المجلس الخامس والثلاثون من شرح متن الغاية والتقريب | أ د علي جمعة
- •صلاة الخوف على ثلاثة أنواع: أولها أن يكون العدو في غير جهة القبلة، فيقسم الإمام المصلين فرقتين، فرقة تراقب العدو وفرقة تصلي خلفه ركعة ثم تتم لنفسها وتذهب للمراقبة، وتأتي الفرقة الأخرى لتصلي ركعة.
- •النوع الثاني أن يكون العدو في جهة القبلة، فيصفهم الإمام صفين ويُحرم بهم جميعًا، فإذا سجد معه أحد الصفين يقف الآخر للحراسة.
- •النوع الثالث في شدة الخوف والالتحام، فيصلي كيفما أمكنه، راجلًا أو راكبًا، مستقبل القبلة أو غير مستقبلها.
- •نقل عن إسحاق بن راهويه أن صلاة شدة الالتحام تكون: "الله أكبر، سبحان الله، السلام عليكم".
- •يحرم على الرجال لبس الحرير والتختم بالذهب ويحل للنساء، وقليل الذهب وكثيره في التحريم سواء عند الشافعية.
- •يجوز لبس ما خالط الحرير من قطن أو كتان إذا لم يكن الحرير غالبًا.
مقدمة الدرس وبيان أن صلاة الخوف على ثلاثة أضرب
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الْحَمْدُ للهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ وَالَاهُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - وَنَفَعَنَا اللهُ بِعُلُومِهِ فِي الدَّارَيْنِ آمِينَ -:
فَصْلٌ: وَصَلَاةُ الْخَوْفِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ، يَعْنِي عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ، وَالضَّرْبُ يَعْنِي النَّوْعَ.
الحالة الأولى لصلاة الخوف: أن يكون العدو في غير جهة القبلة
أَحَدُهَا [الضرب الأول]: أَنْ يَكُونَ الْعَدُوُّ فِي غَيْرِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ، يَعْنِي الْقِبْلَةِ هكذا والعدو عكس جهة القبلة. العدو كان في جهة القبلة في القناة [قناة السويس]؛ لأنه كان إذا وقفتُ في مكاني فهو على الشرق، وقبلتنا على الشرق جنوب الشرق.
أَنْ يَكُونَ الْعَدُوُّ فِي غَيْرِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ، يَعْنِي فِي الْجِهَةِ الْأُخْرَى مِنَ الْقِبْلَةِ، فَيُفَرِّقُهُمُ الْإِمَامُ فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةٌ تَقِفُ فِي وَجْهِ الْعَدُوِّ، وَفِرْقَةٌ خَلْفَهُ [أي خلف الإمام]، فَيُصَلِّي بِالْفِرْقَةِ الَّتِي خَلْفَهُ.
تقسيم الجيش إلى فرقتين للصلاة ومراقبة العدو أثناء القتال
سَيُقَسِّمُهُمْ [الإمام] إِلَى فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةٌ تَقِفُ كَأَنَّهُمْ حُرَّاسٌ يَنْظُرُونَ، أَيْ يُرَاقِبُونَ الْعَدُوَّ حَتَّى لَا يُبَاغِتَنَا أَثْنَاءَ الصَّلَاةِ. فَإِذَا بَاغَتَنَا أَثْنَاءَ الصَّلَاةِ سَنَلْتَفِتُ جَمِيعُنَا وَنَتْرُكُ الصَّلَاةَ.
قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ: حَتَّى تَكُونَ صَلَاةُ الْخَوْفِ: اللهُ أَكْبَرُ، سُبْحَانَ اللهِ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ. يُسَمُّونَهَا صَلَاةَ شِدَّةِ الِالْتِحَامِ، وَشِدَّةُ الِالْتِحَامِ تَعْنِي أَنَّنِي أُوَاجِهُ [العدو]، هُوَ فَوْقِي وَمَرَّةً أَنَا فَوْقَهُ. قُمْ وَالصَّلَاةُ أَتَتْ: اللهُ أَكْبَرُ، سُبْحَانَ اللهِ، وَبِهَذَا نَكُونُ ذَكَرْنَا اللهَ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، انْتَهَى الْكَلَامُ.
