المجلس الستون من شرح متن الغاية والتقريب | أ.د علي جمعة

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه قال المصنف رحمه الله تعالى ونفعنا الله بعلومه في الدارين آمين فصل "وكل ما جاز بيعه جاز رهنه في الديون" والرهن: هو عبارة عن وثيقة يستوفى منها الدين عند تعذر السداد لما يقول لك عَرِّف الرهن، تقول هكذا: الرهن وثيقة؛ ووثيقة (فعيلة) بمعنى مفعولة أي موثوقة،
أي شيء ربطناه وقيدناه فيُمنع بيعه لأنه وثيقة، والوثيقة لا تُباع. على سبيل المثال: بيت، وهذا البيت يجوز أن أبيعه، فيجوز أن أجعله رهناً أمام دَين، جعلته رهناً فلا يجوز لي التصرف فيه حتى أسدد ما عليَّ من الدين وتصبح هذه العين تسمى عيناً محملة، محملة بماذا؟ محملة بالدين، محملة بالدين الذي أصبح هذا البيت وثيقة لسداده.
وهذه الوثيقة ربطناها لماذا ومنعناها لماذا؟ حتى نستوفي من ثمنها الدين عند تعذر السداد، فهي لم تدخل في ملك ولا حيازة حتى معطي الرهن. أنا راهن، رهنت بيتي وهو مرتهن، هو أعطاني مالاً. أعطيته ورقة وثيقة، هذه الوثيقة مكتوبة هكذا أنني جعلت البيت وثيقة للسداد عند تعذر السداد، ولذلك لا يجوز أن يأخذ أجر البيت. البيت الذي أملكه يأتي بإيجار
كل شهر، يدخل له ألف أو ألفان، فقال لي: حسناً، هذا الألف أو الألفان لي حتى تسدد الدين. قالوا: هذا ربا، أعطانا ديناً وأخذ في مقابل الدين منفعة تتمثل في إيراد وإيجار البيت الذي وضع يده عليه، فتكون إذن وثيقة، أي موثوقة، هنا معناها مفعول، أي اسم مفعول، لأن (فعيل) تصلح للفاعل والمفعول إما باستقلال وإما بمعنى؛ قتيل يعني مقتول، وجريح يعني مجروح، لكن حبيب يعني محب ومحبوب، فيصلح أن يكون
"هو الحبيب الذي تُرجَى شفاعتُه" يعني أنه يُحِبُّ وهو محبوبٌ من الخلقِ ومن الخالق. إذن هي مجرد وثيقة ولا تنتقل ملكيتها إلى المرتهِن وتظل غير متصرفٍ فيها حتى سداد الدين. حسناً، لنفترض أنني في الطريق قمت ببيعها وأخفيت على المشتري الجديد أنها محمَّلة، ولم أخبره بحكاية الدين هذه، فأكون خائناً، حسناً.
والبيع لا يتم، ولذلك لو كنا نشتري فلابد أن نتأكد أنها غير محملة، وأول سؤال: هل عليها ديون؟ هل هي محملة؟ إن لم تسأل فأنت غير حكيم في الشراء والبيع، وليس لك في الشراء والبيع حكمة، فلابد للمرء حين يشتري بيتاً أو عقاراً أن يقول له: هل هذا محمل أم خالٍ؟ فلو قال له مُحَمَّل، فيجيب: حسناً، لكنه لا ينفع، أو إذا اشتراه يشتريه بحمله، قال: حسناً، لا بأس، سأشتريه ويكون عليَّ الدين، كم هو الدين؟ قلت له: مليون. قال لي: وهذا البيت بعشرة ملايين، خذ تسعة وأنا سأسدد عنك
المليون عندما يطلب الرجل أو يأتي موعد السداد. نعم، يجوز ذلك. كل المشكلة في ماذا؟ في ضمان السداد عند تعذر سداد الدين. إذا استقر ثبوتها في الذمة"، هل هذه الديون مقدرة أم ديون محققة؟ فقال: لا، يجب أن تكون ديوناً محققة لكي أعمل ضدها وثيقة، وليس أنه إن شاء الله سيكون بيني وبينك دين بعد غدٍ ونعمل له وثيقة من الآن، يجب أن يستقر الدين في الذمة أولاً، عندما جاءت البنوك وقعنا في مشكلة
