المجلس السابع والعشرون من شرح متن الغاية والتقريب | أ د علي جمعة
- •هناك خمسة أوقات لا تُصلى فيها إلا صلاة لها سبب، وهي تُجمع في ثلاثة أوقات إجمالاً.
- •الأوقات هي: بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، وعند طلوعها حتى ترتفع قدر رمح، وعند استواء الشمس حتى تزول، وبعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، وعند غروبها حتى يكتمل غروبها.
- •الاستواء يحدث عندما تصل الشمس إلى نقطة تسعين درجة في السماء، ثم تزول عنها.
- •الإمام الشافعي فرّق بين الصلاة التي لها سبب والتي ليس لها سبب.
- •السبب إما سابق مثل الطواف بالكعبة، أو مقارن مثل صلاة الكسوف، أو لاحق مثل صلاة الاستخارة أو الحاجة.
- •يجوز الصلاة في الأوقات المنهي عنها إذا كان سببها سابقاً أو مقارناً، ولا يجوز إذا كان سببها لاحقاً أو لم يكن لها سبب.
- •بهذا التقسيم وضّح الشافعي الجمع بين نصوص النهي عن الصلاة في هذه الأوقات واستثناء بعض الصلوات.
مقدمة الدرس وبيان فصل الأوقات الخمسة المنهي عن الصلاة فيها
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
قال المصنف رحمه الله تعالى، ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين:
فصل: وخمسة أوقات لا يُصَلَّى فيها إلا صلاة لها سبب.
خمسة أوقات تفصيلًا، وجمعوها في ثلاثة إجمالًا، فهو [المصنف] اختار التفصيل على الإجمال حتى يكون متنه شاملًا كاملًا تامًا.
تفصيل الوقتين الأولين: بعد صلاة الصبح وعند طلوع الشمس
الوقت الأول والثاني: بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، وعند طلوعها. يصبح لدينا اثنان هكذا؛ لم يقل [المصنف] بعد صلاة الصبح إلى إشراقة الشمس وانتهى، لكن لا، جعلهما اثنين:
- بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس.
- وعند طلوعها حتى تتكامل وترتفع قدر رمح.
الوقت الثالث: وإذا استوت [الشمس في كبد السماء] حتى تزول.
شرح معنى الاستواء والزوال من الناحية الفلكية وعلاقته بدرجة التسعين
استوت [الشمس]؛ عَدَّ أهل الهيئة [علماء الفلك] السماء وعدّوها مائة وثمانين درجة، فالاستواء عندما تصل الشمس إلى نقطة تسعين ثم تزول عنها، أي أن طرف الشمس يخرج من دائرة درجة التسعين.
فلو تخيلنا أن السماء قسمناها مائة وثمانين درجة بالخطوط، فما بين الخطين درجة. هذه الدرجة تسير فيها الشمس أربع دقائق أو أقل أو أكثر طبقًا لمواقيت الصيف والشتاء، إنما بالجملة أربع دقائق.
معنى الزوال الشرعي وكيفية مغادرة الشمس لدرجة التسعين بكاملها
فعندما تصل [الشمس] إلى تسعين درجة تغادر الدرجة بكلها، ليس بمركزها، أي ليس بمركز الشمس، بل بكلها، بحيث أن خط نهاية التسعين يكون مماسًا لدائرة الشمس. هذا ما نسميه الزوال.
فما معنى الزوال؟ أي زالت الشمس عن منتصف السماء؛ لأن منتصف السماء هو الدرجة تسعين، حيث أن مائة وثمانين على اثنين يساوي تسعين، فيكون هناك تسعون درجة وتسعون درجة، أي أنها منتصف السماء بالضبط.
فإذن هذه النقطة تزول عنها الشمس أي تغادرها.
حركة الشمس الظاهرية في السماء وحملها على قوله تعالى والشمس تجري
لأن الشمس في حركتها الظاهرية تسير في السماء، وإن كانت هذه الحركة الظاهرية ناتجة عن حركة الأرض حول نفسها، إنما نحن نراها بالعين البشرية أنها هي التي تسير. وحملوا عليها قوله تعالى ظاهرًا:
﴿وَٱلشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ﴾ [يس: 38]
فالشمس تجري أمامي، لذلك لا بد أن تزول عن درجة تسعين بكلها، كل الشمس تطلع عن درجة تسعين.
الفرق بين الشروق والغروب في ظهور جرم الشمس فوق الأفق وتحته
إذا برز من الشمس شعاع واحد فوق الأفق فذلك يكون الشروق قد تم، بينما الغروب لا يتم إلا بزوالها كلها تحت الأفق. فإذا كان فيها شعاع واحد فلم يحن وقت المغرب بعد.
فيؤذن المغرب عندما تزول [الشمس] بتمامها، تنغمس بتمامها في الأفق.
بيان وقت الاستواء قبل الظهر ووقت ما بعد العصر إلى الغروب
وإذا استوت [الشمس] حتى تزول، أي عندما تكون في تسعين درجة قبل الظهر بأربع أو خمس دقائق، فبذلك تكون في الاستواء، ووقت الاستواء ممنوع الصلاة فيه.
الوقت الرابع: وبعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، أي تمام غروبها، يعني الدائرة الخاصة بها تكون تحت خط الأفق لا نرى منها شيئًا.
الوقت الخامس: وعند الغروب حتى يتكامل غروبها، وذلك يحدث بزوال جرمها [تحت الأفق].
إجمال الأوقات الثلاثة المنهي عن الصلاة فيها وحكم الصلاة بلا سبب
إذن، فهذه ثلاثة أوقات إجمالًا:
- بعد صلاة الصبح إلى أن يتم الإشراق.
- وعند الاستواء.
- وبعد صلاة العصر إلى أن يتم الغروب.
هذه الأوقات الثلاثة لا يُصلى فيها. لا يُصلى فيها ماذا؟ لا يُصلى فيها صلاة بلا سبب.
منهج الإمام الشافعي في الجمع بين نصوص النهي وحديث الطواف بالبيت
فالإمام الشافعي عندما جمع نصوص الشريعة وجد أنه لا بد أن يشترط شروطًا، وذلك أن النبي ﷺ قال:
«يا بني عبد مناف، لا يمنعنَّ أحدكم أحدًا يطوف بهذا البيت من أي ساعة شاء من ليل أو نهار»
فهذا يعني أن سيدنا [رسول الله ﷺ] أمر سدنة الكعبة الذين يقومون على خدمتها ونظافتها وصيانتها ويحملون مفتاحها وهكذا.
فماذا قال لهم النبي ﷺ؟ قال لهم فيما معناه: احذروا أن تمنعوا أحدًا من الطواف طوال أربعًا وعشرين ساعة.
إشكالية ركعتي الطواف في أوقات النهي وكيفية الجمع بين النصوص
لكن ماذا عن الأوقات المنهي عنها؟ فنحن بعد أن نطوف نصلي ركعتين في مقام إبراهيم عليه السلام، فماذا نفعل بهاتين الركعتين في هذا الوقت [المنهي عنه]؟ سيدنا [رسول الله ﷺ] يقول: صلِّ.
إذن يجب أن أجمع بين ذلك الحديث [حديث إباحة الطواف في أي وقت] وبين نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن [الصلاة في] ثلاثة أوقات.
هل الزمان خصص المكان أم المكان خصص الزمان في مسألة الصلاة بالكعبة
ففي هذا [الحديث أباح النبي ﷺ الصلاة] في الكعبة واستثناها، فهل خصَّص؟ هل الزمان هو الذي خصَّص المكان أم المكان هو الذي خصَّص الزمان؟
فهل يكون معنى الحديث: أن إياك أن تصلي في هذه الأوقات إلا في الكعبة؟ أم صلِّ الأربع والعشرين ساعة في الكعبة إلا في هذه الأوقات؟
ماذا يعني الذي دخل على الثاني فخصَّصه؟ هل الزمان الذي خصَّص المكان أم المكان الذي خصَّص الزمان؟
يصح هذا ويصح ذاك؛ إذا قلت الزمان سيخصص المكان يجيزها العقل، وإذا قلت المكان هو الذي خصَّص الزمان أيضًا يجيزها العقل.
قصة مبيت الإمام الشافعي عند أحمد بن حنبل وعمق تفكيره الفقهي
فالشافعي قال: لم تنتبهوا بعد، فالشافعي مفكر فقيه.
فذات يوم بات الإمام الشافعي عند [الإمام] أحمد بن حنبل، وكانت ابنته تسمع سيدنا أحمد يمدح الإمام الشافعي كثيرًا، فقالت البنت لأبيها: لأرى ماذا سيفعل الشافعي. فوجدته لم يقم الليل، ولم يصلِّ ولا غير ذلك، ولم يقصر ثيابه أيضًا.
فقالت لأبيها: ما هذا الرجل الذي تمدحه؟ إنه لم يقم الليل حتى! فسمعها الإمام الشافعي وقال لها: لقد حللتِ ستين مسألة من مشكلات المسلمين، أي أنه يقضي الوقت يفكر ويحمل همّ الأمة.
ليست القضية بالمظاهر فقط، بل هو الإخلاص، الفكر والفقه والحلاوة. هكذا إذن.
تفسير الإمام الشافعي لمسألة الصلاة ذات السبب في أوقات النهي
كيف فسَّر ذلك سيدنا الإمام الشافعي؟ قال: الصلاة التي لها سبب تجوز في هذه الأوقات، والصلاة التي لا سبب لها لا تجوز في هذه الأوقات.
فما معنى أن صلاة لها سبب وصلاة ليس لها سبب؟ فضرب مثالًا للتبسيط وقال: لماذا تصلي أنت؟ قلت له: أصلي لأنني أنا دخلتُ المسجدَ وأردتُ أن أصليَ ركعتين.
فسألني: هل السبب سابقٌ أم مقارنٌ أم لاحق؟ فقلتُ له: ما هذا الكلام؟ ما هذا؟ إنه كلامٌ صعبٌ جدًا.
بيان السبب السابق والمقارن للصلاة مع أمثلة تطبيقية
فقال [الإمام الشافعي] لي: هذه مسألة سهلةٌ تمامًا، فما الذي جعلكَ تُصلي هاتين الركعتين؟ فقلتُ له: لأني دخلتُ المسجد.
فسأل: هل الدخول قبل الصلاة أم مع الصلاة أم بعدها؟ الصلاة، قلت له: قبل الصلاة. قال لي: إذن ما كان لها سبب سابق فتكون جائزة.
فماذا عن السبب المقارن؟ قال: مثل صلاة الكسوف والخسوف، أي تكون الصلاة أثناء حدوث الكسوف.
قال لي: فإذا كان [السبب] سابقًا أو مع [أي مقارنًا]، فلتصلِّ.
بيان السبب اللاحق للصلاة وأمثلته كالاستخارة وصلاة الحاجة
أما إذا كان [السبب] لاحقًا، قلت له: مثل ماذا؟ قال لي: مثل أن أصلي ركعتين وبعد ذلك أقول: يا رب أنزل علينا الغيث، فالدنيا ليس فيها [مطر].
أو صليت ركعتين لأستخير الله أو لقضاء حاجة، أي صلاة الاستخارة أو صلاة الحاجة أو نحو ذلك إلى آخره؛ لأنني سأستخير أو سأدعو بعدها بقضاء الحاجة.
أو بلا سبب كصلاة النافلة، هكذا، اشتقت للصلاة.
خلاصة تقسيم الصلاة في أوقات النهي إلى أربعة أقسام بحسب السبب
إذن، السبب واللا سبب أربعة:
- إذا كان السبب سابقًا: فلتصلِّ.
- إذا كان السبب مقارنًا: فلتصلِّ.
- إذا كان السبب لاحقًا: فلا تصلِّ في هذه الأوقات.
- إذا كان لا سبب: فلا تصلِّ في هذه الأوقات.
إذن يكون كلام سيدنا [الإمام الشافعي] هو النهي عن الصلاة التي سببها يكون لاحقًا أو لا سبب لها.
موقف ابن عباس من الأعرابي الذي صلى بلا سبب في وقت النهي
سيدنا [عبد الله] بن عباس وجد أعرابيًا يصلي في هذا الوقت [المنهي عنه]، فقال له: ماذا تفعل؟ قال له: ركعتين لله هكذا.
قال له سيدنا ابن عباس: والله لا أعرف إذا كان الله يعطيك ثوابًا أو عقابًا؛ لأنك خالفت ما هو وارد [عن النبي ﷺ].
قال الله عز وجل:
﴿عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ * تَصْلَىٰ نَارًا حَامِيَةً * تُسْقَىٰ مِنْ عَيْنٍ ءَانِيَةٍ﴾ [الغاشية: 3-5]
فالقضية ليست أنني صليت وصليتُ وصليتُ، بل هي قضية إخلاص، عبادة، والقضية توجّه وطاعة.
أهمية الإخلاص في العبادة وقصة إبليس الذي لم ينفعه عمله بلا إخلاص
فإبليس كان طاووس الملائكة، لكن لم ينفعه ذلك حين لم يكن هناك إخلاص:
﴿إِلَّآ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ [البقرة: 34]
فإذن لا تصلِّ في تلك الأوقات صلاةً سببها لاحق أو لا سبب لها، وصلِّ ما كان لها سبب سابق أو مقارن.
التحذير من النابتة الذين يُظهرون الشريعة متناقضة بسبب جهلهم
أما عن النابتة [أدعياء العلم] فهم على طول الطريق يتعثَّرون، فتجده يناقض نفسه بغير وعيٍ منه. لم يكن أئمتنا هكذا، بل كانوا يدرسون الأمر ويتعمَّقون فيه، وفي النهاية يُقدِّمون أحكامًا واضحة وعميقة ومباشرة.
فتظهر الشريعة أنه ليس فيها خلافٌ ولا تضادٌّ ولا تناقض، إنما كلام النابتة هؤلاء يُظهِر الشريعة كلها تتعارض مع بعضها، وهذا حرام.
فلا تتحدث بما لا تعرف ولا تتبع ما ليس لك به علم:
﴿إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولَـٰٓئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْـُٔولًا﴾ [الإسراء: 36]
دعاء ختامي واستماع لمديح نبوي من بلاد الشام
اللهم يا ربنا افتح علينا فتوح العارفين بك، وخذ بأيدينا واهدنا إلى أقوم الطريق.
معنا اليوم صوت من بلاد الشام، من دمشق، ولا من دمشق، من الشام نفسها. سنسمع هكذا بعض المديح، مديح يجلي القلوب.
توكل على الله، أحسنت.
القراءة الشاذة في قوله تعالى يزيد في الحلق ما يشاء وتفسير الغزالي لها
وجزاك الله خيرًا. وفي قراءة شاذة: «يزيد في الحَلْق ما يشاء»، يعني هي في [القراءة المشهورة] «الخَلْق»، لكن في قراءة [شاذة] قال: يزيد في الحَلْق ما يشاء.
وقال الإمام الغزالي: وذلك في حسن الصوت، فيزيد في الحَلْق ما يشاء.
جزاك الله خيرًا.