ما يغيظ أعداء المسلمين هو تمسكهم بدينهم وعزتهم ورفضهم الذل
وَهَذَا الَّذِي يُغِيظُ أَعْدَاءَ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: أَنَّهُمْ غَيْرُ رَاضِينَ أَنْ يَتْرُكُوا حَقَّهُمْ، وَأَنَّهُمْ غَيْرُ رَاضِينَ أَنْ يُذَلُّوا. وَعِنْدَمَا تَأْتِي لِتَسْتَعْمِرَ بِلَادَهُمْ لَا يَسْكُتُونَ؛ يُحْضِرُونَ عَلَى الْفَوْرِ كِتَابَ الْجِهَادِ فِي الْبُخَارِيِّ يَقْرَؤُوهُ. هَذَا مَا يُغِيظُهُمْ.
الشِّنْتُو لَيْسُوا كَذَلِكَ؛ الشِّنْتُو يُشِيرُونَ لِلْمَرَاكِبِ الْمُبْحِرَةِ: هَلَّا أَتَيْتُمْ عِنْدَنَا لِنَتَبَادَلَ الْمُعَامَلَاتِ التِّجَارِيَّةَ. لَكِنْ لَا يُوجَدُ إِلَّا الْمُسْلِمُونَ الَّذِينَ يَعْتَزُّونَ - يَا عَيْنِي - بِأَنْفُسِهِمْ.
لِمَاذَا؟ وَلِمَاذَا نَتْرُكُهُمْ يَعْتَزُّونَ بِأَنْفُسِهِمْ؟ هَذِهِ هِيَ الْحِكَايَةُ كُلُّهَا. اللهُ أَكْبَرُ، سُبْحَانَ اللهِ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، وَانْتَهَيْنَا صَلَاةَ الْخَوْفِ. مُمْكِنٌ أَلَّا نَقْرَأَهَا [أي تفاصيلها]؛ تَغَيَّرَ الْحَالُ وَلَمْ يَعُدْ هُنَاكَ هَذَا التَّصَوُّرُ.
معنى تسمية الجيش بالخميس وأقسامه الخمسة في اللغة العربية
كُنَّا نُسَمِّي الْجَيْشَ الْخَمِيسَ. مَاذَا يَعْنِي الْخَمِيسُ؟ يَعْنِي أَنَّ لَهُ خَمْسَةَ أَقْسَامٍ:
- مَيْمَنَة
- مَيْسَرَة
- وَسَط (قَلْب)
- مُقَدِّمَة
- مُؤَخِّرَة
مَيْمَنَةٌ وَمَيْسَرَةٌ وَمُقَدِّمَةٌ وَمُؤَخِّرَةٌ وَهُنَاكَ أُنَاسٌ فِي الْوَسَطِ، فَيُصْبِحُ خَمْسَةَ أَقْسَامٍ. فَمَا اسْمُهُ فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ؟ الْخَمِيسُ.
وَلِذَلِكَ عِنْدَمَا جَاءَ الدِّيَارْبَكْرِيُّ قَدِيمًا أَلَّفَ فِي السِّيرَةِ، قَامَ بِتَأْلِيفِ كِتَابٍ أَسْمَاهُ «الْخَمِيسُ فِي تَارِيخِ أَنْفَسِ نَفِيسٍ» الَّذِي هُوَ سَيِّدُنَا [محمد] عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. الْخَمِيسُ الَّذِي هُوَ الْجَيْشُ، أَيْ أَنَّهُ سَيُشَكِّلُ جَيْشًا جَرَّارًا لِكَيْ يَجْمَعَ كُلَّ مَا وَرَدَ فِي السِّيرَةِ. «الْخَمِيسُ فِي تَارِيخِ أَنْفَسِ نَفِيسٍ» الَّذِي هُوَ سَيِّدُنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
تغير شكل الجيوش الحديثة وأثره على تطبيق صلاة الخوف
فَهُنَا [في كتاب الخميس] يَشْرَحُ لَكَ عَلَى الْوَجْهِ الْقَدِيمِ عِنْدَمَا كَانَ الْجَيْشُ خَمِيسًا. وَلَكِنَّ الْيَوْمَ الْجَيْشُ لَيْسَ خَمِيسًا؛ فَالْجَيْشُ يَضُمُّ طَيَرَانًا وَمُدَرَّعَاتٍ وَمُشَاةً وَتَمْوِينًا وَأَشْيَاءَ أُخْرَى مِثْلَ الِاسْتِطْلَاعِ، وَأُمُورًا أُخْرَى تَمَامًا، وَبِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ تَمَامًا، وَبِتَرْتِيبٍ مُخْتَلِفٍ تَمَامًا.
