المجلس الخمسون من شرح متن الغاية والتقريب | أ.د علي جمعة
- •الوقوف بعرفة ركن أساسي في الحج، ووقته من بعد صلاة الظهر يوم التاسع حتى فجر العاشر من ذي الحجة.
- •من فاته الوقوف بعرفة يتحلل بعمل عمرة ويصبح عليه القضاء والهدي، حتى لو كان قد أدى فريضة الحج سابقاً.
- •يتحلل بطواف سبعة أشواط حول الكعبة، وصلاة ركعتين خلف مقام إبراهيم، والشرب من زمزم، والسعي بين الصفا والمروة سبعة أشواط.
- •يجب الحلق أو التقصير للتحلل، وإذا كان أصلع فيمرر الموسى على رأسه.
- •من ترك ركناً غير عرفة لا يتحلل من إحرامه حتى يأتي به مهما طالت المدة.
- •من ترك واجباً وليس ركناً يلزمه الدم (ذبح)، ويتعدد الدم بتعدد المخالفات.
- •من ترك سنة لا يلزمه شيء بتركها.
- •نمرة ليست من عرفة بل على حدودها، ويكفي الوقوف بعرفة ولو لدقائق قليلة.
مقدمة الدرس وبيان حكم من فاته الوقوف بعرفة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
قال المصنف رحمه الله تعالى -ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين-: «ومن فاته الوقوف بعرفة تحلل بعمل عمرة، وعليه القضاء والهدي».
بيان وقت الوقوف بعرفة وحدود مسجد نمرة
يوم عرفة هو اليوم التاسع [من ذي الحجة]، بعد صلاة الظهر يصلي الناس الظهر والعصر جمعًا في مسجد نمرة. ونمرة ليست من عرفة، إنما [هي] على حدودها.
يعني الفرق بينها وبين عرفة خط؛ فلو كان [الحاج] خارج هذا الخط فهو ليس في عرفة، وداخل هذا الخط يكون في عرفة.
الوقوف بعرفة يتم بأي قدر من الزمان وينتهي بالفجر
الوقوف بعرفة يتم ولو بقليل الزمان، يعني بأي شيء إن شاء الله، حتى خمس دقائق، أي وقت في يوم عرفة الذي ينتهي بالفجر.
إذن يوم التاسع ينتهي عندنا بالفجر؛ فالنهار محل وقوف، والليل محل وقوف، إنما [إذا] أذّن الفجر أصبحنا في يوم العيد. نحن الآن نؤذن فجر العاشر من ذي الحجة، أي أصبحنا في العيد.
بعد الشروق عندما ترتفع الشمس قدر الرمح -وقدّروه بخمسة وعشرين دقيقة، عشرين دقيقة، خمسة وعشرين- نصلي العيد. لكن الفجر عندما يتبين لنا الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، الفجر سيؤذَّن عند الساعة الخامسة.
مثال على من أدرك عرفة قبل الفجر ومن فاته الوقوف
وأنا قادم من بلاد بعيدة مُحرِمًا مُلبِّيًا بالحج، ووصلت عرفات عند الساعة الخامسة إلا عشر دقائق، فأدركت عرفة، تمّ الوقوف، والحج عرفة.
وصلت عند الساعة الخامسة وخمس دقائق، والفجر يؤذَّن عند الساعة الخامسة، أي وصلت بعد الفجر بقليل، فاتني الحج؛ لأن الحجة عرفة.
هل وقفت في عرفة أم لم تقف؟ حسنًا، أنا واقف فيها الآن. نعم، ولكن ليس في الموعد؛ الموعد هو التاسع وأنت الآن في العاشر، فلا يُلتفت إليك. كفى إننا أعطيناك من صلاة الظهر حتى المغرب، وكفى إننا أعطيناك أيضًا من المغرب حتى الفجر، لقد أعطيناك فرصتك.
كيفية التحلل بعمرة لمن فاته الوقوف بعرفة
قال: حسنًا، ماذا أفعل في هذا الإحرام الذي ألبسه؟ أنا أرتدي إحرامًا، أنا داخل الإحرام. قلنا له: تحلل بعمرة.
هذا الإحرام صعب جدًا، ليس سهلًا أن يتحلل منه. يقول: حسنًا، أمرنا لله، سنأتي للحج في السنة القادمة وانتهى الأمر.
