المجلس الثمانون من شرح متن الغاية والتقريب | أ.د علي جمعة
- •الوقف جائز في الفقه الإسلامي بثلاث شرائط: أن يكون مما ينتفع به مع بقاء عينه، وأن يكون على أصل موجود وفرع لا ينقطع، وألا يكون في محظور.
- •يسمى الوقف صدقة جارية لأن ثوابها يجري على الإنسان حياً وميتاً، كما ورد في الحديث: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث".
- •سمي وقفاً لأنه يوقف بيعه وشراؤه وهبته، وسماه بعضهم حبساً لأنه حبس عن التصرف.
- •الوقف يكون على ما شرط الواقف، والعلماء وضعوا قاعدة: "شرط الواقف كنص الشارع".
- •ظهرت صور جديدة للوقف كوقف النقود في البنوك مع استثمار الربح، واختلف الفقهاء فيها.
- •أنشئت هيئة الأوقاف لإدارة الأوقاف وحمايتها واستثمارها.
- •أجيز الاستبدال عند الحاجة لكن بشرط المساواة أو الزيادة.
- •بنيت الحضارة الإسلامية على الأوقاف، فكانت أوقاف للمساجد والجامعات والمدارس والمستشفيات وحتى لسقاية الكلاب والطيور.
افتتاح الدرس وبيان أن الوقف جائز بثلاث شرائط
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
قال المصنف رحمه الله تعالى - ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين -: فصل: والوقف جائز بثلاث شرائط.
أسماء الوقف في الفقه الإسلامي وتسميته بالصدقة الجارية
والوقف له أسماء في الفقه الإسلامي، منه الصدقة الجارية، وسُمِّيت جارية لأن ثوابها يجري على الإنسان حيًّا وميتًا. وهي واردة في الحديث النبوي من لفظ سيدنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
قال رسول الله ﷺ: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: من عمل صالح، أو ابن يدعو له، أو صدقة جارية، علم ينتفع به»
وأوّل العمل الصالح بالصدقة الجارية.
سبب تسمية الوقف بهذا الاسم وتسميته بالحبس عند بعض العلماء
ثم سمّاها المسلمون بعد ذلك بالوقف؛ لأنك قد أوقفت بيعها فلا تُباع، وشراءها وهبتها والتنازل عنها واستبدالها والتصرف فيها وتوجيهها إلى غير ما أراد الواقف، فوُقِفت على شرط واقفها، ولذلك سمّوها الوقف.
وسمّاها بعضهم بالحبس؛ لأنك أيضًا قد حبستها فلا تتصرف فيها بأي وجه من الوجوه. وتُجمع [الحبس] على أحباس، والوقف يُجمع على أوقاف.
الفرق بين جمع الوقف في اصطلاح القراء واصطلاح الفقهاء
وهذا اللفظ في لغة العرب له جموع، إلا أن الاستعمال قد اختار جموعًا دون جموع للدلالة على معانٍ مختلفة. فالوقف نراه في القراءة، في قراءة القرآن؛ أهل القرآن عندهم وقف قد يكون الوقف جائزًا، وقد يكون ممنوعًا، وقد يكون واجبًا، وقد يكون الوصل أولى، وقد يكون الوقف أولى، وقد يكون الوقف طيبًا وهكذا.
والوقف والابتداء فنٌّ من فنون القراءة؛ لأن المعنى يختلف. وهذا [الوقف في القراءة] يُجمع على وقوف، بالرغم أن الوقف هنا [في القراءة] هو الوقف هنا [في الفقه] في المعنى؛ وقف أي منع، وقف أي سكن فلم يسر.
التفريق بين جمع أوقاف وجمع وقوف في عرف الاستعمال
لكن هنا [في الفقه] يُجمع على أوقاف في عرف الاستعمال. لا تقل في جمع الوقف الذي هو الحبس والصدقة الجارية لا تقل وقوف، لا تقل هذا. والوقف الذي هو في القرآن [أي وقف القراءة] لا تقل أوقاف، بالرغم من أن اللغة تسمح بذلك في أصلها.
لكن لمّا كان هذا في اصطلاح القراء وهذا في اصطلاح الفقهاء وجرى العمل على ذلك، أصبح أن هذا اللفظ له عموم بحسب الوضع وله خصوص بحسب الاستعمال.
قاعدة العلم بالغلبة وأمثلتها من كلمة العقبة والدابة
اكتب هذه القاعدة: كانوا يسمونه العلم بالغلبة كالعقبة. فكل ما كان علمًا بالغلبة له عموم بحسب الوضع. كلمة عقبة معناها ما يمنع سير الإنسان في الطريق، عقبة في الطريق، لكنها أُطلقت على عقبة السويس، خلاص صارت علمًا عليها. لها عموم بحسب الوضع ثم طرأ لها خصوص بحسب الاستعمال.