فَلَمْ تَعُدِ الْأُمُورُ سَهْلَةً هَكَذَا؛ الْعَدُوُّ أَمَامِي وَأَنَا هُنَا، وَلَسْنَا خَمِيسًا نَقْسِمُهُمْ إِلَى نِصْفَيْنِ: نُرْسِلُ نِصْفًا لِلصَّلَاةِ وَنِصْفًا لِلْمُرَاقَبَةِ. وَبَعْدَ ذَلِكَ النِّصْفُ الَّذِي يُرَاقِبُ - هَؤُلَاءِ يُصَلُّونَ مَعِي رَكْعَتَيْنِ وَيَذْهَبُونَ إِلَى مَكَانِهِمْ، وَيَأْتِي الْآخَرُونَ لِيُصَلُّوا مَعِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ. يَا لَلْعَجَبِ! لَمْ تَعُدْ هَكَذَا، بَلْ أَصْبَحَتْ مُعَقَّدَةً.
قول إسحاق بن راهويه في أن صلاة الخوف تكون كيفما اتفق حسب الحال
إِذَنْ مَاذَا يَقُولُ لَنَا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ؟ إِنَّ صَلَاةَ الْخَوْفِ كَمَا يَتَّفِقُ. أَحْيَانًا تَكُونُ صَلَاةُ الْخَوْفِ كَامِلَةً، مِثْلَ فَتْرَةِ حَرْبِ الِاسْتِنْزَافِ الَّتِي قُمْنَا بِهَا مَعَ الْعَدُوِّ؛ الدُّنْيَا هَادِئَةٌ وَنَحْنُ جَالِسُونَ، هُمْ مُقَابِلُنَا فِي النَّاحِيَةِ الْأُخْرَى يُخْرِجُونَ لَنَا أَلْسِنَتَهُمْ وَيَفْعَلُونَ لَنَا هَكَذَا يَسْتَفِزُّونَنَا يَعْنِي، فَنُصَلِّي بِشَكْلٍ طَبِيعِيٍّ.
لَكِنْ فِي أَثْنَاءِ الْمَعْرَكَةِ يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ. لِغَايَةِ مَاذَا؟ اللهُ أَكْبَرُ، سُبْحَانَ اللهِ. وَأَنَا الْآنَ وَأَنَا أَرْمِي الْجِسْرَ الَّذِي سَتَسِيرُ عَلَيْهِ الدَّبَّابَاتُ، لَا يُوجَدُ وَقْتٌ وَلَا مَكَانٌ، الدُّنْيَا تَمْضِي بِسُرْعَةٍ.
كيفية أداء صلاة الخوف عند شدة القتال بالتكبير والتسبيح والتسليم
سُبْحَانَ اللهِ، اللهُ أَكْبَرُ، سُبْحَانَ اللهِ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ - هَذَا الظُّهْرُ. اللهُ أَكْبَرُ، سُبْحَانَ اللهِ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ - هَذَا الْعَصْرُ. وَلَا يُطْلَبُ أَنْ نُعِيدَ الصَّلَاةَ، خَلَاصٌ.
أَنْتَ هَكَذَا أَدَّيْتَ مَا عَلَيْكَ، هَكَذَا هُوَ الشَّرْعُ. هَذَا كَلَامُ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ.