بسبب هذه العبارة؛ ذهب رجل إلى البنك وقال للبنك: "يا بنك، أنا أريد مليون جنيه". فقال له: "حسناً، أنت بكامل هيئتك هكذا لا تدخل في ذمتي بثلاثة صاغ، فنحتاج وثيقة يُستوفى منها السداد عند تعذر الدين". قال الرجل: "والله، إنني سمعت هذه الكلمة من الشيخ علي في الدرس، أتقصد رهنًا أم ماذا؟" قال البنك: "نعم، نريد رهنًا" قال الرجل: "حسنًا". أخذ الرهن، وجاء الرجل في الموعد، وقد ملأه الشعور بالامتنان للبنك أنه أعطاه هذا التمويل، وسدده في موعده. هكذا انتهت
الوثيقة. بعد شهرين أو ثلاثة ذهب إلى البنك مرة أخرى وقال له: "أنا أريد مليوني جنيه، والبيت ها هو قيمته عشرة ملايين، أريد مليوني جنيه لأسير بهم أموري" نظر إليه موظف البنك من أعلى إلى أسفل وقال له: "والله أنت لا تساوي عندي ثلاثة صاغ، أريد وثيقة". قال البنك: "الوثيقة ها هي"، فعملوا مرة ثانية الرهن وتكلفوا مصاريف مرة ثانية، لأن الرهن يتطلب تسجيلاً وإجراءات وأموراً مماثلة، وسدَّدَ الرجل الاثنين مليون في موعدهم المحدد.
بعد شهرين أو ثلاثة، ذهب الرجل إلى البنك وقال له: "أريد ثلاثة ملايين". فهو تاجر ويأخذ من البنك ويكسب والحمد لله، الأمور تسير بشكل جيد. قال البنك له: "أنت لا تُدخِل في ذمتي حتى بقيمة ثلاثة صاغ أو خمسة صاغ، هذه المرة لا بأس" أين وثيقتك؟ قال الرجل: ها هي. فعادوا مجدداً إلى المصاريف. وبعد ذلك قال الرجل: أنا أصبحت عميلاً للبنك ورجلاً طيباً وأسدد في المواعيد المحددة، فلتجعل الرهن مستمراً! دعنا لا نفكه ونعيده ونفكه ونعيده، فهناك مصاريف هنا ومصاريف هناك وما إلى
آخره، فلندعه مستمراً. ذهبوا إلى الشيخ، فقال لهم الشيخ: لا يوجد شيء اسمه رهن مستمر، وأحضر لهم هذا الجزء الخاص بسيدنا الشيخ: "إذا استقر ثبوت الدين في الذمة"، لما انفك الدين، عندما سددت الثلاثة ملايين، انتهى الدين، فلم يعد هناك دين بيني وبينك، فعلام يكون الرهن إذن؟ لا يوجد شيء، ذهبت أريد أربعة ملايين، فقال لي: "وثيقة"، فقلت له: "إنها عندك"، ويقول لي: "عندي". مقابل ماذا؟ مقابل دَين ما زال سيُنشأ والذي هو أربعة ملايين، وأنا قمت بهذا الإجراء من أجل توفير المصاريف وتوفير الوقت وتوفير الجهد وتوفير الأوراق، فقالوا لنا: يا جماعة
المشايخ هل هذا يرضي ربنا؟ يعني الشريعة تقول لي أنفقوا أموالكم في ما لا طائل وراءه، نحن نريد فكرة جيدة هكذا للوقف المستمر، بمعنى أن تكون وثيقة ومستمرة، قلت له: أفعل هكذا يا أخي في الإجراءات، فلا تكون وثيقة شرعية. هذه مجرد أوراق وملفات موجودة لكنها ليست وثيقة شرعية. والوثيقة الشرعية تتحقق متى؟ عند ثبوت الدين في الذمة، فيتحول الرهن الذي يمكن أن نسميه حينها رهنًا شكليًا وليس رهنًا حقيقيًا، عند ثبوت الدين يصير إلى رهن حقيقي، ونوفر الجهد والنفقات