دابة: لها [في الأصل] كل ما يدبّ على الأرض، فسيادتك دابة. يعني ماذا دابة؟ يعني تدبّ على الأرض. سمّيتني شيخًا ولست بشيخ، إنما الشيخ من يدبّ دبيبًا.
تطبيق قاعدة الغلبة على كلمة دابة في عرف أهل مصر
أما في عرف أهل مصر فالدابة هي الحيوان وليس كل ما يدبّ على الأرض. كل ما يدبّ على الأرض معناها تدخل النملة وتدخل الحشرة ويدخل الإنسان ويدخل الحيوان ويدخل كل ما يتحرك، فيكون له عموم بحسب الوضع، ثم يطرأ له خصوص بحسب الاستعمال.
فهذا يسمونه الغلبة، يعني غلب المعنى المستعمل على المعنى الأصيل اللغوي. فإن كان في الأعلام كالعقبة سُمِّي العلم بالغلبة، وإن كان بما نحن فيه سُمِّي الجمع بالغلبة. وهكذا يبقى الغلبة معناها ماذا؟ أن يكون له عمومًا بحسب الوضع فيأتي له خصوص بحسب الاستعمال.
جواز الوقف وشرط بقاء العين مع الانتفاع بها
قال [المصنف]: والوقف جائز. يبقى إذا الوقف ليس حرامًا وليس فيه تعطيل لمصالح الناس وإهدار لأملاكهم أبدًا. الوقف جائز بثلاث شرائط.
ما الشرائط الثلاثة؟ كل شيء بشروطه:
- أن يكون مما يُنتفع به مع بقاء عينه: إذن لا يصح أن أُحضر لك طبق تفاح وأقول لقد أوقفتَ هذا عليك، ماذا أفعل به؟ إذا أكلته فلن يكون وقفًا؛ لأن عينه لا تبقى وإنما ستُستهلك. فلا يصح وقف المستهلكات؛ يجب أن يكون الوقف شيئًا يبقى زمنًا بعد زمن بعد زمن.
ما الذي تكون صفته هكذا؟ الأرض والبستان والمبنى والعمارة، إذن فالعين تبقى.
خلاف الشافعية والمالكية في وقف النقود وإيداعها في البنوك
فهل يجوز أن نعدّ منها النقود؟ النقود الآن في البنك، أذهب إلى البنك وأقول له: يا بنك، أنا أريد أن أضع فيك مليون جنيه وأوقفها، والثمرة الخاصة بها - الربح الذي ستعطونني إياه - أوجّهه لطلبة العلم بالأزهر الشريف.
فالشافعية قالوا: لا. والمالكية قالوا: نعم، يمكن أن تفعل ذلك. لماذا يا جماعة؟ قالوا: لأنه عين وانتفعوا بها وباقية. بعد عشر سنوات ذهبت إلى البنك وقلت له: انظر لي كم رصيدي عندك، فقال لي: لديك مليون. سألته: هل تعطيني عائدها؟ قال: أعطيك عائدها كل سنة. وجّهته إلى المكان الصحيح. قال: وجّهته إلى المكان الصحيح، إذن التعريف موجود فيها.
وجهة نظر الشافعية في النقود وظهور البنوك كصورة جديدة للوقف
الشافعية نظروا إلى أن النقود تُستهلك، يعني لو أعطتك عشرة جنيهات لا يصح أن أقول لك خذ هذه العشرة جنيهات وقفًا؛ لأن معنى الوقف هو الحبس.
وفي عصرنا ظهرت أشياء جديدة ومؤسسات تُسمى البنوك، ظهر في عصرنا أن الأموال تُحجز فيها وتُحبس، وظهرت في العصر الحديث أنها تدرّ الربح. فهذه صورة جديدة لم يكن يعرفها الشافعيون القدماء، لكن التعريف عليها بالضبط: أن يكون مما يُنتفع به - المليون جنيه يُنتفع به - مع بقاء عينه، المليون جنيه بقي عينه.
شرط وجود أصل وفرع لا ينقطع وعدم وجود محظور شرعي في الوقف
-
وأن يكون على أصل موجود وفرع لا ينقطع: شجرة، الأصل موجود ها هو، والفرع الخاص بها الثمرة، الشجرة والثمر ولا ينقطع. يبقى إذن ممكن أن أعمل بستان فواكه، والفواكه أذهب لأبيعها وأجلب أموال وأصرف على جهة الوقف التي أوقفتها.