يَعْنِي فَهِمْنَا أَنَّ صَلَاةَ الْخَوْفِ هِيَ تَعَلُّقُ الْمُسْلِمِ بِرَبِّهِ، وَأَنَّهُ لَا يَتْرُكُ الصَّلَاةَ فِي أَيِّ حَالَةٍ كَانَتْ، حَتَّى لَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْحَالَةُ الَّتِي فِيهَا حَيَاةٌ أَوْ مَوْتٌ وَمَا إِلَى ذَلِكَ.
بيان أن المسلم يصلي كيفما اتفق حسب مقتضيات المعركة
وَلَكِنْ مَعَ تَوْضِيحِ أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بَيَّنَ لَنَا أَنَّنَا لَا نَتْرُكُ الصَّلَاةَ، وَإِنَّمَا نُصَلِّي كَيْفَمَا اتَّفَقَ عَلَى حَسَبِ مُقْتَضَيَاتِ الْمَعْرَكَةِ؛ فَكُلُّ مَعْرَكَةٍ وَلَهَا مُقْتَضَيَاتٌ تَقْتَضِيهَا.
تفصيل كيفية صلاة الخوف عندما يكون العدو في غير جهة القبلة
[في الحالة الأولى من صلاة الخوف عندما يكون العدو في غير جهة القبلة] فِي وَجْهِ الْعَدُوِّ نُدْرِجُهُ [أي نضع فرقة]، وَفِرْقَةٌ خَلْفَهُ [خلف الإمام]. فَيُصَلِّي بِالْفِرْقَةِ الَّتِي خَلْفَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ تُتِمُّ [هذه الفرقة] لِنَفْسِهَا وَتَمْضِي إِلَى وَجْهِ الْعَدُوِّ.
وَتَأْتِي الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى فَيُصَلِّي بِهَا رَكْعَةً وَتُتِمُّ لِنَفْسِهَا وَيُسَلِّمُ بِهَا. يَبْقَى رَكْعَتَيْنِ، وَاضِحٌ.
يَعْنِي سَيُصَلِّي رَكْعَةً وَبَعْدَهَا سَيَجْلِسُ كَأَنَّهَا جَلْسَةُ اسْتِرَاحَةٍ رَيْثَمَا تَحْدُثُ هَذِهِ الْعَمَلِيَّةُ؛ فَهَؤُلَاءِ يُكْمِلُونَ لِأَنْفُسِهِمْ وَيَنْسَحِبُونَ، وَالْجَمَاعَةُ الَّذِينَ هُنَاكَ يَأْتُونَ مُسْرِعِينَ لِكَيْ يُدْرِكُوا مَعَهُ رَكْعَةً. وَهِيَ عَمَلِيَّةٌ مُعَقَّدَةٌ.
الحالة الثانية لصلاة الخوف: العدو في جهة القبلة والصلاة بصفين
وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ الْعَدُوُّ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ، فَيَصُفُّهُمُ الْإِمَامُ صَفَّيْنِ وَيُحْرِمُ بِهِمْ جَمِيعًا.
فَإِذَا سَجَدَ مَعَهُ أَحَدُ الصَّفَّيْنِ؛ لِكَيْ يَبْقَى الصَّفُّ الثَّانِي وَاقِفًا مُرَاقِبًا لِئَلَّا يَسْتَغِلُّوا السُّجُودَ وَيَهْجُمُوا عَلَيْنَا. وَيَقِفُ الصَّفُّ الْآخَرُ يَحْرُسُهُمْ.
فَإِذَا رَفَعَ الْإِمَامُ [من السجود] سَجَدُوا وَلَحِقُوهُ. وَالْإِمَامُ يَجِبُ أَنْ يُطِيلَ قَلِيلًا لِأَجْلِ مَسْأَلَةِ وَلَحِقُوهُ هَذِهِ [أي ليتمكنوا من اللحاق به].
