المجلس الثاني والسبعون من شرح متن الغاية والتقريب | أ.د علي جمعة
- •يتناول النص شرح أحكام الغصب في الفقه الإسلامي من خلال قصة شخص اغتصب قطعة أرض مساحتها 175 متراً.
- •الغاصب ملزم برد المغصوب وأرش نقصه وأجرة مثله، وإن تلف ضمنه بمثله إن كان له مثل أو بقيمته.
- •أرش النقص هو التعويض عن نقص قيمة العين المغصوبة، ففي القصة نقصت قيمة الأرض من 100 ألف إلى 80 ألف جنيه.
- •أجرة المثل هي ما كان المالك سيحصل عليه لو أجر الأرض خلال فترة الغصب.
- •إذا تلفت العين المغصوبة فيضمن الغاصب قيمتها بأعلى سعر وصلت إليه من يوم الغصب إلى يوم التلف.
- •حذر النبي صلى الله عليه وسلم من غصب الأرض بقوله: "من غصب شبراً من الأرض طوقه الله سبع أراضين يوم القيامة".
- •الظلم والتعدي على حقوق الآخرين من كبائر الذنوب التي تؤدي إلى عقوبة شديدة في الآخرة.
مقدمة فصل الغصب وأحكام رد المال المغصوب وضمانه
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
قال المصنف رحمه الله تعالى ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين: فصلٌ، ومن غصب مالًا لأحدٍ لزمه ردُّه، وأرشُ نقصه، وأجرة مثله، فإن تلف ضمنه بمثله إن كان له مثل، أو بقيمته إن لم يكن له مثل، أكثر ما كانت من يوم الغصب إلى يوم التلف.
غصب مالًا: والمال قد يكون نقدًا وقد يكون عينًا.
مثال تطبيقي على الغصب: الاستيلاء على قطعة أرض والبناء عليها
فإذا غصب أحدهم أرضًا، أي وضع يده على قطعة أرضٍ خاصة بي، [مثال]: قيراط في البلد. والقيراط كم متر؟ مائة وخمسة وسبعين [مترًا]، احفظ يا ولد. طيب، والفدان كم متر؟ أربعة آلاف ومائتان. ينبغي أن تعرفوا هذه الأشياء، هذه ثقافة. والفدان كم قيراط؟ أربعة وعشرين، إذن تضرب مائة وخمسة وسبعين في أربعة وعشرين، يخرج أربعة آلاف ومائتان مترًا.
لنفترض، أنا عندي قيراط في البلد، وبعد ذلك تطاول عليَّ شخص ووضع يده عليها [أي استولى عليها]، وعندما وضع يده عليها لم يكتفِ، بل بنى بنيانًا عليها. فرفعت عليه قضية عند حضرة القاضي، وحكم القاضي بأحقيتي في المائة والخمسة والسبعين مترًا. ذهبت لأنفذ [الحكم] فوجدته بنى عليها، فزادت المشكلة على الرغم أنها أرضي.
تقييم الأرض المغصوبة ومقارنتها بأرض مجاورة لمعرفة النقص
فلنفرض أن الشيخ عبد الله بكير له قيراط بجانب القيراط الخاص بي، فقلت له: يا شيخ عبد الله، القيراط الخاص بك يساوي كم؟ فأجابني: القيراط الخاص بي يساوي مائة ألف جنيه؛ لأن الفدان يساوي مليونين وأربعمائة ألف جنيه، والقيراط يساوي مائة ألف جنيه دفعة واحدة.
فذهبت إلى السمسار لأبيع القيراط، فجاء السمسار ورأى القيراط، وماذا عليه؟ عليه بيت مبني. فسأل: هل هذه القطعة للبناء؟ قلت: لا. بُنيت بترخيص؟ قلت: لا، لم يُبنَ بالترخيص. فقال لي: قطعة الأرض التي لك هذه بوضعها الحالي بثمانين ألف جنيه.
حساب أرش النقص الناتج عن البناء غير المرخص على الأرض المغصوبة
قلت: كيف يا رجل؟ هذه قطعة أرض وعليها أيضًا بيت من طابقين، كيف تتحدث إذن؟ أرض بالإضافة إلى بيت وتقول لي ثمانين ألف؟ قال لي: نعم؛ لأنه ممنوع البناء عليها وتوجد عليها غرامات، ولكي أهدم ما هو موجود فسيكلفني مالًا. إذن كم تساوي؟ تساوي ثمانين ألف، ولن أدفع فيها إلا ثمانين ألف.
قلت له: حسنًا. فعلمت أن هذا الرجل الذي اغتصبها مني قلّل قيمتها؛ كانت بمائة ألف مثل قطعة الأرض التي تخص سيدنا الشيخ عبد الله بكير، وأنا قطعة الأرض الخاصة بي التي بجوارها أصبحت بثمانين ألفًا. فأصبحت أريد منه عشرين ألفًا، أي أنني لن آخذ فقط تكلفة ما فعله في هذا البيت، بل فوق ذلك غرامة عشرين ألف لتصحيح الوضع؛ لأن اغتصابه وتعديه سبّب لي خسارة عشرين ألف جنيه.
مواجهة الغاصب ومطالبته بأرش النقص وحقوق المالك الشرعية
فذهبت إليه فقال لي: على فكرة أنا لست مسامحك. فقلت له [مستنكرًا]: حقًا؟! أنت تغتصب أرضي وتعتدي عليها وتبني عليها، ثم أنت الذي لا تسامحني؟! فقال: كانت غلطة، ولكن الآن هذه المباني أليس لها ثمن؟! ألم أدفع فيها مالًا؟
قلت له: نعم، أنت دفعت مالًا. قال: حسنًا، فأعطنيها. قلت له: أنا آتٍ لآخذ منك عشرين ألف جنيه يا عزيزي. قال لي: لماذا؟ قلت له: ألا تتذكر عندما كنا في الدرس في مسجد فاضل، ومولانا الشيخ قرأ علينا من كتاب أبي شجاع [يقصد متن الغاية والتقريب]، وقال لنا أن هذا الغاصب يدفع أرش النقص؟
شرح معنى الأرش والدية والحكومة في باب التعويضات الشرعية
قال لي: أنا لم أفهمها في تلك الساعة، ماذا تعني كلمة أرش؟ قلت له: الأرش يذكرونه في التعويضات وفي الديات؛ عندما يقتل شخص شخصًا آخر خطأ فيكون عليه ديّة، أو شخص أصاب شخصًا آخر بالعَوَر فيكون عليه أرش.
[مثال]: شخص ضرب آخر على عينه، كانت قدرتها البصرية ستة على ستة، عندما يأتي الطبيب ويفحصها يجدها ستة على ستة، فأصبحت كم؟ أصبحت ستة على أربعة وعشرين. الله، إن نظره قلّ! فما الحكم فيها؟ يكون فيها أرش، كأنك أضعت له نصف عينه.
افترض أن هناك أمورًا غير محسوبة تمامًا في الشرع، فتكون فيها حكومة [أي تقدير القاضي]. إذن كلمة ديّة وكلمة أرش وكلمة حكومة تعني التعويضات.
تطبيق أرش النقص على الأرض المغصوبة وإلزام الغاصب بالعشرين ألفًا
هذه الأرض كانت بمائة ألف، والدليل على ذلك أن أرض سيدنا الشيخ عبد الله بكير [المجاورة بيعت بهذا الثمن]، ثم أصبحت بثمانين ألف، والدليل على ذلك المعروض في السوق. فأنت عليك عشرون ألفًا لأنك حضرت هذا الدرس [درس الفقه]، وأنت عليك أرش النقص.
الذي هو كم هنا؟ عشرون ألفًا. قال: أنا تبت إلى الله، فسأدفع العشرين ألفًا. بما أن الشيخ شرح في الدرس من كتاب أبي شجاع هذه المسألة، إذن هم على صواب، هم أعرف بالشريعة والأمور والأحكام هذه. حسنًا، سأدفع العشرين ألفًا.
مطالبة الغاصب بأجرة المثل بالإضافة إلى أرش النقص
قلتُ له: تمهل، فأنا جئتُ إليك في مهمة أخرى. ما هذه العشرون ألفًا؟ إن العشرين ألفًا هذه أرش النقص فقط. قال لي: ماذا سأدفع لك ثانيةً؟ هذه ورطة! ما هذا؟ لقد كان يومًا أسود ملئ بطين الأرض، يوم أن اغتُصبت هذه الأرض.
قلتُ له: نعم؛ لأن الشريعة لابد أن تفعل هكذا؛ لأن من أمِنَ العقاب أساء الأدب. لماذا تغتصب مال الناس؟ فإذا هذه جريمة سيترتب عليها ما يترتب.
قال لي: ماذا أيضًا؟ عشرون ألف أرش النقص، وأجرة مثله.
حساب أجرة المثل للأرض المغصوبة طوال مدة الغصب
قلت له [موضحًا معنى أجرة مثله]: المائة وخمسة وسبعون مترًا هؤلاء، منذ متى اغتصبتهم مني؟ قال لي: منذ سنة الكورونا سنة تسعة عشر، أي إنهم خمس سنوات.
قلت له: بكم يؤجرونها؟ قال لي: يؤجرون هذا القيراط بألف ونصف في السنة، إذن بسبعة آلاف ونصف [عن خمس سنوات].
قلت له: أضف السبعة آلاف ونصف إلى العشرين. فماذا يُسمى البند الأول؟ أرش النقص ويساوي عشرون ألفًا. والبند الثاني: أجرة مثله؛ لأنك حرمتني [من الانتفاع بأرضي]!
رد الغاصب بأنه لم يكن ينتفع بالأرض وبيان حق المالك في ملكه
قال: يا رجل، اتقِ الله! أنت كنت تاركها عشرين سنة، لا تقول لها السلام عليكم أو عليكم السلام [أي لا تستفيد منها إطلاقًا].
قلت له: أنا حرٌّ في ملكي! وصرخت هكذا: ملكي! الله! وليس لك شيء عندي، ولكن عندما تضع أنت يدك عليها تدفع ألفًا ونصف كل سنة.
قال لي: أهذا يرضي ربنا؟! قلت له: أيرضى ربنا أنك تغتصبها؟ وهل يرضى ربنا أن تبني عليها؟ وهل يرضي ربنا أنك تعلم الناس قلة الديانة وقلة الأدب؟ أهذا ما يرضي ربنا؟ نعم، ما أطلبه يرضي ربنا، فقد فرض الله عليك غرامة حتى لا يفعل أحدٌ مثل هذا مرة أخرى.
صورة تلف الأرض المغصوبة بالقصف وضمان الغاصب لقيمتها كاملة
أصبح المبلغ سبعة وعشرون ألفًا ونصف. فإن تلف [المال المغصوب]، صورة التلف لا تأتي في الأرض؛ لأن الأرض لا تتلف. لكن افترض أنها تلفت.
على سبيل المثال: طائرة رمت قنبلتين أو ثلاثة من القنابل الكيماوية أو الجرثومية، فصنعت حفرة خمسة عشر مترًا تحت الأرض، وأصبحت قطعة الأرض هذه محظورة.
كم مترًا الذي حُظِرَ؟ مائة وثمانون مترًا: مائة خمسة وسبعون التي هي أرضي، وخمسة متر من أرض جاري الشيخ عبد الله بكير. والحكومة وضعت يدها عليها حتى لا تتلوث البيئة، وضاعت عليك الأرض.
إلزام الغاصب بدفع قيمة الأرض التالفة مع أرش النقص وأجرة المثل
إذن هل حدثت هذه المسألة [تلف الأرض] في وقت اغتصابك للأرض؟ قال: نعم. قلت له: إذن ستدفع مائة وسبعة وعشرين ألف جنيه: مائة ثمن الأرض التي ضاعت لأنها كانت تحت يديك أيها الغاصب، وعشرين [ألفًا] لأن هذه الأرض بجانبها أرض أخرى بيعت بمائة، ووجدنا أنهم يريدون أرضي أن تكون بثمانين؛ لأنني عندما كنت أنا أثناء القضايا وما شابه، ذهبت إلى سمسار فقال لي بثمانين.
فقلت: كم يكون الأرش؟ وجدته عشرون، وسبعة ونصف أجر المثل. قال: أنا أعطيتك المائة ألف، ماذا تريد أيضًا؟ قلت له: ماذا تريد؟ أريد أن آخذ عينيك، أريد أن أهينك، أريد أن أرى فيك يومًا.
لا رحمة مع الغاصب والمبلغ الإجمالي المستحق على الغاصب
قال: لماذا يا أخي؟ أليست الرحمة حلوة؟ قلت له: ليس مع شخص مثلك؛ لأنك غاصب، فطأطئ رأسك هكذا وتقول: تبنا إلى الله، وسنرى ماذا سنفعل في أمرك.
فصار المبلغ مائة وسبع وعشرون ألفًا ونصف. والحكم معي.
هل المائة وسبعة وعشرين ونصف سيتم خصمهم من تعويض الدولة أم لا؟ هناك قولان: قول يقول لك: لا؛ لأن الدولة ستأتي وتقول لي: انتبه، لقد وضعنا أيدينا هنا من أجل المصلحة العامة، وأخذنا هذه الأرض لأنه ضُرب فيها قنابل جرثومية ستضر بالبيئة، فنحن سنعطيك تعويضًا.
الجمع بين تعويض الدولة وما يدفعه الغاصب من أرش وأجرة
تقول لهم: كم [التعويض]؟ وكما نعلم، الدولة قالت: خمسون ألفًا. قلت لهم: ولكن هذه الأرض بمائة. قالوا: كلّا، كيف مائة؟! لدينا خبراء ولدينا كذا وكذا، ثم يخرجها لك بعشرين ألفًا فقط.
إذن وافق فورًا ولا تجادل معهم؛ لأننا سوف نأخذ مائة وسبعة وعشرين ألفًا من المغتصب. فهل بذلك تجمع بين المائة وسبعة وعشرين ونصف وبين الخمسين؟ وجهًا من الفقه يقول: نعم، اجمع بينهما ما دام الشخص غاصبًا.
فانظروا ماذا فعل هذا الغاصب! الغاصب ليس له حق، هدر وضيَّع نفسه.
ضمان المغصوب بالمثل أو بأعلى القيم من يوم الغصب إلى يوم التلف
[ثم يكمل الشيخ قراءة من الكتاب]: ضَمِنَهُ بمثله إن كان له مثل، أي أنه سيدفع المائة [ألف]؛ لأن له مثلًا، وهو قيراط الشيخ عبد الله بكير. أو بقيمته، ويعني أن يعطيه مائة وخمسة وسبعين مترًا، أو يدفع المائة ألف.
إن لم يكن له مثل، أكثر ما كانت: يعني عندما اغتُصبت الأرض كانت هذه الأرض بخمسين ألفًا، التي أخذتها الحكومة عندما جاءت لتعويضي، ثم ارتفعت إلى مائتي ألف، ثم انخفضت إلى مائة ألف. فعند ذلك أخذ بالمائتين.
لماذا؟ لأنه في ذلك الوقت لو كانت هذه الأرض تحت يدي لكنتُ بعتها، فأنت ضيعت عليّ فرصة البيع. إذن لن آخذ بثمن الآن، ولن آخذ بثمن وقت الاغتصاب، بل سآخذ بأعلى الأثمان في الفترة التي اغتُصِبت فيها الأرض، بدايةً من يوم الغصب إلى يوم التلف.
تحذير النبي ﷺ من غصب الأرض وعقوبة الغاصب يوم القيامة
وهذا الشكل [من] الغصب هو شيء سيء جدًا. والنبي صلى الله عليه وسلم حذّر وقال:
قال رسول الله ﷺ: «من غصب شبرًا من الأرض طُوِّقه من سبع أراضين يوم القيامة» [رواه البخاري ومسلم]
والشبر هذا يعادل حوالي ثلاثة وعشرين سنتيمترًا، فهذا شبر من الأرض. أما القدم فثلاثون سنتيمترًا على حساب الفراعنة، غير الشبر الذي هو ثلاثة وعشرون فقط.
أخذت ثلاثة وعشرين سنتيمترًا هكذا وحددت، ونقلت العلامة الحديدية الخاصة بالحدود، نقلتها من هنا ثلاثة وعشرين سنتيمترًا إلى هنا. طوّقه الله سبع أراضين يوم القيامة: يكون كأنه سيضعه بين سبع أراضين كأنهم يسحقونه ويعصرونه من الضيق الذي سيكون فيه، من أجل شبر من الأرض [أخذه بغير حق].
التحذير من أكل ميراث البنات وعاقبة الظلم يوم القيامة
فماذا نفعل إذن في مائة وخمسة وسبعين مترًا؟ ستكون ورطة. وماذا نفعل فيمن أكل ميراث البنات؟ الله يعينه يوم القيامة! من أكل ميراث البنات هذا الله يعينه؛ لأن ليس لها حل، ونحن مشفقون عليه وعلى ما سيحصل له.
فهو اشترى العاجلة بالآجلة، أي ترك الآجلة التي هي الآخرة، وذهب مشتريًا الدنيا ليصبح في ورطة ما بعدها ورطة. فنسأل الله السلامة.
فقد يستهين بعضهم ويتلاعب به الشيطان في أمور يستهين بها، ولو عرف حقيقتها ما فعلها ولا قاربها. فلا بد من استيفاء المرأة لحقوقها، أما ما يحدث من هذا التغابي والتحامق فلا يجوز، وأمره عسير عند الله سبحانه وتعالى، والظلم ظلمات يوم القيامة.