-
وأن لا يكون في محظور [شرعي]: فلا تأتي لتعمل مزرعة خنازير توقفها وتبيع نتاج الخنازير؛ لأن الخنازير محظورة ولا يصح ذلك.
قاعدة نص الواقف كنص الشارع وأهمية الالتزام بشرط الواقف
والوقف على ما شرط الواقف، لدرجة أن العلماء وضعوا قاعدة حتى يشدّدوا في هذا الأمر ويبيّنوا أهميته، وقالوا:
نص الواقف - شرط الواقف - كنص الشارع، كأنه فيه حديث أو آية. إنها أمر مهم جدًّا أن لا نتلاعب بشرط الواقف.
الواقف قال: أوقفت هذا على جهة الخير هذه. مات الرجل ومات أحفاده، فنُبقيها كما هي على شرط الواقف.
تاريخ قوانين الوقف في مصر ودور الشيخ فرج السنهوري في وضعها
تهاون بعض الحكام عندنا في هذا، ووضعنا نحن قوانين الوقف لضبطه وللاستفادة منه وإدارته. وكذلك وضعناها في سنة ألف وتسع مئة ستة وأربعين [1946م].
والذي وضع هذا القانون كان الشيخ فرج السنهوري رحمه الله تعالى. والشيخ فرج كان من كبار علماء الأزهر وكان يدرّس في كلية الحقوق، وكان من أساتذة الشيخ محمد أبو زهرة. الشيخ فرج السنهوري وضع القانون ووضع له لائحة تنفيذية جيدة وشرحه، وظل القانون يعمل.
التجرؤ على قوانين الأوقاف وعزوف الناس عن الوقف بسبب تغيير القوانين
ثم جاءت فترة تجرّؤوا فيها على الأوقاف، وصدر نحو واحد وعشرين قانونًا يغيّر في ملامح ما كتبه الشيخ السنهوري في ستة وأربعين. قانون آخر كرّ على القانون الأول بالتقييد والتعطيل، فعزف الناس [عن الوقف].
هذه هي الخطورة التي يراها الفقهاء ولم يرها هذا الحاكم الذي أحدث البلوى. لذلك عزف الناس عن الوقف ولم يعودوا يوقفون، يقول لك: لا يا سيدي، الدولة ستأخذها.
إلغاء القوانين المقيدة وإنشاء هيئة الأوقاف لحماية الأوقاف وإدارتها
وبما أن الأمر كذلك، ثم بعد ذلك بدأ الناس يستيقظون ويرون أن هذا ضرر على المجتمع، وبدأوا يعودون مرة أخرى لإلغاء هذه القوانين العشرين أو الواحد والعشرين حتى يعود القانون مرة أخرى إلى حالته الأولى، وقد كان.
ثمّ أنشؤوا ما يُسمى بهيئة الأوقاف تُدير هذه الأوقاف وتحميها وتُدافع عنها وتُحسن استثمارها وتأجرها وتستفيد منها وتوجّهها إلى أفعال الخير.
الحسابات الاستثمارية الحديثة كصورة معاصرة للصدقة الجارية والأوقاف
وبدأ أناس في إنشاء ما يُسمى بالحسابات الاستثمارية الحديثة حتى تكون مُعبّرة عن الصدقة الجارية أو عن الأوقاف، فتأخذ حكمها في الشرع من عدم جواز الإخلال بشرط الواقف.
تغير الظروف عبر القرون وفكرة الاستبدال في الأوقاف
في شرط الواقف: رأينا عبر القرون أن الدنيا تتغير. فمثلًا أكون قد أوقفت قطعة أرض فيأتي طريق يمرّ بهذه الأرض فتضيع. فأنشؤوا ما يُسمى بالاستبدال.
قالوا: من الذي أخذها؟ من الذي أخذ هذه الأرض ليجعلها طريقًا؟ الحاكم. قلت له: يا حاكم، أنت أخذت وقفًا، لابد أن تجعل مكانًا مثله تمامًا. أتحدث عن الأوقاف حتى يستمر الوقف في العطاء.
قال [الحاكم]: أنا أفعل هذا لمصلحة المسلمين. قلت له: هذا أيضًا لمصلحة المسلمين. فسمّوه استبدالًا. إذن الاستبدال جائز، ولكن لابد أن يعطيني قطعة أرض مماثلة أو أكبر منها، لا مانع أن تكون أكبر منها، لكن على الأقل أن تكون مساوية ولا يعطيني نصفها.