والأوراق وكل هذه الأمور، فإذن يمكن اختراع شيء ولكنه ليس رهناً شرعياً، وليس هو (الرهن) الخاص بسيدنا الشيخ أبي شجاع هنا، وليس هو الذي نقرأه، بل هو عبارة عن إجراءات جديدة نقوم بها من أجل توفير الوقت وتوفير الجهد ونفع الطرفين، فنحن سننفع الطرفين هكذا، والبنك رابح، وأنا رابح، ولا يوجد أحد متضرر، فأقر العلماء هذا وأجازوه، إذن الرهن يمكن أن يكون مستداماً لكنه في الشكل فقط وليس حقيقة الوقف الذي هو لا يثبت
إلا بثبوت الدين في الذمة. إذن هذا يحتاج منا ماذا؟ عقولنا تعمل لتنشئ شكلاً جديداً لا يخالف ولا يتعارض مع الشريعة ويحكم عليها وفي نفس الوقت يحقق مقاصد الشرع الشريف ومقاصد الخلق في تعاملاتها. "وللراهن الرجوع فيه ما لم يقبضه"، اتفقنا ووقعنَا الأوراق، وبعدها تلقيت اتصَالاً هاتفيًّا يخْبرونني فيه بوفاة عمي الْمغترب في الْبرازيل وأنت ورثت عشرين مليون
جنيه مصري من عمك الذي في البرازيل، النابتة الآن تقول ماذا؟ تقول لك الله، وما الذي أخذ عمك إلى البرازيل؟ نحن ليس لنا علاقة بهذا الكلام، نحن لنا علاقة بأن هناك أموالاً قد جاءت، ما الغرض من سرد هذه هذه الحكاية؟ قد جاءت الأموال فجأة، لقد وقّعت مع البنك بالأمس والحمد لله واتمت الأمر، البنك لم يعطني الأربعة ملايين التي أطلبها. عمي مات وليس له وريث سواي، "وابن أخي المُدلي إليه بالأب، فافهم مقالاً ليس بالمكذب"؛ أنا ابن أخيه، وابن أخيه الوحيد، وهو ترك ثروة أخذتها كلها تعصيباً، كم؟
، بضعة ملاليم، عشرون مليوناً؛ إن عشرين مليوناً بالنسبة إلى سعر صرف الدولار وهو بقيمة خمسين جنية مصري حالياً، يعني أربعمائة ألف دولار، أي ليست ثروة كبيرة. فقلت: حسناً، لماذا سأذهب لآخذ أربعة ملايين وأستدينها وأستثمرها وأعمل؟ الحمد لله، لقد جاءت الأموال، فذهبت إلى البنك صباحاً. يا جماعة، أنا تراجعت في طلبي. لا أريد الأربعة ملايين، انتهى الأمر. نريد إلغاءها. قالوا: لماذا؟ هل هو لعب أطفال أم ماذا؟ قلت لهم: نعم، إنه لعب أطفال. قال: أريد إلغاءها، ألا تعرفون أحكام الرهن؟ فتحنا كتاب سيدنا أبي شجاع، فوجدناه يقول هذه العبارة، ها أنا أحضرتها له: "وللراهن
الرجوع فيه ما لم يقبضه"، قلتُ لهم: هل أنتم أدخلتموها في حسابي؟ قالوا لي: لا. قلتُ لهم: حسنًا، يجوز الرجوع في الرهن. فيكون معنى العبارة هكذا: ما الذي يجعلني أرجع في الرهن؟ أنه لم يعد هناك احتياج إلى المال، فيكون الكلام واضحًا. "ولا يضمنه المرتهن إلا بالتعدي"؛ العين المرهونة، وهي البيت، المرتهن ليس مسؤولاً عنه، نحن أجّرناه لشخص غريب ويدفع إيجاره كل شهر، وتأتيني الأموال، بصفتي صاحب البيت جاء المستأجر وقال لي:
"تضررت السباكة"، قلت له كيف تضررت؟ قال لي: "غرقت المنطقة". فأرسلت له الشاب السباك، والشاب السباك قال لي: "هذه تكلفتها عالية، لابد من إزالة السيراميك وإزالة هذا الشيء، هناك تلف جسيم في الأسفل، مخربة تماما. من الذي سيدفع التكلفة؟ التي وصلت إلى ثمانين أو تسعين ألف جنيه؟ من الذي سيدفعها؟ صاحب الملك أم المستأجر؟ يد المستأجر على العين المؤجرة يد أمانة. ماذا تعني يد أمانة؟
تعني أنه عندما يحدث فيها خراب، يكون هذا الخراب من مسؤولية المالك أن يصلحه لأنه ملكه. ما شأني أنا؟ أنا مستأجر أريد أن أستأجر شيء جيد وتبقى الإجارة، فصاحب الملك هو الذي عليه إصلاح العين المؤجرة. وبعد ذلك أقول للسباك: "يا سباك، ما سبب هذا العطل؟ يعني كانت السباكة جيدة. قال لى: المستأجر هذا هو الذي تعدى وثقب الماسورة، لا أعرف ماذا كان يريد أن يفعل؟ ثُقبت منه الماسورة." فهذا نسميه ماذا؟ التعدي أو يسكبون أو بيغرقوا الأرض بالمياه بدون أن أن يمسحوها وعندهم
طفل مشاكس في سن التسع سنوات لا يترك شيئاً إِلا ويريد فكه، يفكه من هنا ولا يعرف كيف يعيد تركيبه من هنا، إذن هناك تقصير لأنه لم يستطع أن يحمي الشيء من الطفل الصغير أو تعدٍ لأنه تعدى على الشيء حتى أفسده، هل (يضمن أيضاً صاحب الملك؟ قال: لا، إذا يضمن بشرط عدم التقصير والتعدي)، وهذه هي القاعدة الكاملة. هكذا يضمن، فيد الأمانة لا تضمن الشيء عند فساده إلا بالتقصير والتعدي. جاء المرتهن الذي أخذ
وثائق البيت، وحدثت هذه المشكلة في السباكة، فهل هو الذي يدفع أم أنا؟ لا، أنا الذي أدفع إلا إذا كان البنك أرسل شخصاً قال: والله نحن لدينا خبر أن ضغط المياه ليس جيداً، والشخص الموكل من البنك غير خبير، فقام بعمل ضغط مياه مرتفع فانفجرت المواسير، فمن الذي سيدفع؟ في البنك؟ لأنه تعدى. ماذا تقصد من البنك؟ المرتهن، المرتهن الذي أعطى النقود وأدخل نفسه فيما لا يعنيه، ما شأنه بذلك؟ هذا ليس شأنه هذا شأن صاحب الملك، فلما
أدخل نفسه فيما لا يعنيه تعدياً أو تقصيراً، فإنه يضمن حينئذٍ، لأن الضمان إنما يترتب بالتعدي أو التقصير دائماً. "وإذا قُبِضَ بعض الحق لم يخرج شيء من الرهن حتى يُقضى جميعه". لقد أخذتُ أنا الأربعة ملايين، وسددتُ منهم اثنين، وحاولتُ أن أبيع البيت، فَعلِم البنك بالأمر وأرسل لي قائلاً: تذكر أنت لم تنهِ الدين بعد"، فقلت له: "أنهيت مليونين منه"، فقال لي: "وما شأني؟ هذا سيظل وثيقة إلى أن يتبقى عليك جنيه واحد، سيظل وثيقة أيضاً، سيظل مربوطاً إلى حين
سداد آخر مليم، كما يقولون من الرهن". إذاً عرفنا جميعاً الآن ببساطة هكذا وسهولة قصة الرهن وبعض الصور الحديثة في هذا الشأن. هل تريد أن تُربك؟ ماذا تقول؟ حسناً، مدد هذه ليست إرباكاً، نحن نريدك أن تُربك. إذاً هذا فصل الرهن، وبعد ذلك دخل في الحجر، والحجر على ستة، وموعدنا الأسبوع القادم في الحجر على ستة، وصلى اللهم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم