حجة الإمام مالك في طهارة الكلب من عدم أمر الشرع بغسل ما يصيده

قال [الإمام مالك]: لو كان الكلب نجسًا - وهو أشد الحيوانات التصاقًا بصاحبه - لكان الشرع أمرني بألا أصلي إلا بعد أن أخلع ملابس الصيد، وحذرني من أن آخذ ما في فم الكلب.

الكلب أحضر الطائر، إذن احذر أن تأكله إلا إذا غسلته سبع مرات إحداهن بالتراب؛ لأنه فمه فيه اللعاب، واللعاب هو قابض على الشيء وجاء لي به. فربنا لم يقل هكذا، ولا الرسول ﷺ أمرنا بهذا.

فمن أين تأتي النجاسة؟ كل حي طاهر، فالكلب طاهر.

موقف الإمام مالك من حديث ولوغ الكلب واعتباره أمرًا تعبديًّا

قلنا له: حسنًا يا سيدنا، اسمح لنا كي نفهم، ماذا قال سيدنا [رسول الله ﷺ] إذن؟ هكذا لماذا؟ ما هو قال: «إذا ولَغَ».

قال [الإمام مالك]: هو «إذا ولَغَ»، وإذا جاء بجانبك الكلب [فلا شيء]. قلت له: لا، بالقول الصريح المريح: «إذا ولَغَ».

قال: يوجد شيء نحن لا نعرفه في هذه القصة. الأمر تعبُّدي، سنطيع ونقول: حاضر. إذا ولَغَ الكلب في إناء أحدنا، أنا يا مالك سأغسله سبعًا إحداهن بالتراب كما أمرني سيدنا [رسول الله ﷺ].

لماذا؟ طاعة هكذا. أما لأن هناك علة أنا لا أعرف ما هي هذه العلة؛ لأن بقية المنظومة لم تخبرني بذلك.

أنواع الكلاب المباحة في الشريعة وذكر كلب أهل الكهف

فأصبح هناك كلب حراسة وكلب غنم وكلب زرع وكلب صيد وكلب مرافق موجود في سورة الكهف:

قال تعالى: ﴿بَـٰسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِٱلْوَصِيدِ﴾ [الكهف: 18]

قال تعالى: ﴿لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ [الكهف: 18]

هذا [الكلب] قاعد في حضنهم! وإذا كانوا ماتوا أو ناموا، نام معهم ثلاثمائة وتسع سنين، وبعد ذلك تقول لي نجس؟ كيف يكون نجسًا؟ كيف يكون نجسًا؟

موقف الإمام مالك النهائي من حديث ولوغ الكلب والاكتشاف العلمي

قلت له: طيب، يعني أنت لا تنكر الحديث؟ قال لي: لا، لا أنكره. وتعمل به؟ قال: لا، أعمل به لكنني أفهمه فهمًا آخر، وهو أن هذا تعبُّد.

مضت أيام وجاءت أيام، وزالت دول وجاءت دول، ثم اكتشفوا أن لعاب الكلب فيه ميكروب لا يمكن التخلص منه إلا بالتراب؛ إذ يتحوصل على نفسه ولا تستطيع القضاء عليه إلا بالتراب.

إذن، إذا فهمنا التعبد الذي ذكره الإمام مالك على أنه يحتوي إجابة على هذا [السر العلمي]، فعند الشافعي: إلا جلد الكلب والخنزير وما تولد منهما أو من أحدهما مع حيوان طاهر.

التوافق البيولوجي في التزاوج بين الكلب والخنزير وحيوان طاهر

وهنا يقول علماء الأحياء أنه لابد أن يكون هناك توافق بين الخنزير وبين ما سيتزاوج معه من الحيوان الطاهر في الكروموسومات الخاصة بالجينات، وإلا لن يحدث حمل أصلًا ما بين الخنزير وبين هذا الحيوان، أو بين الكلب وبين هذا الحيوان.

طيب، هل الخنزير يمكن أن يتزوج كلبة، أو الكلب يمكن أن يتزوج خنزيرة؟ أظن في عالم الحيوان لا يكون.