الشروط العشرة للالتزام بالوقف من تقديم وتأخير وتسوية وتفضيل
فأصبح هناك فكرة الالتزام بالوقف لمصلحة الوقف ومصلحة المستفيد. ومن أجل هذا والتزامًا بشروط الواقف نلتزم بالتقديم وبالتأخير وبالتسوية وبالتفضيل وبالتفصيل وبالاستبدال وما إلى ذلك، يسمونها الشروط العشرة.
فهناك إذن فقه كبير لإدارة هذا المال المحبوس أو الموقوف، أي الجاري كصدقة جارية من أجل الله.
معنى كون الوقف لله وعلاقته بمفهوم المجتمع في علم الاجتماع
وهل الله ينزل ليقبض منا الغلّة الخاصة بهذه الأشياء؟ قال: لا. كلما كان لدينا في الشريعة شيء لله فهذا حق الله، أي أنه للمجتمع بالتعبير الحديث.
نحن نسمّيه لله، فعندما جاء علم الاجتماع - وعلم الاجتماع لا يعرف ربنا ولا يعرف شيئًا - سمّاه للمجتمع، وهو في الحقيقة لله.
ماذا يعني لله؟ أفعل هكذا لأجل رجاء ثواب الله في الآخرة، إنما النفع ذاهب لمن؟ للناس الذين سمّوهم المجتمع. فتنتبه أن كلمة المجتمع تُغبِّش على كلمة الله.
الفرق بين مصطلح لله ومصطلح المجتمع والمقصود بالعمل لوجه الله
نعم، انتبه أنه لو كنت تعرف علم الاجتماع، ماذا يُقصد بالمجتمع عندهم؟ عندنا اسمه ماذا؟ الله. والله يعني ماذا؟ يعني شيء لوجه الله نفعله لخدمة الناس، للتخفيف عن آلامهم، لحل مشكلتهم، لتعليمهم، لصحتهم، لتكافلهم الاجتماعي وهكذا.
وهو [الوقف] على ما شرط الواقف من تقديم أو تأخير أو تسوية أو تفضيل إلى آخر ما هنالك من الشروط العشرة.
خلاصة فكرة الوقف والدعوة إلى إحيائه بصوره الحديثة وهيئاته المنظمة
وهكذا نكون قد أخذنا فكرة عن ماذا؟ عن الوقف. لأجل عندما ندعو إلى الوقف، يُبادر الناس؛ لأن هناك صورًا حديثة، ولأن هناك هيئات أصبحت تدير هذا الوقف، حتى لا يضيع، حتى لا ينتهي، حتى لا يُؤخذ في هدف آخر، وحتى نراعي شرط الواقف جزاه الله خيرًا عمّا أوقف.
دليل مشروعية الوقف من فعل النبي ﷺ في فدك وبناء الحضارة الإسلامية عليه
دليل هذا [مشروعية الوقف] ما كان من نصيب رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعض الصحابة في فدك في خيبر؛ فإنه قد أوقفها لله.
ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيد هذا العمل الصالح الذي بُنِيَت عليه الحضارة الإسلامية، بُنِيَت به المساجد والجامعات والمدارس، كُتِبَت به الكتب.
نماذج عجيبة من الأوقاف الإسلامية كوقف مساقي الكلاب وصوامع الغلال للطيور
كان هناك من الأوقاف أوقاف غريبة عجيبة. من ضمنها كان وقف لمساقي الكلاب، مسقى الكلاب يضعون فيه المياه لأجل الكلب المسكين الذي في الطريق كي لا يعطش؛ لأنه دخل رجل الجنة بسبب كلب وجده عطشان:
قال رسول الله ﷺ: «قد بلغ العطش به ما بلغ به، فأتى بماء من بئر فأدخله الله به الجنة»
فذهبوا وأنشأوا وقفًا لسقاية الكلاب.
كان هناك وقف للغلال كان موجودًا أمامكم مقابل الأزهر مباشرة في مسجد - إذا نظرت إلى الأعلى تجد فوق الدكاكين - أبو ذهب، محمد أبو الذهب، فقد صنع أربع صوامع للغلال يضع فيها القمح حتى تأكل طيور السماء.
عظمة الحضارة الإسلامية في رعاية الحيوان والعلم وألف اكتشاف واختراع
انظر كيف أن الحضارة الإسلامية راعت الكلاب وراعت القطط وراعت المرضى في المستشفيات وراعت العلم وراعت كل الحضارة وكل العلوم.
ألف اكتشاف واكتشاف اكتشفها المسلمون - هذا عنوان كتاب - واختراعها، ألف اختراع واختراع. من أين؟ من الحضارة الإسلامية.