إنما سيضطر إلى الذهاب إلى بيت الله الحرام، فيطوف بالبيت سبعة أشواط، ومن السنة أن يصلي ركعتين في مقام إبراهيم، ويشرب من ماء زمزم، ويدعو، ويطوف، ويسعى بين الصفا والمروة سبعة أشواط ذهابًا مرة وعودة مرة، ويتحلل.
التحلل من الإحرام الذي كان للحج بسبب فوات الوقوف بعرفة
تحلل من ماذا؟ من الإحرام الذي لبسه. كان هذا [الإحرام] للحج، والتلبية التي لبّى بها كانت للحج، لكن حدث له ما منعه من استيفاء الشروط.
الشرط أن تقف بعرفة قبل الفجر، لكنه لم يستطع فعل ذلك.
دعنا ننظر: هل الوقوف بعرفة واجب أم ركن أم ما هي حقيقة الأمر؟ الوقوف بعرفة في الحج ركن من الأركان، أي لا يوجد حج إذا لم يكن هناك وقوف بعرفة. إذن هذا أمر مهم من المهمات، وليس شيئًا بسيطًا واجبة -يعني نستطيع أن نتجاوز عنها ونجبرها بذبيحة- لا، فالحج عرفة.
هدف العمرة هو التحلل من حالة الإحرام التي حُبس فيها
ومن هنا تتم له عمرة فيتحلل، فيكون هدف هذه العمرة هو التهيؤ للخروج من هذه الحالة التي حبس نفسه فيها، أو التي حُبس فيها.
بعد أن يصل إلى المروة، يأخذ شيئًا من رأسه. فلو أخذ شيئًا من ظفره -قصّ أظافره- وما قصّ الشعر، لا يكفي؛ لا بد أن يأخذ شيئًا من شعره.
حكم الأصلع في الحلق وإمرار الموسى على الرأس
قال: هذا أصلع، أي شعر هذا؟ لم أرَ هذا الشعر منذ ثلاثين سنة! لا، الناس لن تتركك، وستجد أشياء عجيبة غريبة. وأنا لا أقصد أن أضايق الأشخاص الصُّلع الموجودين هنا، ليس قصدي.
وهو يعني، هل كان همك أنك أصلع يا مولانا؟ أنا أصلع، ماذا أفعل؟ قال العلماء: يُمرِّر الموسى على رأسه. ليس هناك شعر، إنها ملساء، ليس هناك أي شعر.
سبحان الله! نعم والله، يعني شيء غريب جدًا. لنجلب الموس ونمررها على رأسه هكذا، ربما يظهر زغب -أي شعر غير مرئي بسيط- وربما لا يظهر شيئًا، لكنه امتثل.
الحلق أو التقصير شرط التحلل من العمرة والحج
يعني الحلق ليس ضروريًا أن يكون للشعر؛ إن إمرار الموس على الرأس هو المقصود بالآية. فالحلق يصبح إذن لا بد أن يتحلل من هذه العمرة.
وكل عمرة وكل حج يتحلل منه بالحلق أو بالتقصير، لكن الظفر لا يكفي. ويلبس ثيابه، ويكون في ذمته حج.
معنى أن يكون الحج في ذمة من فاته الوقوف بعرفة
ماذا يعني في ذمته حج؟ هو حجّ قبل ذلك عشر مرات، وذاهب لفعل هذه الحجة لكي يكملهم إلى إحدى عشرة؛ لأن إحدى عشرة (واحد واحد) تعني لا إله إلا الله، لا إله إلا الله واحد أحد، وأنه يكون فخورًا بحاله هكذا عندما يكون قد أدى إحدى عشرة حجة.
جاءت الظروف والإذن الإلهي والقضاء والقدر فلم يكمل، أصبح واجبًا عليه وفي ذمته الحج.
يعني أنا أديت الفريضة من قبل، فهل قضاء هذه الحجة واجب عليّ؟ ولماذا؟ لأنك أخللت بركن من أركانه فتحللت بعمرة، فأصبح في ذمتك مثل النذر.