إذن هنا أراد [المصنف] أن يضع طالب العلم يده على علة الشافعية وليس على حقيقة الواقع. فلا يوجد كلب وخنزير - هذا من صنف وذاك من صنف - تزوجا وأنجبا، لم يحدث.

حكم التابع في الفقه ونجاسة ما تولد من الكلب والخنزير

ولكن هنا يقول ماذا؟ افترض أنه حدث! طلعوا لنا العيال المختصين بالاستنساخ، ووضعوا هذا على هذا وفعلوا كذا. لو فعلوا كذا فنعم، أو ما تولد منهما أو من أحدهما مع حيوان طاهر.

حسنًا، فهذه صور: كلب تزوج كلبًا، خنزير مع خنزير، كلب مع خنزيرة، خنزيرة مع كلب، كلب مع طاهر، خنزير مع طاهر، كله خطأ، كله نجاسة.

إذن هذا ماذا يسمونه؟ يسمونه في الفقه التابع. فتكون الخِلفة الجديدة هذه تابعة. الكلب والخنزير نجسان، فيكون أولادهما من أي جهة بنجاستهما. حسنًا، هذا التابع طردناه هكذا.

قاعدة التابع يتبع أخس الأمرين في النجاسة والنسب

خنزير تزوج خروفة وأنجب، فلا يصح أن أضحي به ولا يجوز أكله؛ لأنه تابع للخنزير. نعم، يتبع أخس الأمرين.

هنا طاهر ونجس، فيتبع النجس لأنه أخس الأمرين. في الأكل يتبع أخس الأمرين، وفي النسب أعلى الدينين.

افترض أن بنتًا مسلمة تزوجت غير مسلم وأنجبت طفلين، ثم جئنا وقلنا لها: يا بنت الحلال، هذا خطأ، والذي أنتِ فعلتِ ذلك وهذا غير صحيح، والدين يقول غير ذلك، المسلمة لا تتزوج إلا مسلمًا.

قالت لي: تبنا إلى الله. حسنًا، والأطفال الذين أنجبتهم، تُحسب على الإسلام؟ إذن لا يُحسبون على الأب كما ننسب الناس لأبيه، بل تُحسب على الإسلام. فالتابع له أحكامه. وما تولَّد منهما أو من أحدهما يعني مع حيوان طاهر.

نجاسة عظم الميتة وشعرها واستثناء الآدمي لتكريم الله له

وعظم الميتة وشعرها نجس إلا الآدمي. كل الموتى عند الشافعية نجس إلا الآدمي فهو طاهر؛ لأنه:

قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِىٓ ءَادَمَ﴾ [الإسراء: 70]

هذا هو السبب. فربنا كرمنا أحياءً وأمواتًا. فيا رب أنزل في قلوبنا حمد تكريمك لنا.

دعاء الختام بالنفع والرحمة والحشر تحت لواء النبي ﷺ

نفعنا الله سبحانه وتعالى بما علمنا، وأنزل السكينة في قلوبنا، وهيأ لنا من أمرنا رشدًا، وجمعنا على الحق في الدنيا والآخرة.

فاللهم يا ربنا بلِّغ بنا دينك لمن بعدنا بصورة لافتة للنظر، تحبب الناس فيك وفي رسولك وفي دينك. واصرف عنا السوء بما شئت وأنَّى شئت وكيف شئت، إنك على ذلك قدير وبالإجابة جدير.

يا رب احشرنا تحت لواء نبيك يوم القيامة، واسقنا من يده الشريفة شربة ماء لا نظمأ بعدها أبدًا، ثم أدخلنا الجنة من غير حساب ولا سابقة عقاب ولا عتاب.

نحن في حاجة إلى رحمتك ولست في حاجة إلى مؤاخذتنا، فاعفُ عنا بعفوك، وارحمنا برحمتك، وارضَ عنا برضاك، وكن لنا ولا تكن علينا. فارحم حيَّنا وميتنا وحاضرنا وغائبنا، وارزقنا رزقًا واسعًا وعلمًا نافعًا وقلبًا خاشعًا وعينًا من خشيتك دامعةً ونفسًا قانعةً وشفاءً من كل داء.