الحالة الثالثة لصلاة الخوف: شدة الالتحام والصلاة كيفما أمكن
وَالْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: هِيَ أَنْ يَكُونَ فِي شِدَّةِ الْخَوْفِ فِي صِدَامٍ الْآنَ. لَا تُوجَدُ هَذِهِ الْمَسَاحَةُ الَّتِي نَجْلِسُ فِيهَا نُشَاهِدُهُمْ وَهُمْ يُشَاهِدُونَنَا، بَلْ هَذَا صِدَامٌ حَقِيقِيٌّ وَالْتِحَامٌ - هَا قَدْ جَاءَتِ الْكَلِمَةُ - وَالْتِحَامُ الْحَرْبِ.
فَيُصَلِّي كَيْفَمَا أَمْكَنَهُ، هَا هُوَ ذَلِكَ الَّذِي نَقُولُ عَنْهُ رَاجِلًا أَوْ رَاكِبًا، مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ وَغَيْرَ مُسْتَقْبِلٍ [لها]. اللهُ [أكبر]، انْتَهَيْنَا مُبَاشَرَةً.
خلاصة صلاة الخوف وقول إسحاق بن راهويه في أنها على حسب الحال
مَاذَا سَنَتَذَكَّرُ؟ سَيِّدَنَا إِسْحَاقَ بْنَ رَاهَوَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ لَنَا الْمِفْتَاحَ الْخَاصَّ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ [مسألة صلاة الخوف]، حَتَّى نَصِلَ إِلَى: اللهُ أَكْبَرُ، سُبْحَانَ اللهِ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ.
يَعْنِي يُفْهِمُنَا مَاذَا؟ يَعْنِي لَوْ كَانَ كَذَلِكَ [أي في شدة الالتحام] فَإِنَّمَا كُلُّ شَيْءٍ عَلَى حَسَبِ حَالَتِهَا.
فصل تحريم لبس الحرير والتختم بالذهب على الرجال وإباحته للنساء
فَصْلٌ: وَيَحْرُمُ عَلَى الرِّجَالِ لُبْسُ الْحَرِيرِ وَالتَّخَتُّمُ بِالذَّهَبِ، وَيَحِلُّ لِلنِّسَاءِ. وَقَلِيلُ الذَّهَبِ وَكَثِيرُهُ فِي التَّحْرِيمِ سَوَاءٌ.
فَلَا تَقُلْ: هَذِهِ حِلْيَةٌ بَسِيطَةٌ هَكَذَا، أَوْ هَذَا أَقَلُّ مِنْ دِرْهَمٍ. تُوجَدُ فِي ذَلِكَ مَذَاهِبُ مُتَعَدِّدَةٌ.
هَلْ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَلْبَسَ الذَّهَبَ؟ فِي ذَلِكَ مَذَاهِبُ فِي عُمُومِ الْفِقْهِ:
- •قَالَ [بعضهم]: نَعَمْ، يَحِلُّ لِلرِّجَالِ لُبْسُ الذَّهَبِ، وَعَلَيْهِ قِلَّةٌ.
- •وَقَالَ آخَرُ: يَحِلُّ الْقَلِيلُ دُونَ الْكَثِيرِ.
- •وَقَالَ الثَّالِثُ: يَحْرُمُ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ عَلَى الرِّجَالِ.
وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يَحِلُّ لِلنِّسَاءِ.
الاستدلال بالقرآن على إباحة الحلية للنساء وطبيعة المرأة في الخصام
لِقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿أَوَمَن يُنَشَّؤُا فِى ٱلْحِلْيَةِ وَهُوَ فِى ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: 18]
وَالْخِصَامُ يَعْنِي الْحَرْبَ، أَيْ أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا قُلْتَ لَهَا: أَمْسِكِي السَّيْفَ هَكَذَا، لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَحْمِلَهُ مِنَ الْأَرْضِ. وَهُوَ فِي الْخِصَامِ يَعْنِي لَا تَعْرِفُ إِمْسَاكَ السَّيْفِ.
وَالْآخَرُ [الرجل] يُمْسِكُ سَيْفًا وَيَضْرِبُ بِهِ وَيَفْعَلُ وَهُوَ عَلَى الْفَرَسِ، أَيْ كَأَنَّهُ بَهْلَوَانٌ يَقُومُ بِأَلَاعِيبَ. وَكَأَنَّكَ تَقُولُ [عن المرأة]: لَيْسَ لِي عَلَاقَةٌ بِهَذِهِ الْأُمُورِ.
