المحي المميت | من أسماء الله الحسنى | أ.د علي جمعة
- •المحيي المميت من أسماء الله الحسنى المزدوجة التي تدل على كماله سبحانه وتعالى.
- •لا يجوز أن ندعو الله باسم الضار منفرداً لأنه أرحم في ضرره، فالمحن التي ينزلها بنا تحمل منحاً للعبرة والرجوع إلى طاعة الله.
- •الكوارث التي تقع في العالم رغم قسوتها تحمل الحكمة الإلهية، فالله يخرج الحي من الميت والميت من الحي لاستمرار الحياة.
- •رحمة الله سبقت غضبه، فبدأنا بـ "بسم الله الرحمن الرحيم" ولم يقل "المنتقم الجبار" مع أنه يجوز.
- •الموت رغم مصيبته فيه حكمة وتوازن للحياة، فلو لم يقدر الله الموت لتعطلت الحياة وصعبت رعاية الأجيال السابقة.
- •الحياة أيضاً تحمل التشريف والتكليف، فمن رزق بولد فعليه تربيته من اختيار اسمه الحسن إلى رعايته ليكون صالحاً.
- •في المحيي المميت نعيش الجمال والجلال والكمال والتخلق والصبر ومواجهة شدائد الدهر بجمال.
مقدمة في أسماء الله الحسنى المزدوجة ومعنى إحصائها
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع اسم من أسماء الله الحسنى تدلنا عليه سبحانه وتعالى،
﴿وَلِلَّهِ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: 180]
مع اسم من الأسماء المزدوجة التي وردت في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه:
قال رسول الله ﷺ: «إن لله تسعة وتسعين اسمًا، مائة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة»
ومن أحصاها يعني من تخلَّق بجمالها وتعلَّق بجلالها، فكملت له الدائرة دخل بذلك الجنة؛ لأن من عرف ربه فقد عرف نفسه، ومن عرف نفسه فقد عرف ربه.
الأسماء المزدوجة تدل على كمال الله تعالى المطلق
المحيي المميت وبهما الكمال. كل الأسماء المزدوجة تدل على كماله سبحانه وتعالى:
- •الأول الآخر
- •الظاهر الباطن
- •المحيي المميت
- •المعز المذل
- •النافع الضار
هذه أسماء مزدوجة بمعنى أن له الكمال. لا يجوز أن نقول: يا ضار يا ضار يا ضار؛ لأنه أرحم في ضرِّه منك، وإذا ما أنزل بك محنة ففيها منحة.
المصائب والكوارث عبرة للرجوع إلى الله تعالى
لأن المصائب التي تحدث حولنا، فيحيي هذا ويميت هذا، إنما هي للعبرة والعظة والرجوع بنا جميعًا إلى حظيرة القدس وإلى أمر الله ونهيه وإلى طاعة الله.
تحدث كوارث حولنا، هذه الكارثة في جنوب شرق آسيا حصدت وأخذت، وكذا محنة لكن فيها منحة. فيها موتى لكن ينطلق من بعدها ومنها حياة.
فهو [الله سبحانه وتعالى] الذي يميت لكن هو الذي يحيي أيضًا،
﴿يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَىِّ﴾ [الروم: 19]
حتى تستمر الحياة.
الله ليس مُعاديًا للإنسان بل رحمته سبقت غضبه
فهو سبحانه وتعالى ليس ذلك الغاضب وليس هذا المعادي المصادم لحبيبه الإنسان، فالإنسان صنعته وهو يحبه. ولذلك واجهنا بـ «بسم الله الرحمن الرحيم» أي يُطمئن قلوبنا.
«بسم الله الرحمن المنتقم» كان يجوز، «بسم الله المنتقم الجبار» يجوز، لكنه لم يفعل وقال: «بسم الله الرحمن الرحيم»، أي الذي سيخاطبكم قد سبقت رحمته غضبه، وقد سبقت حكمته إرادته.
ولذلك إذا أراد بنا سوءًا فنزلت بنا محنة يجعل فيها منحة، ونزلت بنا شدة يجعل فيها فرجًا،
﴿فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 5-6]
حكمة الموت في استمرار الحياة وعدم ضيق الأرض بأهلها
الموت مصيبة ولكن فيه حياة. تخيَّل لو أن الأرض جميعًا لم يُقدِّر الله لها الموت، ما كانت تسعنا.
تخيَّل أن قد فُرض عليك احترام الكبير وتوقيره ورعايته والعناية به، ماذا كنت ستفعل في جدِّ جدِّ جدِّ جدِّك؟ كان واجبًا عليك أن تقوم به.
إذن تبطل الحياة؛ لأنه كلما شاخ الإنسان كلما احتاج إلى مُعين وإلى من يقوم به. فإذا كنت -يعني- كلَّفك الله ببرِّ الوالدين، فما شأن برِّ الجدِّ وجدِّ الجدِّ؟ هو أولى. كيف تقوم به؟ ثم إنك قد شِخْتَ تحتاج إلى غيرك، فكيف تقوم برعاية من فوقك؟
بكاء النبي ﷺ على ابنه إبراهيم وأدب المسلم عند الموت
إذا الموت وإن كان مصيبة وفيه فراق، ولمَّا مات إبراهيم ابن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم،
﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: 40]
لأنه لو كان [له ولد بالغ] لكان نبيًّا، ونبيُّنا صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين والمرسلين.
بكى وقال:
«وإنَّا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون»
بكى صلى الله عليه وسلم [وقال]:
«إن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، ولا نقول ما يُغضب الرب»
إذن لا نقول ما يُغضب الله سبحانه وتعالى حين الموت.
الحياة تشريف وتكليف ومسؤولية تربية الأبناء
وكذلك الحياة فهو المحيي، يجب أن نتخذها ونرى ما فيها من تشريف ومن تكليف.
فإذا رزق الله أحدنا بالابن فلا بدَّ عليه وهو فرحٌ به ومسرور بقدومه أن يلتفت إلى ما فيه من تكليف. شرَّفك الله بالولد ولكن كلَّفك بتربيته، ابتداءً من اختيار اسمه؛ لا بدَّ أن تختار له الاسم الحسن، وانتهاءً برعايته والعناية به إلى أن يكون إنسانًا صالحًا محبًّا للخير فاعلًا له.
ما نعيشه مع اسم المحيي المميت من جمال وجلال وصبر
أهذا كل ما نعيشه في المحيي المميت؟ الذي نعيش فيه الجمال، نعيش فيه الجلال، نعيش فيه الكمال، نعيش فيه التخلُّق، نعيش فيه الصبر، نعيش فيه الاستمرار في الحياة، نعيش فيه مواجهة ما في الدهر من شدائد بصبرٍ وحلاوةٍ وجمال.
نرجو الله سبحانه وتعالى أن يُقيمنا حيث ما يرضى. إلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