وجوب الحج في الذمة كالنذر حتى لو أدى حج الفريضة
كشخص حجّ عشر مرات ثم قال: نذرٌ عليّ أن أحج هذه السنة، نذرٌ لله. أي أنه أوجب على نفسه؛ الشرع لم يوجب عليه، الشرع لم يوجب عليه أن يحج هذا العام لأنه قد أدى حج الفريضة، إنما هو الذي أوجب على نفسه.
إذن يجب الحج في الذمة حتى لو كان في هذه الحالات التي نذكرها، حتى لو كان قد أدى حج الفريضة.
حكم من اشترط عند الإحرام واجعل محلي حيث حبستني
سؤال يقول: طيب، هو قال وهو يلبي: واجعل محلي حيث حبستني. نعم، واجعل محلي حيث حبستني. إنه وصل إلى عرفة متأخرًا ولم يؤدِّ وقفة عرفة، فتكون هذه الحالة مختلفة عن تلك.
هو لم يضلّ في الطريق ولم يُختطف وذهب إلى روما، بل جعل محله حيث حُبس، لكنه وصل فعلًا ويريد أن يكمل الحج.
بطلان الوقوف بعرفة يوم العيد ووجوب القضاء والهدي
وقال: حسنًا هي بسيطة، أذهب وأقف في عرفة يوم العيد والدنيا هادئة، وأذكر ربنا كما يحلو لي وأكمل. هذا عمل مخدرات! هكذا وصلنا إلى مرحلة المخدرات.
لا، نحن لو فعل هذا وفاته عرفة، فإننا نقول له: ثبت في ذمتك القضاء أولًا، وثانيًا تذبح هديًا.
قال: هذا لأجل [ماذا]؟ لا أذبح هديًا، لقد قلت: لبيك اللهم بحج مفرد. قلنا له: نعم، لكن هذا الهدي ليس لأجل الإفراد، ولا لأجل التمتع، ولا لأجل القِران، بل لأجل فوات الحج. واضح؟ واضح.
حكم من ترك ركنًا غير عرفة لا يتحلل حتى يأتي به
طيب، ومن فاته الوقوف بعرفة تحلل بعمل عمرة، وعليه القضاء والهدي، فهمنا هذه الحالة.
ومن ترك ركنًا غير عرفة: أصله عرفة حينما قال «الحج عرفة» جعل الحج هو عرفة وعرفة هو الحج وأغلقها. إنما الحج له أركان؛ فإن تركت ركنًا وتقول لي: تركت عرفة، تحلل بعمرة. وإن تركت ركنًا غير عرفة، لا تحلّ من إحرامك حتى تأتي به؛ يجب أن تأتي بهذا المتروك. أما عرفة فمؤقت [بزمن محدد لا يمكن تداركه].
مثال على تأخير طواف الإفاضة ووجوب الإتيان به
طواف الإفاضة هذا ركن، اسمه طواف الركن. فأنا ذهبت وأجّلت طواف الإفاضة قليلًا حتى ما بعد مِنى، حدثت ظروف.
وبعد ذلك قالوا لي: أنت تأشيرتك فيها كلام. كلام ماذا؟ ممنوع أن تكمل الحج. قلت: لكن لم يتبقَّ لي سوى طواف الإفاضة. قال: لا، اسمك مكتوب عندنا من كبار الإرهابيين!
فذهبوا وقبضوا عليّ، وجلس المحقق يحقق وما إلى ذلك، اشتباه أسماء! طلعت بعد عشرة أيام، الناس سافرت إلى بلادها. وكذلك يجب أن أذهب، لا بد أن أطوف طواف الإفاضة حتى يتم لي الحج.
الفرق بين ترك عرفة وترك ركن آخر وحكم ترك الواجب والسنة
انظر إلى الفرق: هنا تركت [ركنًا غير عرفة]، وهنا تركت [عرفة]. في ترك عرفة لا أستطيع أن أُرجع الزمن [لأنه مؤقت بوقت محدد]. في ترك ركن من الأركان [غير عرفة] لا أترك تلك الأراضي حتى أفعلها.
ومن ترك واجبًا -وليس ركنًا- يلزمه الدم؛ يجب عليه ذبح خروف، ويتعدد هذا الدم بتعدد المخالفات.
ومن ترك سُنة لم يلزمه بتركها شيء.
ثم دخل [المصنف] في الدماء، فنجعلها في المرات القادمة إن شاء الله تعالى.