فَإِذًا، يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَرْتَدِيَ الْحَرِيرَ لِأَنَّهُ مِنَ الْحِلْيَةِ. مَاذَا نَقُولُ عَنِ الْحِلْيَةِ؟ الْحِلْيَةُ تَتَضَمَّنُ الْحَرِيرَ وَالذَّهَبَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يُدَلَّلُونَ [بِهِ النساء].
مذهب الشافعية في تحريم الذهب والحرير على الرجال مطلقاً قليله وكثيره
لَكِنَّ الرِّجَالَ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ التَّحْرِيمُ مُطْلَقًا: كَثِيرٌ وَقَلِيلٌ، ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ، ذَهَبٌ وَحَرِيرٌ. الذَّهَبُ وَالْحَرِيرُ حَرَامٌ وَانْتَهَيْنَا، أَغْلَقْنَا الْمَوْضُوعَ.
لَكِنْ عِنْدَمَا تُرَاجِعُ الشُّرَّاحَ، يَقُولُ لَكَ: لَا، هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِيهَا ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ فِي الْفِقْهِ الْوَاسِعِ الَّذِي هُوَ الْفِقْهُ الْإِسْلَامِيُّ.
وَلِذَلِكَ عِنْدَمَا تَجِدُ شَخْصًا يَرْتَدِي مَثَلًا قَمِيصَ حَرِيرٍ، اتْرُكْهُ؛ مِنْ مَوْضِعِ خِلَافٍ. أَنْتَ لَا تَرْتَدِيهِ، هَلْ فَهِمْتَ؟ لَكِنْ لَا تَجْلِسْ وَتُضَيِّقْ عَلَى النَّاسِ.
التيسير على الناس في مسائل الخلاف وعدم الإنكار إلا في المجمع عليه
فَالنَّاسُ غَارِقُونَ فِي مَشَاكِلِهِمْ حَتَّى أُنُوفِهِمْ وَعَلَى حَافَّةِ الْكُفْرِ. هُمْ فِي الْأَصْلِ يُرِيدُونَ أَنْ يَكْفُرُوا، يَنْتَظِرُونَ فَقَطْ أَنْ تُثْقِلَ عَلَيْهِمْ فِي شَيْءٍ مَا، فَيَقُولُونَ لَكَ هَكَذَا: حَسَنًا، أَنَا هَكَذَا. وَتُصْبِحُ الْأُمُورُ فِعْلًا كَمَا أَنَّ آخِرَ الزَّمَانِ جَاءَ.
فَدَعِ النَّاسَ فِي حَالِهَا مَا دَامَ هُنَاكَ خِلَافٌ؛ إِنَّمَا يُنْكَرُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ. تَجِدُهُ يَشْرَبُ الْخَمْرَ فَتَقُولُ لَهُ: لَا، مُجْمَعٌ عَلَى تَحْرِيمِهَا، لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ.
لَكِنْ لَيْسَ كُلُّ شَيْءٍ مُجْمَعًا عَلَى تَحْرِيمِهِ. الْأَمْرُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ اتْرُكْهُ، لَكِنْ أَنْتَ لَا تَفْعَلْهُ. هَذِهِ هِيَ الْقِصَّةُ.
حكم لبس الثوب المخلوط من الحرير وغيره عند الشافعية
وَإِذَا كَانَ بَعْضُ الثَّوْبِ إِبْرِيسَمًا [حريرًا] وَبَعْضُهُ قُطْنًا أَوْ كَتَّانًا - الَّذِي لَيْسَ مِنَ الْحَرِيرِ الْخَالِصِ - يَعْنِي تَجِدُ نِسْبَةَ الْحَرِيرِ فِيهَا سِتِّينَ فِي الْمِائَةِ أَوْ خَمْسِينَ فِي الْمِائَةِ أَوْ ثَلَاثِينَ فِي الْمِائَةِ، وَلَيْسَتْ مِنَ الْمَارِكَاتِ الْمَعْرُوفَةِ.
مِثْلَ هَذِهِ الْأَرْبِطَةِ (الْكَرَافَتَّاتِ) أَوِ الْقُمْصَانِ، يَعْنِي بَعْضُهَا قُطْنًا أَوْ كَتَّانًا أَوْ أَيَّ شَيْءٍ مِنَ الْبُولِيسْتَرِ.
هَلْ يَجُوزُ لُبْسُهُ؟ نَعَمْ، عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ جَازَ لُبْسُهُ مَا لَمْ يَكُنِ الْحَرِيرُ غَالِبًا. يَعْنِي لَا تَأْتِنِي بِتِسْعِينَ فِي الْمِائَةِ وَتَقُولُ هَكَذَا، لَا، دَعْنَا مِنْ هَذَا التَّحَايُلِ.
الانتقال إلى فصل أحكام الميت والدعاء بالقبول والمغفرة
فَصْلٌ: وَيَلْزَمُ فِي الْمَيِّتِ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ. هَكَذَا تَرَكْنَا الْحَرِيرَ وَالذَّهَبَ وَالْحَيَاةَ، وَسَنَدْخُلُ فِي الْمَوْتِ. فِي الْمَرَّةِ الْقَادِمَةِ سَنَتَحَدَّثُ عَنِ الْمَوْتِ لِأَنَّنِي أُحِبُّكُمْ كَثِيرًا.
كُلُّ عَامٍ وَأَنْتُمْ بِخَيْرٍ، وَنَدْعُو اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْ يَتَقَبَّلَ مِنَّا صَالِحَ أَعْمَالِنَا، وَأَنْ يَهَبَ مُسِيئَنَا لِمُحْسِنِنَا، وَأَنْ يَغْفِرَ لَنَا جَمِيعًا جُمْلَةً وَاحِدَةً، وَأَنْ يَجْعَلَنَا مِنْ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ مِنْ غَيْرِ حِسَابٍ وَلَا سَابِقَةِ عِقَابٍ وَلَا عِتَابٍ.
الدعاء بالهداية والشرب من حوض النبي ﷺ والنظر إلى وجه الله الكريم
وَأَنْ يَمُنَّ عَلَيْنَا بِالْهِدَايَةِ فِي الدُّنْيَا، وَبِأَنْ نَشْرَبَ شَرْبَةً هَنِيئَةً مَرِيئَةً مِنْ يَدِ رَسُولِنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَوْضِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَا نَظْمَأُ بَعْدَهَا أَبَدًا.
اللَّهُمَّ يَا رَبَّنَا مَتِّعْنَا بِالنَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ الْكَرِيمِ. اللَّهُمَّ يَا رَبَّنَا انْقُلْنَا مِنْ دَائِرَةِ سَخَطِكَ إِلَى دَائِرَةِ رِضَاكَ. اهْدِنَا فِي مَنْ هَدَيْتَ، عَافِنَا فِي مَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنَا فِي مَنْ تَوَلَّيْتَ، وَلَا تُؤَاخِذْنَا بِمَا نَسِينَا وَمَا أَخْطَأْنَا.
ختام الدعاء بالرحمة والهداية وإلقاء السكينة في القلوب
اللَّهُمَّ يَا رَبَّنَا كُنْ لَنَا وَلَا تَكُنْ عَلَيْنَا، فَارْحَمْ حَيَّنَا وَمَيِّتَنَا، وَعَلِّمْنَا الْأَدَبَ مَعَكَ، وَاسْلُكْ بِنَا الطَّرِيقَ إِلَيْكَ، وَرَقِّقْ أَلْسِنَتَنَا لِذِكْرِكَ.
وَأَلْقِ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِنَا، وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا، وَاسْتَجِبْ دُعَاءَنَا، فَاشْفِ مَرْضَانَا، وَارْحَمْ مَوْتَانَا، وَرُدَّ غَائِبَنَا، وَانْصُرْ مَظْلُومَنَا، وَفَرِّجْ عَنْ مَكْرُوبِنَا.
اللَّهُمَّ يَا رَبَّنَا اجْمَعْنَا عَلَى الْخَيْرِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
